(الوحدة الخليجية) وتطبيق نظرية (Synergism)
::cck::1587::/cck::
::introtext::
يعرّف قاموس ويبستر نظرية (Synergism) في أحد دلالاته بأنه الاستعداد والمثابرة وعقد النية والعمل من أجل تحقيق (التعاون والتنسيق المشترك) و(المشاركة) من قبل عناصر مستقلة يمتلك كل منها مقومات وقدرات وكفاءات مختلفة، ومن خلال جهودها المتبادلة والتكاملية ستحقق نتائج مشتركة أعظم مما تحققه إذا كانت منفردة.
::/introtext::
::fulltext::
يعرّف قاموس ويبستر نظرية (Synergism) في أحد دلالاته بأنه الاستعداد والمثابرة وعقد النية والعمل من أجل تحقيق (التعاون والتنسيق المشترك) و(المشاركة) من قبل عناصر مستقلة يمتلك كل منها مقومات وقدرات وكفاءات مختلفة، ومن خلال جهودها المتبادلة والتكاملية ستحقق نتائج مشتركة أعظم مما تحققه إذا كانت منفردة. وهذا المعنى الأوّلي لنظرية Synergism يمكن إسقاطه أيضاً على مواقف إنسانية مختلفة تحدث خلال الحياة اليومية للأفراد وفي أغلب المجتمعات الإنسانية، فعلى سبيل المثال، عندما تتعثر مسيرة الفرد العادي فبديهي أن يدفعه هذا الأمر أغلب الوقت إلى مراجعة (أولوياته) ويتعرف من جديد إلى أهدافه الأساسية ليعثر على حلول ناجحة لبعض المعضلات التي تواجهه، خاصة ما يتعلق بنظرته العامة لدوره الأسري أو المجتمعي، فمن المتوقع أنه سيتوجه مرة أخرى نحو استغلال مهاراته وإمكاناته المختلفة عن طريق إعادة ترتيب أولوياته وتنسيقها مرة أخرى، لكي تمنحه طاقات متجددة تساعده على إنجاز ما لم يستطع إنجازه في السابق، ولهذا فسيكولوجياً تتعلق نظرية (Synergism) وبشكل مباشر بتكامل وتناسق القدرات والإمكانات والمهارات الفردية للإتيان بنتائج أعظم تأثيراً وأكثر فاعلية.
وفي هذا السياق يمكن أيضاً استخدام مفاهيم (التعاون) و (المشاركة) التي تدل عليها نظرية (Synergism) لوصف العلاقات الناجحة والفعاّلة بين الأفراد والحكومات وبين الحكومات ومواطنيها، ويبدو أن هذا الفهم الواسع لمعاني نظرية (Synergism)، أي التعاون والتنسيق المشترك من أجل تحقيق نجاح أعظم، قد دار في مخيلة أصحاب السعادة والسمو ملوك وشيوخ ورؤساء دول الخليج العربي عند اختيارهم لتسميه (مجلس التعاون الخليجي)، فلقد ذكر المشرّع الخليجي في (ديباجة النظام الأساسي لمجلس التعاونلدول الخليج العربية)، والذي تم التوقيع عليه في مدينة أبو ظبي في 25\5\1981أولويات خليجية تُنبئ برغبة هذه الدول في تحقيق (السمات المشتركة) أو (المصير المشترك) أو (التنسيق والتكامل) لعكس الأهداف الرئيسية لمجلس التعاون.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هذه الأيام، وخاصة خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ الشرق الأوسط هو: متى وكيف ستتحقق (الوحدة الخليجية) وهي بالطبع الهدف الأسمى من وراء تأسيس مجلس التعاون الخليجي؟ ما نرغب في أن نراه يتحقق لدول مجلس التعاون الخليجي هو إتمام مسيرة النهضة الخليجية والتعاون الخليجي المشترك، عن طريق تفعيل مفاهيم مصيرية بالنسبة لدول الخليج وهي (التعاون) و(التنسيق المشترك) و(المشاركة)وصولاً إلى الوحدة الخليجية على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية. فتفعيل أهداف مجلس التعاون بشكل حقيقي من خلال رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع تخدم كياناتنا وشعوبنا الخليجية، هو أمر لن يحدث في المستقبل القريب ما لم نؤمن جميعاً كخليجيين وبشكل قطعي بأننا نمتلك، كُلاّ على حدة، مهارات وطاقات بشرية ومقومات صناعية وعلمية وثقافية وخبرات عملية (مختلفة) وأنّ ما ينقصنا هذه الفترة هو رؤية تطبيق علمي وعملي كذلك لمبادئ نظرية (Synergism) على ما نمتلكه حالياً منفردين، لأنّه ببساطة سيأتي بأفضل النتائج في تقوية دورنا الإقليمي والعالمي.
مستقبل الشرق الأوسط سيكون مستقبلاً عولمياً تتفاعل فيه الشراكات والتعاون الإقليمي بين الدول، ولن يكون باستطاعة الحكومات الخليجية التقليدية منفردة تحقيق الكثير من الإنجازات مالم تتعاضد بشكل فعلي وعملي مع تلك الدول التي تتشابه معها في أشياء كثيرة وتختلف معها بشكل أقل من غيرها. فعالم اليوم متجه وبوتيرة أسرع من ذي قبل نحو المشاركة والتعاون والاندماج، فمراجعة سريعة لما يحدث حالياً في السوق العالمية تخبرنا، مثلاً أنّ السوق الاقتصادي العالمي يتجه يوماً بعد يوم نحو (الشراكة الاقتصادية) حيث تندمج الشركات الكبرى والمؤسسات المالية العالمية لتؤسس مجموعة شركات أو بنوكاً يصبح لها زخم اقتصادي كبير وتعود بفائدة أكبر على المستثمرين. وهكذا.
التعاون والتنسيق والتكامل المشترك كما تحتويه نظرية (Synergism) يدور حول حقيقة بديهية، وهي أنّ الجهود الإنسانية مجتمعة تستطيع أن تقدم نتائج أعظم مما ينتجه جهد واحد ومنفرد. وهذا الأمر ينطبق بشكل ملاحظ على ما تمتلكه دول الخليج الست من مصادر طبيعية، مثل النفط والمعادن والثروات الزراعية والحيوانية والسمكية، بل إنّ هذه المصادر يمكن أن تؤسس نظاماً اقتصادياً متكاملاً يندر تواجده في الشرق الأوسط أو حتى في العالم! فمن البديهي مثلاً أنّ الشراكة الاقتصادية ستعتمد على توافر مصادر الطاقة والغذاء والماء والتكنولجيا، وهذا الأمر ينطبق على ما يوجد حالياً في دول الخليج، فبمقدورها مثلاً تكوين كتلة اقتصادية متينة وتكاملية تستطيع أن توفر سوقاً شرق أوسطية متكاملة، وتستطيع كذلك التنافس والمشاركة مع الاقتصادات المشتركة مثل الأتحاد الأوروبي أو آسيان أوالدول اللاتينية. فهذ الاقتصادات المشتركة بُنيت كما آتى في اتفاقياتها المشتركة على التكامل الاقتصادي والتقريب بين الأنظمة الاقتصادية للدول المشاركة من حيث الضرائب والقوانين التجارية…إلخ ومن الطبيعي أن تكوين الشراكات الاقتصادية سيجلب نتائج أفضل لاقتصادات الدول ويوفر أسواقاً آمنة لمنتجاتها المختلفة ويوفر لها كذلك شركاء متعاضدين يحققون مجتمعين نمواً وتطوراً اقتصادياً يتماشى مع توقعات السوق العالمية.
مستقبل الشرق الأوسط سيكون مستقبلاً عولمياً تتفاعل فيه الشراكات والتعاون الإقليمي بين الدول
وجدير بالذكر أنّ المشاركة الفعالة لدول مجلس التعاون الخليجي في المجال الاقتصادي سوف تضعها في دور أقوى إقليمياً، فمع التغيرات المتواترة في الشرق الأوسط يتجلى يوماً بعد يوم أنّ الإقليم مُقدم على (إعادة ترتيبات سياسية) ربما ستغيّر من مواقع القوى الإقليمية التقليدية، والأحرى بدول الخليج العربي أن تنتهز الفرصة بأن تتحول في أسرع وقت ممكن إلى تكتل سياسي وحدوي إقليمي يصبح له دور استيراتيجي فاعل في ما يحدث في نطاق الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال، تستوجب عملية السلام العربية – الإسرائيلية، والتي ساعة إعداد هذا المقال يجري التحضير لها برعاية الولايات المتحدة وبريطانيا وربما مستقبلاً دول الاتحاد الأوروبي، إعادة صياغة الدور الخليجي التقليدي من قوة اقتصادية إلى سياسية إقليمية واحدة تستطيع أن تقدم دعماً لوجستياً واقتراحات عملية تساعد الأطراف المعنية على المضي في عملية السلام حتى يتم تحقيقها بشكل فعلي، إذ إن الفرصة المتاحة أمام دول المجلس هي تحوّل العالم خلال السنوات القليلة القادمة إلى قرية عولمية، ولقد أصبحت هذه الحقيقة واقعاً ملموساً في أيامنا هذه، حيث بدأت تتحول السياسات والاستراتيجيات المحلية إلى بانوراما عولمية تعكس التغيرات الحاصلة في العالم ككل، فما هو (محلي) سواء كان مشاريع اقتصادية أو ثقافية أو حتى استيراتيجات معنية بالشأن المحلي، أصبحت لا تعكس فقط صورة ما هو محلي، بل بدأت تتلاقى مع السياسات الدولية أياًّ كانت تلك ولقد نجحت العولمة في تحويل ما هو محلي ليتجاوز الرقع الجغرافية المحدودة والتي لم تعد مانعاً كبيراً في عالم اليوم، وعلى سبيل المثال ما يحدث من تجربة الاتحاد الأوروبي، والذي يوازي الآن في قوته السياسية والاقتصادية والصناعية الولايات المتحدة والصين، بل أصبح هذا الاتحاد بفضل تطبيق دوله لاستيراتيجات متناسقة مع بعضها البعض يشكل قطباً سياسياً واقتصاديا مميزاً وفاعلاً. وربما نرى في السنوات القليلة القادمة وحدة سياسية أوروبية تعيد صياغة معادلة القطب العالمي الواحد.
لقد أصبح التشارك أو التعاضد الاقتصادي والوحدة السياسية الخليجية أقرب إلى الحقيقة، ولكن لا تزال هناك أهداف خليجية لم تتحق بعد على الرغم من مضي أكثر من عقدين على تأسيس المجلس، ومن هذه الأهداف هي (الوحدة الخليجية السياسية) والتي نأمل أن تتحقق في أقرب وقت ممكن إذا تم تطبيق مبادئ التعاون المشترك الحقيقي (Synergism)، والذي يمكن له أن يخلق إنجازات ملموسة على أرض الواقع ويتجاوز مرحلة البروتوكولية والروتين سعياً لإنجاز الهدف الخليجي الشعبي بتأسيس وحدة خليجية سياسية، تنطلق من مبادئ راسخة تحترم استقلالية الكيانات الخليجية المكونة لمجلس التعاون، بينما تُقدّم في نفس الوقت هذه الدول إلى الساحة الإقليمية والعالمية على أنها منظومة سياسية واحدة تتبع نفس الاستراتيجيات وتطبق نفس القوانين المنظمة وتهدف نحو تحقيق نفس النتائج على ما هو محلي متميز ومستقل، وما هو خليجي عالمي وشامل ومتكامل.
وإذا لا يزال هناك بعض المعضلات التي تؤخر لحد الآن من مسيرة التوحد الخليجي فلربما لا تزال هذه تتمثل في التردد والبطء الشديد على الصعيد الحكومي الخليجي مقارنة بما يحدث مثلاً بين دول الأتحاد الأوروبي، ولقد ذُكر في السابق أنك لن تستطيع أن تكتشف المحيطات الجديدة مالم تمتلك القدرة على التوقف عن رؤية الشاطئ، فلعلّ وعسى!!
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1587::/cck::
::introtext::
يعرّف قاموس ويبستر نظرية (Synergism) في أحد دلالاته بأنه الاستعداد والمثابرة وعقد النية والعمل من أجل تحقيق (التعاون والتنسيق المشترك) و(المشاركة) من قبل عناصر مستقلة يمتلك كل منها مقومات وقدرات وكفاءات مختلفة، ومن خلال جهودها المتبادلة والتكاملية ستحقق نتائج مشتركة أعظم مما تحققه إذا كانت منفردة.
::/introtext::
::fulltext::
يعرّف قاموس ويبستر نظرية (Synergism) في أحد دلالاته بأنه الاستعداد والمثابرة وعقد النية والعمل من أجل تحقيق (التعاون والتنسيق المشترك) و(المشاركة) من قبل عناصر مستقلة يمتلك كل منها مقومات وقدرات وكفاءات مختلفة، ومن خلال جهودها المتبادلة والتكاملية ستحقق نتائج مشتركة أعظم مما تحققه إذا كانت منفردة. وهذا المعنى الأوّلي لنظرية Synergism يمكن إسقاطه أيضاً على مواقف إنسانية مختلفة تحدث خلال الحياة اليومية للأفراد وفي أغلب المجتمعات الإنسانية، فعلى سبيل المثال، عندما تتعثر مسيرة الفرد العادي فبديهي أن يدفعه هذا الأمر أغلب الوقت إلى مراجعة (أولوياته) ويتعرف من جديد إلى أهدافه الأساسية ليعثر على حلول ناجحة لبعض المعضلات التي تواجهه، خاصة ما يتعلق بنظرته العامة لدوره الأسري أو المجتمعي، فمن المتوقع أنه سيتوجه مرة أخرى نحو استغلال مهاراته وإمكاناته المختلفة عن طريق إعادة ترتيب أولوياته وتنسيقها مرة أخرى، لكي تمنحه طاقات متجددة تساعده على إنجاز ما لم يستطع إنجازه في السابق، ولهذا فسيكولوجياً تتعلق نظرية (Synergism) وبشكل مباشر بتكامل وتناسق القدرات والإمكانات والمهارات الفردية للإتيان بنتائج أعظم تأثيراً وأكثر فاعلية.
وفي هذا السياق يمكن أيضاً استخدام مفاهيم (التعاون) و (المشاركة) التي تدل عليها نظرية (Synergism) لوصف العلاقات الناجحة والفعاّلة بين الأفراد والحكومات وبين الحكومات ومواطنيها، ويبدو أن هذا الفهم الواسع لمعاني نظرية (Synergism)، أي التعاون والتنسيق المشترك من أجل تحقيق نجاح أعظم، قد دار في مخيلة أصحاب السعادة والسمو ملوك وشيوخ ورؤساء دول الخليج العربي عند اختيارهم لتسميه (مجلس التعاون الخليجي)، فلقد ذكر المشرّع الخليجي في (ديباجة النظام الأساسي لمجلس التعاونلدول الخليج العربية)، والذي تم التوقيع عليه في مدينة أبو ظبي في 25\5\1981أولويات خليجية تُنبئ برغبة هذه الدول في تحقيق (السمات المشتركة) أو (المصير المشترك) أو (التنسيق والتكامل) لعكس الأهداف الرئيسية لمجلس التعاون.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هذه الأيام، وخاصة خلال هذه الفترة الحرجة من تاريخ الشرق الأوسط هو: متى وكيف ستتحقق (الوحدة الخليجية) وهي بالطبع الهدف الأسمى من وراء تأسيس مجلس التعاون الخليجي؟ ما نرغب في أن نراه يتحقق لدول مجلس التعاون الخليجي هو إتمام مسيرة النهضة الخليجية والتعاون الخليجي المشترك، عن طريق تفعيل مفاهيم مصيرية بالنسبة لدول الخليج وهي (التعاون) و(التنسيق المشترك) و(المشاركة)وصولاً إلى الوحدة الخليجية على الصعد السياسية والاقتصادية والثقافية. فتفعيل أهداف مجلس التعاون بشكل حقيقي من خلال رؤية نتائج ملموسة على أرض الواقع تخدم كياناتنا وشعوبنا الخليجية، هو أمر لن يحدث في المستقبل القريب ما لم نؤمن جميعاً كخليجيين وبشكل قطعي بأننا نمتلك، كُلاّ على حدة، مهارات وطاقات بشرية ومقومات صناعية وعلمية وثقافية وخبرات عملية (مختلفة) وأنّ ما ينقصنا هذه الفترة هو رؤية تطبيق علمي وعملي كذلك لمبادئ نظرية (Synergism) على ما نمتلكه حالياً منفردين، لأنّه ببساطة سيأتي بأفضل النتائج في تقوية دورنا الإقليمي والعالمي.
مستقبل الشرق الأوسط سيكون مستقبلاً عولمياً تتفاعل فيه الشراكات والتعاون الإقليمي بين الدول، ولن يكون باستطاعة الحكومات الخليجية التقليدية منفردة تحقيق الكثير من الإنجازات مالم تتعاضد بشكل فعلي وعملي مع تلك الدول التي تتشابه معها في أشياء كثيرة وتختلف معها بشكل أقل من غيرها. فعالم اليوم متجه وبوتيرة أسرع من ذي قبل نحو المشاركة والتعاون والاندماج، فمراجعة سريعة لما يحدث حالياً في السوق العالمية تخبرنا، مثلاً أنّ السوق الاقتصادي العالمي يتجه يوماً بعد يوم نحو (الشراكة الاقتصادية) حيث تندمج الشركات الكبرى والمؤسسات المالية العالمية لتؤسس مجموعة شركات أو بنوكاً يصبح لها زخم اقتصادي كبير وتعود بفائدة أكبر على المستثمرين. وهكذا.
التعاون والتنسيق والتكامل المشترك كما تحتويه نظرية (Synergism) يدور حول حقيقة بديهية، وهي أنّ الجهود الإنسانية مجتمعة تستطيع أن تقدم نتائج أعظم مما ينتجه جهد واحد ومنفرد. وهذا الأمر ينطبق بشكل ملاحظ على ما تمتلكه دول الخليج الست من مصادر طبيعية، مثل النفط والمعادن والثروات الزراعية والحيوانية والسمكية، بل إنّ هذه المصادر يمكن أن تؤسس نظاماً اقتصادياً متكاملاً يندر تواجده في الشرق الأوسط أو حتى في العالم! فمن البديهي مثلاً أنّ الشراكة الاقتصادية ستعتمد على توافر مصادر الطاقة والغذاء والماء والتكنولجيا، وهذا الأمر ينطبق على ما يوجد حالياً في دول الخليج، فبمقدورها مثلاً تكوين كتلة اقتصادية متينة وتكاملية تستطيع أن توفر سوقاً شرق أوسطية متكاملة، وتستطيع كذلك التنافس والمشاركة مع الاقتصادات المشتركة مثل الأتحاد الأوروبي أو آسيان أوالدول اللاتينية. فهذ الاقتصادات المشتركة بُنيت كما آتى في اتفاقياتها المشتركة على التكامل الاقتصادي والتقريب بين الأنظمة الاقتصادية للدول المشاركة من حيث الضرائب والقوانين التجارية…إلخ ومن الطبيعي أن تكوين الشراكات الاقتصادية سيجلب نتائج أفضل لاقتصادات الدول ويوفر أسواقاً آمنة لمنتجاتها المختلفة ويوفر لها كذلك شركاء متعاضدين يحققون مجتمعين نمواً وتطوراً اقتصادياً يتماشى مع توقعات السوق العالمية.
مستقبل الشرق الأوسط سيكون مستقبلاً عولمياً تتفاعل فيه الشراكات والتعاون الإقليمي بين الدول
وجدير بالذكر أنّ المشاركة الفعالة لدول مجلس التعاون الخليجي في المجال الاقتصادي سوف تضعها في دور أقوى إقليمياً، فمع التغيرات المتواترة في الشرق الأوسط يتجلى يوماً بعد يوم أنّ الإقليم مُقدم على (إعادة ترتيبات سياسية) ربما ستغيّر من مواقع القوى الإقليمية التقليدية، والأحرى بدول الخليج العربي أن تنتهز الفرصة بأن تتحول في أسرع وقت ممكن إلى تكتل سياسي وحدوي إقليمي يصبح له دور استيراتيجي فاعل في ما يحدث في نطاق الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال، تستوجب عملية السلام العربية – الإسرائيلية، والتي ساعة إعداد هذا المقال يجري التحضير لها برعاية الولايات المتحدة وبريطانيا وربما مستقبلاً دول الاتحاد الأوروبي، إعادة صياغة الدور الخليجي التقليدي من قوة اقتصادية إلى سياسية إقليمية واحدة تستطيع أن تقدم دعماً لوجستياً واقتراحات عملية تساعد الأطراف المعنية على المضي في عملية السلام حتى يتم تحقيقها بشكل فعلي، إذ إن الفرصة المتاحة أمام دول المجلس هي تحوّل العالم خلال السنوات القليلة القادمة إلى قرية عولمية، ولقد أصبحت هذه الحقيقة واقعاً ملموساً في أيامنا هذه، حيث بدأت تتحول السياسات والاستراتيجيات المحلية إلى بانوراما عولمية تعكس التغيرات الحاصلة في العالم ككل، فما هو (محلي) سواء كان مشاريع اقتصادية أو ثقافية أو حتى استيراتيجات معنية بالشأن المحلي، أصبحت لا تعكس فقط صورة ما هو محلي، بل بدأت تتلاقى مع السياسات الدولية أياًّ كانت تلك ولقد نجحت العولمة في تحويل ما هو محلي ليتجاوز الرقع الجغرافية المحدودة والتي لم تعد مانعاً كبيراً في عالم اليوم، وعلى سبيل المثال ما يحدث من تجربة الاتحاد الأوروبي، والذي يوازي الآن في قوته السياسية والاقتصادية والصناعية الولايات المتحدة والصين، بل أصبح هذا الاتحاد بفضل تطبيق دوله لاستيراتيجات متناسقة مع بعضها البعض يشكل قطباً سياسياً واقتصاديا مميزاً وفاعلاً. وربما نرى في السنوات القليلة القادمة وحدة سياسية أوروبية تعيد صياغة معادلة القطب العالمي الواحد.
لقد أصبح التشارك أو التعاضد الاقتصادي والوحدة السياسية الخليجية أقرب إلى الحقيقة، ولكن لا تزال هناك أهداف خليجية لم تتحق بعد على الرغم من مضي أكثر من عقدين على تأسيس المجلس، ومن هذه الأهداف هي (الوحدة الخليجية السياسية) والتي نأمل أن تتحقق في أقرب وقت ممكن إذا تم تطبيق مبادئ التعاون المشترك الحقيقي (Synergism)، والذي يمكن له أن يخلق إنجازات ملموسة على أرض الواقع ويتجاوز مرحلة البروتوكولية والروتين سعياً لإنجاز الهدف الخليجي الشعبي بتأسيس وحدة خليجية سياسية، تنطلق من مبادئ راسخة تحترم استقلالية الكيانات الخليجية المكونة لمجلس التعاون، بينما تُقدّم في نفس الوقت هذه الدول إلى الساحة الإقليمية والعالمية على أنها منظومة سياسية واحدة تتبع نفس الاستراتيجيات وتطبق نفس القوانين المنظمة وتهدف نحو تحقيق نفس النتائج على ما هو محلي متميز ومستقل، وما هو خليجي عالمي وشامل ومتكامل.
وإذا لا يزال هناك بعض المعضلات التي تؤخر لحد الآن من مسيرة التوحد الخليجي فلربما لا تزال هذه تتمثل في التردد والبطء الشديد على الصعيد الحكومي الخليجي مقارنة بما يحدث مثلاً بين دول الأتحاد الأوروبي، ولقد ذُكر في السابق أنك لن تستطيع أن تكتشف المحيطات الجديدة مالم تمتلك القدرة على التوقف عن رؤية الشاطئ، فلعلّ وعسى!!
::/fulltext::
::cck::1587::/cck::
