هل ينقذ تقريرا باتريوس وكروكر سياسة بوش في العراق؟

::cck::1681::/cck::
::introtext::

في سيدني أثناء اجتماع منظمة (آبيك) صرح بوش بأنه يرى ما يكفي من التقدم في العراق قد يسمح له قريباً بإعلان انسحاب جزئي للقوات الأمريكية من هذا البلد. لكن السؤال الذي يتردد دائماً ويطرح على بوش من قبل الأمريكيين لماذا نحن في العراق؟ ويجيبهم بوش من أجل أمن أمريكا والعالم الغربي يجب أن نبقى إلى جانب العراقيين ونساعدهم. 

::/introtext::
::fulltext::

في سيدني أثناء اجتماع منظمة (آبيك) صرح بوش بأنه يرى ما يكفي من التقدم في العراق قد يسمح له قريباً بإعلان انسحاب جزئي للقوات الأمريكية من هذا البلد. لكن السؤال الذي يتردد دائماً ويطرح على بوش من قبل الأمريكيين لماذا نحن في العراق؟ ويجيبهم بوش من أجل أمن أمريكا والعالم الغربي يجب أن نبقى إلى جانب العراقيين ونساعدهم.

لقد أبدى بوش تفاؤله على لسان باتريوس قائد القوات الأمريكية في العراق لمراسلة شبكة (إي بي سي نيوز) مارثا رادتز في مقابلة في كامب فيكتوري في بغداد بأن الوضع في العراق لا يزال بالغ الخطورة ولا يزال أيضاً المسلحون قادرين على القيام بهجمات وحشية إلا أنه يشعر بأن تصاعد العنف هذا الصيف تمخض عن مبادرة بصفة عامة ضد القاعدة وهو ما يمثل تغييراً بل تغييراً مهماً.

وعند تفحص الكونغرس ذي الأكثرية الديمقراطية التقدم المتحقق في العراق عن طريق التركيز على إخفاقات الحكومة المركزية اقترح بوش استخدام مقياس جديد هو التركيز على التحالفات الجديدة التي كانت تجمع الولايات المتحدة بالعشائر والجماعات المحلية التي كانت واشنطن ذات يوم تخشى أن تمزق البلد، وهذا ما جعل بوش في رحلته إلى سيدني يتوقف في محافظة الأنبار ثماني ساعات بدلاً من بغداد التي كانت قلب التمرد السني المضاد للولايات المتحدة من خلال لقائه بزعماء العشائر الذين كانوا قبل عام واحد أعداء ويقاتلون الآن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.

ولايزال الرئيس الأمريكي يطرح استراتيجيات لكسب العراقيين وعلى وشك تقديم استراتيجيات جديدة أخرى. وخلاف هذا التفاؤل عقدت جلسة استماع حول تقرير مكتب محاسبة الحكومة التابع للكونغرس والذي رسم صورة معتمة عن مستقبل العراق مثلما كان تقييم الاستخبارات القومية قبل شهر من تقرير مكتب محاسبة الحكومة التابع للكونغرس الذي كان مماثلاً من حيث تشاؤمه لتقرير الكونغرس، ويرى البعض أن تغيير استراتيجية بوش وتقاربه من الزعماء السنة يؤكدان قناعتهم بأن العراق لن يصبح ثانية بلداً موحداً وقادراً على أن يصبح قلعة حقيقية للديمقراطية في الشرق الأوسط.

بوش يقايض سنة الأنبار على الدخول في الجيش العراقي بعدما كانوا ممنوعين من دخوله

وضمن هذا السياق فإن مؤلف كتاب (نهاية العراق) الصادر عام 2006 بيتر غالبريت يقول لقد وصلوا إلى ما هو محتم، ومن وجهة نظره التي هي وجهة نظر الديمقراطيين نفسها في الكونغرس والتي طرحها في كتابه بأن الشيعة والسنة والأكراد لم يتبنوا يوماً هوية عراقية مشتركة، وأن بوش الآن وصل إلى نقطة الاعتراف هذه، ولكن يتساءل الأمريكيون هل يضمن بوش محاربة السنة في الأنبار للقاعدة في بقية المحافظات الأخرى، وفي المقابل يقايض سنة الأنبار على الدخول في الجيش العراقي هم وأتباعهم بعدما كانوا ممنوعين من دخوله؟

في كل الأحوال فإن بوش يسعى لدولة مقسمة، فأول ما دخل الجيش الأمريكي العراق دعم الشيعة ضد السنة وعندها دعمت إيران الميليشيات الشيعية ضد القوات الأمريكية مستغلة اخطاء أمريكا في العراق مع غياب حضور عربي، ولكن بوش يتجه الآن إلى دعم السنة المعتدلين بعدما اختطفت إيران الأكثرية الشيعية ووظفتها لصالحها.

وتحاول الآن أمريكا توزيع قوات أمريكية على طول الحدود بين العراق وإيران، ولكن تقايض إيران أمريكا مقابل ذلك بدور إقليمي أكبر، كما تحاول خلق صراع عربي – فارسي بديل عن الصراع العربي – الإسرائيلي يكون ضحيته العراق، وما يحدث الآن من تطهير عرقي يؤكد ذلك، فبغداد بعدما كانت نسبة السنة فيها 63 في المائة أصبحت الآن نسبة الشيعة هي الأغلب تصل إلى 75 في المائة. والتطهير العرقي المتواصل على الضفة الشرقية والغربية من نهر دجلة من قبل ميليشيات القدس ما هو إلا مرحلة أولى من مراحل الحرب الأهلية.

فأصبح الآن هناك عاملان أساسيان هما التطهير العرقي السائد في العراق والتعامل مع العشائر يساهمان  في تفكيك بنى الدولة وتحطيمها وتقسيمها، خاصة مع غياب أي ديمومة سياسية مما ساهم في تفاقم الأزمة، فهناك أربعة ملايين عراقي لاجئ و50 في المائة من العراقيين بلا عمل، وآخر التقارير يشير إلى أن الأطباء تعرضوا لنكبة عنيفة.

وعندما دخلت أمريكا العراق تعاملت مع العراقيين على اعتبار السنة محتكرين الحكم والشيعة مظلومون والآن انعكس الوضع أي أنهم يتعاملون مع الشعب العراقي كطوائف وليس كشعب.

فأصبح (فيروس الطائفية) هو الطعم لإخراج بوش من ورطته في العراق بعدما تأكد له أن الأمريكيين يرفضون سياسته في العراق على حسابهم من خلال استطلاع نشر في الـ (واشنطن بوست)، إذ إن 70 في المائة من الذين استطلعت آراؤهم يرون أن الوضع الأمني في العراق سيئ للغاية.

فتقريرا باتريوس وكروكر لم يركزا على حاجة المجتمع العراقي، وقدما صوراً كاذبة عن نجاح خطة بغداد وعن تأمين الأنبار. والديمقراطيون يرون أن انخفاض العنف في العراق، حسب تقرير باتريوس، سببه التطهير الطائفي، وليس بسبب نجاح الخطة الأمنية التي رسمتها استراتيجية بوش. فالحالة الأمنية في العراق واحدة، والأنبار محافظة متاخمة للعاصمة بغداد وفي الوقت نفسه تتاخم ثلاث دول وكانت في الماضي تمد العاصمة بغداد بالجماعات المسلحة. ولذلك لجأ إلى إقامة علاقات مع زعماء عشائر الأنبار في محاولة لقطع امدادات السنة للعنف في بغداد. وهجوم الكونغرس على معدي التقريرين هو بسبب فشل سياسات بوش في العراق لأنهم يريدون لسياسة بلادهم أن تنجح، وبوش يقوم بتلك النقاشات لتضييع الوقت، ولن يتغير شيء، والحديث عن العراق هو فخ لتضليل المواطن الأمريكي.

وفي وقت تبدو فيه مسألة تحقيق مصالحة وطنية سياسية حسب الأوضاع الحالية مستحيلة فإن بوش يلجأ إلى التقسيم المعتدل للعراق، وهذا التقسيم المعتدل كامن في تحالف باتريوس التدريجي مع قادة العشائر المنتمين إلى المذهب السني في محافظة الأنبار التي اعتبرها كل من باتريوس والسفير رايان كروكر نموذجاً لنجاح كبير تحقق في العراق.

وأشاد خبير استراتيجي ديمقراطي باعتزام بوش سحب جزء من قواته، واعتبرها خطوة تاريخية للخروج من الوضع الراهن المتمثل في خسارة عدد كبير من القوات وإنفاق الكثير من المال والوقت، واعتبرها أيضاً استراتيجية ذكية من جانب الحزب الديمقراطي كي ينسب إليه الفضل في تغيير مسار الحرب في العراق.

ولكن بدلاً من التوصل إلى تسوية بين الشيعة والسنة وتحقيق مصالحة شاملة اتجهت جهود باتريوس إلى حلول محلية، بمعنى أن ثمن النجاح في الأنبار جاء على حساب الهدف الأكبر  للمشروع الأمريكي في العراق المتمثل في البناء الوطني والحفاظ على وحدة العراق وهو مطلب أساسي لدول الجوار عدا إيران التي يساعدها التقسيم على تمددها الإقليمي على حساب دول الجوار مما يخلق صراعاً إيرانياً أمريكياً على أرض العراق من جهة وعربياً إيرانياً من جهة أخرى، كما أن الحلف مع عشائر الأنبار سيظل مجرد حلف تكتيكي ضد المقاومة الجهادية وليس حلفاً استراتيجياً عميقاً.

إن النظام العربي عموماً مسؤول مسؤولية تاريخية وقومية عن ضرورة مصارحة الإدارة الأمريكية بضرورة إسقاط منطق التعامل مع العشيرة تارة والطائفية تارة أخرى لتحقيق مصالحها الخاصة فقط، وأيضاً بضرورة التحدث عن الشعب العراقي كشعب ودولة لحماية أمنه القومي.

فالحكم الشيعي لم يتمكن بعد أربع سنوات من الاحتلال من تشكيل طبقة حكم مؤسسية تعبر عن العشائر الشيعية، وتبتعد عن الاقتتال البيني للسيطرة على المراكز خصوصاً بعد الفراغ السياسي وانسحاب كتلة التوافق السنية والقائمة العراقية التي يترأسها إياد علاوي ، والكتلة الصدرية شكلت فشلاً ذريعاً وضغطاً كبيراً على العملية السياسية برمتها ما جعل العديد من الكتل السياسية تطالب بإنهاء عمل الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة كما طالبت المالكي بالتنحي.

وبحسب صحيفة الـ (واشنطن بوست) فإن تقريراً أمريكياً (أعده المعهد الأمريكي للسلام وهو وكالة مستقلة رسمياً وغير حزبية أسسها ويمولها الكونغرس الأمريكي منذ عام 1986) دعا إلى إدراج قضايا مماثلة يتعين التعامل معها ومن بينها: تقاسم السلطة ومراجعة الدستور وتوزيع عائدات النفط والانتخابات المحلية.

وحثت الولايات المتحدة الحكومة والبرلمان العراقيين على معالجة القضايا نفسها، لكنها فشلت في إحراز تقدم كبير، وترى مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أنه من الممكن أن يجد العراق المساعدة بمجهود دولي منسق وبدعوة القادة الأوروبيين والعرب إلى المشاركة في ذلك المجهود وتسيير دوريات على حدود العراق، والمساعدة في عمليات إعادة الإعمار وتدريب المزيد من قوات الجيش والشرطة في العراق وتعزيز الهيئة التشريعية والمؤسسات القضائية، كما أنه من الممكن أن يوجه هذا المجهود رسالة قوية وموحدة إلى القادة الطائفيين في العراق بأن ترتيبات اقتسام السلطة السياسية التي تعترف بحكم الأغلبية وتحمي حقوق الأقليات هي الحل الوحيد وهو حل ممكن تحقيقه. فهذا يمكن أن يحدث تحولاً سيكولوجياً على نحو يؤدي إلى شروع العراقيين بإعداد أنفسهم للمنافسة على السلطة على نحو سلمي بدلاً من التخطيط للبقاء والاستمرار وسط الفوضى والركام.

ويرى مدير قسم العراق في وحدة الشرق الأدنى في الخارجية الأمريكية ريتش شماير أن الأشهر الماضية شهدت استعداداً دولياً أوسع للتعامل مع الحكومة العراقية توج باجتماع شرم الشيخ للدول المجاورة في مايو 2007، وأن هناك دولاً عربية عدة ترددت في التعامل مع الحكومة العراقية، وأحياناً بسبب التدخل الإيراني في العراق، ولكن تغير الوضع الآن، وأن نظرة المجتمع الدولي تجاه العراق تغيرت وباتت ملتزمة ومتفهمة لضرورة مساعدة العراق ليصبح دولة قوية وديمقراطية.

وكانت بداية الوجود العربي إرسال المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بعثتين دبلوماسيتين إليه، وسيتوقف تحولهما إلى سفارتين على مدى نجاح العملية السياسية وتحقيق مصالحة على أسس وطنية.

ولكن على العرب الحذر من ابتلاع الطعم والفخ الذي تعده أمريكا للوقيعة بين العرب وإيران، وجعل إيران (فزاعة) جاهزة لتخويفهم بها من أجل شق الصف الإقليمي والعربي الإسلامي وذريعة لعدوان جديد على المنطقة، وسيكون مؤلماً أن يقع العرب في الفخ ذاته مرة أخرى. ولذلك لابد من الدخول في حوار عربي – إيراني لإجبار الطرف الإيراني على الاعتراف بعروبة العراق ووحدته والسعي إلى تقاسم عادل للمصالح المشتركة التي تسعى إيران جاهدة إلى الوصول إليها من دون استبعاد الطرف الأمريكي حتى لا يستحوذ طرف من الأطراف على المنطقة بمفرده.

والآن هناك توجه لاتحاد اتحاد غرف التجارة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى إنشاء منطقة تجارة حرة مشتركة تعزز من أواصر التعاون، وتجمع دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران بهدف تنمية التجارة الإقليمية البينية المعطلة بسبب غياب الثقة بين الجانبين. وهذا التوجه هو توجه استراتيجي يحقق العديد من الفوائد، ويجنب المنطقة الكثير من المشكلات العالقة والتي تعرقل هذا التقارب، ويزيل التوتر السائد بين الجانبين ويشكل قوة اقتصادية إقليمية.

 

 

::/fulltext::

171-dc2
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1681::/cck::
::introtext::

في سيدني أثناء اجتماع منظمة (آبيك) صرح بوش بأنه يرى ما يكفي من التقدم في العراق قد يسمح له قريباً بإعلان انسحاب جزئي للقوات الأمريكية من هذا البلد. لكن السؤال الذي يتردد دائماً ويطرح على بوش من قبل الأمريكيين لماذا نحن في العراق؟ ويجيبهم بوش من أجل أمن أمريكا والعالم الغربي يجب أن نبقى إلى جانب العراقيين ونساعدهم. 

::/introtext::
::fulltext::

في سيدني أثناء اجتماع منظمة (آبيك) صرح بوش بأنه يرى ما يكفي من التقدم في العراق قد يسمح له قريباً بإعلان انسحاب جزئي للقوات الأمريكية من هذا البلد. لكن السؤال الذي يتردد دائماً ويطرح على بوش من قبل الأمريكيين لماذا نحن في العراق؟ ويجيبهم بوش من أجل أمن أمريكا والعالم الغربي يجب أن نبقى إلى جانب العراقيين ونساعدهم.

لقد أبدى بوش تفاؤله على لسان باتريوس قائد القوات الأمريكية في العراق لمراسلة شبكة (إي بي سي نيوز) مارثا رادتز في مقابلة في كامب فيكتوري في بغداد بأن الوضع في العراق لا يزال بالغ الخطورة ولا يزال أيضاً المسلحون قادرين على القيام بهجمات وحشية إلا أنه يشعر بأن تصاعد العنف هذا الصيف تمخض عن مبادرة بصفة عامة ضد القاعدة وهو ما يمثل تغييراً بل تغييراً مهماً.

وعند تفحص الكونغرس ذي الأكثرية الديمقراطية التقدم المتحقق في العراق عن طريق التركيز على إخفاقات الحكومة المركزية اقترح بوش استخدام مقياس جديد هو التركيز على التحالفات الجديدة التي كانت تجمع الولايات المتحدة بالعشائر والجماعات المحلية التي كانت واشنطن ذات يوم تخشى أن تمزق البلد، وهذا ما جعل بوش في رحلته إلى سيدني يتوقف في محافظة الأنبار ثماني ساعات بدلاً من بغداد التي كانت قلب التمرد السني المضاد للولايات المتحدة من خلال لقائه بزعماء العشائر الذين كانوا قبل عام واحد أعداء ويقاتلون الآن تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين.

ولايزال الرئيس الأمريكي يطرح استراتيجيات لكسب العراقيين وعلى وشك تقديم استراتيجيات جديدة أخرى. وخلاف هذا التفاؤل عقدت جلسة استماع حول تقرير مكتب محاسبة الحكومة التابع للكونغرس والذي رسم صورة معتمة عن مستقبل العراق مثلما كان تقييم الاستخبارات القومية قبل شهر من تقرير مكتب محاسبة الحكومة التابع للكونغرس الذي كان مماثلاً من حيث تشاؤمه لتقرير الكونغرس، ويرى البعض أن تغيير استراتيجية بوش وتقاربه من الزعماء السنة يؤكدان قناعتهم بأن العراق لن يصبح ثانية بلداً موحداً وقادراً على أن يصبح قلعة حقيقية للديمقراطية في الشرق الأوسط.

بوش يقايض سنة الأنبار على الدخول في الجيش العراقي بعدما كانوا ممنوعين من دخوله

وضمن هذا السياق فإن مؤلف كتاب (نهاية العراق) الصادر عام 2006 بيتر غالبريت يقول لقد وصلوا إلى ما هو محتم، ومن وجهة نظره التي هي وجهة نظر الديمقراطيين نفسها في الكونغرس والتي طرحها في كتابه بأن الشيعة والسنة والأكراد لم يتبنوا يوماً هوية عراقية مشتركة، وأن بوش الآن وصل إلى نقطة الاعتراف هذه، ولكن يتساءل الأمريكيون هل يضمن بوش محاربة السنة في الأنبار للقاعدة في بقية المحافظات الأخرى، وفي المقابل يقايض سنة الأنبار على الدخول في الجيش العراقي هم وأتباعهم بعدما كانوا ممنوعين من دخوله؟

في كل الأحوال فإن بوش يسعى لدولة مقسمة، فأول ما دخل الجيش الأمريكي العراق دعم الشيعة ضد السنة وعندها دعمت إيران الميليشيات الشيعية ضد القوات الأمريكية مستغلة اخطاء أمريكا في العراق مع غياب حضور عربي، ولكن بوش يتجه الآن إلى دعم السنة المعتدلين بعدما اختطفت إيران الأكثرية الشيعية ووظفتها لصالحها.

وتحاول الآن أمريكا توزيع قوات أمريكية على طول الحدود بين العراق وإيران، ولكن تقايض إيران أمريكا مقابل ذلك بدور إقليمي أكبر، كما تحاول خلق صراع عربي – فارسي بديل عن الصراع العربي – الإسرائيلي يكون ضحيته العراق، وما يحدث الآن من تطهير عرقي يؤكد ذلك، فبغداد بعدما كانت نسبة السنة فيها 63 في المائة أصبحت الآن نسبة الشيعة هي الأغلب تصل إلى 75 في المائة. والتطهير العرقي المتواصل على الضفة الشرقية والغربية من نهر دجلة من قبل ميليشيات القدس ما هو إلا مرحلة أولى من مراحل الحرب الأهلية.

فأصبح الآن هناك عاملان أساسيان هما التطهير العرقي السائد في العراق والتعامل مع العشائر يساهمان  في تفكيك بنى الدولة وتحطيمها وتقسيمها، خاصة مع غياب أي ديمومة سياسية مما ساهم في تفاقم الأزمة، فهناك أربعة ملايين عراقي لاجئ و50 في المائة من العراقيين بلا عمل، وآخر التقارير يشير إلى أن الأطباء تعرضوا لنكبة عنيفة.

وعندما دخلت أمريكا العراق تعاملت مع العراقيين على اعتبار السنة محتكرين الحكم والشيعة مظلومون والآن انعكس الوضع أي أنهم يتعاملون مع الشعب العراقي كطوائف وليس كشعب.

فأصبح (فيروس الطائفية) هو الطعم لإخراج بوش من ورطته في العراق بعدما تأكد له أن الأمريكيين يرفضون سياسته في العراق على حسابهم من خلال استطلاع نشر في الـ (واشنطن بوست)، إذ إن 70 في المائة من الذين استطلعت آراؤهم يرون أن الوضع الأمني في العراق سيئ للغاية.

فتقريرا باتريوس وكروكر لم يركزا على حاجة المجتمع العراقي، وقدما صوراً كاذبة عن نجاح خطة بغداد وعن تأمين الأنبار. والديمقراطيون يرون أن انخفاض العنف في العراق، حسب تقرير باتريوس، سببه التطهير الطائفي، وليس بسبب نجاح الخطة الأمنية التي رسمتها استراتيجية بوش. فالحالة الأمنية في العراق واحدة، والأنبار محافظة متاخمة للعاصمة بغداد وفي الوقت نفسه تتاخم ثلاث دول وكانت في الماضي تمد العاصمة بغداد بالجماعات المسلحة. ولذلك لجأ إلى إقامة علاقات مع زعماء عشائر الأنبار في محاولة لقطع امدادات السنة للعنف في بغداد. وهجوم الكونغرس على معدي التقريرين هو بسبب فشل سياسات بوش في العراق لأنهم يريدون لسياسة بلادهم أن تنجح، وبوش يقوم بتلك النقاشات لتضييع الوقت، ولن يتغير شيء، والحديث عن العراق هو فخ لتضليل المواطن الأمريكي.

وفي وقت تبدو فيه مسألة تحقيق مصالحة وطنية سياسية حسب الأوضاع الحالية مستحيلة فإن بوش يلجأ إلى التقسيم المعتدل للعراق، وهذا التقسيم المعتدل كامن في تحالف باتريوس التدريجي مع قادة العشائر المنتمين إلى المذهب السني في محافظة الأنبار التي اعتبرها كل من باتريوس والسفير رايان كروكر نموذجاً لنجاح كبير تحقق في العراق.

وأشاد خبير استراتيجي ديمقراطي باعتزام بوش سحب جزء من قواته، واعتبرها خطوة تاريخية للخروج من الوضع الراهن المتمثل في خسارة عدد كبير من القوات وإنفاق الكثير من المال والوقت، واعتبرها أيضاً استراتيجية ذكية من جانب الحزب الديمقراطي كي ينسب إليه الفضل في تغيير مسار الحرب في العراق.

ولكن بدلاً من التوصل إلى تسوية بين الشيعة والسنة وتحقيق مصالحة شاملة اتجهت جهود باتريوس إلى حلول محلية، بمعنى أن ثمن النجاح في الأنبار جاء على حساب الهدف الأكبر  للمشروع الأمريكي في العراق المتمثل في البناء الوطني والحفاظ على وحدة العراق وهو مطلب أساسي لدول الجوار عدا إيران التي يساعدها التقسيم على تمددها الإقليمي على حساب دول الجوار مما يخلق صراعاً إيرانياً أمريكياً على أرض العراق من جهة وعربياً إيرانياً من جهة أخرى، كما أن الحلف مع عشائر الأنبار سيظل مجرد حلف تكتيكي ضد المقاومة الجهادية وليس حلفاً استراتيجياً عميقاً.

إن النظام العربي عموماً مسؤول مسؤولية تاريخية وقومية عن ضرورة مصارحة الإدارة الأمريكية بضرورة إسقاط منطق التعامل مع العشيرة تارة والطائفية تارة أخرى لتحقيق مصالحها الخاصة فقط، وأيضاً بضرورة التحدث عن الشعب العراقي كشعب ودولة لحماية أمنه القومي.

فالحكم الشيعي لم يتمكن بعد أربع سنوات من الاحتلال من تشكيل طبقة حكم مؤسسية تعبر عن العشائر الشيعية، وتبتعد عن الاقتتال البيني للسيطرة على المراكز خصوصاً بعد الفراغ السياسي وانسحاب كتلة التوافق السنية والقائمة العراقية التي يترأسها إياد علاوي ، والكتلة الصدرية شكلت فشلاً ذريعاً وضغطاً كبيراً على العملية السياسية برمتها ما جعل العديد من الكتل السياسية تطالب بإنهاء عمل الحكومة، وتشكيل حكومة جديدة كما طالبت المالكي بالتنحي.

وبحسب صحيفة الـ (واشنطن بوست) فإن تقريراً أمريكياً (أعده المعهد الأمريكي للسلام وهو وكالة مستقلة رسمياً وغير حزبية أسسها ويمولها الكونغرس الأمريكي منذ عام 1986) دعا إلى إدراج قضايا مماثلة يتعين التعامل معها ومن بينها: تقاسم السلطة ومراجعة الدستور وتوزيع عائدات النفط والانتخابات المحلية.

وحثت الولايات المتحدة الحكومة والبرلمان العراقيين على معالجة القضايا نفسها، لكنها فشلت في إحراز تقدم كبير، وترى مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة أنه من الممكن أن يجد العراق المساعدة بمجهود دولي منسق وبدعوة القادة الأوروبيين والعرب إلى المشاركة في ذلك المجهود وتسيير دوريات على حدود العراق، والمساعدة في عمليات إعادة الإعمار وتدريب المزيد من قوات الجيش والشرطة في العراق وتعزيز الهيئة التشريعية والمؤسسات القضائية، كما أنه من الممكن أن يوجه هذا المجهود رسالة قوية وموحدة إلى القادة الطائفيين في العراق بأن ترتيبات اقتسام السلطة السياسية التي تعترف بحكم الأغلبية وتحمي حقوق الأقليات هي الحل الوحيد وهو حل ممكن تحقيقه. فهذا يمكن أن يحدث تحولاً سيكولوجياً على نحو يؤدي إلى شروع العراقيين بإعداد أنفسهم للمنافسة على السلطة على نحو سلمي بدلاً من التخطيط للبقاء والاستمرار وسط الفوضى والركام.

ويرى مدير قسم العراق في وحدة الشرق الأدنى في الخارجية الأمريكية ريتش شماير أن الأشهر الماضية شهدت استعداداً دولياً أوسع للتعامل مع الحكومة العراقية توج باجتماع شرم الشيخ للدول المجاورة في مايو 2007، وأن هناك دولاً عربية عدة ترددت في التعامل مع الحكومة العراقية، وأحياناً بسبب التدخل الإيراني في العراق، ولكن تغير الوضع الآن، وأن نظرة المجتمع الدولي تجاه العراق تغيرت وباتت ملتزمة ومتفهمة لضرورة مساعدة العراق ليصبح دولة قوية وديمقراطية.

وكانت بداية الوجود العربي إرسال المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات بعثتين دبلوماسيتين إليه، وسيتوقف تحولهما إلى سفارتين على مدى نجاح العملية السياسية وتحقيق مصالحة على أسس وطنية.

ولكن على العرب الحذر من ابتلاع الطعم والفخ الذي تعده أمريكا للوقيعة بين العرب وإيران، وجعل إيران (فزاعة) جاهزة لتخويفهم بها من أجل شق الصف الإقليمي والعربي الإسلامي وذريعة لعدوان جديد على المنطقة، وسيكون مؤلماً أن يقع العرب في الفخ ذاته مرة أخرى. ولذلك لابد من الدخول في حوار عربي – إيراني لإجبار الطرف الإيراني على الاعتراف بعروبة العراق ووحدته والسعي إلى تقاسم عادل للمصالح المشتركة التي تسعى إيران جاهدة إلى الوصول إليها من دون استبعاد الطرف الأمريكي حتى لا يستحوذ طرف من الأطراف على المنطقة بمفرده.

والآن هناك توجه لاتحاد اتحاد غرف التجارة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى إنشاء منطقة تجارة حرة مشتركة تعزز من أواصر التعاون، وتجمع دول مجلس التعاون الخليجي مع إيران بهدف تنمية التجارة الإقليمية البينية المعطلة بسبب غياب الثقة بين الجانبين. وهذا التوجه هو توجه استراتيجي يحقق العديد من الفوائد، ويجنب المنطقة الكثير من المشكلات العالقة والتي تعرقل هذا التقارب، ويزيل التوتر السائد بين الجانبين ويشكل قوة اقتصادية إقليمية.

 

 

::/fulltext::
::cck::1681::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *