بوش وإسرائيل والمؤتمر الدولي

::cck::1682::/cck::
::introtext::

أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن) عن نية واشنطن في عقد مؤتمر دولي في نوفمبر المقبل من أجل تحقيق تقدم في عملية السلام على المسار الفلسطيني-الإسرائيلي، وهناك من يطلق على المؤتمر صفة الملتقى السياسي، لأنه يأتي في الزمن الضائع من إدارة الرئيس بوش التي بدأت فيها الحملة الانتخابية الرئاسية مبكرة في صراع بين الديمقراطيين والجمهوريين؟ 

::/introtext::
::fulltext::

أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن نية واشنطن في عقد مؤتمر دولي في نوفمبر المقبل من أجل تحقيق تقدم في عملية السلام على المسار الفلسطيني-الإسرائيلي، وهناك من يطلق على المؤتمر صفة الملتقى السياسي، لأنه يأتي في الزمن الضائع من إدارة الرئيس بوش التي بدأت فيها الحملة الانتخابية الرئاسية مبكرة في صراع بين الديمقراطيين والجمهوريين؟

لكن دعوة بوش للمؤتمر الدولي تثير الانتباه ولها أهدافها السياسية والاستراتيجية، لأنه دعا إلى حل الدولتين جنباً إلى جنب، ولا نعلم هل هو جاد في ذلك أم هي مناورة سياسية من دولة لا تتمتع بالمصداقية في موقفها من النزاع في الشرق الأوسط؟

وذكرت وزيرة خارجية إسرائيل تسيفي ليفني في مقابلة لها مع مجلة (نيويورك تايمز)، في الثامن من يوليو الماضي، أن إسرائيل هي التي حثت بوش على إعلان حل الدولتين؟ 

إدارة بوش في صراع مع الزمن وتريد تحقيق مكسب تاريخي

وتشير ليفني في المقابلة – وضعت المجلة صورتها على الغلاف – إلى أنها أخذت إذناً من شارون للسفر إلى واشنطن عام 2004 والتقت مع رايس، التي كانت مستشارة للأمن القومي لبوش، وأقنعت بوش بحل الدولتين، وأن حل مشكلة اللاجئين منوط بالدولة الفلسطينية المقترحة  وليست إسرائيل، لذا تقول رايس إنها هي وشارون وراء إعلان الرئيس بوش في 14 إبريل 2004، حل الدولتين، ويبقى حسب الرأي الإسرائيلي أن حق العودة ليس مطروحاً في نظر إسرائيل، ويبدو أن بعض الأطراف الفلسطينية التي تسير مع المشروع الأمريكي على قناعة بهذه الفكرة، وتسير عليها لأن بوش نفسه اعتبر حق العودة ليس عملياً!

 وتفسر ليفني (الجدار العازل) الذي يطلق عليه جدار الفصل العنصري، بأن تكون الدولة اليهودية خالصة في داخله، مع بقاء المستوطنات في الضفة تابعة للسيطرة الإسرائيلية! إذ إن موضوع حدود الدولة الفلسطينية ليس مطروحاً في نظر إسرائيل من منطلق الحدود الاستراتيجية، فهناك من يطرح استمرار الوجود الإسرائيلي في منطقة الغور المحاذية للأردن والسيطرة على المعابر بطريقة غير مباشرة أو مباشرة. كما أن القدس تبقى خطاً أحمر كما يردد ساسة إسرائيل. وعندما تطرح فكرة أن القدس الموحدة عاصمة لدولة إسرائيل، فهل تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المقترحة في المناطق التي ضمت للقدس، واعتبارها القدس الشرقية، إذا ما علمنا أن القدس قد توسعت؟

ما طرحته رايس أو بوش وساسة إسرائيل من مفهوم (الأفق السياسي)، وحسب رأي ليفني أن هذه العبارة محببة لها ولوزيرة الخارجية الأمريكية، وهذا يعني أنه ليست هناك خطوط واضحة للتفاوض، إنما أفق يمكن تفسيره كما تشاء إسرائيل.

إن المشكلة لدى إسرائيل ديموغرافية، فعدد السكان الفلسطينيين في الضفة والقطاع 4,016,400 نسمة، وهناك حوالي مليونين ونصف المليون في الضفة، ومليون ونصف المليون في القطاع، ونسبة الزيادة السنوية مرتفعة، 3,2 في المائة،  بالإضافة إلى حوالي مليون نسمة من عرب 1948، علماً أن عدد سكان إسرائيل من اليهود 5,5 مليون نسمة. فإسرائيل تخشى من القنبلة السكانية العربية على دولة تريدها أن تكون يهودية عنصرية، ولكنها أيضاً تريد استغلال الظروف الدولية والإقليمية والانقسام الداخلي الفلسطيني لتحقيق مكاسبها في حل الصراع باعتبارها مثالية لها في ظل تورط أمريكي في العراق وأفغانستان.

وكثيراً ما كانت إسرائيل تقترح المبادرات وتلبسها الثوب الأمريكي، فمثلاً كانت إسرائيل وراء استحداث منصب رئيس وزراء في السلطة الفلسطينية في آخر عهد عرفات، عندما أرادت الحد من صلاحيات الرئيس الراحل، وحسب ما يروي رئيس الموساد السابق إفران هاليفي في مذكراته التي نشرت عام 2006 فإن إسرائيل هي التي طبخت في غرف الموساد منصب رئيس وزراء للسلطة، ثم طلبت من واشنطن حشد رأي دولي للضغط من أجل إنشاء المنصب، على اعتبار أن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف الرئيس السابق بعد أن اعتبرته إسرائيل عقبة في سبيل السلام الذي تريده حسب شروطها.

إن إسرائيل لم تكن راغبة في إجراء انتخابات في الضفة الغربية وغزة، لكن جورج تنيت ذكر أن واشنطن هي التي أصرت على الانتخابات، ثم وقعت في المتناقضات، عندما رفضت الاعتراف بالحكومة التي شكلتها حماس، وحتى حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي شكلت بعد اتفاق مكة بقيت واشنطن تضغط دولياً من أجل عزلها وإسقاطها، وتحويل القضية إلى صراع فلسطيني- فلسطيني بدلاً من كونه صراعاً فلسطينياً –إسرائيلياً، بعد أن نجحت في تحويل الصراع من عربي-إسرائيلي  إلى فلسطيني-إسرائيلي.

وقال الصحفي الإسرائيلي روزنبلوم في صحيفة (هآرتس) في الثاني عشر من أغسطس 2007، (كل وعود أولمرت وأحاديثه مع رئيس السلطة محمود عباس عن السلام والمشاريع مجرد كلام فارغ ومن دون رصيد)، وقد عملت إسرائيل منذ عهد شارون على إضعاف الجانب الفلسطيني للتسليم بالشروط الإسرائيلية. المحلل الإسرائيلي عكيفا الدار علق على أحداث غزة بين فتح وحماس (قائلاً كان هذا حلم شارون وأولمرت في الانسحاب من غزة، وتعتقد إسرائيل أنها ستنجح في عزل غزة عن الضفة الغربية، والقدس الشرقية وغور الأردن عن بقية الضفة الغربية، تلك كانت الفكرة الرئيسية وغير المعلنة رسمياً وراء الانسحاب من قطاع غزة). من جانبه وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، سلفان شالوم قال في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، إن ما حدث هو فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة. وأضاف (إن مصير الضفة سيكون مرتبطاً بالأردن بينما مصير قطاع غزة بمصر)، ويذهب شالوم بالتفصيل كيف يتصرف الرئيس الفلسطيني عندما يقول (على أبو مازن: أن يحل المجلس التشريعي والإعلان عن انتخابات جديدة، وإذا تم الأمر وتمخضت عنه نتائج دراماتيكية فسوف يحصل تغيير حقيقي في المنطقة) هذا ما قاله شالوم، بل علق رئيس الوزراء أولمرت عشية سفره لمقابلة الرئيس بوش بعد أحداث غزة (قائلاً إن ذلك ما كنا نعمل عليه منذ زمن).

مفهوم الأفق السياسي يعني أن ليس للإدارة الأمريكية وإسرائيل خطوة واضحة للتفاوض 

وحسب التصور الإسرائيل لدولة صورية،  قال رؤوبين بدهتسور في صحيفة (هآرتس) 24 يوليو 2007 (الخيار الأردني يرفض أن يموت. فمن آن لآخر يرفع رأسه ويلمح إلى أن حل المشكلة الفلسطينية قد يكون ممكناً في السياق الأردني فقط)، ولكن لماذا تدفع واشنطن بالمؤتمر الدولي في ظل هذه التصورات الإسرائيلية، هل تريد إعطاء شرعية دولية لحل في ظل جانب فلسطيني منقسم على نفسه وضعيف؟

وكما كتبت صحيفة (هآرتس) في 18 أغسطس الماضي، فإن تسيبي ليفني بلورت (استراتيجية تفاوض بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ، وحشد مساعدة وأجواء دولية إيجابية لها، وذلك في موازاة الاتصالات التي تجريها لبلورة وثيقة مبادئ حول القضايا الجوهرية). وبينت الصحيفة أن استراتيجية ليفني تقوم على إضعاف حماس ونزع الشرعية منها، وحشد تأييد إقليمي عربي وإسلامي والعمل على ادماج إسرائيل في المنطقة، وتجنيد الدعم الدولي من أعضاء اللجنة الرباعية الدولية ودعم البنية التحتية والدعم الاقتصادي لتسويق المشروع الإسرائيلي الذي يلبس الثوب الأمريكي؟

وتتمثل القضايا الجوهرية في حق العودة، والقدس، والحدود، والانسحاب الإسرائيلي، وتفكيك المستوطنات إلا أن إسرائيل وضعت خطاً أحمر على حق عودة اللاجئين. وحسب قول ليفني، لصحيفة (نيويورك تايمز)، فإن العودة ستكون إلى أراضي الدولة الفلسطينية المقترحة وليس داخل إسرائيل، ومن جانبه قال جورج بوش إن حق العودة غير عملي، ويظهر أن بعض الأطراف الفلسطينية والدولية تعمل على التوطين والتعويض.

أما موضوع القدس، وهو خط أحمر إسرائيلي، كقدس موحدة، فقد تم توسيع حدود المدينة، وما تريده إسرائيل هو عاصمة فلسطينية في أحياء عربية تُضم للقدس، وتقسيم المسجد الأقصى، وتبقى المستوطنات تابعة للسيطرة الإسرائيلية، وطرح مقايضة أراض ونفق يربط غزة بالضفة، وقوات إسرائيلية في المنطقة الحدودية على نهر الأردن، ودولة لا تملك كامل السيادة، وإنما دولة تدخل مستقبلا في اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي؟

ويظهر أن واشنطن تدفع بإسرائيل مع تقديم 30 مليار دولار للتسلح والمحافظة على تفوقها الإقليمي، وهذا يذكرنا بموقف جورج بوش الأب عندما دفع لإسرائيل 10 مليارات دولار عام 1991 من أجل حضور مؤتمر مدريد.

إن إدارة بوش في صراع مع الزمن وتريد تحقيق مكسب تاريخي لها بعد ثماني سنوات في البيت الأبيض، وحيث فشلت في أفغانستان والعراق، فهي ترى أن ضعف الجانب الفلسطيني والضغط عليه قد يجعلانها تحقق حملة إعلامية تسوقها في آخر عهدها.

ولكن ما هو الموقف العربي؟ لقد أيدت الدول العربية المؤتمر الدولي، ولكن لم تحدد واشنطن من سيدعى له، ويظهر أن واشنطن تريد دعوة ما تصفها بالدول المعتدلة، على أمل تسويق الخطة الإسرائيلية تحت العباءة الأمريكية! ولكن الدول العربية من خلال مبادرة القمة العربية الأخيرة، طرحت المبادرة العربية المتضمنة انسحاب إسرائيلي إلى خطوط الخامس من يونيو 1967، ولكن إسرائيل أخذت المبادرة على أنها إعلان مبادئ وليست خطة تفصيلية كما يقول ألون بن في (هآرتس) في الثاني عشر من مارس الماضي؟ وحسب الرأي الذي يطرحه بن، يمكن الحديث في الشعارات والمساومة على الصيغ وتأجيل دفع الثمن الداخلي الذي ينطوي على الانسحاب من الضفة الغربية ومن الجولان ولكن المحظور الوقوع في الخطأ، إذا ما وافقت إسرائيل على المبادرة السعودية كما يصفها ألون بن.

إن إسرائيل والولايات المتحدة تركزان حالياً على خيار الضفة أولاً، كانموذج للانفتاح والدعم، والإفراج عن 100 مليون دولار من الضرائب الفلسطينية وأسرى فلسطينيين، ثم حصار غزة، وذلك في محاولة لدفع الرأي العام الفلسطيني للانقلاب على حماس لتهيئة الأوضاع للمؤتمر الدولي القادم، ولكنها مغامرة سياسة قد لا تنجح كما يقول روبرت مالي الذي كان ضمن فريق الرئيس كلينتون في كامب ديفيد عام 2000، كما أن  أرون ديفيد ميللر الذي كان ضمن فريق جيمس بيكر في إدارة بوش الأب يعتبر أن الضفة الغربية أولاً وهم لا يتحقق (أما اليوم فإن محمود عباس يتعرض لتحد متزايد من الفلسطينيين، وهو أقل قدرة على تأمين إجماع فلسطيني لقراراته المهمة)، بل ذهب يسرائيل هرئيل في (هآرتس) 21 يونيو الماضي إلى القول (آن الأوان إذن للتوقف عن إخفاء الحقيقة عن الجمهور، وعن صانعي السياسة، أبو مازن هو مجرد وهم وليس من الممكن إنقاذه).

والحقيقة أن الضعف ليس مرتبطاً بالرئيس الفلسطيني، فرئيس الوزراء الإسرائيلي أيضاً في حالة ضعف سياسي بعد الفشل في حرب لبنان صيف 2006، وبعد تقرير (لجنة فينوغراد) أصبح أكثر ضعفاً، وبعد فوز بنيامين نتنياهو برئاسة حزب الليكود و إيهود باراك برئاسة حزب العمل، كما يواجه أولمرت تحدياً من قادة حزبه كاديماً، خاصة من وزيرة الخارجية ليفني التي طالبت باستقالته ثم تراجعت، ولذلك فإنه في الوضع الإسرائيلي والصراع على السلطة لا يستطيع أولمرت تحقيق أدنى المطالب الفلسطينية. وهناك أيضاً الرجل الضعيف الثالث الرئيس بوش المتورط في العراق ويواجه الحزب الديمقراطي. ويبقى السؤال في ظل الضعفاء الثلاثة لا يمكن تصور تحقيق تقدم في المؤتمر الدولي القادم، سوى أنه محاولة أمريكية يائسة لتحقيق شيء ما على أمل أن يذكر التاريخ هذه الإدارة، ولكنه أمل يأتي في الزمن الضائع من إدارة بوش.

 

::/fulltext::

10-081
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1682::/cck::
::introtext::

أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن) عن نية واشنطن في عقد مؤتمر دولي في نوفمبر المقبل من أجل تحقيق تقدم في عملية السلام على المسار الفلسطيني-الإسرائيلي، وهناك من يطلق على المؤتمر صفة الملتقى السياسي، لأنه يأتي في الزمن الضائع من إدارة الرئيس بوش التي بدأت فيها الحملة الانتخابية الرئاسية مبكرة في صراع بين الديمقراطيين والجمهوريين؟ 

::/introtext::
::fulltext::

أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن عن نية واشنطن في عقد مؤتمر دولي في نوفمبر المقبل من أجل تحقيق تقدم في عملية السلام على المسار الفلسطيني-الإسرائيلي، وهناك من يطلق على المؤتمر صفة الملتقى السياسي، لأنه يأتي في الزمن الضائع من إدارة الرئيس بوش التي بدأت فيها الحملة الانتخابية الرئاسية مبكرة في صراع بين الديمقراطيين والجمهوريين؟

لكن دعوة بوش للمؤتمر الدولي تثير الانتباه ولها أهدافها السياسية والاستراتيجية، لأنه دعا إلى حل الدولتين جنباً إلى جنب، ولا نعلم هل هو جاد في ذلك أم هي مناورة سياسية من دولة لا تتمتع بالمصداقية في موقفها من النزاع في الشرق الأوسط؟

وذكرت وزيرة خارجية إسرائيل تسيفي ليفني في مقابلة لها مع مجلة (نيويورك تايمز)، في الثامن من يوليو الماضي، أن إسرائيل هي التي حثت بوش على إعلان حل الدولتين؟ 

إدارة بوش في صراع مع الزمن وتريد تحقيق مكسب تاريخي

وتشير ليفني في المقابلة – وضعت المجلة صورتها على الغلاف – إلى أنها أخذت إذناً من شارون للسفر إلى واشنطن عام 2004 والتقت مع رايس، التي كانت مستشارة للأمن القومي لبوش، وأقنعت بوش بحل الدولتين، وأن حل مشكلة اللاجئين منوط بالدولة الفلسطينية المقترحة  وليست إسرائيل، لذا تقول رايس إنها هي وشارون وراء إعلان الرئيس بوش في 14 إبريل 2004، حل الدولتين، ويبقى حسب الرأي الإسرائيلي أن حق العودة ليس مطروحاً في نظر إسرائيل، ويبدو أن بعض الأطراف الفلسطينية التي تسير مع المشروع الأمريكي على قناعة بهذه الفكرة، وتسير عليها لأن بوش نفسه اعتبر حق العودة ليس عملياً!

 وتفسر ليفني (الجدار العازل) الذي يطلق عليه جدار الفصل العنصري، بأن تكون الدولة اليهودية خالصة في داخله، مع بقاء المستوطنات في الضفة تابعة للسيطرة الإسرائيلية! إذ إن موضوع حدود الدولة الفلسطينية ليس مطروحاً في نظر إسرائيل من منطلق الحدود الاستراتيجية، فهناك من يطرح استمرار الوجود الإسرائيلي في منطقة الغور المحاذية للأردن والسيطرة على المعابر بطريقة غير مباشرة أو مباشرة. كما أن القدس تبقى خطاً أحمر كما يردد ساسة إسرائيل. وعندما تطرح فكرة أن القدس الموحدة عاصمة لدولة إسرائيل، فهل تكون عاصمة الدولة الفلسطينية المقترحة في المناطق التي ضمت للقدس، واعتبارها القدس الشرقية، إذا ما علمنا أن القدس قد توسعت؟

ما طرحته رايس أو بوش وساسة إسرائيل من مفهوم (الأفق السياسي)، وحسب رأي ليفني أن هذه العبارة محببة لها ولوزيرة الخارجية الأمريكية، وهذا يعني أنه ليست هناك خطوط واضحة للتفاوض، إنما أفق يمكن تفسيره كما تشاء إسرائيل.

إن المشكلة لدى إسرائيل ديموغرافية، فعدد السكان الفلسطينيين في الضفة والقطاع 4,016,400 نسمة، وهناك حوالي مليونين ونصف المليون في الضفة، ومليون ونصف المليون في القطاع، ونسبة الزيادة السنوية مرتفعة، 3,2 في المائة،  بالإضافة إلى حوالي مليون نسمة من عرب 1948، علماً أن عدد سكان إسرائيل من اليهود 5,5 مليون نسمة. فإسرائيل تخشى من القنبلة السكانية العربية على دولة تريدها أن تكون يهودية عنصرية، ولكنها أيضاً تريد استغلال الظروف الدولية والإقليمية والانقسام الداخلي الفلسطيني لتحقيق مكاسبها في حل الصراع باعتبارها مثالية لها في ظل تورط أمريكي في العراق وأفغانستان.

وكثيراً ما كانت إسرائيل تقترح المبادرات وتلبسها الثوب الأمريكي، فمثلاً كانت إسرائيل وراء استحداث منصب رئيس وزراء في السلطة الفلسطينية في آخر عهد عرفات، عندما أرادت الحد من صلاحيات الرئيس الراحل، وحسب ما يروي رئيس الموساد السابق إفران هاليفي في مذكراته التي نشرت عام 2006 فإن إسرائيل هي التي طبخت في غرف الموساد منصب رئيس وزراء للسلطة، ثم طلبت من واشنطن حشد رأي دولي للضغط من أجل إنشاء المنصب، على اعتبار أن ذلك قد يؤدي إلى إضعاف الرئيس السابق بعد أن اعتبرته إسرائيل عقبة في سبيل السلام الذي تريده حسب شروطها.

إن إسرائيل لم تكن راغبة في إجراء انتخابات في الضفة الغربية وغزة، لكن جورج تنيت ذكر أن واشنطن هي التي أصرت على الانتخابات، ثم وقعت في المتناقضات، عندما رفضت الاعتراف بالحكومة التي شكلتها حماس، وحتى حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي شكلت بعد اتفاق مكة بقيت واشنطن تضغط دولياً من أجل عزلها وإسقاطها، وتحويل القضية إلى صراع فلسطيني- فلسطيني بدلاً من كونه صراعاً فلسطينياً –إسرائيلياً، بعد أن نجحت في تحويل الصراع من عربي-إسرائيلي  إلى فلسطيني-إسرائيلي.

وقال الصحفي الإسرائيلي روزنبلوم في صحيفة (هآرتس) في الثاني عشر من أغسطس 2007، (كل وعود أولمرت وأحاديثه مع رئيس السلطة محمود عباس عن السلام والمشاريع مجرد كلام فارغ ومن دون رصيد)، وقد عملت إسرائيل منذ عهد شارون على إضعاف الجانب الفلسطيني للتسليم بالشروط الإسرائيلية. المحلل الإسرائيلي عكيفا الدار علق على أحداث غزة بين فتح وحماس (قائلاً كان هذا حلم شارون وأولمرت في الانسحاب من غزة، وتعتقد إسرائيل أنها ستنجح في عزل غزة عن الضفة الغربية، والقدس الشرقية وغور الأردن عن بقية الضفة الغربية، تلك كانت الفكرة الرئيسية وغير المعلنة رسمياً وراء الانسحاب من قطاع غزة). من جانبه وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق، سلفان شالوم قال في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، إن ما حدث هو فصل الضفة الغربية عن قطاع غزة. وأضاف (إن مصير الضفة سيكون مرتبطاً بالأردن بينما مصير قطاع غزة بمصر)، ويذهب شالوم بالتفصيل كيف يتصرف الرئيس الفلسطيني عندما يقول (على أبو مازن: أن يحل المجلس التشريعي والإعلان عن انتخابات جديدة، وإذا تم الأمر وتمخضت عنه نتائج دراماتيكية فسوف يحصل تغيير حقيقي في المنطقة) هذا ما قاله شالوم، بل علق رئيس الوزراء أولمرت عشية سفره لمقابلة الرئيس بوش بعد أحداث غزة (قائلاً إن ذلك ما كنا نعمل عليه منذ زمن).

مفهوم الأفق السياسي يعني أن ليس للإدارة الأمريكية وإسرائيل خطوة واضحة للتفاوض 

وحسب التصور الإسرائيل لدولة صورية،  قال رؤوبين بدهتسور في صحيفة (هآرتس) 24 يوليو 2007 (الخيار الأردني يرفض أن يموت. فمن آن لآخر يرفع رأسه ويلمح إلى أن حل المشكلة الفلسطينية قد يكون ممكناً في السياق الأردني فقط)، ولكن لماذا تدفع واشنطن بالمؤتمر الدولي في ظل هذه التصورات الإسرائيلية، هل تريد إعطاء شرعية دولية لحل في ظل جانب فلسطيني منقسم على نفسه وضعيف؟

وكما كتبت صحيفة (هآرتس) في 18 أغسطس الماضي، فإن تسيبي ليفني بلورت (استراتيجية تفاوض بين الرئيس محمود عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت ، وحشد مساعدة وأجواء دولية إيجابية لها، وذلك في موازاة الاتصالات التي تجريها لبلورة وثيقة مبادئ حول القضايا الجوهرية). وبينت الصحيفة أن استراتيجية ليفني تقوم على إضعاف حماس ونزع الشرعية منها، وحشد تأييد إقليمي عربي وإسلامي والعمل على ادماج إسرائيل في المنطقة، وتجنيد الدعم الدولي من أعضاء اللجنة الرباعية الدولية ودعم البنية التحتية والدعم الاقتصادي لتسويق المشروع الإسرائيلي الذي يلبس الثوب الأمريكي؟

وتتمثل القضايا الجوهرية في حق العودة، والقدس، والحدود، والانسحاب الإسرائيلي، وتفكيك المستوطنات إلا أن إسرائيل وضعت خطاً أحمر على حق عودة اللاجئين. وحسب قول ليفني، لصحيفة (نيويورك تايمز)، فإن العودة ستكون إلى أراضي الدولة الفلسطينية المقترحة وليس داخل إسرائيل، ومن جانبه قال جورج بوش إن حق العودة غير عملي، ويظهر أن بعض الأطراف الفلسطينية والدولية تعمل على التوطين والتعويض.

أما موضوع القدس، وهو خط أحمر إسرائيلي، كقدس موحدة، فقد تم توسيع حدود المدينة، وما تريده إسرائيل هو عاصمة فلسطينية في أحياء عربية تُضم للقدس، وتقسيم المسجد الأقصى، وتبقى المستوطنات تابعة للسيطرة الإسرائيلية، وطرح مقايضة أراض ونفق يربط غزة بالضفة، وقوات إسرائيلية في المنطقة الحدودية على نهر الأردن، ودولة لا تملك كامل السيادة، وإنما دولة تدخل مستقبلا في اتحاد فيدرالي أو كونفدرالي؟

ويظهر أن واشنطن تدفع بإسرائيل مع تقديم 30 مليار دولار للتسلح والمحافظة على تفوقها الإقليمي، وهذا يذكرنا بموقف جورج بوش الأب عندما دفع لإسرائيل 10 مليارات دولار عام 1991 من أجل حضور مؤتمر مدريد.

إن إدارة بوش في صراع مع الزمن وتريد تحقيق مكسب تاريخي لها بعد ثماني سنوات في البيت الأبيض، وحيث فشلت في أفغانستان والعراق، فهي ترى أن ضعف الجانب الفلسطيني والضغط عليه قد يجعلانها تحقق حملة إعلامية تسوقها في آخر عهدها.

ولكن ما هو الموقف العربي؟ لقد أيدت الدول العربية المؤتمر الدولي، ولكن لم تحدد واشنطن من سيدعى له، ويظهر أن واشنطن تريد دعوة ما تصفها بالدول المعتدلة، على أمل تسويق الخطة الإسرائيلية تحت العباءة الأمريكية! ولكن الدول العربية من خلال مبادرة القمة العربية الأخيرة، طرحت المبادرة العربية المتضمنة انسحاب إسرائيلي إلى خطوط الخامس من يونيو 1967، ولكن إسرائيل أخذت المبادرة على أنها إعلان مبادئ وليست خطة تفصيلية كما يقول ألون بن في (هآرتس) في الثاني عشر من مارس الماضي؟ وحسب الرأي الذي يطرحه بن، يمكن الحديث في الشعارات والمساومة على الصيغ وتأجيل دفع الثمن الداخلي الذي ينطوي على الانسحاب من الضفة الغربية ومن الجولان ولكن المحظور الوقوع في الخطأ، إذا ما وافقت إسرائيل على المبادرة السعودية كما يصفها ألون بن.

إن إسرائيل والولايات المتحدة تركزان حالياً على خيار الضفة أولاً، كانموذج للانفتاح والدعم، والإفراج عن 100 مليون دولار من الضرائب الفلسطينية وأسرى فلسطينيين، ثم حصار غزة، وذلك في محاولة لدفع الرأي العام الفلسطيني للانقلاب على حماس لتهيئة الأوضاع للمؤتمر الدولي القادم، ولكنها مغامرة سياسة قد لا تنجح كما يقول روبرت مالي الذي كان ضمن فريق الرئيس كلينتون في كامب ديفيد عام 2000، كما أن  أرون ديفيد ميللر الذي كان ضمن فريق جيمس بيكر في إدارة بوش الأب يعتبر أن الضفة الغربية أولاً وهم لا يتحقق (أما اليوم فإن محمود عباس يتعرض لتحد متزايد من الفلسطينيين، وهو أقل قدرة على تأمين إجماع فلسطيني لقراراته المهمة)، بل ذهب يسرائيل هرئيل في (هآرتس) 21 يونيو الماضي إلى القول (آن الأوان إذن للتوقف عن إخفاء الحقيقة عن الجمهور، وعن صانعي السياسة، أبو مازن هو مجرد وهم وليس من الممكن إنقاذه).

والحقيقة أن الضعف ليس مرتبطاً بالرئيس الفلسطيني، فرئيس الوزراء الإسرائيلي أيضاً في حالة ضعف سياسي بعد الفشل في حرب لبنان صيف 2006، وبعد تقرير (لجنة فينوغراد) أصبح أكثر ضعفاً، وبعد فوز بنيامين نتنياهو برئاسة حزب الليكود و إيهود باراك برئاسة حزب العمل، كما يواجه أولمرت تحدياً من قادة حزبه كاديماً، خاصة من وزيرة الخارجية ليفني التي طالبت باستقالته ثم تراجعت، ولذلك فإنه في الوضع الإسرائيلي والصراع على السلطة لا يستطيع أولمرت تحقيق أدنى المطالب الفلسطينية. وهناك أيضاً الرجل الضعيف الثالث الرئيس بوش المتورط في العراق ويواجه الحزب الديمقراطي. ويبقى السؤال في ظل الضعفاء الثلاثة لا يمكن تصور تحقيق تقدم في المؤتمر الدولي القادم، سوى أنه محاولة أمريكية يائسة لتحقيق شيء ما على أمل أن يذكر التاريخ هذه الإدارة، ولكنه أمل يأتي في الزمن الضائع من إدارة بوش.

 

::/fulltext::
::cck::1682::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *