الشرق الأوسط: أمن الإمدادات النفطية أم الاستقرار السياسي؟

::cck::2657::/cck::
::introtext::

يضاف إلى ذلك أن الصناعات النفطية تبدو أكثر عرضة للخطر، سواء على الأرض أو في البحر، مقارنة بصناعات أخرى. وقد اتضحت الآن الأسباب التي جعلت العالم يبدي هذا الاهتمام الكبير بقضية ذات أهمية كبرى، 

::/introtext::
::fulltext::

بينما تظل كثير من حالات عدم الاستقرار والصراعات في الشرق الأوسط محدودة في حجمها ونطاقها، فإن أي أزمة داخلية أو إقليمية تؤثر في أمن إمدادات النفط الصادرة عن هذه المنطقة إلى الأسواق العالمية تعامَل على الفور بوصفها تهديداً للسلم الدولي. إذ إن العالم، وخاصة العالم الغربي، يهتم أكثر بالاضطرابات التي تقع في هذه المنطقة إذا ارتبطت بتهديد محتمل أو فعلي ينجم عنه أي انقطاع للإمدادات النفطية، وينبع هذا السلوك من قناعة ضمنية بأن نفط الشرق الأوسط مطروح من أجل (التقاسم) بين المنتجين والمستهلكين، لا سيما أنه ذو أهمية حيوية واستراتيجية لاقتصادات الدول المستهلكة.لكن، بينما نجد أن البترول يضفي على منطقة الشرق الأوسط ثقلها الجيو- سياسي والاستراتيجي، فإنه أيضاً يعد نقطة الضعف الخطيرة بالنسبة للمنطقة ذاتها. فأي نزاع أو صراع فيها يمكن أن يصل إلى مرحلة الاندلاع أولاً بتوجيه ضربة للصناعة النفطية التي تظل تمثل المرتكز لعدد من دول هذه المنطقة. يضاف إلى ذلك أن الصناعات النفطية تبدو أكثر عرضة للخطر، سواء على الأرض أو في البحر، مقارنة بصناعات أخرى. وقد اتضحت الآن الأسباب التي جعلت العالم يبدي هذا الاهتمام الكبير بقضية ذات أهمية كبرى، وهي أمن الإمدادات النفطية من منطقة الشرق الأوسط.ويرى بعض المحللين الغربيين أن أمن الإمدادات النفطية من منطقة الشرق الأوسط أضحى له معنى مختزل لا صلة له بسياقه السياسي؛ وهم يرون أن الحروب الثلاث التي كان العراق طرفاً فيها (في الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن العشرين ثم في عام 2003) أظهرت أن منشآت إنتاج النفط وتصديره أقل عرضة للخطر كثيراً مما يفترض دائماً. وطبقاً لهؤلاء، فإن تجربة هذه الصراعات تشير إلى أن نقل النفط عبر خطوط الأنابيب الممتدة فوق سطح الأرض قابل للهجوم بسهولة أكبر من المنافذ البحرية للتصدير والنقل عبر البحر. ومن ثم، وبسبب تنوع وسائل نظم نقل النفط، وفي ظل إضافة عدد محدود من خطوط الأنابيب، فإننا قد نصل إلى مرحلة تكون فيها صادرات النفط من منطقة الشرق الأوسط قد أضحت (آمنة جداً) من المهددات المختلفة.وفي الواقع، يبدو أن هناك عدداً محدوداً من خطوط الأنابيب التي تم إغلاقها نتيجة لصراعات عسكرية. كما أن خطوط الأنابيب الممتدة فوق سطح الأرض داخل منطقة الشرق الأوسط ومحطات الضخ تعرضت على نحو متقطع فقط لهجمات إرهابية مباشرة أو لضربات جوية، وتعرضت أيضاً خطوط أنابيب النفط السعودية والعراقية الممتدة إلى البحر الأبيض المتوسط لانقطاع مؤقت في بعض الأحيان بسبب أعمال إرهابية وهجمات جوية، بينما تعرضت بعض الأجزاء ومحطات ضخ في شبكة التصدير العراقية لأضرار نتيجة الصراع العسكري الذي وقع عقب احتلال الكويت.غير أن هذا التحليل لا يأخذ في الحسبان الأسباب الرئيسية التي تقف وراء إغلاق كثير من خطوط أنابيب التصدير في منطقة الشرق الأوسط. وتنحصر هذه الأسباب في الصراعات السياسية التي تقع داخل الدولة المنتجة للنفط أو الدول التي ينقَل النفط عبر أراضيها، بالإضافة إلى الصراعات بين الدول. وفي ضوء ذلك، فإن أغلب خطوط الأنابيب التي تعبر حدود الدول تعرضت للمخاطر الناجمة عن النـزاعات والصراعات بين الدول. ويمكن الإشارة إلى خط الأنابيب الذي ينقل النفط من العراق إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط لشرح هذه النقطة. فقد تم إغلاق خط الأنابيب هذا، الذي تم تمديده قبل الحرب العالمية الثانية إلى مدينة حيفا (التي كانت تقع في فلسطين في ذاك الوقت)، حيث تم إغلاقه بصورة دائمة في عام 1948 نتيجة لاندلاع أول صراع بين العرب وإسرائيل، بينما تعرضت الخطوط التي تم تمديدها إلى ميناء طرابلس اللبناني وبانياس في سوريا إلى عقبات متكررة نتيجة العداء المستحكم بين نظامي البعث في سوريا والعراق. وفي تسعينات القرن العشرين، وتحديداً في إطار التداعيات السياسية للصراع الذي اندلع بسبب احتلال الكويت، وخلال الفترة الممتدة حتى عام 2004، تم إغلاق خطوط الأنابيب العراقية التي تمر عبر أراضي تركيا، كما تم إغلاق خطوط أنابيب نقل النفط التي تمر عبر أراضي المملكة العربية السعودية.وإجمالاً، يمكن القول إن العقود الطويلة من الزمن التي شهدت إنشاء كثير من خطوط أنابيب نقل النفط وموانئ تصديره أدت إلى تنويع مسارات تصدير النفط والغاز من منطقة الشرق الأوسط، وساعدت بذلك على تقليص إمكانية تعرضها للمخاطر إلى حد كبير. وسيتعزز هذا الوضع بتنفيذ بعض خطوط الأنابيب وموانئ التصدير المخطط لها. غير أن أخطار الانقطاع الناجم عن ظروف سياسية في الدول المنتجة أو دول العبور والصراعات بين الدول و/ أو الأعمال العسكرية العدائية اللاحقة، والتي تؤججها عناصر عدم الاستقرار الكثيرة في المنطقة لا تزال موجودة بقوة، وخاصة في الوقت الذي يشهد تطوير الصواريخ ذات المدى الطويل، وسعي عدد من دول المنطقة إلى الحصول عليها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى حدوث اهتزاز في التوازن العسكري، ويقود إلى إعادة النظر في البعد العالمي لأمن الإمدادات النفطية.وعلى الرغم من ذلك، فإنه بالنظر إلى أن الدول المنتجة في منطقة الشرق الأوسط تعيش على ريع مواردها النفطية، فلا غنى لها عن تصديرها، وباعتبار أن رسوم العبور تمثل حصة مهمة في الدخل الذي تجنيه الدول التي يمر النفط المنقول عبر أراضيها، بالنظر إلى هذه الحقائق فإن مخاطر حدوث انقطاع دائم أو مستمر للإمدادات البترولية من المنطقة لا تزال تبدو طفيفة. وهذا ما نسميه اصطلاحاً (عامل الاستقرار الناجم عن الاعتماد المتبادل)، غير أن احتمالات حدوث خلل أو اضطراب أو انقطاع لإمدادات النفط لفترة قصيرة (ربما لأسابيع، أو شهور أو حتى بضع سنوات)، بسبب فقدان الحكومات في المنطقة السيطرة على الأوضاع بسبب الضغوط الداخلية في المنطقة، هذه الاحتمالات لا تزال كبيرة. إن حالات حظر تصدير النفط، عقب حربي عامي 1967 و1973 بين العرب وإسرائيل، والعقوبات الدولية ضد العراق خلال الفترة بين عامي 1990 و2003، أثبتت صحة هذا الطرح.ويقودنا هذا إلى محاولة الإجابة عن السؤال الذي طرحناه ضمن عنوان هذا المقال، وذلك بأن نؤكد أنه لا يوجد أمن للإمدادات النفطية من منطقة الشرق الأوسط من دون حدوث استقرار سياسي حقيقي في المنطقة. ولسوء الطالع، فإن تاريخ هذه المنطقة المليء بالاضطرابات لا يبشر بتحقيق استقرار دائم، فإذا لم تحدث مشكلة في بلد من البلدان المنتجة، تندلع المشكلة في دولة أخرى لها صلة بالإمدادات النفطية، وهذا يدفعنا إلى أن نختم بالقول إن أحد أكبر المخاطر التي تواجه استقرار سوق النفط في السنوات المقبلة يتمثل بإمكان اندلاع المزيد من النـزاعات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2657::/cck::
::introtext::

يضاف إلى ذلك أن الصناعات النفطية تبدو أكثر عرضة للخطر، سواء على الأرض أو في البحر، مقارنة بصناعات أخرى. وقد اتضحت الآن الأسباب التي جعلت العالم يبدي هذا الاهتمام الكبير بقضية ذات أهمية كبرى، 

::/introtext::
::fulltext::

بينما تظل كثير من حالات عدم الاستقرار والصراعات في الشرق الأوسط محدودة في حجمها ونطاقها، فإن أي أزمة داخلية أو إقليمية تؤثر في أمن إمدادات النفط الصادرة عن هذه المنطقة إلى الأسواق العالمية تعامَل على الفور بوصفها تهديداً للسلم الدولي. إذ إن العالم، وخاصة العالم الغربي، يهتم أكثر بالاضطرابات التي تقع في هذه المنطقة إذا ارتبطت بتهديد محتمل أو فعلي ينجم عنه أي انقطاع للإمدادات النفطية، وينبع هذا السلوك من قناعة ضمنية بأن نفط الشرق الأوسط مطروح من أجل (التقاسم) بين المنتجين والمستهلكين، لا سيما أنه ذو أهمية حيوية واستراتيجية لاقتصادات الدول المستهلكة.لكن، بينما نجد أن البترول يضفي على منطقة الشرق الأوسط ثقلها الجيو- سياسي والاستراتيجي، فإنه أيضاً يعد نقطة الضعف الخطيرة بالنسبة للمنطقة ذاتها. فأي نزاع أو صراع فيها يمكن أن يصل إلى مرحلة الاندلاع أولاً بتوجيه ضربة للصناعة النفطية التي تظل تمثل المرتكز لعدد من دول هذه المنطقة. يضاف إلى ذلك أن الصناعات النفطية تبدو أكثر عرضة للخطر، سواء على الأرض أو في البحر، مقارنة بصناعات أخرى. وقد اتضحت الآن الأسباب التي جعلت العالم يبدي هذا الاهتمام الكبير بقضية ذات أهمية كبرى، وهي أمن الإمدادات النفطية من منطقة الشرق الأوسط.ويرى بعض المحللين الغربيين أن أمن الإمدادات النفطية من منطقة الشرق الأوسط أضحى له معنى مختزل لا صلة له بسياقه السياسي؛ وهم يرون أن الحروب الثلاث التي كان العراق طرفاً فيها (في الثمانينات ومطلع التسعينات من القرن العشرين ثم في عام 2003) أظهرت أن منشآت إنتاج النفط وتصديره أقل عرضة للخطر كثيراً مما يفترض دائماً. وطبقاً لهؤلاء، فإن تجربة هذه الصراعات تشير إلى أن نقل النفط عبر خطوط الأنابيب الممتدة فوق سطح الأرض قابل للهجوم بسهولة أكبر من المنافذ البحرية للتصدير والنقل عبر البحر. ومن ثم، وبسبب تنوع وسائل نظم نقل النفط، وفي ظل إضافة عدد محدود من خطوط الأنابيب، فإننا قد نصل إلى مرحلة تكون فيها صادرات النفط من منطقة الشرق الأوسط قد أضحت (آمنة جداً) من المهددات المختلفة.وفي الواقع، يبدو أن هناك عدداً محدوداً من خطوط الأنابيب التي تم إغلاقها نتيجة لصراعات عسكرية. كما أن خطوط الأنابيب الممتدة فوق سطح الأرض داخل منطقة الشرق الأوسط ومحطات الضخ تعرضت على نحو متقطع فقط لهجمات إرهابية مباشرة أو لضربات جوية، وتعرضت أيضاً خطوط أنابيب النفط السعودية والعراقية الممتدة إلى البحر الأبيض المتوسط لانقطاع مؤقت في بعض الأحيان بسبب أعمال إرهابية وهجمات جوية، بينما تعرضت بعض الأجزاء ومحطات ضخ في شبكة التصدير العراقية لأضرار نتيجة الصراع العسكري الذي وقع عقب احتلال الكويت.غير أن هذا التحليل لا يأخذ في الحسبان الأسباب الرئيسية التي تقف وراء إغلاق كثير من خطوط أنابيب التصدير في منطقة الشرق الأوسط. وتنحصر هذه الأسباب في الصراعات السياسية التي تقع داخل الدولة المنتجة للنفط أو الدول التي ينقَل النفط عبر أراضيها، بالإضافة إلى الصراعات بين الدول. وفي ضوء ذلك، فإن أغلب خطوط الأنابيب التي تعبر حدود الدول تعرضت للمخاطر الناجمة عن النـزاعات والصراعات بين الدول. ويمكن الإشارة إلى خط الأنابيب الذي ينقل النفط من العراق إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط لشرح هذه النقطة. فقد تم إغلاق خط الأنابيب هذا، الذي تم تمديده قبل الحرب العالمية الثانية إلى مدينة حيفا (التي كانت تقع في فلسطين في ذاك الوقت)، حيث تم إغلاقه بصورة دائمة في عام 1948 نتيجة لاندلاع أول صراع بين العرب وإسرائيل، بينما تعرضت الخطوط التي تم تمديدها إلى ميناء طرابلس اللبناني وبانياس في سوريا إلى عقبات متكررة نتيجة العداء المستحكم بين نظامي البعث في سوريا والعراق. وفي تسعينات القرن العشرين، وتحديداً في إطار التداعيات السياسية للصراع الذي اندلع بسبب احتلال الكويت، وخلال الفترة الممتدة حتى عام 2004، تم إغلاق خطوط الأنابيب العراقية التي تمر عبر أراضي تركيا، كما تم إغلاق خطوط أنابيب نقل النفط التي تمر عبر أراضي المملكة العربية السعودية.وإجمالاً، يمكن القول إن العقود الطويلة من الزمن التي شهدت إنشاء كثير من خطوط أنابيب نقل النفط وموانئ تصديره أدت إلى تنويع مسارات تصدير النفط والغاز من منطقة الشرق الأوسط، وساعدت بذلك على تقليص إمكانية تعرضها للمخاطر إلى حد كبير. وسيتعزز هذا الوضع بتنفيذ بعض خطوط الأنابيب وموانئ التصدير المخطط لها. غير أن أخطار الانقطاع الناجم عن ظروف سياسية في الدول المنتجة أو دول العبور والصراعات بين الدول و/ أو الأعمال العسكرية العدائية اللاحقة، والتي تؤججها عناصر عدم الاستقرار الكثيرة في المنطقة لا تزال موجودة بقوة، وخاصة في الوقت الذي يشهد تطوير الصواريخ ذات المدى الطويل، وسعي عدد من دول المنطقة إلى الحصول عليها، وهو الأمر الذي يؤدي إلى حدوث اهتزاز في التوازن العسكري، ويقود إلى إعادة النظر في البعد العالمي لأمن الإمدادات النفطية.وعلى الرغم من ذلك، فإنه بالنظر إلى أن الدول المنتجة في منطقة الشرق الأوسط تعيش على ريع مواردها النفطية، فلا غنى لها عن تصديرها، وباعتبار أن رسوم العبور تمثل حصة مهمة في الدخل الذي تجنيه الدول التي يمر النفط المنقول عبر أراضيها، بالنظر إلى هذه الحقائق فإن مخاطر حدوث انقطاع دائم أو مستمر للإمدادات البترولية من المنطقة لا تزال تبدو طفيفة. وهذا ما نسميه اصطلاحاً (عامل الاستقرار الناجم عن الاعتماد المتبادل)، غير أن احتمالات حدوث خلل أو اضطراب أو انقطاع لإمدادات النفط لفترة قصيرة (ربما لأسابيع، أو شهور أو حتى بضع سنوات)، بسبب فقدان الحكومات في المنطقة السيطرة على الأوضاع بسبب الضغوط الداخلية في المنطقة، هذه الاحتمالات لا تزال كبيرة. إن حالات حظر تصدير النفط، عقب حربي عامي 1967 و1973 بين العرب وإسرائيل، والعقوبات الدولية ضد العراق خلال الفترة بين عامي 1990 و2003، أثبتت صحة هذا الطرح.ويقودنا هذا إلى محاولة الإجابة عن السؤال الذي طرحناه ضمن عنوان هذا المقال، وذلك بأن نؤكد أنه لا يوجد أمن للإمدادات النفطية من منطقة الشرق الأوسط من دون حدوث استقرار سياسي حقيقي في المنطقة. ولسوء الطالع، فإن تاريخ هذه المنطقة المليء بالاضطرابات لا يبشر بتحقيق استقرار دائم، فإذا لم تحدث مشكلة في بلد من البلدان المنتجة، تندلع المشكلة في دولة أخرى لها صلة بالإمدادات النفطية، وهذا يدفعنا إلى أن نختم بالقول إن أحد أكبر المخاطر التي تواجه استقرار سوق النفط في السنوات المقبلة يتمثل بإمكان اندلاع المزيد من النـزاعات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط.

::/fulltext::
::cck::2657::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *