رسم مسار جديد
::cck::1701::/cck::
::introtext::
يمتلك مشروع برينستونللأمن القومي هدفاً طموحاً، فهو يسعى إلى مضاهاة تأثير مقال (X) الشهير الذي كتبه جورج كينانحول صياغة السياسة الخارجية الأمريكية. وقد استهل كل من جورج شولتز وأنتوني ليك عن عمد مقدمتهما للتقرير النهائي للمشروع باقتباس تعليق كولن باول الذي قال فيه (لأن كينان يستطيع الرؤية بشكل أعمق، فإنه يمكنه التنبؤ بشكل أدق)، ومن المفارقات العجيبة أن كولن باول لم ينجح في تحقيق هذا الأمر كوزير للخارجية.
::/introtext::
::fulltext::
العنوان: رسم مسار جديد
الكاتب: كيشور ماهبوباني
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية
مجلة سيرفايفل Survival ، المجلد، 49، العدد 3 سبتمبر 2007
صياغة عالم تسوده الحرية في إطار القانون: الأمن القومي الأمريكي في القرن الحادي والعشرين.
التقرير النهائي لمشروع برينستون حول الأمن القومي. برينستون، نيوجيرسي: كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية، عام 2006. ص96. الموقع الإلكتروني: Http://www.wws.princeton.edu/ppns/report/FinalReport.pdf.
يمتلك مشروع برينستون للأمن القومي هدفاً طموحاً، فهو يسعى إلى مضاهاة تأثير مقال (X) الشهير الذي كتبه جورج كينانحول صياغة السياسة الخارجية الأمريكية. وقد استهل كل من جورج شولتز وأنتوني ليك عن عمد مقدمتهما للتقرير النهائي للمشروع باقتباس تعليق كولن باول الذي قال فيه (لأن كينان يستطيع الرؤية بشكل أعمق، فإنه يمكنه التنبؤ بشكل أدق)، ومن المفارقات العجيبة أن كولن باول لم ينجح في تحقيق هذا الأمر كوزير للخارجية.
ويناصر مشروع برينستون استبدال التعددية القطبية بالأحادية القطبية، كما يعتقد بأن أفضل وسيلة للحفاظ على المصالح الأمريكية تكون عبر صياغة (عالم من الحرية في إطار القانون)؛ ومن ثم، فلا بد أن تعمل الولايات المتحدة على إصلاح منظومة المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
ويقع على عاتق الولايات المتحدة أكبر قدر من المسؤولية عن أية دولة أخرى إزاء إصلاح هذا النظام، لأنها تمثل الأمة الأقوى في العالم. ولا يمكن ممارسة القوة بشكل أحادي، كما لا يمكن ممارستها بغرض تحقيق مفهوم ضيق للمصلحة القومية، لأن مثل هذه الأفعال كثيراً ما تثير السخط والخوف والتردد.
إن صياغة عالم تسوده الحرية في إطار القانون تؤكد أيضاً على أهمية إعادة بناء المحور القديم على جانبي الأطلسي. وفي الواقع، إذا انتهجت الإدارة الأمريكية القادمة المنهج متعدد الأطراف لمشروع برينستون، فإن العالم سيكون مكاناً أفضل للجميع.
لا شك في أن هذا التقرير يمثل قفزة كبيرة للأمام تتجاوز وجهات النظر التي كانت سائدة أثناء إدارة جورج بوش الأولى. فالمحافظون الجدد، الذين سيطروا على أجندة السياسة الخارجية في السنوات الأولى للإدارة، اعتقدوا أن أمريكا في الأصل قوة خيرة؛ ومن ثم، عزفوا على مثل قديم يقول إن (ما هو خير لأمريكا، هو خير للعالم). فقد كان هدفهم تعزيز الأمن الأمريكي، ولكن أي تقييم موضوعي سيظهر أنهم ألحقوا المزيد من الخسائر بالأمن الأمريكي على المدى البعيد مقارنة بأية نخبة أخرى عملت في السياسة الخارجية الأمريكية. وتحت إمرتهم، حلت مشاعر الكراهية العالمية لأمريكا محل المشاعر الودية.
ومن المؤسف أن مشروع برينستون عجز عن تقييم حجم الدمار الهائل الذي أحدثه المحافظون الجدد. ويتجنب التقرير كلاً من لغة الخطابة والجدل سعياً منه للوصول إلى توافق بين الحزبين. فلهجته هادئة ومنطقية. ولقد جاد ما يقرب من 400 فرد بوقتهم ومواهبهم من أجل مشروع برينستون، ومن بين المشاركين نجوم لامعة من كلا الحزبين، وهم: هنري كيسنجر ، و فرانسيس فوكوياما ، و مادلين أولبرايت، و زبيغنيو بريجنسكي .ومع وجود أمثال هذه الكوكبة اللامعة، فليس من المستغرب صدور العديد من التوصيات الجريئة.
التوصية الأهم التي خرج بها المشروع هي أنه (ينبغي على الولايات المتحدة أن تفرض ضريبة وطنية للبنزين، تبدأ من خمسين سنتاً للغالون الواحد وتزداد بمقدار عشرين سنتاً في كل سنة من السنوات العشر المقبلة). ولا يجرؤ أي سياسي أمريكي، وربما حتى آل غور نفسه، على تأييد فرض ضريبة بمقدار خمسين سنتاً على البنزين. وعجز الحكومة الأمريكية عن دراسة الحل المتمثل في فرض ضريبة مقدارها خمسين سنتاً – الأمر الذي من شأنه أن يخفض الاحترار العالمي (Global Warming)، ويحسن كفاءة الطاقة، ويقلل الاعتماد الأمريكي على الشرق الأوسط المضطرب جيوبوليتيكياً – هو مؤشر واضح إلى مدى طول المسافة التي يجب أن تقطعها أمريكا للتواؤم مع عالم مختلف.
ويشتمل التقرير على عناصر أخرى جريئة. فهو يقتبس من الرئيس فرانكلين روزفلت قوله إنه (في عالم ديمقراطي، كما الحال في أية أمة ديمقراطية، يجب أن تقترن القوة بالمسؤولية، وتلتزم بالدفاع عن نفسها في إطار الصالح العام)، الأمر الذي يكشف عن مدى تراجع أمريكا عن مثلها التي كانت سائدة في العام 1945. فقد تحول التوافق السياسي كثيراً، خاصة بعد 11 سبتمبر 2001، إلى ناحية الأحادية من الطيف السياسي بدرجة كان على مشروع برينستون معها أن يناضل كي يعيد الأمور إلى نصابها. كما يدعو التقرير بجسارة إلى إلغاء حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ويؤكد أنه (ينبغي الاستعاضة عن حق النقض بالأغلبية العظمى من الأصوات – التي ربما تكون ثلاثة أرباع الأعضاء المصوتين – في مجلس أمن موسع). وقد لا يمتد بي العمر حتى أرى إلغاء حق النقض. لذا فإن صياغة عالم تسوده الحرية في إطار القانون أمر سابق لأوانه في ما يتعلق ببعض توصياته الخاصة بالسياسات – وإنه لأمر رائع حقاً أن المشروع تمكن من التوصل إلى توافق بين الحزبين على مثل هذه المقترحات الجريئة.
وهناك أيضاً العديد من العناصر المشتركة محل التوافق. فينبغي على أي استراتيجية ناجحة (أن تبنى على المصلحة، لا على التهديد). والصبر مطلوب من أجل التوصل إلى وفاق دولي جديد:
إن العالم الذي ننشده لن يتحقق بين عشية وضحاها. وفي الواقع، فإن نشر الحرية في إطار القانون قد لا يزال مرشداً ملائماً لسياسة الأمن القومي الأمريكي في بداية القرن الحادي والعشرين. فكما أشار دين أشيسون ذات مرة إلى أن البستاني الأحمق هو من يقص نباتاته كل صباح ليرى مقدار نموها بين عشية وضحاها.
إنني أتفق مع ذلك. لكن للأسف، فعلى الرغم من كل هذه الحكمة، لم يستفض التقرير بشكل كاف في تعريف الجمهور الأمريكي بمدى تغير العالم، وكيف أن أمريكا – متجاهلة لنصيحة أشيسون – قطعت الكثير من النباتات التي كانت قد زرعتها.
ويؤكد التقرير أنه (في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يجب على الولايات المتحدة ألا تنظر للعالم بعيون الحرب العالمية الثانية، أو الحرب الباردة، أو حتى 11/9. بل على الأمريكيين أن يعترفوا بأن عالمنا لا تحكمه عقيدة وحيدة ناظمة مثل مكافحة الفاشية أو مناهضة الشيوعية). ولكن هذا يتغاضى عن أكبر مبدأ وحيد ناظم برز مع القرن الحادي والعشرين، والذي يتمثل في: صعود آسيا. فلقد ظلت كل من الصين والهند أكبر اقتصادين في العالم طيلة ألفي عام، حتى العام 1820، وهذا وفق ما ذكره المؤرخ البريطاني أنجُس ماديسون. وكما تبين دراسة جولدمان ساكس عن البرازيل وروسيا والهند والصين (دول الـ (BRICs، فإنه بحلول عام 2050 ستكون الاقتصادات الأربعة الأكبر في العالم حسب هذا الترتيب هي كل من الصين، الولايات المتحدة، الهند، واليابان. وقد يحدث هذا قبل الوقت المحدد، ولن يكون هناك أي اقتصاد أوروبي من بين الدول الأربع الأولى. وسيصعب على العقول الغربية، التي تنبع تصوراتها من حقبة السيطرة الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، استيعاب القرن الحادي والعشرين والتكيف معه.
موجات متقلبة
إن نهاية حقبة السيطرة الأوروبية تقترب جداً – بل ربما قد تكون وصلت إلى نهايتها، على الرغم من أننا ربما لم ندركها. وهذا الفشل في فهم التغير الجوهري في التاريخ العالمي يفسر بدوره أحد العيوب الهيكلية في تقرير برينستون، حيث تتأسس العديد من التوصيات على الافتراض بأن أمريكا يمكنها أن تعزز أمنها بشكل أفضل بالعمل مع أوروبا، كما كانت تفعل في القرن العشرين.
وفي المستقبل القريب، سيكون الاتحاد الأوروبي فاعلاً جيوبوليتيكياً مصاباً بالشلل من الناحية الهيكلية، حيث إنه توسع بشكل سريع جداً، ويبلغ عدد لغاته ثلاثة وعشرين لغة، ويستهلك الزعماء وقتاً كبيراً جداً في مناقشة الكيفية التي ينبغي أن تتخذ بها أوروبا قراراتها. ولم تحل الاتفاقيات الترقيعية، التي تم التوصل إليها في ظل الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي عام 2007، المشكلة الجوهرية. ولن نكون قد بالغنا كثيراً إذا قلنا إن المناقشات الأوروبية الدائمة بخصوص ترتيبات إعادة توزيع المقاعد أمر شبيه بإعادة ترتيب كراسي سطح السفينة (تيتانيك). فقد ساءت البيئة الجيوبوليتيكية المحيطة بأوروبا، بينما يركز الاتحاد الأوروبي على الداخل، فأوروبا تواجه بيئة مضطربة في شمال إفريقيا، والشرق الأوسط، والبلقان، والقوقاز، بل إنها تقف وجهاً لوجه مع روسيا. وهذا سجل كئيب تماماً.
إن إحدى أكبر الحقائق الجيوبوليتيكية الجديدة التي لم ينتبه إليها التقرير هي أنه في حين أن الاتحاد الأوروبي قوة عظمى من الناحية الاقتصادية (حيث يبلغ إجمالي ناتجه المحلي 19.235 تريليون دولار) إلا أنه قوة صغرى من الناحية الدبلوماسية، حيث مني بالفشل في معظم مبادراته الخارجية. فسجله في البلقان مروع، ولم ينقذه سوى التدخل الأمريكي. وعلى النقيض من ذلك، فبينما تعد رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) قوة صغيرة من الناحية الاقتصادية (حيث يبلغ إجمالي ناتجها المحلي 858 مليار دولار)، فإنها قوة دبلوماسية ذات ثقل في منطقة آسيا والمحيط الهادي. وقد تنبأ العديد من المحللين الأمريكيين البارزين بأن ظهور قوى آسيوية جديدة سيؤدي إلى نشوب مزيد من النزاعات والتوترات. وكما يقول آرون ل. فرايدبيرج على سبيل المثال:
(في حين ستستمر الحروب الأهلية والنزاعات العرقية لبعض الوقت على حدود أوروبا قبل أن تخمد، فمن المحتمل على المدى الطويل أن تكون آسيا حلبة لنزاعات القوى العظمى. فالخمسمائة عام التي كانت أوروبا خلالها المولّد العالمي الأول للحروب، فضلاً عن الثروة والمعرفة، أشرفت على الانتهاء. ولكن، سواء انتهت للأفضل أو للأسوأ، فإن ماضي أوروبا يمكن أن يكون هو مستقبل آسيا).
لكن هذا لم يحدث؛ فلم تسمع أصوات المدافع في شرق آسيا. ويعزى جزء كبير من هذا إلى المهارة الدبلوماسية للآسيان. وعلى الرغم من ذلك، فبينما تمت الإشارة للاتحاد الأوروبي في المقال الرئيسي مرات عدة، فلم تذكر الآسيان ولو لمرة واحدة.
وهناك سبب آخر وراء بقاء منطقة آسيا والمحيط الهادي مستقرة من الناحية الجيوبوليتيكية على الرغم من اجتيازها أكبر تغيرات في ميزان القوى شهدها التاريخ الإنساني على الإطلاق. فالصين تبزغ باعتبارها الفاعل الجيوبوليتيكي الأبعد نظراً في العالم. وإذا استطاع أحد أن يرتب القوى العظمى بحسب بُعد نظرها الجيوبوليتيكي على مقياس مدرج من 1 إلى 10، فإن الاتحاد السوفييتي السابق يحصل على درجة 2، والاتحاد الأوروبي الحالي على 4، والولايات المتحدة على 6، والصين على 8 أو 9. فهدف مشروع برينستون يتمثل في التفكير بعيد المدى والتفكير خارج الإطار، إلا أنه يخفق في تفسير كيفية إنجاز القيادة الصينية لهذا العمل الفذ، بدرجة تجعلها تتقدم كثيراً على الولايات المتحدة.
ويطرح التقرير بالطبع الصين للنقاش. وفي الواقع ينبغي إضافة فصل بعنوان (التهديدات والتحديات الكبرى) تحت موضوع (صعود الصين والنظام في شرق آسيا). والتوصيات منطقية، وهي أن (المهمة الأساسية لأمريكا تتمثل في إدارة العلاقات الصينية – الأمريكية بالطريقة نفسها التي تتمكن بها الصين من تحقيق طموحاتها المشروعة في إطار النظام الدولي الراهن). وهذا منهج منطقي، إلا أن هناك مشكلة واحدة فقط، هي أن أمريكا لا تحرك الصين. بل الصين هي التي تحرك أمريكا وهي، إلى الآن، تؤدي ذلك على نحو جيد.
وربما يكون من الظلم أن ننتظر من تقرير قامت لجنة بكتابته أن يخوض في مثل هذه التقييمات المعقدة. لكن مديرا التقرير، وهما جون إيكينبيري، وآن – ماري سلاوتر قاما بعمل رائع بكل المقاييس، إلا أنه على الرغم من الجهود القصوى التي بذلاها، فإن هناك بعض الأخطاء الفادحة في فهم العالم الجديد.
الأصدقاء والأعداء
إن المناقشات التي تدور بشأن التحديات التي يمثلها العالم الإسلامي لأمريكا مخيبة للآمال بعض الشيء. وهنا، أيضاً، يخفق التقرير في فهم مدى تغير العالم الإسلامي. فقبل عملية العولمة المتسارعة في الوقت الحالي وانتشار العلوم والتكنولوجيا الحديثة، كانت المجتمعات الإسلامية المختلفة تعيش في جزر منعزلة من حقب التاريخ. أما اليوم فإنهم مترابطون بشكل وثيق. وباللغة المجازية، فإن الأسلاك الكهربائية ممتدة بين مجتمعات إسلامية مختلفة. وبالتالي، فعندما تحدث صدمة سياسية في النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فإن موجات الصدمة تسري بسرعة في عروق 1.2 مليار نسمة في العالم الإسلامي. ففي السابق كان المسلمون في جنوب شرق آسيا، وهم أكثر عدداً من المسلمين العرب، منفصلين عن التطورات التي تجري في الشرق الأوسط؛ أما اليوم، فيؤكد العديد منهم على هويتهم الإسلامية قبل هوياتهم العرقية.
إن صياغة عالم تسوده الحرية في إطار القانون يجب أن تدرك غضب العالم الإسلامي: (فالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني مثال ملموس أيضاً على الذل والقهر اللذين يتعرض لهما المسلم وهو الأمر الذي تستغله بسهولة الجماعات الإرهابية والمتطرفة والإعلام التحريضي). إن هذا الأمر حقيقي، لكن لماذا (يمكن استغلاله بسهولة؟) هنا، يعاني التقرير من المشكلة التي تُبتلى بها معظم المناقشات الأمريكية بخصوص الشرق الأوسط، وهي مشكلة العجز عن إجراء مناقشة تحيط بالمصادر الحقيقية للمشكلة من كل أبعادها. ومن المؤكد أنه من الصعب القول في أمريكا إن السياسات الأمريكية أدت إلى تفاقم الوضع في الشرق الأوسط. فعندما عشت في نيويورك لمدة عشرة أعوام، أذهلني عدد المثقفين الأمريكيين اللامعين الذين أخبروني سراً بأنهم لم يتمكنوا من إجراء مناقشة متوازنة بخصوص الشرق الأوسط في أمريكا، الدولة التي تعد أحد أكثر المجتمعات ليبرالية وانفتاحاً في العالم. ومن المفارقات أن حرية التعبير أكبر بكثير بخصوص قضية الشرق الأوسط في إسرائيل.
وباعتباري صديقاً لإسرائيل، فقد أكدت أن السياسات الأمريكية قوضت تماماً مصالح إسرائيل بعيدة المدى. فلا يمكن لإسرائيل أن تغير جغرافيتها، حيث لا يمكنها أن تنتقل إلى فلوريدا مثلاً، إنما يتحتم عليها أن تتواءم مع منظومتها الإيكولوجية الجيوبوليتيكية الخاصة وتتكيف معها، إلا أنها أخفقت بشكل غريب في فعل ذلك. فالالتزام الأمريكي المطلق أحادي الجانب بأمن إسرائيل أوجد حاجزاً مصطنعاً يمنع إسرائيل فعلاً من إجراء تواؤمات عملية مع بيئتها المضطربة ودائمة التغير. ومن المفارقات أن أكبر خسارة بعيدة المدى لحقت بإسرائيل قام بها أصدقاؤها الأكثر تأييداً، وهم المحافظون الجدد في أمريكا. فبعد قيام المحافظين الجدد بتعزيز الديمقراطية في العراق وفلسطين ولبنان، أطلقوا العنان للقوى التي ستجد إسرائيل مزيداً من الصعوبة في التغلب عليها، مثل قوتي حماس وحزب الله. وبهذا فقد أطلق المحافظون الجدد سراح المارد من القمقم؛ ولن يكون من السهل إرجاعه إليه. وقال هنري هايد، الذي كان يعمل حينئذ رئيساً للجنة العلاقات الدولية بمجلس الشيوخ الأمريكي الحقيقة الساطعة بشجاعة:
(إننا نتقدم بسرعة إلى حقبة غير محددة المعالم يحشد فيها الأعداء الجدد قواتهم، حيث إن كتيبة من المنافسين المحتملين تقيد وتحصر خياراتنا حتماً. ففي عالم تتقلص فيه نسب القوة تصبح فيه عواقب الحسابات الخاطئة أكثر تسبباً في إحداث الضعف، كما أن تكاليف النظريات الذهبية، الخاصة بتعزيز الديمقراطية في كل أنحاء العالم، سيتم تسديدها من مصالحنا).
وإلى أصدقائي الإسرائيليين أوجه هذا السؤال: إذا رأيتكم تسيرون نحو الهاوية، فهل ينبغي عليّ أن أوقفكم أم أقول واصلوا السير؟ يقول المحافظون الجدد: واصلوا السير. أما أنا فأنصح بتوخي الحذر. فينبغي على إسرائيل أن تجري حسابات جادة بعيدة المدى حول الربط المحتمل بين القوات لنحو مائة عام من الآن. فلن يبقى العالم الإسلامي ضعيفاً للأبد، فالحضارات الإسلامية، مثل الحضارتين الصينية والهندية، كانت قوية ذات يوم، وستنتعش الحضارات الإسلامية أيضاً مثل الصين والهند. ومن ثم سيكون خطأ قاتلاً إذا افترضنا أن 1.2 مليار مسلم لن يلحقوا في النهاية بركب التقدم الآسيوي نحو الحداثة. وهذه الموجة الجديدة من التاريخ مقبلة. ومن ثم، ينبغي على إسرائيل أن تستفيد على نحو مطلق من الوضع الجيوبوليتيكي الفريد الذي تتمتع به الآن في مواصلة عملية تكيف طويلة المدى. ولا يزال التوقيت ملائماً. فالدول العربية السنيّة منزعجة بسبب صعود الشيعة الذين تم تحريرهم بواسطة المحافظين الجدد الذين صدّروا الديمقراطية للعراق. وفي الحقيقة يتفق الجميع على أن اتفاقات طابا التي أبرمت في يناير 2001، وأشرف على إبرامها الرئيس(الأمريكي السابق) بيل كلينتون ، تمثل الحل الوحيد القابل للحياة. ويتحدث مشروع برينستون عن الحاجة إلى حل الدولتين. كما يدعو إلى قيادة أمريكية قوية، إلا أنه يقول إن أمريكا لا بد أن تعمل مع الاتحاد الأوروبي في المقام الأول، لكن الأيام التي كان يمكن فيها أن تعمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معاً على حل المشكلات العالمية، ولًّت. والمطلوب الآن وجود فاعلين وشركاء جدد.
إن إجراء قليل من الإحصائيات الديموغرافية يفسر سبب عدم تمكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أن يحلا المشكلات وحدهما. فأمريكا الشمالية فيها 300 مليون نسمة، والاتحاد الأوروبي فيه 500 مليون تقريباً. وإذا جمعا معاً، فإنهما يمثلان 12 في المائة من إجمالي عدد السكان في العالم البالغ 6.5 مليار نسمة. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، كانت نسبة الـ 88 في المائة المتبقية من سكان العالم مستكينة للسيطرة الغربية على نحو سلبي، إلا أنه لم تعد هناك سلبية الآن. ففي الواقع، فإن الـ 3.9 مليار آسيوي اليوم من بين أكثر الناس في العالم ديناميكية، وإنتاجية، وثقة، وتفاؤلاً. وسوف يُحكم على أي نظام عالمي يتجاهل رغباتهم ومصالحهم بالفشل.
وهذا هو سبب أن بعض الاقتراحات التي قدمت في التقرير مزعجة في الواقع. فعلى سبيل المثال، يقترح التقرير بأنه، إذا أخفق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في إضفاء الشرعية على استخدام القوة (ولا يمكن لمجلس الأمن فعل ذلك إلا في إطار القانون الدولي السائد)، فيمكن لمنظمة أخرى متعددة الأطراف، مثل الناتو، وذات قاعدة تمثيلية عريضة أن تخول بمثل هذا الاستخدام للقوة. إلا أن هذا الاقتراح مفزع وغير ديمقراطي بالأساس. فالناتو لا يتمتع بمصداقية ولا بشرعية في أعين أغلبية سكان العالم. ومن المفارقات، أن مشكلة نقص الديمقراطية نفسها تنطبق على اقتراح آخر ورد في التقرير، وهو إنشاء (ائتلاف الديمقراطيات) العالمي (لتوفير منتدى بديل عن الديمقراطيات الليبرالية من أجل التخويل بالعمل الجماعي، ومن بين ذلك استخدام القوة، بالحصول على الأغلبية العظمى من الأصوات). وبغض النظر عن طريقة إعداد مثل هذا الاقتراح، فإن أغلبية سكان العالم سيلاحظون أن عدداً قليلاً من الدول الغربية، التي تمثل نسبة صغيرة من سكان العالم، لا تزال تحاول فرض إرادتها على سائر العالم. وسوف يتم قبول الهند بسرور للانضمام لائتلاف الديمقراطيات هذا، إلا أنها من غير المحتمل أن تدعم أي اقتراحات تعزلها عن جارين حيويين هما الصين والعالم الإسلامي. وهذا هو أحد أسباب عدم انضمام الهند إلى تحالف الراغبين في العراق، على الرغم من أنه كانت لديها أسباب منطقية مع الولايات المتحدة لفعل ذلك.
هذه هي نقطة الضعف الرئيسية في التقرير. فالعالم لا يمكنه العودة إلى فرضيات حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فكل من العولمة وصعود آسيا أوجدا عالماً جديداً تماماً. والمحور القديم عبر الأطلسي لم يعد بوسعه إدارة العالم؛ حيث يتطلب وجود شركاء وطرق جديدة. ففي عالم القرن الحادي والعشرين، المختلف تماماً، ربما نحتاج إلى مجموعة جديدة من الجغرافيا السياسية للعالم. وفي حين يقترب التقرير بشكل واضح مما هو ممكن في تقديم الاقتراحات التي تخرج عن الإجماع السائد في أمريكا، إلا أنه يقطع شوطاً كبيراً بالقدر الكافي إزاء التأكيد على أن أي نظام عالمي جديد يتطلب المشاركة والانخراط الفعالين لـ 88 في المائة من سكان العالم الذين يعيشون خارج أمريكا وأوروبا.
كما يفترض التقرير أن أمريكا وأوروبا، في إطار سياستهما العالمية، سيوليان الأولوية للقيم، إلا أنه كلما كان هناك صدام بين المصالح الغربية قصيرة المدى والقيم الغربية بعيدة المدى، فإن المصالح في الأغلب دائماً ما تنتصر. وتتعرض جولة الدوحة للمحادثات التجارية في الوقت الحالي للخطر بسبب أن أياً من أمريكا أو الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يتخذ الخطوة المؤلمة سياسياً والمتمثلة في إلغاء المعونات الزراعية. وأي سياسي يقترح هذا سوف يتم التشنيع به على الملأ، حيث يعاني عشرة ملايين فقير من مزارعي القطن في غرب إفريقيا بسبب عدم استطاعة أحد كسر القبضة السياسية لـ25.000 من مزارعي القطن الأمريكيين الأغنياء على الكونغرس. والديمقراطيات الغربية، مثل أية دولة – أمة أخرى في العالم، تنشئ احتياطيات قومية مكتفية ذاتياً. وقبل عصر العولمة الحديثة، عندما كانت البشرية تعيش في مجتمعات مختلفة، كان الأمر مشابهاً للإبحار على قوارب مختلفة. ومن ثم أوجدت قواعد التعددية في عام 1945 مفهوماً شائعاً، حيث أرست قواعد تقضي بمنع القوارب من الاصطدام ببعضها. أما في إطار العولمة الحديثة، فإننا جميعاً نبحر في قارب واحد. ولكن لا يوجد ربان ولا طاقم للعناية بالقارب ككل. وبدلاً من ذلك، تعتني كل دولة – أمة بحجرتها الخاصة، بينما يبحر القارب بصعوبة فائقة.
ويشير سؤال بناء عالم تسوده الحرية في إطار القانون بالفعل إلى مشكلات مهمة غير محدودة، ومنها كيف وأين نبحر في المياه المضطربة؟ ويعترف التقرير بأن الشبكات الإرهابية العالمية هي التي تمثل تهديدات للأمن القومي الأمريكي، فضلاً عن أن خبراء الصحة يحذرون من خطر جسيم ينشأ بسبب وباء إنفلونزا الطيور، الذي لديه القدرة على الفتك بمئات الملايين من البشر. من ثم، فإذا لم تحترم التهديدات الناشئة حدود الدول، فكيف ستتعامل معها الدول – الأمم التي تعتد كثيراً بحدودها؟ هنا يكمن المجال المطلوب فيه القيام بوثبة جديدة في الإبداع الإنساني للتعامل مع التحديات الجديدة، إلا أن التقرير يخفق في القيام بهذه الوثبة.
لذلك كله ينبغي على أمريكا أن تضاهي جرأة خيال كينان. فعليها الاعتراف بأنه عن طريق الإبحار مع سائر البشرية في قارب واحد (المبني، على نحو مثير للسخرية، عن طريق التكنولوجيا وأيديولوجية السوق الحرة الأمريكية)، فإنه يتحتم على أمريكا أن تعمل على إيجاد نظام عالمي جديد يستوعب، بدلاً من أن يستثني، أغلبية سكان العالم. كما يجب التخلي عن بعض آليات السيطرة القديمة. فمشروع برينستون جريء في اقتراحه بأنه ينبغي توسيع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للسماح بوجود أعضاء دائمين من أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا. إلا أنه لم يكن جريئاً بما فيه الكفاية ليشير إلى ما اعتبره ذات مرة أحد زملائي في الأمم المتحدة حقيقة جلية. فإذا كان للاتحاد الأوروبي على نحو متزايد سياسة خارجية واحدة، فلِمَ لا يكون له صوت واحد و(فيتو) واحد في مجلس الأمن؟ وكذلك ينبغي التخلص من القاعدة التي تقول إن رؤساء صندوق النقد الدولي ينبغي أن يكونوا أوروبيين، ورؤساء البنك الدولي ينبغي أن يكونوا أمريكيين، فهذا الأمر مهين ومخزٍ لبقية سكان العالم، فقد أسهمت كل هذه الأنماط القديمة للسيطرة في إعاقة التحرر العالمي من أمريكا.
ويتطرق تقرير برينستون لموضوع الكراهية لأمريكا، حيث يؤيد (نهج المبيعات) بدلاً من نهج (العلاقات العامة) بالنسبة للمشكلة. كما يعتقد التقرير أن ثمة مجموعة إجراءات جديدة يمكن أن تقلص كراهية أمريكا في العالم الإسلامي. وكما أعرف من خلال خبرتي الشخصية فقد يكون هذا أكثر من مجرد تفاؤل بسيط. فعندما نُشر كتابي المعنون (ما بعد عصر البراءة: إعادة بناء الثقة بين أمريكا والعالم)، كتبت عنه(الفاينانشيال تايمز) (في عددها الصادر في 8 يوليو عام 2006) نقداً سلبياً، واعتبرته كتاباً آخر (معادياً لما هو أمريكي). وبالرغم من ذلك أخبرني الناشر التركي لكتابي بأن الاتجاه السائد في تركيا معاد لما هو أمريكي ولا يمكن نشر كتابي هناك لأنه مغال في تأييده لأمريكا.
وأتمنى ألا يلقى تقرير برينستون المصير نفسه، فقد يتم اعتباره في أمريكا في غاية الجرأة والحلم لدرجة تحول دون تحققه. أما خارج أمريكا، فسوف يتم اعتبار درجة جرأته وإبداعه ملائمة. ومع ذلك، فقد لا يكون هذا الأمر سيئاً بالضرورة. فسوف يظهر أن المشروع حدد أرضية مشتركة رائعة يمكن لأمريكا من خلالها أن تحاول استرداد عافيتها، بينما تتعلم أن تندمج مرة أخرى مع عالم كان يوماً ما متيماً بها، أما الآن فهو يتحرر منها بشكل تدريجي. فإذا كانت أمريكا ترغب في البدء في بناء جسور جديدة فقد يوفر التقرير بعض الأسس لذلك.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1701::/cck::
::introtext::
يمتلك مشروع برينستونللأمن القومي هدفاً طموحاً، فهو يسعى إلى مضاهاة تأثير مقال (X) الشهير الذي كتبه جورج كينانحول صياغة السياسة الخارجية الأمريكية. وقد استهل كل من جورج شولتز وأنتوني ليك عن عمد مقدمتهما للتقرير النهائي للمشروع باقتباس تعليق كولن باول الذي قال فيه (لأن كينان يستطيع الرؤية بشكل أعمق، فإنه يمكنه التنبؤ بشكل أدق)، ومن المفارقات العجيبة أن كولن باول لم ينجح في تحقيق هذا الأمر كوزير للخارجية.
::/introtext::
::fulltext::
العنوان: رسم مسار جديد
الكاتب: كيشور ماهبوباني
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية
مجلة سيرفايفل Survival ، المجلد، 49، العدد 3 سبتمبر 2007
صياغة عالم تسوده الحرية في إطار القانون: الأمن القومي الأمريكي في القرن الحادي والعشرين.
التقرير النهائي لمشروع برينستون حول الأمن القومي. برينستون، نيوجيرسي: كلية وودرو ويلسون للشؤون العامة والدولية، عام 2006. ص96. الموقع الإلكتروني: Http://www.wws.princeton.edu/ppns/report/FinalReport.pdf.
يمتلك مشروع برينستون للأمن القومي هدفاً طموحاً، فهو يسعى إلى مضاهاة تأثير مقال (X) الشهير الذي كتبه جورج كينانحول صياغة السياسة الخارجية الأمريكية. وقد استهل كل من جورج شولتز وأنتوني ليك عن عمد مقدمتهما للتقرير النهائي للمشروع باقتباس تعليق كولن باول الذي قال فيه (لأن كينان يستطيع الرؤية بشكل أعمق، فإنه يمكنه التنبؤ بشكل أدق)، ومن المفارقات العجيبة أن كولن باول لم ينجح في تحقيق هذا الأمر كوزير للخارجية.
ويناصر مشروع برينستون استبدال التعددية القطبية بالأحادية القطبية، كما يعتقد بأن أفضل وسيلة للحفاظ على المصالح الأمريكية تكون عبر صياغة (عالم من الحرية في إطار القانون)؛ ومن ثم، فلا بد أن تعمل الولايات المتحدة على إصلاح منظومة المؤسسات الدولية التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية.
ويقع على عاتق الولايات المتحدة أكبر قدر من المسؤولية عن أية دولة أخرى إزاء إصلاح هذا النظام، لأنها تمثل الأمة الأقوى في العالم. ولا يمكن ممارسة القوة بشكل أحادي، كما لا يمكن ممارستها بغرض تحقيق مفهوم ضيق للمصلحة القومية، لأن مثل هذه الأفعال كثيراً ما تثير السخط والخوف والتردد.
إن صياغة عالم تسوده الحرية في إطار القانون تؤكد أيضاً على أهمية إعادة بناء المحور القديم على جانبي الأطلسي. وفي الواقع، إذا انتهجت الإدارة الأمريكية القادمة المنهج متعدد الأطراف لمشروع برينستون، فإن العالم سيكون مكاناً أفضل للجميع.
لا شك في أن هذا التقرير يمثل قفزة كبيرة للأمام تتجاوز وجهات النظر التي كانت سائدة أثناء إدارة جورج بوش الأولى. فالمحافظون الجدد، الذين سيطروا على أجندة السياسة الخارجية في السنوات الأولى للإدارة، اعتقدوا أن أمريكا في الأصل قوة خيرة؛ ومن ثم، عزفوا على مثل قديم يقول إن (ما هو خير لأمريكا، هو خير للعالم). فقد كان هدفهم تعزيز الأمن الأمريكي، ولكن أي تقييم موضوعي سيظهر أنهم ألحقوا المزيد من الخسائر بالأمن الأمريكي على المدى البعيد مقارنة بأية نخبة أخرى عملت في السياسة الخارجية الأمريكية. وتحت إمرتهم، حلت مشاعر الكراهية العالمية لأمريكا محل المشاعر الودية.
ومن المؤسف أن مشروع برينستون عجز عن تقييم حجم الدمار الهائل الذي أحدثه المحافظون الجدد. ويتجنب التقرير كلاً من لغة الخطابة والجدل سعياً منه للوصول إلى توافق بين الحزبين. فلهجته هادئة ومنطقية. ولقد جاد ما يقرب من 400 فرد بوقتهم ومواهبهم من أجل مشروع برينستون، ومن بين المشاركين نجوم لامعة من كلا الحزبين، وهم: هنري كيسنجر ، و فرانسيس فوكوياما ، و مادلين أولبرايت، و زبيغنيو بريجنسكي .ومع وجود أمثال هذه الكوكبة اللامعة، فليس من المستغرب صدور العديد من التوصيات الجريئة.
التوصية الأهم التي خرج بها المشروع هي أنه (ينبغي على الولايات المتحدة أن تفرض ضريبة وطنية للبنزين، تبدأ من خمسين سنتاً للغالون الواحد وتزداد بمقدار عشرين سنتاً في كل سنة من السنوات العشر المقبلة). ولا يجرؤ أي سياسي أمريكي، وربما حتى آل غور نفسه، على تأييد فرض ضريبة بمقدار خمسين سنتاً على البنزين. وعجز الحكومة الأمريكية عن دراسة الحل المتمثل في فرض ضريبة مقدارها خمسين سنتاً – الأمر الذي من شأنه أن يخفض الاحترار العالمي (Global Warming)، ويحسن كفاءة الطاقة، ويقلل الاعتماد الأمريكي على الشرق الأوسط المضطرب جيوبوليتيكياً – هو مؤشر واضح إلى مدى طول المسافة التي يجب أن تقطعها أمريكا للتواؤم مع عالم مختلف.
ويشتمل التقرير على عناصر أخرى جريئة. فهو يقتبس من الرئيس فرانكلين روزفلت قوله إنه (في عالم ديمقراطي، كما الحال في أية أمة ديمقراطية، يجب أن تقترن القوة بالمسؤولية، وتلتزم بالدفاع عن نفسها في إطار الصالح العام)، الأمر الذي يكشف عن مدى تراجع أمريكا عن مثلها التي كانت سائدة في العام 1945. فقد تحول التوافق السياسي كثيراً، خاصة بعد 11 سبتمبر 2001، إلى ناحية الأحادية من الطيف السياسي بدرجة كان على مشروع برينستون معها أن يناضل كي يعيد الأمور إلى نصابها. كما يدعو التقرير بجسارة إلى إلغاء حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ويؤكد أنه (ينبغي الاستعاضة عن حق النقض بالأغلبية العظمى من الأصوات – التي ربما تكون ثلاثة أرباع الأعضاء المصوتين – في مجلس أمن موسع). وقد لا يمتد بي العمر حتى أرى إلغاء حق النقض. لذا فإن صياغة عالم تسوده الحرية في إطار القانون أمر سابق لأوانه في ما يتعلق ببعض توصياته الخاصة بالسياسات – وإنه لأمر رائع حقاً أن المشروع تمكن من التوصل إلى توافق بين الحزبين على مثل هذه المقترحات الجريئة.
وهناك أيضاً العديد من العناصر المشتركة محل التوافق. فينبغي على أي استراتيجية ناجحة (أن تبنى على المصلحة، لا على التهديد). والصبر مطلوب من أجل التوصل إلى وفاق دولي جديد:
إن العالم الذي ننشده لن يتحقق بين عشية وضحاها. وفي الواقع، فإن نشر الحرية في إطار القانون قد لا يزال مرشداً ملائماً لسياسة الأمن القومي الأمريكي في بداية القرن الحادي والعشرين. فكما أشار دين أشيسون ذات مرة إلى أن البستاني الأحمق هو من يقص نباتاته كل صباح ليرى مقدار نموها بين عشية وضحاها.
إنني أتفق مع ذلك. لكن للأسف، فعلى الرغم من كل هذه الحكمة، لم يستفض التقرير بشكل كاف في تعريف الجمهور الأمريكي بمدى تغير العالم، وكيف أن أمريكا – متجاهلة لنصيحة أشيسون – قطعت الكثير من النباتات التي كانت قد زرعتها.
ويؤكد التقرير أنه (في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين يجب على الولايات المتحدة ألا تنظر للعالم بعيون الحرب العالمية الثانية، أو الحرب الباردة، أو حتى 11/9. بل على الأمريكيين أن يعترفوا بأن عالمنا لا تحكمه عقيدة وحيدة ناظمة مثل مكافحة الفاشية أو مناهضة الشيوعية). ولكن هذا يتغاضى عن أكبر مبدأ وحيد ناظم برز مع القرن الحادي والعشرين، والذي يتمثل في: صعود آسيا. فلقد ظلت كل من الصين والهند أكبر اقتصادين في العالم طيلة ألفي عام، حتى العام 1820، وهذا وفق ما ذكره المؤرخ البريطاني أنجُس ماديسون. وكما تبين دراسة جولدمان ساكس عن البرازيل وروسيا والهند والصين (دول الـ (BRICs، فإنه بحلول عام 2050 ستكون الاقتصادات الأربعة الأكبر في العالم حسب هذا الترتيب هي كل من الصين، الولايات المتحدة، الهند، واليابان. وقد يحدث هذا قبل الوقت المحدد، ولن يكون هناك أي اقتصاد أوروبي من بين الدول الأربع الأولى. وسيصعب على العقول الغربية، التي تنبع تصوراتها من حقبة السيطرة الغربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، استيعاب القرن الحادي والعشرين والتكيف معه.
موجات متقلبة
إن نهاية حقبة السيطرة الأوروبية تقترب جداً – بل ربما قد تكون وصلت إلى نهايتها، على الرغم من أننا ربما لم ندركها. وهذا الفشل في فهم التغير الجوهري في التاريخ العالمي يفسر بدوره أحد العيوب الهيكلية في تقرير برينستون، حيث تتأسس العديد من التوصيات على الافتراض بأن أمريكا يمكنها أن تعزز أمنها بشكل أفضل بالعمل مع أوروبا، كما كانت تفعل في القرن العشرين.
وفي المستقبل القريب، سيكون الاتحاد الأوروبي فاعلاً جيوبوليتيكياً مصاباً بالشلل من الناحية الهيكلية، حيث إنه توسع بشكل سريع جداً، ويبلغ عدد لغاته ثلاثة وعشرين لغة، ويستهلك الزعماء وقتاً كبيراً جداً في مناقشة الكيفية التي ينبغي أن تتخذ بها أوروبا قراراتها. ولم تحل الاتفاقيات الترقيعية، التي تم التوصل إليها في ظل الرئاسة الألمانية للاتحاد الأوروبي عام 2007، المشكلة الجوهرية. ولن نكون قد بالغنا كثيراً إذا قلنا إن المناقشات الأوروبية الدائمة بخصوص ترتيبات إعادة توزيع المقاعد أمر شبيه بإعادة ترتيب كراسي سطح السفينة (تيتانيك). فقد ساءت البيئة الجيوبوليتيكية المحيطة بأوروبا، بينما يركز الاتحاد الأوروبي على الداخل، فأوروبا تواجه بيئة مضطربة في شمال إفريقيا، والشرق الأوسط، والبلقان، والقوقاز، بل إنها تقف وجهاً لوجه مع روسيا. وهذا سجل كئيب تماماً.
إن إحدى أكبر الحقائق الجيوبوليتيكية الجديدة التي لم ينتبه إليها التقرير هي أنه في حين أن الاتحاد الأوروبي قوة عظمى من الناحية الاقتصادية (حيث يبلغ إجمالي ناتجه المحلي 19.235 تريليون دولار) إلا أنه قوة صغرى من الناحية الدبلوماسية، حيث مني بالفشل في معظم مبادراته الخارجية. فسجله في البلقان مروع، ولم ينقذه سوى التدخل الأمريكي. وعلى النقيض من ذلك، فبينما تعد رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) قوة صغيرة من الناحية الاقتصادية (حيث يبلغ إجمالي ناتجها المحلي 858 مليار دولار)، فإنها قوة دبلوماسية ذات ثقل في منطقة آسيا والمحيط الهادي. وقد تنبأ العديد من المحللين الأمريكيين البارزين بأن ظهور قوى آسيوية جديدة سيؤدي إلى نشوب مزيد من النزاعات والتوترات. وكما يقول آرون ل. فرايدبيرج على سبيل المثال:
(في حين ستستمر الحروب الأهلية والنزاعات العرقية لبعض الوقت على حدود أوروبا قبل أن تخمد، فمن المحتمل على المدى الطويل أن تكون آسيا حلبة لنزاعات القوى العظمى. فالخمسمائة عام التي كانت أوروبا خلالها المولّد العالمي الأول للحروب، فضلاً عن الثروة والمعرفة، أشرفت على الانتهاء. ولكن، سواء انتهت للأفضل أو للأسوأ، فإن ماضي أوروبا يمكن أن يكون هو مستقبل آسيا).
لكن هذا لم يحدث؛ فلم تسمع أصوات المدافع في شرق آسيا. ويعزى جزء كبير من هذا إلى المهارة الدبلوماسية للآسيان. وعلى الرغم من ذلك، فبينما تمت الإشارة للاتحاد الأوروبي في المقال الرئيسي مرات عدة، فلم تذكر الآسيان ولو لمرة واحدة.
وهناك سبب آخر وراء بقاء منطقة آسيا والمحيط الهادي مستقرة من الناحية الجيوبوليتيكية على الرغم من اجتيازها أكبر تغيرات في ميزان القوى شهدها التاريخ الإنساني على الإطلاق. فالصين تبزغ باعتبارها الفاعل الجيوبوليتيكي الأبعد نظراً في العالم. وإذا استطاع أحد أن يرتب القوى العظمى بحسب بُعد نظرها الجيوبوليتيكي على مقياس مدرج من 1 إلى 10، فإن الاتحاد السوفييتي السابق يحصل على درجة 2، والاتحاد الأوروبي الحالي على 4، والولايات المتحدة على 6، والصين على 8 أو 9. فهدف مشروع برينستون يتمثل في التفكير بعيد المدى والتفكير خارج الإطار، إلا أنه يخفق في تفسير كيفية إنجاز القيادة الصينية لهذا العمل الفذ، بدرجة تجعلها تتقدم كثيراً على الولايات المتحدة.
ويطرح التقرير بالطبع الصين للنقاش. وفي الواقع ينبغي إضافة فصل بعنوان (التهديدات والتحديات الكبرى) تحت موضوع (صعود الصين والنظام في شرق آسيا). والتوصيات منطقية، وهي أن (المهمة الأساسية لأمريكا تتمثل في إدارة العلاقات الصينية – الأمريكية بالطريقة نفسها التي تتمكن بها الصين من تحقيق طموحاتها المشروعة في إطار النظام الدولي الراهن). وهذا منهج منطقي، إلا أن هناك مشكلة واحدة فقط، هي أن أمريكا لا تحرك الصين. بل الصين هي التي تحرك أمريكا وهي، إلى الآن، تؤدي ذلك على نحو جيد.
وربما يكون من الظلم أن ننتظر من تقرير قامت لجنة بكتابته أن يخوض في مثل هذه التقييمات المعقدة. لكن مديرا التقرير، وهما جون إيكينبيري، وآن – ماري سلاوتر قاما بعمل رائع بكل المقاييس، إلا أنه على الرغم من الجهود القصوى التي بذلاها، فإن هناك بعض الأخطاء الفادحة في فهم العالم الجديد.
الأصدقاء والأعداء
إن المناقشات التي تدور بشأن التحديات التي يمثلها العالم الإسلامي لأمريكا مخيبة للآمال بعض الشيء. وهنا، أيضاً، يخفق التقرير في فهم مدى تغير العالم الإسلامي. فقبل عملية العولمة المتسارعة في الوقت الحالي وانتشار العلوم والتكنولوجيا الحديثة، كانت المجتمعات الإسلامية المختلفة تعيش في جزر منعزلة من حقب التاريخ. أما اليوم فإنهم مترابطون بشكل وثيق. وباللغة المجازية، فإن الأسلاك الكهربائية ممتدة بين مجتمعات إسلامية مختلفة. وبالتالي، فعندما تحدث صدمة سياسية في النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، فإن موجات الصدمة تسري بسرعة في عروق 1.2 مليار نسمة في العالم الإسلامي. ففي السابق كان المسلمون في جنوب شرق آسيا، وهم أكثر عدداً من المسلمين العرب، منفصلين عن التطورات التي تجري في الشرق الأوسط؛ أما اليوم، فيؤكد العديد منهم على هويتهم الإسلامية قبل هوياتهم العرقية.
إن صياغة عالم تسوده الحرية في إطار القانون يجب أن تدرك غضب العالم الإسلامي: (فالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني مثال ملموس أيضاً على الذل والقهر اللذين يتعرض لهما المسلم وهو الأمر الذي تستغله بسهولة الجماعات الإرهابية والمتطرفة والإعلام التحريضي). إن هذا الأمر حقيقي، لكن لماذا (يمكن استغلاله بسهولة؟) هنا، يعاني التقرير من المشكلة التي تُبتلى بها معظم المناقشات الأمريكية بخصوص الشرق الأوسط، وهي مشكلة العجز عن إجراء مناقشة تحيط بالمصادر الحقيقية للمشكلة من كل أبعادها. ومن المؤكد أنه من الصعب القول في أمريكا إن السياسات الأمريكية أدت إلى تفاقم الوضع في الشرق الأوسط. فعندما عشت في نيويورك لمدة عشرة أعوام، أذهلني عدد المثقفين الأمريكيين اللامعين الذين أخبروني سراً بأنهم لم يتمكنوا من إجراء مناقشة متوازنة بخصوص الشرق الأوسط في أمريكا، الدولة التي تعد أحد أكثر المجتمعات ليبرالية وانفتاحاً في العالم. ومن المفارقات أن حرية التعبير أكبر بكثير بخصوص قضية الشرق الأوسط في إسرائيل.
وباعتباري صديقاً لإسرائيل، فقد أكدت أن السياسات الأمريكية قوضت تماماً مصالح إسرائيل بعيدة المدى. فلا يمكن لإسرائيل أن تغير جغرافيتها، حيث لا يمكنها أن تنتقل إلى فلوريدا مثلاً، إنما يتحتم عليها أن تتواءم مع منظومتها الإيكولوجية الجيوبوليتيكية الخاصة وتتكيف معها، إلا أنها أخفقت بشكل غريب في فعل ذلك. فالالتزام الأمريكي المطلق أحادي الجانب بأمن إسرائيل أوجد حاجزاً مصطنعاً يمنع إسرائيل فعلاً من إجراء تواؤمات عملية مع بيئتها المضطربة ودائمة التغير. ومن المفارقات أن أكبر خسارة بعيدة المدى لحقت بإسرائيل قام بها أصدقاؤها الأكثر تأييداً، وهم المحافظون الجدد في أمريكا. فبعد قيام المحافظين الجدد بتعزيز الديمقراطية في العراق وفلسطين ولبنان، أطلقوا العنان للقوى التي ستجد إسرائيل مزيداً من الصعوبة في التغلب عليها، مثل قوتي حماس وحزب الله. وبهذا فقد أطلق المحافظون الجدد سراح المارد من القمقم؛ ولن يكون من السهل إرجاعه إليه. وقال هنري هايد، الذي كان يعمل حينئذ رئيساً للجنة العلاقات الدولية بمجلس الشيوخ الأمريكي الحقيقة الساطعة بشجاعة:
(إننا نتقدم بسرعة إلى حقبة غير محددة المعالم يحشد فيها الأعداء الجدد قواتهم، حيث إن كتيبة من المنافسين المحتملين تقيد وتحصر خياراتنا حتماً. ففي عالم تتقلص فيه نسب القوة تصبح فيه عواقب الحسابات الخاطئة أكثر تسبباً في إحداث الضعف، كما أن تكاليف النظريات الذهبية، الخاصة بتعزيز الديمقراطية في كل أنحاء العالم، سيتم تسديدها من مصالحنا).
وإلى أصدقائي الإسرائيليين أوجه هذا السؤال: إذا رأيتكم تسيرون نحو الهاوية، فهل ينبغي عليّ أن أوقفكم أم أقول واصلوا السير؟ يقول المحافظون الجدد: واصلوا السير. أما أنا فأنصح بتوخي الحذر. فينبغي على إسرائيل أن تجري حسابات جادة بعيدة المدى حول الربط المحتمل بين القوات لنحو مائة عام من الآن. فلن يبقى العالم الإسلامي ضعيفاً للأبد، فالحضارات الإسلامية، مثل الحضارتين الصينية والهندية، كانت قوية ذات يوم، وستنتعش الحضارات الإسلامية أيضاً مثل الصين والهند. ومن ثم سيكون خطأ قاتلاً إذا افترضنا أن 1.2 مليار مسلم لن يلحقوا في النهاية بركب التقدم الآسيوي نحو الحداثة. وهذه الموجة الجديدة من التاريخ مقبلة. ومن ثم، ينبغي على إسرائيل أن تستفيد على نحو مطلق من الوضع الجيوبوليتيكي الفريد الذي تتمتع به الآن في مواصلة عملية تكيف طويلة المدى. ولا يزال التوقيت ملائماً. فالدول العربية السنيّة منزعجة بسبب صعود الشيعة الذين تم تحريرهم بواسطة المحافظين الجدد الذين صدّروا الديمقراطية للعراق. وفي الحقيقة يتفق الجميع على أن اتفاقات طابا التي أبرمت في يناير 2001، وأشرف على إبرامها الرئيس(الأمريكي السابق) بيل كلينتون ، تمثل الحل الوحيد القابل للحياة. ويتحدث مشروع برينستون عن الحاجة إلى حل الدولتين. كما يدعو إلى قيادة أمريكية قوية، إلا أنه يقول إن أمريكا لا بد أن تعمل مع الاتحاد الأوروبي في المقام الأول، لكن الأيام التي كان يمكن فيها أن تعمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي معاً على حل المشكلات العالمية، ولًّت. والمطلوب الآن وجود فاعلين وشركاء جدد.
إن إجراء قليل من الإحصائيات الديموغرافية يفسر سبب عدم تمكن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أن يحلا المشكلات وحدهما. فأمريكا الشمالية فيها 300 مليون نسمة، والاتحاد الأوروبي فيه 500 مليون تقريباً. وإذا جمعا معاً، فإنهما يمثلان 12 في المائة من إجمالي عدد السكان في العالم البالغ 6.5 مليار نسمة. وفي القرنين التاسع عشر والعشرين، كانت نسبة الـ 88 في المائة المتبقية من سكان العالم مستكينة للسيطرة الغربية على نحو سلبي، إلا أنه لم تعد هناك سلبية الآن. ففي الواقع، فإن الـ 3.9 مليار آسيوي اليوم من بين أكثر الناس في العالم ديناميكية، وإنتاجية، وثقة، وتفاؤلاً. وسوف يُحكم على أي نظام عالمي يتجاهل رغباتهم ومصالحهم بالفشل.
وهذا هو سبب أن بعض الاقتراحات التي قدمت في التقرير مزعجة في الواقع. فعلى سبيل المثال، يقترح التقرير بأنه، إذا أخفق مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في إضفاء الشرعية على استخدام القوة (ولا يمكن لمجلس الأمن فعل ذلك إلا في إطار القانون الدولي السائد)، فيمكن لمنظمة أخرى متعددة الأطراف، مثل الناتو، وذات قاعدة تمثيلية عريضة أن تخول بمثل هذا الاستخدام للقوة. إلا أن هذا الاقتراح مفزع وغير ديمقراطي بالأساس. فالناتو لا يتمتع بمصداقية ولا بشرعية في أعين أغلبية سكان العالم. ومن المفارقات، أن مشكلة نقص الديمقراطية نفسها تنطبق على اقتراح آخر ورد في التقرير، وهو إنشاء (ائتلاف الديمقراطيات) العالمي (لتوفير منتدى بديل عن الديمقراطيات الليبرالية من أجل التخويل بالعمل الجماعي، ومن بين ذلك استخدام القوة، بالحصول على الأغلبية العظمى من الأصوات). وبغض النظر عن طريقة إعداد مثل هذا الاقتراح، فإن أغلبية سكان العالم سيلاحظون أن عدداً قليلاً من الدول الغربية، التي تمثل نسبة صغيرة من سكان العالم، لا تزال تحاول فرض إرادتها على سائر العالم. وسوف يتم قبول الهند بسرور للانضمام لائتلاف الديمقراطيات هذا، إلا أنها من غير المحتمل أن تدعم أي اقتراحات تعزلها عن جارين حيويين هما الصين والعالم الإسلامي. وهذا هو أحد أسباب عدم انضمام الهند إلى تحالف الراغبين في العراق، على الرغم من أنه كانت لديها أسباب منطقية مع الولايات المتحدة لفعل ذلك.
هذه هي نقطة الضعف الرئيسية في التقرير. فالعالم لا يمكنه العودة إلى فرضيات حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فكل من العولمة وصعود آسيا أوجدا عالماً جديداً تماماً. والمحور القديم عبر الأطلسي لم يعد بوسعه إدارة العالم؛ حيث يتطلب وجود شركاء وطرق جديدة. ففي عالم القرن الحادي والعشرين، المختلف تماماً، ربما نحتاج إلى مجموعة جديدة من الجغرافيا السياسية للعالم. وفي حين يقترب التقرير بشكل واضح مما هو ممكن في تقديم الاقتراحات التي تخرج عن الإجماع السائد في أمريكا، إلا أنه يقطع شوطاً كبيراً بالقدر الكافي إزاء التأكيد على أن أي نظام عالمي جديد يتطلب المشاركة والانخراط الفعالين لـ 88 في المائة من سكان العالم الذين يعيشون خارج أمريكا وأوروبا.
كما يفترض التقرير أن أمريكا وأوروبا، في إطار سياستهما العالمية، سيوليان الأولوية للقيم، إلا أنه كلما كان هناك صدام بين المصالح الغربية قصيرة المدى والقيم الغربية بعيدة المدى، فإن المصالح في الأغلب دائماً ما تنتصر. وتتعرض جولة الدوحة للمحادثات التجارية في الوقت الحالي للخطر بسبب أن أياً من أمريكا أو الاتحاد الأوروبي لا يستطيع أن يتخذ الخطوة المؤلمة سياسياً والمتمثلة في إلغاء المعونات الزراعية. وأي سياسي يقترح هذا سوف يتم التشنيع به على الملأ، حيث يعاني عشرة ملايين فقير من مزارعي القطن في غرب إفريقيا بسبب عدم استطاعة أحد كسر القبضة السياسية لـ25.000 من مزارعي القطن الأمريكيين الأغنياء على الكونغرس. والديمقراطيات الغربية، مثل أية دولة – أمة أخرى في العالم، تنشئ احتياطيات قومية مكتفية ذاتياً. وقبل عصر العولمة الحديثة، عندما كانت البشرية تعيش في مجتمعات مختلفة، كان الأمر مشابهاً للإبحار على قوارب مختلفة. ومن ثم أوجدت قواعد التعددية في عام 1945 مفهوماً شائعاً، حيث أرست قواعد تقضي بمنع القوارب من الاصطدام ببعضها. أما في إطار العولمة الحديثة، فإننا جميعاً نبحر في قارب واحد. ولكن لا يوجد ربان ولا طاقم للعناية بالقارب ككل. وبدلاً من ذلك، تعتني كل دولة – أمة بحجرتها الخاصة، بينما يبحر القارب بصعوبة فائقة.
ويشير سؤال بناء عالم تسوده الحرية في إطار القانون بالفعل إلى مشكلات مهمة غير محدودة، ومنها كيف وأين نبحر في المياه المضطربة؟ ويعترف التقرير بأن الشبكات الإرهابية العالمية هي التي تمثل تهديدات للأمن القومي الأمريكي، فضلاً عن أن خبراء الصحة يحذرون من خطر جسيم ينشأ بسبب وباء إنفلونزا الطيور، الذي لديه القدرة على الفتك بمئات الملايين من البشر. من ثم، فإذا لم تحترم التهديدات الناشئة حدود الدول، فكيف ستتعامل معها الدول – الأمم التي تعتد كثيراً بحدودها؟ هنا يكمن المجال المطلوب فيه القيام بوثبة جديدة في الإبداع الإنساني للتعامل مع التحديات الجديدة، إلا أن التقرير يخفق في القيام بهذه الوثبة.
لذلك كله ينبغي على أمريكا أن تضاهي جرأة خيال كينان. فعليها الاعتراف بأنه عن طريق الإبحار مع سائر البشرية في قارب واحد (المبني، على نحو مثير للسخرية، عن طريق التكنولوجيا وأيديولوجية السوق الحرة الأمريكية)، فإنه يتحتم على أمريكا أن تعمل على إيجاد نظام عالمي جديد يستوعب، بدلاً من أن يستثني، أغلبية سكان العالم. كما يجب التخلي عن بعض آليات السيطرة القديمة. فمشروع برينستون جريء في اقتراحه بأنه ينبغي توسيع مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة للسماح بوجود أعضاء دائمين من أمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وآسيا. إلا أنه لم يكن جريئاً بما فيه الكفاية ليشير إلى ما اعتبره ذات مرة أحد زملائي في الأمم المتحدة حقيقة جلية. فإذا كان للاتحاد الأوروبي على نحو متزايد سياسة خارجية واحدة، فلِمَ لا يكون له صوت واحد و(فيتو) واحد في مجلس الأمن؟ وكذلك ينبغي التخلص من القاعدة التي تقول إن رؤساء صندوق النقد الدولي ينبغي أن يكونوا أوروبيين، ورؤساء البنك الدولي ينبغي أن يكونوا أمريكيين، فهذا الأمر مهين ومخزٍ لبقية سكان العالم، فقد أسهمت كل هذه الأنماط القديمة للسيطرة في إعاقة التحرر العالمي من أمريكا.
ويتطرق تقرير برينستون لموضوع الكراهية لأمريكا، حيث يؤيد (نهج المبيعات) بدلاً من نهج (العلاقات العامة) بالنسبة للمشكلة. كما يعتقد التقرير أن ثمة مجموعة إجراءات جديدة يمكن أن تقلص كراهية أمريكا في العالم الإسلامي. وكما أعرف من خلال خبرتي الشخصية فقد يكون هذا أكثر من مجرد تفاؤل بسيط. فعندما نُشر كتابي المعنون (ما بعد عصر البراءة: إعادة بناء الثقة بين أمريكا والعالم)، كتبت عنه(الفاينانشيال تايمز) (في عددها الصادر في 8 يوليو عام 2006) نقداً سلبياً، واعتبرته كتاباً آخر (معادياً لما هو أمريكي). وبالرغم من ذلك أخبرني الناشر التركي لكتابي بأن الاتجاه السائد في تركيا معاد لما هو أمريكي ولا يمكن نشر كتابي هناك لأنه مغال في تأييده لأمريكا.
وأتمنى ألا يلقى تقرير برينستون المصير نفسه، فقد يتم اعتباره في أمريكا في غاية الجرأة والحلم لدرجة تحول دون تحققه. أما خارج أمريكا، فسوف يتم اعتبار درجة جرأته وإبداعه ملائمة. ومع ذلك، فقد لا يكون هذا الأمر سيئاً بالضرورة. فسوف يظهر أن المشروع حدد أرضية مشتركة رائعة يمكن لأمريكا من خلالها أن تحاول استرداد عافيتها، بينما تتعلم أن تندمج مرة أخرى مع عالم كان يوماً ما متيماً بها، أما الآن فهو يتحرر منها بشكل تدريجي. فإذا كانت أمريكا ترغب في البدء في بناء جسور جديدة فقد يوفر التقرير بعض الأسس لذلك.
::/fulltext::
::cck::1701::/cck::
