وضع البحث العلمي في دول مجلس التعاون الخليجي: نظرة على التحديات
::cck::1585::/cck::
::introtext::
من الممكن تعريف البحث بأنه النشاط البشري الذي يقوم على أسـاس التحقيق العلمي، ويهدف لاكتشاف وقراءة ومراجعة المعرفة الإنسانيّة حول مختلف جوانب العالم. وتواصل دول العـالم إنتاج معلومات ونظريات علمية شتى لتفسير طبيعة وخصائص البشر والكون بأسره.
::/introtext::
::fulltext::
من الممكن تعريف البحث بأنه النشاط البشري الذي يقوم على أسـاس التحقيق العلمي، ويهدف لاكتشاف وقراءة ومراجعة المعرفة الإنسانيّة حول مختلف جوانب العالم. وتواصل دول العـالم إنتاج معلومات ونظريات علمية شتى لتفسير طبيعة وخصائص البشر والكون بأسره. وعلى صعيد هذا العالم، تَشـغل الدول العربية واحدة من أدنى المراتب في إنتاج المعرفة.
فطبقاً لتقرير التنمية الإنسانية العربي لعام 2003، بلغت أعداد معاهد البحوث التي تعمل خارج إطار جامعات دول مجلس التعاون الخليجي، المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة وعُمان والبحرين، سبعةً، وخمسةً، وثلاثةً، وثلاثةً، واثنين، وواحداً، على التوالي؛ بينما بلغت أعداد المعاهد البحثيّة خارج جامعات مصر والجزائر وليبيا والمغرب وسوريا على التوالي ثلاثةً وسبعين، وثلاثين، وثمانية عشرَ، وستة عشر، وخمسة عشر. ولكن هذه الأرقام في أوروبا وأمريكا الشمالية هي أكبر من أرقام الدول العربية بثلاثة أضعاف أو أكثر.
ويُشير التقرير الآنف الذكر إلى أنه مقابل كل مئة ألف كتاب تنشر في أمريكا الشمالية، ينُشر اثنان وأربعون ألف كتاب في أمريكا الجنوبية ستة آلاف وخمسمائة كتاب فقط في العالم العربي. وأظهر تقرير 2000-2001، الصادر عن قسم أوضاع الدول بمعهد الإحصاء التابع لليونسكو (وكالة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة)، أن عدد أخصائيي البحث والتنمية في الدول العربية منخفض جداً مقارنةً مع بقية دول العالم. فمقابل كل مليون نسمة في فلندا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية وسنغافورة يوجد على التوالي 7.110 و5.321 و3.494 و4.052 باحثاً متخصصاً، بينما يوجد في العالم العربي فقط 371 باحثاً متخصصاً مقابل كلّ مليون نسمة.
إنّ أحد سبل الانتقال بأجندة البحث العلمي إلى الخطوة التاليـة أو وضعها على الطريق الصحيح هو تشجيع اقتصاد المعرفة
ويُقدّم المصدر نفسه إحصائيات حول إنفاقات الاقتصادات الوطنية على البحث، مشيراً إلى أن نسب ما أُنفق من إجمالي الدخل القومي على النشاط البحثي في إسرائيل وفلندا واليابان وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية بلغت 5 في المائة و3.4 في المائة و3.1 في المائة و2.6 في المائة على التوالي، بينما بلغت نسبة الإنفاق على البحث من إجمالي الدخل القومي في العالم العربي 0.2 في المائة فقط. هذه القيَم المتدنية ناجمة عن عدد من العوامل المتعلّقة بمصادر التمويل والتدريب والبرامج التربوية، إضافةً إلى عوامل أخرى ستُناقش في هذا المقال القصير.
إنّ أمر تشجيع وتحديد الأجندات البحثيّة في منطقة الخليج هو بيد مراكز أبحاث وجامعات المنطقة. وبالتالي، ينبغي على معاهد الأبحاث في دول مجلس التعاون الخليجي أن تكون بمثابة عوامل محفِّزة لخلق صناعة جديدة قادرة على تطوير تقنيات جديدة ومهمات إبتكاريّة راقية لتشجيع النشاط البحثي في المنطقة. وخير سبيل لتحقيق ذلك هو التعاون مع الجامعات لتوفير برامج تعليميّة ممتازة لمرحلتي الدراسات الجامعية والعليا تستوفي المعايير العالميّة أو تفوقها. وهنا، تُمثل البرامج التدريبية واستقطاب باحثين مرموقين والارتقاء بمستوى الموظفين والكادر الفني المساعد، جميعاً عناصر هامّة للغاية. كما ينبعي إصلاح السياسات البحثية في دول مجلس التعاون الخليجي من أجل توفير الموارد المطلوبة لتنفيذ برامج بحثيّة متطورة تساهم في خلق الجسم المعرفي، الذي سيكون ضرورياً لحلّ مشكلات البيئة والرعاية الصحية ومستوى المعيشة عموماً.
إنّ أحد سبل الانتقال بأجندة البحث العلمي إلى الخطوة التاليـة أو وضعها على الطريق الصحيح هو تشجيع اقتصاد المعرفة. ويقوم هذا النوع من الاقتصاد على توليد وتبنّي المعرفة الجديدة التي يُنتجها البحث العلمي والتقدّم التقني، إضافةً إلى الاستثمار في التعليم والبحث العلمي. ولهذا المفهوم وجوه عدّة. فبالنسبة للدول الصناعية المتقدّمة التي ترتفع فيها أجور القوّة العاملة وتكاليف البنى التحتية، يُوفِّر الاقتصاد القائم على المعرفة أفضليات تنافسية في صناعة المنتجات المتطورة تقنياً ويرفع كفاءة قطاعات الخدمات.
أما بالنسبة للاقتصادات التي تعتمد على الموارد الطبيعية، فإنّه يوفّر لها تقنيات مُحسّنة ومنتجات ذات قيمة إضافيّة عالية وروابط أوثق مع العملاء، إلى جانب كونه نهجاً للتنمية المستدامة. وفي الدول النامية، توفّر المعرفة فُرصاً حقيقيّة لاختصار مراحل التطور وتسريع الاندماج في الاقتصاد العالمي عبر تعزيز قدرتها على اجتذاب المستثمرين العالميين. ومن المؤسف أن هذه المفاهيم غائبة إلى حدّ ما في العالم العربي، بالرغم من أنها ضروريّة لتحقيق التحول الكبير من أجندات أبحاث العلوم الأساسية، التي قادت وستقود مراراً وتكراراً لنفس النتائج، إلى أجندات أبحاث العلوم التطبيقية التي تستلزم مقاربة متعدّدة الاختصاصات والقطاعات، مع الاعتراف بحقيقة أنّ ما كان نافعاً في الماضي قد لا يُجدي نفعاً في المستقبل. هذه المقاربة هي التي سترسي أسس النهج السليم من أجل المضي قُدماً نحو تحقيق التطور التكنولوجي.

في الحقيقة، تُموِّل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي معظم الأنشطة البحثية التي تجرى فيها. ومع أن معدّلات التمويل الرسمي للبحوث في دول المجلس تفوق مثيلاتها في بقية دول الشرق الأوسط، إلا أننا نوصي بضرورة تقديم تمويل إضافي. وسيبقى التمويل مسألة هامّة بالنسبة للبحث العلمي، لأنّ تكاليف الأبحاث سترتفع في المستقبل القريب. لذا، ينبغي تخصيص المزيد من الأموال لتغطية تكاليف الاطلاع على المجلات المرموقة والنشر فيها وحضور المؤتمرات والسفر إلى الاجتماعات وشراء تجهيزات بحثية، فضلاً عن تغطية نفقات العمل الميداني. هذا، وينبغي بذل جهود مكثّفة وعقد لقاءات جدّية لتحديد الأهداف الاستراتيجية وضمان توفير التمويل الإضافي للمجالات ذات الأولوية، وهي التي يجب أن تركّز على قضايا التنمية المستدامة. كما ينبغي أن يأتي التمويل الإضافي من القطاع الخاصّ ومن مصادر إقليمية ودولية. وهناك نسبة نجاح متواضعة جدّاً في ضمان الحصول على دعم مالي من المصادر الدولية، لأن الأجندات البحثيّة في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، تركّز على العلوم الأساسية.
سيبقى التمويل مسألة مهمّة بالنسبة للبحث العلمي لأنّ تكاليف الأبحاث سترتفع في المستقبل القريب
وتواجه مراكز البحوث والجامعات في دول مجلس التعاون الخليجي تحدياً آخر هو تقديم المزيد من الحوافز لخريجي الجامعات والطلاب المتميّزين وتخفيف أعباء العمل الكبيرة، التي تُثقل كاهل الكادر الجامعي والربط بشـكل أوثق بين البحث ومتطلبات المجتمع؛ بالتوازي مع المزاوجة والربط بين البحث والعمليّة التعليميّة خلال مرحلتيّ الدراسات الجامعية والعليا. وينبغي أيضاً تطوير البنية التحتية الضرورية للبحث العلمي مع التشجيع على إدخال تغييرات في الثقافة الأكاديمية الحالية، التي أثبتت عدم فاعليتها. فمواطنو دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة للتعليم الراقي والخبرة الجيّدة في مجال التدريب البحثي ليتمكنوا من تولّي مناصب قياديّـة في أوطانهم، وربط قضايا البحث العلمي بمشكلات دول المجلس، إذ لم يتحقق هذا الربط بكل أبعاده بعد. لكنْ يُمكن تحقيقهُ عبر استعانةِ معاهد ومراكز الأبحاث التي تملكها دول مجلس التعاون الخليجي بالمراكز والمؤسسات الخاصّة التي تملكها قطاعات محليّة وأجنبية، وخصوصاً تلك الموجودة والناشـطة في المنطقة. وسوف يساعد بذل الجهد الكافي لتحقيق التكامل بين هذيْن القطاعيْن على رسم سياسات جديدة قادرة على تشجيع العلوم الابتكاريّة. وينبغي على كلا القطاعيْن الانخراط في العمل البحثي والتركيز على تطوير مهارات الإنسان بدلاً من التركيز فقط على الربحيّة وزيادة رأس المال. وينبغي توجيه الجامعات الخاصّة والحكومية نحو العلوم القائمة على المعرفة، مثل تكنولوجيا المعلومات والرياضيات والفيزياء النظرية والتطبيقيّة، والعلوم البيئيّة والاقتصاد.
وللأهميّة القصوى، لا بد من الإشارة إلى أن أغلب البحوث التي تُنتَج وتُنشَر في دول مجلس التعاون الخليجي هي لأكاديميين يسعون فقط لتلبية متطلبات ترقيتهم. وقيمة هذا النوع من البحوث موضع شكّ في معظم الحالات. إذ هناك أكاديميون يركزون أحياناً على قضايا لا تمت للمتطلبات المحليّة بأي صلة، لأن المجلات العالميّة تميل إلى رفض نشر أي بحث لا يهم جمهور القرّاء العالمي. وأحياناً، تُرفض أوراق بحثيّة ممتازة لأنها ذات (اهتمام محلي). بيْد أنّ المزاوجة في النشر على كلتا الجبهتيْن، المحليّة والعالميّة، قد يسـاعد على حلّ هذه المشـكلة. على أي حـال، ينبغي على سياسات الجامعات والمؤسسات الأكاديمية أن تراجع هذه المسائل. وهناك مشكلة أخرى ناجمة عن حقيقة أن العلماء باتوا أكثر اهتماماً بالعمل في مجال إدارة القطاع الخاص، أو ربما الانضمام في وقت ما إلى إدارات الجامعات أو معاهد الأبحاث. فهذا المنحى المترافق مع انخراط العلماء بشكل مكثف في لجان وسواها من الأنشطة غير المتصلة بالبحث العلمي، يُقلّل عدد الباحثين المرموقين المحتملين.
على الرغم من ظروف البحث العلمي الصعبة في منطقة الخليج، إلا أنها تشهد من حين لآخر ظهور باحثين مرموقين ومشاريع بحثيّة ممتازة على النطاقيْن: الفردي والمؤسساتي. ومن المتوقع حدوث بعض التغييرات المستقبلية لأن صناع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي بدأوا يُبدون اهتماماً متزايداً في إزالة العقبات القائمة بين الباحثين والبحث الراقي المبدع. وضمن هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى المبادرة العظيمة والمهمّة التي أطلقتها (مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مؤخراً) والتي خصّصت مبلغ عشرة مليارات دولار أمريكي لتشجيع التنمية الإنسانية، وتوفير الفرصة السانحة عبر الاستثمار في التعليم وتطوير المعرفة في المنطقة. وتكمن أهميّة هذه المبادرة في التوقعات التي تُرجِّح أنها ستترك أثراً إيجابياً ملحوظاً في اتّجاهات البحث العلمي بدول مجلس التعـاون الخليجي والشرق الأوسط.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1585::/cck::
::introtext::
من الممكن تعريف البحث بأنه النشاط البشري الذي يقوم على أسـاس التحقيق العلمي، ويهدف لاكتشاف وقراءة ومراجعة المعرفة الإنسانيّة حول مختلف جوانب العالم. وتواصل دول العـالم إنتاج معلومات ونظريات علمية شتى لتفسير طبيعة وخصائص البشر والكون بأسره.
::/introtext::
::fulltext::
من الممكن تعريف البحث بأنه النشاط البشري الذي يقوم على أسـاس التحقيق العلمي، ويهدف لاكتشاف وقراءة ومراجعة المعرفة الإنسانيّة حول مختلف جوانب العالم. وتواصل دول العـالم إنتاج معلومات ونظريات علمية شتى لتفسير طبيعة وخصائص البشر والكون بأسره. وعلى صعيد هذا العالم، تَشـغل الدول العربية واحدة من أدنى المراتب في إنتاج المعرفة.
فطبقاً لتقرير التنمية الإنسانية العربي لعام 2003، بلغت أعداد معاهد البحوث التي تعمل خارج إطار جامعات دول مجلس التعاون الخليجي، المملكة العربية السعودية والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة وعُمان والبحرين، سبعةً، وخمسةً، وثلاثةً، وثلاثةً، واثنين، وواحداً، على التوالي؛ بينما بلغت أعداد المعاهد البحثيّة خارج جامعات مصر والجزائر وليبيا والمغرب وسوريا على التوالي ثلاثةً وسبعين، وثلاثين، وثمانية عشرَ، وستة عشر، وخمسة عشر. ولكن هذه الأرقام في أوروبا وأمريكا الشمالية هي أكبر من أرقام الدول العربية بثلاثة أضعاف أو أكثر.
ويُشير التقرير الآنف الذكر إلى أنه مقابل كل مئة ألف كتاب تنشر في أمريكا الشمالية، ينُشر اثنان وأربعون ألف كتاب في أمريكا الجنوبية ستة آلاف وخمسمائة كتاب فقط في العالم العربي. وأظهر تقرير 2000-2001، الصادر عن قسم أوضاع الدول بمعهد الإحصاء التابع لليونسكو (وكالة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة)، أن عدد أخصائيي البحث والتنمية في الدول العربية منخفض جداً مقارنةً مع بقية دول العالم. فمقابل كل مليون نسمة في فلندا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية وسنغافورة يوجد على التوالي 7.110 و5.321 و3.494 و4.052 باحثاً متخصصاً، بينما يوجد في العالم العربي فقط 371 باحثاً متخصصاً مقابل كلّ مليون نسمة.
إنّ أحد سبل الانتقال بأجندة البحث العلمي إلى الخطوة التاليـة أو وضعها على الطريق الصحيح هو تشجيع اقتصاد المعرفة
ويُقدّم المصدر نفسه إحصائيات حول إنفاقات الاقتصادات الوطنية على البحث، مشيراً إلى أن نسب ما أُنفق من إجمالي الدخل القومي على النشاط البحثي في إسرائيل وفلندا واليابان وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية بلغت 5 في المائة و3.4 في المائة و3.1 في المائة و2.6 في المائة على التوالي، بينما بلغت نسبة الإنفاق على البحث من إجمالي الدخل القومي في العالم العربي 0.2 في المائة فقط. هذه القيَم المتدنية ناجمة عن عدد من العوامل المتعلّقة بمصادر التمويل والتدريب والبرامج التربوية، إضافةً إلى عوامل أخرى ستُناقش في هذا المقال القصير.
إنّ أمر تشجيع وتحديد الأجندات البحثيّة في منطقة الخليج هو بيد مراكز أبحاث وجامعات المنطقة. وبالتالي، ينبغي على معاهد الأبحاث في دول مجلس التعاون الخليجي أن تكون بمثابة عوامل محفِّزة لخلق صناعة جديدة قادرة على تطوير تقنيات جديدة ومهمات إبتكاريّة راقية لتشجيع النشاط البحثي في المنطقة. وخير سبيل لتحقيق ذلك هو التعاون مع الجامعات لتوفير برامج تعليميّة ممتازة لمرحلتي الدراسات الجامعية والعليا تستوفي المعايير العالميّة أو تفوقها. وهنا، تُمثل البرامج التدريبية واستقطاب باحثين مرموقين والارتقاء بمستوى الموظفين والكادر الفني المساعد، جميعاً عناصر هامّة للغاية. كما ينبعي إصلاح السياسات البحثية في دول مجلس التعاون الخليجي من أجل توفير الموارد المطلوبة لتنفيذ برامج بحثيّة متطورة تساهم في خلق الجسم المعرفي، الذي سيكون ضرورياً لحلّ مشكلات البيئة والرعاية الصحية ومستوى المعيشة عموماً.
إنّ أحد سبل الانتقال بأجندة البحث العلمي إلى الخطوة التاليـة أو وضعها على الطريق الصحيح هو تشجيع اقتصاد المعرفة. ويقوم هذا النوع من الاقتصاد على توليد وتبنّي المعرفة الجديدة التي يُنتجها البحث العلمي والتقدّم التقني، إضافةً إلى الاستثمار في التعليم والبحث العلمي. ولهذا المفهوم وجوه عدّة. فبالنسبة للدول الصناعية المتقدّمة التي ترتفع فيها أجور القوّة العاملة وتكاليف البنى التحتية، يُوفِّر الاقتصاد القائم على المعرفة أفضليات تنافسية في صناعة المنتجات المتطورة تقنياً ويرفع كفاءة قطاعات الخدمات.
أما بالنسبة للاقتصادات التي تعتمد على الموارد الطبيعية، فإنّه يوفّر لها تقنيات مُحسّنة ومنتجات ذات قيمة إضافيّة عالية وروابط أوثق مع العملاء، إلى جانب كونه نهجاً للتنمية المستدامة. وفي الدول النامية، توفّر المعرفة فُرصاً حقيقيّة لاختصار مراحل التطور وتسريع الاندماج في الاقتصاد العالمي عبر تعزيز قدرتها على اجتذاب المستثمرين العالميين. ومن المؤسف أن هذه المفاهيم غائبة إلى حدّ ما في العالم العربي، بالرغم من أنها ضروريّة لتحقيق التحول الكبير من أجندات أبحاث العلوم الأساسية، التي قادت وستقود مراراً وتكراراً لنفس النتائج، إلى أجندات أبحاث العلوم التطبيقية التي تستلزم مقاربة متعدّدة الاختصاصات والقطاعات، مع الاعتراف بحقيقة أنّ ما كان نافعاً في الماضي قد لا يُجدي نفعاً في المستقبل. هذه المقاربة هي التي سترسي أسس النهج السليم من أجل المضي قُدماً نحو تحقيق التطور التكنولوجي.

في الحقيقة، تُموِّل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي معظم الأنشطة البحثية التي تجرى فيها. ومع أن معدّلات التمويل الرسمي للبحوث في دول المجلس تفوق مثيلاتها في بقية دول الشرق الأوسط، إلا أننا نوصي بضرورة تقديم تمويل إضافي. وسيبقى التمويل مسألة هامّة بالنسبة للبحث العلمي، لأنّ تكاليف الأبحاث سترتفع في المستقبل القريب. لذا، ينبغي تخصيص المزيد من الأموال لتغطية تكاليف الاطلاع على المجلات المرموقة والنشر فيها وحضور المؤتمرات والسفر إلى الاجتماعات وشراء تجهيزات بحثية، فضلاً عن تغطية نفقات العمل الميداني. هذا، وينبغي بذل جهود مكثّفة وعقد لقاءات جدّية لتحديد الأهداف الاستراتيجية وضمان توفير التمويل الإضافي للمجالات ذات الأولوية، وهي التي يجب أن تركّز على قضايا التنمية المستدامة. كما ينبغي أن يأتي التمويل الإضافي من القطاع الخاصّ ومن مصادر إقليمية ودولية. وهناك نسبة نجاح متواضعة جدّاً في ضمان الحصول على دعم مالي من المصادر الدولية، لأن الأجندات البحثيّة في بعض دول مجلس التعاون الخليجي، تركّز على العلوم الأساسية.
سيبقى التمويل مسألة مهمّة بالنسبة للبحث العلمي لأنّ تكاليف الأبحاث سترتفع في المستقبل القريب
وتواجه مراكز البحوث والجامعات في دول مجلس التعاون الخليجي تحدياً آخر هو تقديم المزيد من الحوافز لخريجي الجامعات والطلاب المتميّزين وتخفيف أعباء العمل الكبيرة، التي تُثقل كاهل الكادر الجامعي والربط بشـكل أوثق بين البحث ومتطلبات المجتمع؛ بالتوازي مع المزاوجة والربط بين البحث والعمليّة التعليميّة خلال مرحلتيّ الدراسات الجامعية والعليا. وينبغي أيضاً تطوير البنية التحتية الضرورية للبحث العلمي مع التشجيع على إدخال تغييرات في الثقافة الأكاديمية الحالية، التي أثبتت عدم فاعليتها. فمواطنو دول مجلس التعاون الخليجي بحاجة للتعليم الراقي والخبرة الجيّدة في مجال التدريب البحثي ليتمكنوا من تولّي مناصب قياديّـة في أوطانهم، وربط قضايا البحث العلمي بمشكلات دول المجلس، إذ لم يتحقق هذا الربط بكل أبعاده بعد. لكنْ يُمكن تحقيقهُ عبر استعانةِ معاهد ومراكز الأبحاث التي تملكها دول مجلس التعاون الخليجي بالمراكز والمؤسسات الخاصّة التي تملكها قطاعات محليّة وأجنبية، وخصوصاً تلك الموجودة والناشـطة في المنطقة. وسوف يساعد بذل الجهد الكافي لتحقيق التكامل بين هذيْن القطاعيْن على رسم سياسات جديدة قادرة على تشجيع العلوم الابتكاريّة. وينبغي على كلا القطاعيْن الانخراط في العمل البحثي والتركيز على تطوير مهارات الإنسان بدلاً من التركيز فقط على الربحيّة وزيادة رأس المال. وينبغي توجيه الجامعات الخاصّة والحكومية نحو العلوم القائمة على المعرفة، مثل تكنولوجيا المعلومات والرياضيات والفيزياء النظرية والتطبيقيّة، والعلوم البيئيّة والاقتصاد.
وللأهميّة القصوى، لا بد من الإشارة إلى أن أغلب البحوث التي تُنتَج وتُنشَر في دول مجلس التعاون الخليجي هي لأكاديميين يسعون فقط لتلبية متطلبات ترقيتهم. وقيمة هذا النوع من البحوث موضع شكّ في معظم الحالات. إذ هناك أكاديميون يركزون أحياناً على قضايا لا تمت للمتطلبات المحليّة بأي صلة، لأن المجلات العالميّة تميل إلى رفض نشر أي بحث لا يهم جمهور القرّاء العالمي. وأحياناً، تُرفض أوراق بحثيّة ممتازة لأنها ذات (اهتمام محلي). بيْد أنّ المزاوجة في النشر على كلتا الجبهتيْن، المحليّة والعالميّة، قد يسـاعد على حلّ هذه المشـكلة. على أي حـال، ينبغي على سياسات الجامعات والمؤسسات الأكاديمية أن تراجع هذه المسائل. وهناك مشكلة أخرى ناجمة عن حقيقة أن العلماء باتوا أكثر اهتماماً بالعمل في مجال إدارة القطاع الخاص، أو ربما الانضمام في وقت ما إلى إدارات الجامعات أو معاهد الأبحاث. فهذا المنحى المترافق مع انخراط العلماء بشكل مكثف في لجان وسواها من الأنشطة غير المتصلة بالبحث العلمي، يُقلّل عدد الباحثين المرموقين المحتملين.
على الرغم من ظروف البحث العلمي الصعبة في منطقة الخليج، إلا أنها تشهد من حين لآخر ظهور باحثين مرموقين ومشاريع بحثيّة ممتازة على النطاقيْن: الفردي والمؤسساتي. ومن المتوقع حدوث بعض التغييرات المستقبلية لأن صناع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي بدأوا يُبدون اهتماماً متزايداً في إزالة العقبات القائمة بين الباحثين والبحث الراقي المبدع. وضمن هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى المبادرة العظيمة والمهمّة التي أطلقتها (مؤسسة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم مؤخراً) والتي خصّصت مبلغ عشرة مليارات دولار أمريكي لتشجيع التنمية الإنسانية، وتوفير الفرصة السانحة عبر الاستثمار في التعليم وتطوير المعرفة في المنطقة. وتكمن أهميّة هذه المبادرة في التوقعات التي تُرجِّح أنها ستترك أثراً إيجابياً ملحوظاً في اتّجاهات البحث العلمي بدول مجلس التعـاون الخليجي والشرق الأوسط.
::/fulltext::
::cck::1585::/cck::
