القطاع الخاص ودوره في دعم البحث العلمي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية
::cck::1588::/cck::
::introtext::
لا تخفى على القاصي والداني أهمية القطاع الخاص في دفع عجلة البحث العلمي والتطوير التقاني، نقول هذا في الوقت الذي بات فيه القطاع الخاص في الدول المتقدمة، يقوم بدور حامي حمى البحث العلمي، فترى شركات القطاع الخاص في الدول المتقدمة تقوم بدعم البحث العلمي بقيمة تزيد على ما تخصصه الحكومات، الأمر الذي يعود على الشركة الداعمة بالربح وفرص الاستثمار في نتائج البحوث العلمية.
::/introtext::
::fulltext::
لا تخفى على القاصي والداني أهمية القطاع الخاص في دفع عجلة البحث العلمي والتطوير التقاني، نقول هذا في الوقت الذي بات فيه القطاع الخاص في الدول المتقدمة، يقوم بدور حامي حمى البحث العلمي، فترى شركات القطاع الخاص في الدول المتقدمة تقوم بدعم البحث العلمي بقيمة تزيد على ما تخصصه الحكومات، الأمر الذي يعود على الشركة الداعمة بالربح وفرص الاستثمار في نتائج البحوث العلمية. فتقنيات المعلومات، على سبيل المثال، قدمت للاقتصاد الأمريكي في سنة واحدة مبالغ خيالية من خلال استثمار البحوث العلمية في هذا المجال، حيث بلغ حجمها 150 مليار دولار. ومن ثم ليس من المستغرب أن ترى شركات الأدوية في الولايات المتحدة أو فرنسا أو ألمانيا تصرف 50 في المائة من قيمة مبيعاتها على البحثالعلمي!
فالقطاع الخاص في هذه البلدان يرى في الإنفاق على البحث العلمي ضرورة لتحقيق النجاح والاستمرار والمحافظة على قدر مشرّف من التنافسية. لقد أدى استثمار شركات القطاع الخاص في البحث العلمي، في هذه البلدان، ليس إلى زيادة فرص الابتكار والاكتشافات والحصول على التقنيات الحديثة فحسب، بل إلى نتائج اقتصادية ومالية ضخمة لها وللمجتمع.
إن دعم البحث العلمي، من قبل مؤسسات القطاع الخاص، هو بمثابة واجب وطني مقدس وضرورة حياتية لازمة
أما الوضع في العالم العربي فيُظهر، بوضوح، تلك الفجوة التي بين البحث العلمي والقطاع الخاص وضعف الشراكة بينهما، وفوق هذا تتراكم مجموعة من الأسباب التي تكرس تخلفنا البحثي: فليس لدينا سياسة استراتيجية واضحة للبحث العلمي في الوطن العربي، وليس لدينا صناديق متخصّصة في تمويل الأبحاث بالقدر الكافي، وليس لدينا ما تسمّى صناعة المعلومات، ولا يوجد لدينا مراكز للتنسيق بين مراكز ومؤسسات البحث العلمي، إضافة إلى إهدار ملايين الدولارات سنوياً بسبب تشابه وتكرار البحوث وعدم فعاليتها.
ومن ناحية الإنفاق على البحث العلمي، فلا يتعدى صرف دول مجلس التعاون على البحث العلمي أكثر من 0.2 في المائة (اثنين في الألف) من الناتج القومي، بينما النسبة في الدول المتقدمة تصل إلى 3 في المائة (ثلاثة في المائة) من الناتج القومي، بل وتتجاوزها بعض البلدان مثل (إسرائيل). والحق أن النسبة التي تنفقها دول مجلس التعاون لم ترقَ حتى الآن إلى مستوى دولة مثل إيران التي تنفق على بحثها العلمي ما يعادل 0.6 في المائة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف النسبة التي تصرفها السعودية، إحدى الدول الكبرى في مجلس التعاون.
وعلى الرغم من تدهور العلاقة بين (القطاع الخاص) و(البحث العلمي) في العالم العربي، إلا أن واقع هذه العلاقة في دول مجلس التعاون يزيل شيئاً من حمرة الخجل! فقد احتضنت دول المجلس عدداً لا بأس به من الشرَاكات الناجحة بين القطاع الخاص والبحث العلمي، مثال ذلك: التعاون بين جامعة زايد وكل من مركز الإبداع الإلكتروني في مدينة دبي للإنترنيت (Smart Square) وشركة IBM لتكنولوجيا المعلومات، وتعاون جامعة الإمارات وعدد من شركات البترول، إضافة إلى الشراكة بين مدينة الملك عبد العزيز( KACST) وشركات الأدوية السعودية، وقيام جامعة الملك عبد العزيز بإنشاء منطقة للتقنية بجدة تكون بمثابة مجمعاً للتعاون من خلاله مع شركات القطاع الخاص، والشراكة بين جامعة الملك سعود وشركة سابك، هذا إلى جانب شراكة كل من الجامعات والمراكز البحثية السعودية مع شركة (أرامكو) للبترول، وفي عمان: الشراكة بين جامعة السلطان قابوس ومؤسسة واحة مسقط للمعرفة (Knowledge Oasis Muscat)، وفي الكويت: الشراكة بين مؤسسة الكويت للأبحاث العلمية(KISR)، وشركة البترول الكويتية.

وعلى الرغم من أهمية مثل هذه الشراكات في الارتقاء بمستوى البحث العلمي في دول المجلس، وزيادة فعالية النشاط البحثي، إلا أننا نحتاج لتوسيع رقعة هذه الشراكات كماً نوعاً، وهي مسألة مهمة لكي ينتقل البحث العلمي من نشاط إقليمي منغلق إلى نشاط دولي منفتح، مؤهل للمساهمة في التكتلات الاقتصادية السياسية العملاقة. بيد أن الواقع يثبت أن القطاع الخاص في دول مجلس التعاون، على محدودية شراكاته مع مراكز البحث العلمي، ليس لديه فلسفة لدعم البحث العلمي، إضافة إلى عدم وجود قنوات اتصال ثابتة يمكن من خلالها التنسيق والتعاون بين كل من شركات القطاع الخاص والمراكز البحثية. إلى جانب عدم توافر المعلومات والبيانات الكافية عن الإمكانات المتاحة لدى مراكز البحوث لخدمة منشآت القطاع الخاص في مجال البحث العلمي، وكذلك ضعف اهتمام الإدارة في المنشآت الصناعية بنشاط البحث العلمي، وغياب الفكر العلمي بالأساس عن ذهن رجالات القطاع الخاص، إضافة إلى غياب آليات لتسويق البحوث كما هو الحال في البلدان المتقدمة، حيث توجد هيئات متخصصة في تسويق البحوث ونقل الأبحاث من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإنتاج والعائد، وكلها أسباب تعلل ضعف الشراكة بين القطاع الخاص والبحث العلمي في دول مجلس التعاون.
لذا أوصت دراسة أعدها مركز البحوث والدراسات في الغرفة التجارية الصناعية بالرياض (عام 2006) بضرورة تشكيل فرق عمل مشتركة من المراكز البحثية ومنشآت القطاع الخاص لوضع أسس وسبل تحقيق الاستفادة من أنشطة البحث العلمي، وقيام المنشآت بتقديم أوجه دعم فعالة لأنشطة البحث العلمي في الجامعات، ومنها تمويل بعض المشاريع البحثية، وإنشاء وتطوير مراكز بحثية متخصصة وإقامة فعاليات علمية وتخصيص جوائز ومنح لمشاريع بحثية والإسهام في توفير الأجهزة المعملية عالية التقنية.
ونضيفُ إلى ذلك ضرورة العمل على تعزيز القناعة لدى القطاع الخاص بأهمية البحث العلمي، وهذا التعزيز يتطلب إيجاد الحوافز الملائمة لدفع القطاع الخاص للقيام بالدور المنوط به نحو البحث العلمي من دعم وتفعيل.
ونظراً للفجوة الموجودة بين القطاع الخاص والبحث العلمي في دول المجلس، فقد لجأت بعض الحكومات الخليجية إلى إجبار القطاع الخاص على دعم البحث العلمي بشكل أو بآخر، ففي الكويت فرضت الدولة نسبة معينة من أرباح الشركات لدعم مؤسسة الكويت للأبحاث العلمية. والواقع أن دول مجلس التعاون تحتاج إلى تعميم هذه الفكرة، فهي بحاجة إلى هذا الدعم المالي المفروض على الشركات والبنوك والمصانع لكي تسهم في تنشيط حركة البحث، وتدعم مسيرة الحركة العلمية، ولا شك في أن دعم البحث العلمي – من قبل مؤسسات القطاع الخاص هو بمثابة واجب وطني مقدس وضرورة حياتية لازمة.
ولقد اقترح الدكتور فاروق الباز، مدير مركز أبحاث الفضاء بجامعة بوسطن، وسيلة إضافية لدعم البحث العلمي، وذلك بجمع ضريبة صغيرة للغاية على مكالمات التليفون المحمول. هذه الوسيلة تجعل من المواطن العادي مساهماً ومشاركاً في إنهاض البحث العلمي في وطنه، الأمر الذي (يحرج) القطاع الخاص، ويدفعه لمزيد من البذل والدعم للبحث العلمي.
علاوة على هذا، فإن المؤسسات التي تم إنشاؤها خصيصاً لدعم البحث العلمي، تحتاج إلى مزيد من التفعيل والدعم من قبل شركات القطاع الخاص، ومثال هذه المؤسسات؛ (المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا ASTF)في الإمارات العربية المتحدة التي أنشئت بدعم من صاحب السمو الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة. والغرض الأساسي منها هو دعم البحوث العلمية في العالم العربي. ولقد اجتمع في هذا الصرح البحثي العملاق العديد من العلماء والباحثين العرب معظمهم من المهجر، أو من يطلق عليهم (أدمغة مهاجرة).
إن مسألة فرض رسوم أو ضرائب على شركات القطاع الخاص لمصلحة البحث العلمي، وإن كانت مسألة مثيرة للجدل، فهي لا ترقى إلى مستوى الأزمة التي سبّبها القطاع الخاص الخليجي للبحث العلمي على مدار سنوات مضت، جراء القطيعة والهجر وإهمال الدعم المالي للمؤسسات البحثية. فالحكومات هي الداعم الأساسي للبحث العلمي في دول مجلس التعاون، أما القطاع الخاص فقد أهمل قضية البحث العلمي على مدار فترات طويلة، وإذا ضربنا مثلاً بمعهدالأبحاث العلمية في الكويت، فسوف نرى أن تمويله يأتي بشكل رئيسي من الحكومة، التي خصصت له ميزانية قدرها 19مليون دينار للسنة المالية 2005/2006، وحصل المعهد على 5 ملايين دينار أخرى كإيرادات ذاتية من شراكته مع الشركة الكويتية لنفط الخليج، فيما توقف الالتزام المالي لشركة الزيت العربية التي أنشأت المعهد أساساً في عام 1967، وكان آخر التزام مالي من الشركة المؤسسة للمعهد في السنة المالية 2003/2004.
إذاً نحن أمام مشهد آخر، هو هروب بعض شركات القطاع الخاص من ميدان دعم البحث العلمي، فالشركة المؤسسة لأكبر صرح بحثي في الكويت، تخلت وتملصت من مسؤولياتها تجاه هذا الصرح. والسبب الأساسي في حالات (الهروب) هذه هو عدم إيمان شركات القطاع الخاص بالبحث العلمي، أضف إلى هذا السبب عدم ثقة القطاع الخاص بمؤسسات البحث العلمي ومدى جديتها في خدمة القطاع الخاص، ومن جانب آخر ركون الحكومات والقطاع الخاص على حد سواء إلى أسلوب شراء التقنية واستيراد التكنولوجيا من أربابها في الغرب، وهي، لاشك، سياسة ليست في مصلحة البحث العلمي الوطني، ولا تؤدي إلى أي تقدم بحثي حقيقي. وهنا نرى الحكومات تقع في تناقض مريع ؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه القطاع الخاص إلى دعم البحث العلمي، تقوم في الوقت نفسه بدفع الأموال الضخمة لشراء التقنيات الغربية بدلاً من استغلال كوادرها ومؤسساتها البحثية في إنتاج هذه التقنية والاجتهاد فيها. وفوق كل هذا، تنظر بعض الحكومات الخليجية إلى مؤسسات البحث العلمي على أنها عبء على ميزانية الدولة، أو أنها مجرد هيئات حكومية للتوظيف، شأنها شأن مصلحة الشهر العقاري!
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1588::/cck::
::introtext::
لا تخفى على القاصي والداني أهمية القطاع الخاص في دفع عجلة البحث العلمي والتطوير التقاني، نقول هذا في الوقت الذي بات فيه القطاع الخاص في الدول المتقدمة، يقوم بدور حامي حمى البحث العلمي، فترى شركات القطاع الخاص في الدول المتقدمة تقوم بدعم البحث العلمي بقيمة تزيد على ما تخصصه الحكومات، الأمر الذي يعود على الشركة الداعمة بالربح وفرص الاستثمار في نتائج البحوث العلمية.
::/introtext::
::fulltext::
لا تخفى على القاصي والداني أهمية القطاع الخاص في دفع عجلة البحث العلمي والتطوير التقاني، نقول هذا في الوقت الذي بات فيه القطاع الخاص في الدول المتقدمة، يقوم بدور حامي حمى البحث العلمي، فترى شركات القطاع الخاص في الدول المتقدمة تقوم بدعم البحث العلمي بقيمة تزيد على ما تخصصه الحكومات، الأمر الذي يعود على الشركة الداعمة بالربح وفرص الاستثمار في نتائج البحوث العلمية. فتقنيات المعلومات، على سبيل المثال، قدمت للاقتصاد الأمريكي في سنة واحدة مبالغ خيالية من خلال استثمار البحوث العلمية في هذا المجال، حيث بلغ حجمها 150 مليار دولار. ومن ثم ليس من المستغرب أن ترى شركات الأدوية في الولايات المتحدة أو فرنسا أو ألمانيا تصرف 50 في المائة من قيمة مبيعاتها على البحثالعلمي!
فالقطاع الخاص في هذه البلدان يرى في الإنفاق على البحث العلمي ضرورة لتحقيق النجاح والاستمرار والمحافظة على قدر مشرّف من التنافسية. لقد أدى استثمار شركات القطاع الخاص في البحث العلمي، في هذه البلدان، ليس إلى زيادة فرص الابتكار والاكتشافات والحصول على التقنيات الحديثة فحسب، بل إلى نتائج اقتصادية ومالية ضخمة لها وللمجتمع.
إن دعم البحث العلمي، من قبل مؤسسات القطاع الخاص، هو بمثابة واجب وطني مقدس وضرورة حياتية لازمة
أما الوضع في العالم العربي فيُظهر، بوضوح، تلك الفجوة التي بين البحث العلمي والقطاع الخاص وضعف الشراكة بينهما، وفوق هذا تتراكم مجموعة من الأسباب التي تكرس تخلفنا البحثي: فليس لدينا سياسة استراتيجية واضحة للبحث العلمي في الوطن العربي، وليس لدينا صناديق متخصّصة في تمويل الأبحاث بالقدر الكافي، وليس لدينا ما تسمّى صناعة المعلومات، ولا يوجد لدينا مراكز للتنسيق بين مراكز ومؤسسات البحث العلمي، إضافة إلى إهدار ملايين الدولارات سنوياً بسبب تشابه وتكرار البحوث وعدم فعاليتها.
ومن ناحية الإنفاق على البحث العلمي، فلا يتعدى صرف دول مجلس التعاون على البحث العلمي أكثر من 0.2 في المائة (اثنين في الألف) من الناتج القومي، بينما النسبة في الدول المتقدمة تصل إلى 3 في المائة (ثلاثة في المائة) من الناتج القومي، بل وتتجاوزها بعض البلدان مثل (إسرائيل). والحق أن النسبة التي تنفقها دول مجلس التعاون لم ترقَ حتى الآن إلى مستوى دولة مثل إيران التي تنفق على بحثها العلمي ما يعادل 0.6 في المائة، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف النسبة التي تصرفها السعودية، إحدى الدول الكبرى في مجلس التعاون.
وعلى الرغم من تدهور العلاقة بين (القطاع الخاص) و(البحث العلمي) في العالم العربي، إلا أن واقع هذه العلاقة في دول مجلس التعاون يزيل شيئاً من حمرة الخجل! فقد احتضنت دول المجلس عدداً لا بأس به من الشرَاكات الناجحة بين القطاع الخاص والبحث العلمي، مثال ذلك: التعاون بين جامعة زايد وكل من مركز الإبداع الإلكتروني في مدينة دبي للإنترنيت (Smart Square) وشركة IBM لتكنولوجيا المعلومات، وتعاون جامعة الإمارات وعدد من شركات البترول، إضافة إلى الشراكة بين مدينة الملك عبد العزيز( KACST) وشركات الأدوية السعودية، وقيام جامعة الملك عبد العزيز بإنشاء منطقة للتقنية بجدة تكون بمثابة مجمعاً للتعاون من خلاله مع شركات القطاع الخاص، والشراكة بين جامعة الملك سعود وشركة سابك، هذا إلى جانب شراكة كل من الجامعات والمراكز البحثية السعودية مع شركة (أرامكو) للبترول، وفي عمان: الشراكة بين جامعة السلطان قابوس ومؤسسة واحة مسقط للمعرفة (Knowledge Oasis Muscat)، وفي الكويت: الشراكة بين مؤسسة الكويت للأبحاث العلمية(KISR)، وشركة البترول الكويتية.

وعلى الرغم من أهمية مثل هذه الشراكات في الارتقاء بمستوى البحث العلمي في دول المجلس، وزيادة فعالية النشاط البحثي، إلا أننا نحتاج لتوسيع رقعة هذه الشراكات كماً نوعاً، وهي مسألة مهمة لكي ينتقل البحث العلمي من نشاط إقليمي منغلق إلى نشاط دولي منفتح، مؤهل للمساهمة في التكتلات الاقتصادية السياسية العملاقة. بيد أن الواقع يثبت أن القطاع الخاص في دول مجلس التعاون، على محدودية شراكاته مع مراكز البحث العلمي، ليس لديه فلسفة لدعم البحث العلمي، إضافة إلى عدم وجود قنوات اتصال ثابتة يمكن من خلالها التنسيق والتعاون بين كل من شركات القطاع الخاص والمراكز البحثية. إلى جانب عدم توافر المعلومات والبيانات الكافية عن الإمكانات المتاحة لدى مراكز البحوث لخدمة منشآت القطاع الخاص في مجال البحث العلمي، وكذلك ضعف اهتمام الإدارة في المنشآت الصناعية بنشاط البحث العلمي، وغياب الفكر العلمي بالأساس عن ذهن رجالات القطاع الخاص، إضافة إلى غياب آليات لتسويق البحوث كما هو الحال في البلدان المتقدمة، حيث توجد هيئات متخصصة في تسويق البحوث ونقل الأبحاث من مرحلة الفكرة إلى مرحلة الإنتاج والعائد، وكلها أسباب تعلل ضعف الشراكة بين القطاع الخاص والبحث العلمي في دول مجلس التعاون.
لذا أوصت دراسة أعدها مركز البحوث والدراسات في الغرفة التجارية الصناعية بالرياض (عام 2006) بضرورة تشكيل فرق عمل مشتركة من المراكز البحثية ومنشآت القطاع الخاص لوضع أسس وسبل تحقيق الاستفادة من أنشطة البحث العلمي، وقيام المنشآت بتقديم أوجه دعم فعالة لأنشطة البحث العلمي في الجامعات، ومنها تمويل بعض المشاريع البحثية، وإنشاء وتطوير مراكز بحثية متخصصة وإقامة فعاليات علمية وتخصيص جوائز ومنح لمشاريع بحثية والإسهام في توفير الأجهزة المعملية عالية التقنية.
ونضيفُ إلى ذلك ضرورة العمل على تعزيز القناعة لدى القطاع الخاص بأهمية البحث العلمي، وهذا التعزيز يتطلب إيجاد الحوافز الملائمة لدفع القطاع الخاص للقيام بالدور المنوط به نحو البحث العلمي من دعم وتفعيل.
ونظراً للفجوة الموجودة بين القطاع الخاص والبحث العلمي في دول المجلس، فقد لجأت بعض الحكومات الخليجية إلى إجبار القطاع الخاص على دعم البحث العلمي بشكل أو بآخر، ففي الكويت فرضت الدولة نسبة معينة من أرباح الشركات لدعم مؤسسة الكويت للأبحاث العلمية. والواقع أن دول مجلس التعاون تحتاج إلى تعميم هذه الفكرة، فهي بحاجة إلى هذا الدعم المالي المفروض على الشركات والبنوك والمصانع لكي تسهم في تنشيط حركة البحث، وتدعم مسيرة الحركة العلمية، ولا شك في أن دعم البحث العلمي – من قبل مؤسسات القطاع الخاص هو بمثابة واجب وطني مقدس وضرورة حياتية لازمة.
ولقد اقترح الدكتور فاروق الباز، مدير مركز أبحاث الفضاء بجامعة بوسطن، وسيلة إضافية لدعم البحث العلمي، وذلك بجمع ضريبة صغيرة للغاية على مكالمات التليفون المحمول. هذه الوسيلة تجعل من المواطن العادي مساهماً ومشاركاً في إنهاض البحث العلمي في وطنه، الأمر الذي (يحرج) القطاع الخاص، ويدفعه لمزيد من البذل والدعم للبحث العلمي.
علاوة على هذا، فإن المؤسسات التي تم إنشاؤها خصيصاً لدعم البحث العلمي، تحتاج إلى مزيد من التفعيل والدعم من قبل شركات القطاع الخاص، ومثال هذه المؤسسات؛ (المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا ASTF)في الإمارات العربية المتحدة التي أنشئت بدعم من صاحب السمو الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة. والغرض الأساسي منها هو دعم البحوث العلمية في العالم العربي. ولقد اجتمع في هذا الصرح البحثي العملاق العديد من العلماء والباحثين العرب معظمهم من المهجر، أو من يطلق عليهم (أدمغة مهاجرة).
إن مسألة فرض رسوم أو ضرائب على شركات القطاع الخاص لمصلحة البحث العلمي، وإن كانت مسألة مثيرة للجدل، فهي لا ترقى إلى مستوى الأزمة التي سبّبها القطاع الخاص الخليجي للبحث العلمي على مدار سنوات مضت، جراء القطيعة والهجر وإهمال الدعم المالي للمؤسسات البحثية. فالحكومات هي الداعم الأساسي للبحث العلمي في دول مجلس التعاون، أما القطاع الخاص فقد أهمل قضية البحث العلمي على مدار فترات طويلة، وإذا ضربنا مثلاً بمعهدالأبحاث العلمية في الكويت، فسوف نرى أن تمويله يأتي بشكل رئيسي من الحكومة، التي خصصت له ميزانية قدرها 19مليون دينار للسنة المالية 2005/2006، وحصل المعهد على 5 ملايين دينار أخرى كإيرادات ذاتية من شراكته مع الشركة الكويتية لنفط الخليج، فيما توقف الالتزام المالي لشركة الزيت العربية التي أنشأت المعهد أساساً في عام 1967، وكان آخر التزام مالي من الشركة المؤسسة للمعهد في السنة المالية 2003/2004.
إذاً نحن أمام مشهد آخر، هو هروب بعض شركات القطاع الخاص من ميدان دعم البحث العلمي، فالشركة المؤسسة لأكبر صرح بحثي في الكويت، تخلت وتملصت من مسؤولياتها تجاه هذا الصرح. والسبب الأساسي في حالات (الهروب) هذه هو عدم إيمان شركات القطاع الخاص بالبحث العلمي، أضف إلى هذا السبب عدم ثقة القطاع الخاص بمؤسسات البحث العلمي ومدى جديتها في خدمة القطاع الخاص، ومن جانب آخر ركون الحكومات والقطاع الخاص على حد سواء إلى أسلوب شراء التقنية واستيراد التكنولوجيا من أربابها في الغرب، وهي، لاشك، سياسة ليست في مصلحة البحث العلمي الوطني، ولا تؤدي إلى أي تقدم بحثي حقيقي. وهنا نرى الحكومات تقع في تناقض مريع ؛ ففي الوقت الذي تدعو فيه القطاع الخاص إلى دعم البحث العلمي، تقوم في الوقت نفسه بدفع الأموال الضخمة لشراء التقنيات الغربية بدلاً من استغلال كوادرها ومؤسساتها البحثية في إنتاج هذه التقنية والاجتهاد فيها. وفوق كل هذا، تنظر بعض الحكومات الخليجية إلى مؤسسات البحث العلمي على أنها عبء على ميزانية الدولة، أو أنها مجرد هيئات حكومية للتوظيف، شأنها شأن مصلحة الشهر العقاري!
::/fulltext::
::cck::1588::/cck::
