المجتمع المدني لا يفرض من الأعلى

::cck::1696::/cck::
::introtext::

مايكل إدواردز، مدير دائرة الحكم والمجتمع المدني في مؤسسة فورد لبرنامج السلم والعدالة الاجتماعيين، والمتخصص السابق في قضايا المجتمع المدني بالبنك الدولي يطرح رأياً مفاده عدم إمكانية إيجاد انخراط للمجتمع المدني في الحكم الكوني من خلال التشريعات المفروضة من الأعلى.  

::/introtext::
::fulltext::

مايكل إدواردز، مدير دائرة الحكم والمجتمع المدني في مؤسسة فورد لبرنامج السلم والعدالة الاجتماعيين، والمتخصص السابق في قضايا المجتمع المدني بالبنك الدولي يطرح رأياً مفاده عدم إمكانية إيجاد انخراط للمجتمع المدني في الحكم الكوني من خلال التشريعات المفروضة من الأعلى. 

هذا الأمر في الحقيقة هو واقع الحال في المجتمعات الخليجية العربية، بل في كامل الوطن العربي، والعالم الإسلامي، الذي كان واقعاً تحت سيطرة الاستعمار الأجنبي ولفترة طويلة من الزمن، وحصل على استقلاله الوطني، إما بالكفاح المسلح وأشكال المقاومة العنيفة أو بالاحتجاجات والمظاهرات، وتغير الظروف الدولية غير المواتية للاستعمار بمواصلة احتلاله لهذه المناطق الشاسعة بعد الحرب العالمية الثانية الكبرى، واضطراره للانسحاب من المنطقة باستفتاءات دولية للأمم المتحدة.

الاستعمار والاحتلال الغربي كان همه تأمين مصالحه الخاصة في خطوط التجارة وفي تقاسم مناطق النفوذ الدولية بين الدول الأوروبية الكبرى، لذلك فإن ما كان يحصل في المجتمعات المستعمرة داخلياً من تنظيمات محلية مدنية كان مقبولاً لديه، ويدعها تنتظم بحيث لا تخرج على سيطرته.

ولهذا فقد شهدت فترة الاستعمار في دول الخليج بروز العديد من التنظيمات المدنية، على شكل هيئات مدنية للشأن الوطني كهيئة الاتحاد الوطني في البحرين، والحركة الدستورية في الكويت ومشيخة أو مجلس دبي والتي جابهت سلطات الاحتلال بالمطالب الشعبية.

 هذه الأشكال المدنية تطورت فيما بعد لتأخذ الشكل التنظيمي الأكثر تطوراً في السنوات الأخيرة من عمر الاستعمار، وأخذت الشكل الحزبي والعمل السري في عُمان ودبي والبحرين والكويت، متمثلة في الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي، مما استدعى مجابهة هذه التنظيمات بالقمع البوليسي الاستعماري وبأشكال أخرى فيما بعد الاستقلال وبوجوه محلية.

بعد الاستقلال بدأت السلطات الحاكمة عدم السماح للعديد من أشكال التنظيم المدني المستقل، وفرضت قيوداً صارمة على ما كان موجوداً لكي لا يتطور خارجاً على سيطرتها، وبشكل متناقض مع هذه الهيمنة والاحتكار الكامل للسلطة في أيدي نظم الحكم.

ويكفي القول، إنه حتى اليوم، فإن أقل أشكال جمعيات العمل التطوعي جمهوراً لا يسمح لها بالتحدث في السياسة بأي شكل كان، حتى لو كانت المهنة التي شكلت جمعيتها على أساسها المهني تقتضي التعامل بالسياسة، كجمعية الصحفيين مثلاً. فقد وضعت السلطات الحكومية نصاً في كل نظام داخلي لأي جمعية تطوعية مهنية في البلاد يحرم عليها التدخل في السياسة، وقصر ذلك على الحكومة نفسها. ففي باب أحكام عامة تفرض وزارة العمل في دولة الإمارات العربية المتحدة وحتى اليوم هذه المواد القانونية:

1-لا يجوز للجمعية أن تشترك في أي مؤتمرات أو اجتماعات خارج دولة الإمارات إلا بترخيص مسبق من الوزارة. كما لا يجوز لها أن تنتسب أو تشترك أو تنضم إلى أية جمعية أو هيئة مقرها خارج دولةالإمارات إلا بموافقة وزارتي الشؤون الاجتماعية والداخلية.

2-لا يجوز للجمعية الخروج على الأغراض المحددة في نظامها الأساسي. ويحظر على أعضائها التدخل في السياسة أو إثارة المنازعات الطائفية أو العنصرية أو الدينية.

      هذا التدخل طال حتى الصناديق الخيرية، (كما يقول الدكتور عبد الرزاق المضرب (البيان، 2000))، وجمعيات العمل الخيري بعد 11 سبتمبر، فقد صدرت الأوامر الأمريكية بمحاصرة جماعات الإسلام السياسي، التي شملت الجماعات الدعوية والجهادية على حد سواء. فقد اشتكى ممثلو منظمات الإغاثة الإسلامية في تقرير تلفزيوني عرضته قناة (الجزيرة) في (24/1/2005) من تضييق حكوماتهم عليهم في تقديم يد العون لضحايا تسونامي في حين تقدم الحكومات الغربية كل الدعم لمنظماتها الإغاثية.

أما على صعيد أكثر أشكال التنظيم المدني تطوراً، وهي النقابات والاتحادات المهنية، فإنها بدأت في دول الخليج شعبياً من خلال مجموعات المعارضة السرية في الخارج، كالاتحاد الوطني لطلبة البحرين، والاتحاد الوطني لطلبة عُمان، واتحاد عمال البحرين، واتحاد عمال عُمان.

وتشكل اتحادا طلاب الكويت والإمارات من خلال النظام نفسه، وبموافقة ودعم وتنظيم منه، ما أدى لأن يكون هذان الاتحادان شبه حكوميين، ويفرغان من محتواهما، حيث لا يزال اتحاد طلبة الإمارات، عدة اتحادات لكل جامعة اتحادها وليس فرعاً للاتحاد الوطني الجامع، حيث تحاول هذه الاتحادات أن توحد نفسها في تنظيم طلابي واحد،رغم وجود العديد من المصاعب أمام تحقيق هذه المسألة.

بينما لعب الاتحاد الوطني لطلبة الكويت دوراً مهماً في الحصول على الكثير من المكاسب الطلابية، وساهم في تعزيز دور الحركة الطلابية، وإن بشكل محدود؛ وانحسر دوره لعدم الاهتمام الطلابي الكبير بهذا الدور المقنن من السلطات، وتركزه في جامعة الكويت، وطلبة الكويت في الخارج.

منظمات المرأة مارست دورها في تكوين المجتمع المدني في دول الخليج العربية

أما منظمات المرأة في دول الخليج العربية أيضاً فقد مارست دورها في تكوين المجتمع المدني، خاصة في الكويت والبحرين وسلطنة عُمان منذ ما قبل الاستقلال وفي الإمارات وقطر منذ ما بعد الاستقلال وبشكل كبير. ورغم بروز جمعية نهضة المرأة (العمانية) في دبي، كما تقول حصة لوتاه، المشاركة في تأسيس التنظيم النسائي في الستينات من القرن الماضي بدور اجتماعي وتوعوي ومحو أمية، فإن هذه التنظيمات النسائية في البحرين وعُمان شكلت عنصراً مدنياً مكملاً للنضالات الشعبية السياسية، بل إن أحد أكثر تنظيماتها استقراراً واستمرارية في جمعيات مثل جمعية أوال النسائية ونهضة فتاة البحرين ومنظمة المرأة العمانية وغيرها من التنظيمات النسائية، ساهمت في حصول الكثير من الانفراجات وارتفاع هامش الحرية في كل من عُمان والبحرين، حتى بلوغ مرحلة شبه المشاركة الشعبية التي تتجه إليها المنطقة حالياً.

أما القطاع التجاري، الذي لعب، بل قاد عملية التطور المدني في الغرب والمجتمعات الرأسمالية، فإنه في دول الخليج العربية لعب دوره في النهوض الوطنيِ، إلا أنه بقي أيضاً مرتبطاً بأنظمة الحكم وهو واقع الحال لكل تنظيمات التجار في غرف التجارة في دول الخليج العربية كلها.

فالسياق الحر للتطور الاجتماعي المدني لم تكن له طبيعته الحرة الخاصة المستقلة عن أعين السلطات في دول الخليج العربية، التي تملك عيناً مرتابة من كل حركة اجتماعية مدنية، وكأنها موجهة ضدها، وضد هيمنتها على الحياة العامة، حتى صارت نظمنا توصف بالسلطوية في العالم المتقدم.

إن أحدث تطورات المجتمع المدني، التي بدأت الجهات الرسمية بالسماح لها بإثبات وجودها وممارسة النشاط، هي تنظيمات حقوق الإنسان، التي أصبحت تبرز كالفطر في المجتمعات الخليجية. وهي تجربة جديدة من المفيد متابعتها عن كثب، وإن كانت المؤشرات الأولية تقول إن مثل هذه التنظيمات بدأت تأخذ دوراً رقابياً جيداً ضد خروقات حقوق الإنسان في دولها كلجنة حقوق الإنسان في البحرين، التي دخلت في صراعات جادة مع السلطات. إلا أن غالبية هذه التنظيمات تواجه إشكالية أن معظم القضايا المرفوعة لها هي لوافدين عاملين في الدول الخليجية، مما يخلق تضارباً بين الشأن الوطني والحقوق الإنسانية العامة التي تكفلها المواثيق الدولية؛ وهي إشكالية مرشحة لأن تتفاقم مع تزايد أعداد الوافدين للعمل في دول الخليج، وازدياد المراقبة الدولية والانتقادات الموجهة لدول الخليج في هذا الشأن.

لكن الإشكالية الأكبر في هذا الصدد هي أنه بالتعهد بالالتزام بالحقوق الأساسية للعمال أمام منظمة العمل الدولية، وإعلانها الموافقة على السماح للعمال الوافدين بتشكيل تنظيماتهم النقابية العمالية أثيرت مسألة ارتباط ذلك بالسماح للمواطنين أيضاً بتشكيل تنظيماتهم النقابية، ما جعل الجهات الرسمية تتأنى في دراسة المسألة قبل تقديم الموافقة على إقامة النقابات للعمال الأجانب والمواطنين على حد سواء.

إلى متى سيبقى ذلك؟ هو سؤال تصعب الإجابة عنه في ظل حالة الضبابية التي تشوب العلاقة بين الجهات الحكومية ووضعية التركيبة السكانية، التي تتغير ظروفها بشكل مستمر، إذ إن سمة التمييع لكل القضايا الخلافية في هذا الشأن تبقى هي القائمة، وتبقى رغبة التغيير الجادة والشجاعة والصادقة في مجال التنمية الحقيقية للحياة السياسية، وإحداث تطورات كيفية جادة تقفز بأنظمتنا للتسابق مع النظم الدولية المتطورة ونفاخر بإرادة تغيير حقيقية نحو مسايرة ركب الحضارة الدولية المتصاعد، والسائر بسرعة الصاروخ نحو قفزات زمنية لم نشهد لها في التاريخ الإنساني مثيلاً، إنها خطوة تحتاج إلى دراسة وتمحيص جادين.

إنها لحظة الحقيقة التي يجب على جهاتنا الرسمية الخليجية فيها أن تختار ما بين البقاء واللعب في الوقت الضائع على خلافات الأطراف المحلية والدولية في هذا الشأن، وبين أخذ زمام المبادرة كسلطات وطنية مخلصة لوطنها وشعبها وأمتها في إحداث ما هو أفضل لمجتمعاتها، حتى يذكرها التاريخ لفترة طويلة جداً كنظم حكم إنسانية مؤثرة ومبدعة ومخلصة للتطور البشري العام في منطقتها، وفي حدود صلاحياتها.

أخيراً نعود لأطروحتنا الأساسية في هذا الشأن بالقول دعوا المجتمع المدني يتطور من نفسه دون قيود حادة، دعوه يفرض مؤسساته الرقابية على عمل مؤسساتكم، ويصبح المجتمع المدني أفضل حالاً. فالماء الراكد تكثر في الفطريات والرواسب الآسنة. وليكن النبع جارياً متدفقاً حتى نحصل على أحسن النتائج، ونفاخر الأمم. ارفعوا أيديكم عن منظمات المجتمع المدني لكي يطور المجتمع ذاته، فلا أحد يستطيع أن ينصب نفسه وصياً على تصرفات الآخرين وينجح لفترة طويلة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1696::/cck::
::introtext::

مايكل إدواردز، مدير دائرة الحكم والمجتمع المدني في مؤسسة فورد لبرنامج السلم والعدالة الاجتماعيين، والمتخصص السابق في قضايا المجتمع المدني بالبنك الدولي يطرح رأياً مفاده عدم إمكانية إيجاد انخراط للمجتمع المدني في الحكم الكوني من خلال التشريعات المفروضة من الأعلى.  

::/introtext::
::fulltext::

مايكل إدواردز، مدير دائرة الحكم والمجتمع المدني في مؤسسة فورد لبرنامج السلم والعدالة الاجتماعيين، والمتخصص السابق في قضايا المجتمع المدني بالبنك الدولي يطرح رأياً مفاده عدم إمكانية إيجاد انخراط للمجتمع المدني في الحكم الكوني من خلال التشريعات المفروضة من الأعلى. 

هذا الأمر في الحقيقة هو واقع الحال في المجتمعات الخليجية العربية، بل في كامل الوطن العربي، والعالم الإسلامي، الذي كان واقعاً تحت سيطرة الاستعمار الأجنبي ولفترة طويلة من الزمن، وحصل على استقلاله الوطني، إما بالكفاح المسلح وأشكال المقاومة العنيفة أو بالاحتجاجات والمظاهرات، وتغير الظروف الدولية غير المواتية للاستعمار بمواصلة احتلاله لهذه المناطق الشاسعة بعد الحرب العالمية الثانية الكبرى، واضطراره للانسحاب من المنطقة باستفتاءات دولية للأمم المتحدة.

الاستعمار والاحتلال الغربي كان همه تأمين مصالحه الخاصة في خطوط التجارة وفي تقاسم مناطق النفوذ الدولية بين الدول الأوروبية الكبرى، لذلك فإن ما كان يحصل في المجتمعات المستعمرة داخلياً من تنظيمات محلية مدنية كان مقبولاً لديه، ويدعها تنتظم بحيث لا تخرج على سيطرته.

ولهذا فقد شهدت فترة الاستعمار في دول الخليج بروز العديد من التنظيمات المدنية، على شكل هيئات مدنية للشأن الوطني كهيئة الاتحاد الوطني في البحرين، والحركة الدستورية في الكويت ومشيخة أو مجلس دبي والتي جابهت سلطات الاحتلال بالمطالب الشعبية.

 هذه الأشكال المدنية تطورت فيما بعد لتأخذ الشكل التنظيمي الأكثر تطوراً في السنوات الأخيرة من عمر الاستعمار، وأخذت الشكل الحزبي والعمل السري في عُمان ودبي والبحرين والكويت، متمثلة في الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي، مما استدعى مجابهة هذه التنظيمات بالقمع البوليسي الاستعماري وبأشكال أخرى فيما بعد الاستقلال وبوجوه محلية.

بعد الاستقلال بدأت السلطات الحاكمة عدم السماح للعديد من أشكال التنظيم المدني المستقل، وفرضت قيوداً صارمة على ما كان موجوداً لكي لا يتطور خارجاً على سيطرتها، وبشكل متناقض مع هذه الهيمنة والاحتكار الكامل للسلطة في أيدي نظم الحكم.

ويكفي القول، إنه حتى اليوم، فإن أقل أشكال جمعيات العمل التطوعي جمهوراً لا يسمح لها بالتحدث في السياسة بأي شكل كان، حتى لو كانت المهنة التي شكلت جمعيتها على أساسها المهني تقتضي التعامل بالسياسة، كجمعية الصحفيين مثلاً. فقد وضعت السلطات الحكومية نصاً في كل نظام داخلي لأي جمعية تطوعية مهنية في البلاد يحرم عليها التدخل في السياسة، وقصر ذلك على الحكومة نفسها. ففي باب أحكام عامة تفرض وزارة العمل في دولة الإمارات العربية المتحدة وحتى اليوم هذه المواد القانونية:

1-لا يجوز للجمعية أن تشترك في أي مؤتمرات أو اجتماعات خارج دولة الإمارات إلا بترخيص مسبق من الوزارة. كما لا يجوز لها أن تنتسب أو تشترك أو تنضم إلى أية جمعية أو هيئة مقرها خارج دولةالإمارات إلا بموافقة وزارتي الشؤون الاجتماعية والداخلية.

2-لا يجوز للجمعية الخروج على الأغراض المحددة في نظامها الأساسي. ويحظر على أعضائها التدخل في السياسة أو إثارة المنازعات الطائفية أو العنصرية أو الدينية.

      هذا التدخل طال حتى الصناديق الخيرية، (كما يقول الدكتور عبد الرزاق المضرب (البيان، 2000))، وجمعيات العمل الخيري بعد 11 سبتمبر، فقد صدرت الأوامر الأمريكية بمحاصرة جماعات الإسلام السياسي، التي شملت الجماعات الدعوية والجهادية على حد سواء. فقد اشتكى ممثلو منظمات الإغاثة الإسلامية في تقرير تلفزيوني عرضته قناة (الجزيرة) في (24/1/2005) من تضييق حكوماتهم عليهم في تقديم يد العون لضحايا تسونامي في حين تقدم الحكومات الغربية كل الدعم لمنظماتها الإغاثية.

أما على صعيد أكثر أشكال التنظيم المدني تطوراً، وهي النقابات والاتحادات المهنية، فإنها بدأت في دول الخليج شعبياً من خلال مجموعات المعارضة السرية في الخارج، كالاتحاد الوطني لطلبة البحرين، والاتحاد الوطني لطلبة عُمان، واتحاد عمال البحرين، واتحاد عمال عُمان.

وتشكل اتحادا طلاب الكويت والإمارات من خلال النظام نفسه، وبموافقة ودعم وتنظيم منه، ما أدى لأن يكون هذان الاتحادان شبه حكوميين، ويفرغان من محتواهما، حيث لا يزال اتحاد طلبة الإمارات، عدة اتحادات لكل جامعة اتحادها وليس فرعاً للاتحاد الوطني الجامع، حيث تحاول هذه الاتحادات أن توحد نفسها في تنظيم طلابي واحد،رغم وجود العديد من المصاعب أمام تحقيق هذه المسألة.

بينما لعب الاتحاد الوطني لطلبة الكويت دوراً مهماً في الحصول على الكثير من المكاسب الطلابية، وساهم في تعزيز دور الحركة الطلابية، وإن بشكل محدود؛ وانحسر دوره لعدم الاهتمام الطلابي الكبير بهذا الدور المقنن من السلطات، وتركزه في جامعة الكويت، وطلبة الكويت في الخارج.

منظمات المرأة مارست دورها في تكوين المجتمع المدني في دول الخليج العربية

أما منظمات المرأة في دول الخليج العربية أيضاً فقد مارست دورها في تكوين المجتمع المدني، خاصة في الكويت والبحرين وسلطنة عُمان منذ ما قبل الاستقلال وفي الإمارات وقطر منذ ما بعد الاستقلال وبشكل كبير. ورغم بروز جمعية نهضة المرأة (العمانية) في دبي، كما تقول حصة لوتاه، المشاركة في تأسيس التنظيم النسائي في الستينات من القرن الماضي بدور اجتماعي وتوعوي ومحو أمية، فإن هذه التنظيمات النسائية في البحرين وعُمان شكلت عنصراً مدنياً مكملاً للنضالات الشعبية السياسية، بل إن أحد أكثر تنظيماتها استقراراً واستمرارية في جمعيات مثل جمعية أوال النسائية ونهضة فتاة البحرين ومنظمة المرأة العمانية وغيرها من التنظيمات النسائية، ساهمت في حصول الكثير من الانفراجات وارتفاع هامش الحرية في كل من عُمان والبحرين، حتى بلوغ مرحلة شبه المشاركة الشعبية التي تتجه إليها المنطقة حالياً.

أما القطاع التجاري، الذي لعب، بل قاد عملية التطور المدني في الغرب والمجتمعات الرأسمالية، فإنه في دول الخليج العربية لعب دوره في النهوض الوطنيِ، إلا أنه بقي أيضاً مرتبطاً بأنظمة الحكم وهو واقع الحال لكل تنظيمات التجار في غرف التجارة في دول الخليج العربية كلها.

فالسياق الحر للتطور الاجتماعي المدني لم تكن له طبيعته الحرة الخاصة المستقلة عن أعين السلطات في دول الخليج العربية، التي تملك عيناً مرتابة من كل حركة اجتماعية مدنية، وكأنها موجهة ضدها، وضد هيمنتها على الحياة العامة، حتى صارت نظمنا توصف بالسلطوية في العالم المتقدم.

إن أحدث تطورات المجتمع المدني، التي بدأت الجهات الرسمية بالسماح لها بإثبات وجودها وممارسة النشاط، هي تنظيمات حقوق الإنسان، التي أصبحت تبرز كالفطر في المجتمعات الخليجية. وهي تجربة جديدة من المفيد متابعتها عن كثب، وإن كانت المؤشرات الأولية تقول إن مثل هذه التنظيمات بدأت تأخذ دوراً رقابياً جيداً ضد خروقات حقوق الإنسان في دولها كلجنة حقوق الإنسان في البحرين، التي دخلت في صراعات جادة مع السلطات. إلا أن غالبية هذه التنظيمات تواجه إشكالية أن معظم القضايا المرفوعة لها هي لوافدين عاملين في الدول الخليجية، مما يخلق تضارباً بين الشأن الوطني والحقوق الإنسانية العامة التي تكفلها المواثيق الدولية؛ وهي إشكالية مرشحة لأن تتفاقم مع تزايد أعداد الوافدين للعمل في دول الخليج، وازدياد المراقبة الدولية والانتقادات الموجهة لدول الخليج في هذا الشأن.

لكن الإشكالية الأكبر في هذا الصدد هي أنه بالتعهد بالالتزام بالحقوق الأساسية للعمال أمام منظمة العمل الدولية، وإعلانها الموافقة على السماح للعمال الوافدين بتشكيل تنظيماتهم النقابية العمالية أثيرت مسألة ارتباط ذلك بالسماح للمواطنين أيضاً بتشكيل تنظيماتهم النقابية، ما جعل الجهات الرسمية تتأنى في دراسة المسألة قبل تقديم الموافقة على إقامة النقابات للعمال الأجانب والمواطنين على حد سواء.

إلى متى سيبقى ذلك؟ هو سؤال تصعب الإجابة عنه في ظل حالة الضبابية التي تشوب العلاقة بين الجهات الحكومية ووضعية التركيبة السكانية، التي تتغير ظروفها بشكل مستمر، إذ إن سمة التمييع لكل القضايا الخلافية في هذا الشأن تبقى هي القائمة، وتبقى رغبة التغيير الجادة والشجاعة والصادقة في مجال التنمية الحقيقية للحياة السياسية، وإحداث تطورات كيفية جادة تقفز بأنظمتنا للتسابق مع النظم الدولية المتطورة ونفاخر بإرادة تغيير حقيقية نحو مسايرة ركب الحضارة الدولية المتصاعد، والسائر بسرعة الصاروخ نحو قفزات زمنية لم نشهد لها في التاريخ الإنساني مثيلاً، إنها خطوة تحتاج إلى دراسة وتمحيص جادين.

إنها لحظة الحقيقة التي يجب على جهاتنا الرسمية الخليجية فيها أن تختار ما بين البقاء واللعب في الوقت الضائع على خلافات الأطراف المحلية والدولية في هذا الشأن، وبين أخذ زمام المبادرة كسلطات وطنية مخلصة لوطنها وشعبها وأمتها في إحداث ما هو أفضل لمجتمعاتها، حتى يذكرها التاريخ لفترة طويلة جداً كنظم حكم إنسانية مؤثرة ومبدعة ومخلصة للتطور البشري العام في منطقتها، وفي حدود صلاحياتها.

أخيراً نعود لأطروحتنا الأساسية في هذا الشأن بالقول دعوا المجتمع المدني يتطور من نفسه دون قيود حادة، دعوه يفرض مؤسساته الرقابية على عمل مؤسساتكم، ويصبح المجتمع المدني أفضل حالاً. فالماء الراكد تكثر في الفطريات والرواسب الآسنة. وليكن النبع جارياً متدفقاً حتى نحصل على أحسن النتائج، ونفاخر الأمم. ارفعوا أيديكم عن منظمات المجتمع المدني لكي يطور المجتمع ذاته، فلا أحد يستطيع أن ينصب نفسه وصياً على تصرفات الآخرين وينجح لفترة طويلة.

::/fulltext::
::cck::1696::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *