مؤتمر بوش للسلام في الشرق الأوسط

::cck::1717::/cck::
::introtext::

المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن)، وتنشط وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في التحضير له والذي سينعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن في نوفمبر المقبل تتباين آراء المحللين والمراقبين بشأن الأسباب الموجبة لعقده، والظروف الأمريكية والدولية والإقليمية التي أملته، والأطراف التي ستشارك فيه، وأهداف الرئيس بوش من وراء الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر، وأهداف الأطراف المشاركة فيه، والتوقعات بشأنه والآمال المعقودة عليه، ومدى التوافق بين توقعات الجهة الداعية والأطراف التي ستشارك في المؤتمر مع طموحاتهم.

::/introtext::
::fulltext::

المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وتنشط وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في التحضير له والذي سينعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن في نوفمبر المقبل تتباين آراء المحللين والمراقبين بشأن الأسباب الموجبة لعقده، والظروف الأمريكية والدولية والإقليمية التي أملته، والأطراف التي ستشارك فيه، وأهداف الرئيس بوش من وراء الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر، وأهداف الأطراف المشاركة فيه، والتوقعات بشأنه والآمال المعقودة عليه، ومدى التوافق بين توقعات الجهة الداعية والأطراف التي ستشارك في المؤتمر مع طموحاتهم.

إن تناول كل هذه الموضوعات يقتضي العودة إلى ما عرف في الأوساط السياسية والإعلامية بعملية السلام التي انطلقت في مؤتمر مدريد للسلام الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب وتولى هندسته وإخراجه وزير خارجيته جيمس بيكر في مدريد في30 أكتوبر 1991.

السعودية ربطت مشاركتها في المؤتمر المقبل بالوقوف سلفاً عما سيتمخض عنه من نتائج 

وجاء انعقاد هذا المؤتمر في ظل ظروف دولية وإقليمية منسجمة تماماً مع المصالح الحيوية الأمريكية وأبرزها انتصار المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة، وانهيار المعسكر الشيوعي وذراعه العسكرية حلف (وارسو)، وقد بلغ هذا الانتصار ذروته في دحر الجيش العراقي من الكويت، وتدمير العراق بشكل منهجي، وإخراجه من ساحة الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني، وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه إلى دول انضم معظمها إلى حلف الناتو (الذراع العسكرية للعالم الغربي) والاتحاد الأوروبي.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الوحيدة التي كانت مدركة للأهداف المتوخاة من ذلك المؤتمر، والوحيدة القادرة على تحقيق أهدافها وكذلك أهداف حليفتها الاستراتيجية إسرائيل. ولقد بدا ذلك واضحاً من خلال الشعار الذي رفعه جيمس بيكر بمقولته الشهيرة آنذاك (قطار السلام لن يمر إلا مرة واحدة من أمامك فاصعد إليه، وإلاّ إن فاتك فلن تلحق به أبداً). 

وكان للولايات المتحدة وإسرائيل معاً ما أرادتاه من ذلك المؤتمر، وأهم ما تحقق لهما:

* تفكيك الموقف العربي الرسمي والتحول به إلى مفاوضات ثنائية مباشرة.

* التحول بالصراع الإسرائيلي – العربي من صراع وجود إلى صراع سياسي،  والمفاوضات المباشرة وليست غير المباشرة هي السبيل إلى تسويته، واضعة بذلك حداً نهائياً للرؤية العربية المبدئية للصراع التي تمثلت بـ (لاءات) الخرطوم الثلاث عام 1967م (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل).

* تجريد القضية الفلسطينية من بعدها العربي ليتحول بذلك الصراع مع إسرائيل من صراع إسرائيلي – عربي إلى صراع إسرائيلي – فلسطيني.

* تهيئة الأجواء لصراع واقتتال فلسطيني – فلسطيني، وهو ما شهدته الساحة الفلسطينية بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة بين كبرى الفصائل الفلسطينية (فتح) و (حماس).

* تجريد القضية الفلسطينية من مرجعيتها الدولية المتمثلة بقرارات الأمم المتحدة بدءاً بقرار التقسيم 181/1947م، فقرار حق العودة 194/1948م، فقرار 242/1967م، و338/1973م، وكل القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وصراع الشرق الأوسط والقدس، وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن العديدة الخاصة بالقدس وكلها تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها الضفة الغربية والقدس، والاعتراف بحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة التامة على كامل ترابه الوطني المحتل وعاصمتها القدس، وتمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم. 

وعد بوش بإقامة دولة فلسطينية 

وجاءت اتفاقية أوسلو، أو غزة – أريحا أولاً في عام 1993م والتي باتت تعرف بإعلان المبادئ الفلسطيني – الأردني بعد التوقيع عليها في حديقة البيت الأبيض بحضور الرئيس الراحل ياسر عرفات ، والرئيس الأمريكي السابقبيل كلينتون ، ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحاق رابين في 13/9/1993م. ومن بين أخطر بنود هذه الاتفاقية قائمة القضايا المؤجلة (الدولة وحدودها والسيادة واللاجئون والمياه والقدس) إلى مفاوضات الوضع النهائي التي كان من المفروض لها أن تتم في أيار من عام 1997م من دون أن يلوح في الأفق حتى الآن ما يشير إلى بدئها سوى وعد من الرئيس الأمريكي بوش (الابن) بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب دولة إسرائيل. 

ولكن هل الرئيس بوش جاد حقاً في ما وعد؟ وهل يمكن للمرء أن ينظر إلى المؤتمر الدولي الذي سيدعو إليه الأطراف المعنية إلى واشنطن على أنه قد يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة؟ 

الإجابة عن هذين السؤالين تتطلب التطرق، وإن بشكل سريع، إلى الظروف الدولية والإقليمية المرافقة للدعوة الأمريكية إلى هذا المؤتمر والتي يمكن تلخيصها بالآتي:

* بوادر فشل السياسة الأمريكية في العراق الذي أرادت له أن يكون مفتاح الشرق الأوسط والأخير، أي الشرق الأوسط، سبيلها إلى إعادة هيكلة العالم بما ينسجم والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائها وأبرزهم الكيان الصهيوني تحت شعار محاربة الإرهاب الدولي، ودمقرطة الشرق الأوسط. ولكن رياح التغيير كما أرادتها الإدارة الأمريكية عصفت على ما يبدو باتجاه معاكس، سواء في ما يتعلق بحربها القذرة في العراق أو في أفغانستان، إذ أخذت أقدامها تغوص أكثر فأكثر في وحل مستنقعي العراق وأفغانستان، مما حدا بها أن تبحث عن طوق نجاة للخروج من مأزقها المتعمق في هذين البلدين، فعنت لها الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لإحياء ما سمي على غير وجه حق (عملية السلام) وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية لوعيها بأهمية ومركزية القضية الفلسطينية في الوجدان والذهن العربي والإسلامي، وهدفها من ذلك دغدغة المشاعر لدى العرب والمسلمين لتمد دولهم لها طوق النجاة في العراق وأفغانستان.

* فشل العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على جنوب لبنان بشكل أظهر عجز الحليف الاستراتيجي الإقليمي، (إسرائيل)، عن القيام بالمهام الموكلة إليها إقليمياً، الأمر الذي كشف ظهر الحليف الأكبر في المنطقة، وأربك سياساتها الإقليمية، وجعلها تلجأ إلى مخزونها الاستراتيجي من التكتيكات؛ فعادت إلى فكرة الدولة الفلسطينية، تماماً كما فعل بوش الأب الذي ظل يرفض عرض الرئيس الراحل صدام حسين بإنهاء الاحتلالات في المنطقة تبعاً لأقدميتها زمنياً: بدءاً باحتلال إسرائيل لفلسطين والجولان السورية وجنوب لبنان، وإيران للجزر الإماراتية الثلاث أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى، والعراق للكويت، مشدداً على أن (تحرير الكويت) يحتل الأولوية القصوى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والعالم، وواعداً بالعودة للقضية الفلسطينية بعد إنجاز (التحرير). فكان مؤتمر مدريد بنتائجه الوخيمة على الطرف الفلسطيني والعرب عموماً.

أخطر ما يخص علاقة الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي انتهاج الأخير سياسة أمريكية ذات طبيعة مزدوجة

* بروز إيران كقوة إقليمية واعدة، الأمر الذي تخشاه الولايات المتحدة الأمريكية، لا لأنها في خلاف استراتيجي مع إيران، أو لأن إيران تشكل تهديداً للمصالح الحيوية الأمريكية في الشرق الأوسط وأهمها النفط وإسرائيل، بل لأنها تسعى إلى نفوذ إقليمي معترف به أمريكياً وأوروبياً مكافئ للدور الاستراتيجي الإقليمي لإسرائيل. فإسرائيل في غرب الفرات وإيران شرق الفرات، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة الأمريكية لعدة أسباب أهمها أن مثل هذا الدور الإقليمي الذي تطلبه إيران يجب أن يتوزع على كل دول المنطقة: تركيا، وأفغانستان، وباكستان، والهند، وربما السعودية ومصر. كما أن الولايات المتحدة لا يمكن لها أن تغفل الثقل الديموغرافي النوعي لإيران، وقوتها الاقتصادية، والخلفية الإمبراطورية لنظامها السياسي. فإيران كانت ذات يوم إحدى أقوى إمبراطوريتين عالميتين هما: الإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية الرومانية، وقدراتها العلمية والتكنولوجية، لا سيما في مجال التكنولوجيا النووية، وليس كما يحلو للبعض الاعتقاد بعداوة إيران لإسرائيل، ولا لأن إيران تبشر بنهاية عاجلة للكيان الصهيوني، بل لأنها تخشى من وضع إيران يدها على منطقة الخليج بفعل موروثها الإمبراطوري بالسيطرة بذلك على أكبر مستودعات النفط العالمية.

* عودة روسيا الاتحادية أو ما يسمى أحياناً (الدب الروسي) إلى الساحة الدولية متسلحة بقوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية من شأنها أن تسهم في بروز عالم متعدد الأقطاب، وإنهاء التفرد الأمريكي بالقرار الدولي.

* بروز الصين الشعبية كقوة اقتصادية بما يقض مضاجع الإدارة الأمريكية التي تتخوف من منافسة اقتصادية قوية لها من جانب الصين الشعبية، فضلاً عن إمكانات الصين الشعبية العسكرية والتكنولوجية والنووية، وتقاربها المتعدد الأوجه مع روسيا الاتحادية، ولعبها دوراً متصاعداً في السياسة الدولية، الأمر الذي ترى فيه الولايات المتحدة الأمريكية تحدياً آخر يضاف إلى التحدي الروسي للاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، إن لم يكن أكثر خطورة على سياساتها الكونية والإقليمية.

* تنامي دور الاتحاد الأوروبي الاقتصادي والسياسي، وبروز (اليورو) عملة منافسة للدولار الأمريكي الآخذ في الهبوط المتسارع نحو الأدنى. 

بيد أن أخطر ما يخص علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي انتهاج الأخير سياسة أمريكية ذات طبيعة مزدوجة قوامها:

* التسليم بقيادة أمريكا سياسياً واقتصادياً للعالم من دون أن ينسحب ذلك على دول الاتحاد الأوروبي من جهة، وسعيه إلى مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في المنافع الحيوية المتولدة من هذا الدور الأمريكي القيادي للعالم المدعوم أوروبياً، من دون الاستعداد لتحمل أعباء وتكاليف تلك المشاركة في قيادة العالم اقتصادياً وتكنولوجياً.

* محدودية فاعلية الدور الياباني في دعم السياسة الأمريكية الكونية والإقليمية لأسباب تاريخية، والاكتفاء بالمشاركة الرمزية في حروب أمريكا في العراق وأفغانستان.

الولايات المتحدة تبحث عن طوق نجاة للخروج من مأزقها المتعمق في العراق و أفغانستان 

* تنامي المعارضة الرسمية والشعبية لدول أمريكا اللاتينية لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في القارة اللاتينية من جهة، ولسياستها الدولية التي أخذت تختط نهجاً عدوانياً في العالم وتعتمد سياسة الحروب الاستباقية، والتحول بالسلاح النووي من سلاح ردعي إلى سلاح ميداني كلما اقتضت الحاجة لذلك حسب تقديراتها للموقف، أو كلما وجدت نفسها في وضع حرج اختصاراً للزمن كما حصل في أفغانستان والعراق. وكذلك تنامي الحركات اليسارية في العديد من دول أمريكا اللاتينية التي استطاعت الوصول إلى سدة الحكم في هذه الدول وأبرزها هوغو شافيز في فنزويلا، وعودة أورتيغا إلى سدة الحكم في نيكاراغوا عن طريق الانتخابات وغيرها من الدول، الأمر الذي أربك إدارة بوش، لأن خطر التحولات الجذرية في السياسة الدولية وصل إلى بوابتها الخارجية.

* تردد الدول العربية (المعتدلة) والمحسوبة على الولايات المتحدة الأمريكية وأهمها السعودية وبقية دول الخليج العربية، ومصر، والأردن في دعم السياسة الأمريكية علناً بسبب سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الشرق أوسطية، وخاصة في ما يتعلق بتبنيها المطلق لسياسة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية باعتبارها أراضي متنازعاً عليها وليست محتلة، مخالفة بذلك مبدأ ظلت السياسة الشرق أوسطية للولايات المتحدة حتى وقت قريب تستند إليه، ويقوم على قرارات الشرعية الدولية (قرارات الأمم المتحدة)، وميثاق الأمم المتحدة (المادة الثانية) التي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى القانون الدولي الذي يرفض احتلال أراضي الغير وضمها بقوة السلاح، ويجيز للشعوب المحتلة أراضيها مقاومة المحتل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. 

لا بل إن هذه الدول، وكما صرح بذلك قادتها، ترى أن سياسة أمريكا المتحيزة بالمطلق لإسرائيل، وتحصينها من صدور أي قرار إدانة لها على صعيد مجلس الأمن، وكذلك تحالفها الاستراتيجي معها بأبعاده العسكرية والعلمية والتكنولوجية واللوجستية أضعفت هذه الدول داخلياً من جهة، وربما أسهمت في إيجاد هوة بينها وبين شعوبها من جهة أخرى. 

ما المطلوب من المؤتمر الدولي؟ 

إذا كان ذلك هو باختصار شديد ومكثف المشهد الأمريكي الداخلي والظروف الإقليمية والدولية المرافقة لدعوة إدارة الرئيس بوش لهذا المؤتمر، فما هي يا ترى نظرة الطرف العربي الرسمي بشقيه (المعتدل) و(المتطرف) أو المصنف أمريكياً بأنه مساند للإرهاب الدولي (بمعنى مناهضة المصالح الأمريكية الإقليمية)؟ 

دول الاعتدال العربي متفقة على أن هذا المؤتمر وغيره لن يكتب له النجاح ما لم يقدم حلاً للقضية الفلسطينية وذلك بانسحاب إسرائيل من فلسطين المحتلة (الضفة الغربية وفي مقدمتها القدس) ومن بقية الأراضي العربية المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ عام 1967م وعاصمتها القدس، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة من دون تحديد حجم هذه العودة أو نطاقها؛ مقابل التطبيع الكامل مع إسرائيل. بمعنى آخر سلام كامل مقابل انسحاب كامل، وإقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة إلى جانب إسرائيل وعاصمتها القدس وتطبيق قرار الجمعية العامة الخاص بحق العودة (194/1948) والتعويض، وهي البنود ذاتها التي تضمنتها المبادرة العربية للسلام. 

وهذا الموقف يشكل محور التوافق بين كل الدول العربية التي تبنت مبادرة السلام العربية (مبادرة الملك فهد أصلاً) في قمتي بيروت ومكة المكرمة. بمعنى أن الدول العربية (معتدلة) كانت، أم (متطرفة) مقاومة للإرهاب الدولي أو داعمة له وفقاً للمزاعم الأمريكية مجمعة على هذه المبادرة وليس بمقدورها أن تنزل إلى ما دون ذلك في أية مفاوضات قادمة، سواء جاءت على مستوى اللجنة الرباعية (أمريكا، الاتحاد الأوروبي، روسيا الاتحادية، والأمم المتحدة)، أو على شكل مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط الذي دعا إليه الرئيس بوش، فذلك (خط أحمر) لا يجرؤ أي كان على تجاوزه. 

وعليه، فإن مشاركة دول الاعتدال، ستبقى مرهونة بما ستقدمه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية سلفاً من عروض تتناغم مع التوقعات والطموحات لهذه الدول، وإن كانت السلطة الوطنية الفلسطينية قد أعلنت عن موقفها بحضور هذا المؤتمر داعية على لسان رئيسها محمود عباس إلى توفير شروط النجاح لمؤتمر السلام وخاصة مبادرة السلام العربية وبقية قرارات الشرعية الدولية. ومع أن الأوساط الصحافية أشارت إلى اتفاق الرئيس محمود عباس ورئيس وزراء إسرائيل على التقدم بمشروع مشترك قوامه الاتفاق على إقامة الدولة الفلسطينية من دون الدخول في التفاصيل الخاصة بالحدود وطبيعة هذه الدولة مؤقتة أو دائمة، وإن هي ترجح أن تكون ذات طبيعة مؤقتة، تتم خلالها عمليات مبادلة المستوطنات بأراضٍ داخل الخط الأخضر، وعودة رمزية للاجئين الفلسطينيين. غير أن القائد الشعبي الأسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي مروان البرغوثي وصف هذا المؤتمر في مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة (يديعوت أحرنوت) العبرية ونشرتها صحيفة (القدس العربي) في عددها الصادر في 21/9/2007م قائلاً (هذا ليس مؤتمراً بل هو اجتماع لا يوجد له حتى الآن جدول أعمال).

أما دول مجلس التعاون الخليجي فقد اتسم موقفها بالحذر والوعي الكامل للهدف الأمريكي من الدعوة إلى هذا المؤتمر بتصريح أمينه العام عبدالرحمن العطية بأن مجلس التعاون الخليجي (يريد أن يكون مؤتمر السلام شاملاً ومتوازناً وألا يكون هدفه مساعدة الأمريكيين على الخروج من المأزق العراقي).

وقد تعزز هذا الموقف بموقف السعودية التي تعتبر العضو الأبرز في مجلس التعاون الخليجي التي ربطت مشاركتها في المؤتمر بالوقوف سلفاً عما سيتمخض عنه من نتائج تصب في خانة القبول بالمبادرة العربية للسلام، وهي بالأصل مبادرة الملك عبدالله بن عبد العزيز نفسه.

أما جامعة الدول العربية التي تنضوي تحت خيمتها كل الدول العربية (المعتدلة) و(المتطرفة)، ويمثل موقفها الحد الأدنى للتوقعات العربية، فشددت على لسان أمينها العام عمرو موسى بأنه (ينبغي ألا يكون المؤتمر مجرد واحد من تلك الاجتماعات للمصافحة أو إصدار بيان ختامي يجسد مواقف عامة، نريد تفاصيل).

وذلك يعني عملياً أن الدول العربية سئمت التكتيكات الأمريكية – الإسرائيلية، وهي غير مستعدة للاستمرار في لعبة عملية السلام التي أعلن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في مؤتمر قمة مكة المكرمة أنها فشلت، مطالباً بضرورة العودة بملف القضية الفلسطينية إلى هيئة الأمم المتحدة.

وختاماً تجدر الإشارة إلى أن الظروف الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية، وقرب موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية، والتراجع المستمر في شعبية الرئيس بوش (الابن) في الداخل الأمريكي، وأثر ذلك في انتخابات الرئاسة المقبلة، وتنامي المعارضة الأمريكية للحرب في العراق، وتحدي الديمقراطيين المتواصل للرئيس بوش، الذين يسيطرون على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، والمأزق المتعمق لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق، وتصاعد وتيرة المقاومة العراقية المسلحة، وكذلك جملة الظروف الإقليمية والدولية التي أشير إليها آنفاً، من شأنها أن تدعم الموقف العربي، وترفع من سقف توقعاته، وخاصة إذا ما تم الاعتراف بالمقاومة العراقية التي حالت دون احتلالات أمريكية أخرى، ودعمها سياسياً ومادياً بدل التكرار الممل اللا مجدي لمقولة (السلام هو الخيار الاستراتيجي للعرب) طالما ظلت إسرائيل وأمريكا ترفضان الامتثال لقرارات الشرعية الدولية والاستجابة للمبادرة العربية للسلام، وإن هما ولأسباب تكتيكية ظلتا تؤكدان نيتهما في تحقيق السلام في المنطقة. 

ولذلك على الدول العربية، أي كان تصنيفها لذاتها أو تصنيف أمريكا لها ألا تنزلق إلى منحدر جديد من دون أن تعرف مسبقاً وبضمانات أمريكية وإسرائيلية موثقة ومعلنة بأن إسرائيل ستذعن لقرارات الشرعية الدولية وأهمها إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1717::/cck::
::introtext::

المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش (الابن)، وتنشط وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في التحضير له والذي سينعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن في نوفمبر المقبل تتباين آراء المحللين والمراقبين بشأن الأسباب الموجبة لعقده، والظروف الأمريكية والدولية والإقليمية التي أملته، والأطراف التي ستشارك فيه، وأهداف الرئيس بوش من وراء الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر، وأهداف الأطراف المشاركة فيه، والتوقعات بشأنه والآمال المعقودة عليه، ومدى التوافق بين توقعات الجهة الداعية والأطراف التي ستشارك في المؤتمر مع طموحاتهم.

::/introtext::
::fulltext::

المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، وتنشط وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس في التحضير له والذي سينعقد في العاصمة الأمريكية واشنطن في نوفمبر المقبل تتباين آراء المحللين والمراقبين بشأن الأسباب الموجبة لعقده، والظروف الأمريكية والدولية والإقليمية التي أملته، والأطراف التي ستشارك فيه، وأهداف الرئيس بوش من وراء الدعوة إلى عقد هذا المؤتمر، وأهداف الأطراف المشاركة فيه، والتوقعات بشأنه والآمال المعقودة عليه، ومدى التوافق بين توقعات الجهة الداعية والأطراف التي ستشارك في المؤتمر مع طموحاتهم.

إن تناول كل هذه الموضوعات يقتضي العودة إلى ما عرف في الأوساط السياسية والإعلامية بعملية السلام التي انطلقت في مؤتمر مدريد للسلام الذي دعا إليه الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب وتولى هندسته وإخراجه وزير خارجيته جيمس بيكر في مدريد في30 أكتوبر 1991.

السعودية ربطت مشاركتها في المؤتمر المقبل بالوقوف سلفاً عما سيتمخض عنه من نتائج 

وجاء انعقاد هذا المؤتمر في ظل ظروف دولية وإقليمية منسجمة تماماً مع المصالح الحيوية الأمريكية وأبرزها انتصار المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الباردة، وانهيار المعسكر الشيوعي وذراعه العسكرية حلف (وارسو)، وقد بلغ هذا الانتصار ذروته في دحر الجيش العراقي من الكويت، وتدمير العراق بشكل منهجي، وإخراجه من ساحة الصراع الوجودي مع الكيان الصهيوني، وانهيار الاتحاد السوفييتي وتفككه إلى دول انضم معظمها إلى حلف الناتو (الذراع العسكرية للعالم الغربي) والاتحاد الأوروبي.

وهذا يعني أن الولايات المتحدة الأمريكية هي الوحيدة التي كانت مدركة للأهداف المتوخاة من ذلك المؤتمر، والوحيدة القادرة على تحقيق أهدافها وكذلك أهداف حليفتها الاستراتيجية إسرائيل. ولقد بدا ذلك واضحاً من خلال الشعار الذي رفعه جيمس بيكر بمقولته الشهيرة آنذاك (قطار السلام لن يمر إلا مرة واحدة من أمامك فاصعد إليه، وإلاّ إن فاتك فلن تلحق به أبداً). 

وكان للولايات المتحدة وإسرائيل معاً ما أرادتاه من ذلك المؤتمر، وأهم ما تحقق لهما:

* تفكيك الموقف العربي الرسمي والتحول به إلى مفاوضات ثنائية مباشرة.

* التحول بالصراع الإسرائيلي – العربي من صراع وجود إلى صراع سياسي،  والمفاوضات المباشرة وليست غير المباشرة هي السبيل إلى تسويته، واضعة بذلك حداً نهائياً للرؤية العربية المبدئية للصراع التي تمثلت بـ (لاءات) الخرطوم الثلاث عام 1967م (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل).

* تجريد القضية الفلسطينية من بعدها العربي ليتحول بذلك الصراع مع إسرائيل من صراع إسرائيلي – عربي إلى صراع إسرائيلي – فلسطيني.

* تهيئة الأجواء لصراع واقتتال فلسطيني – فلسطيني، وهو ما شهدته الساحة الفلسطينية بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة بين كبرى الفصائل الفلسطينية (فتح) و (حماس).

* تجريد القضية الفلسطينية من مرجعيتها الدولية المتمثلة بقرارات الأمم المتحدة بدءاً بقرار التقسيم 181/1947م، فقرار حق العودة 194/1948م، فقرار 242/1967م، و338/1973م، وكل القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية وصراع الشرق الأوسط والقدس، وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن العديدة الخاصة بالقدس وكلها تطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة وفي مقدمتها الضفة الغربية والقدس، والاعتراف بحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة التامة على كامل ترابه الوطني المحتل وعاصمتها القدس، وتمكين اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم. 

وعد بوش بإقامة دولة فلسطينية 

وجاءت اتفاقية أوسلو، أو غزة – أريحا أولاً في عام 1993م والتي باتت تعرف بإعلان المبادئ الفلسطيني – الأردني بعد التوقيع عليها في حديقة البيت الأبيض بحضور الرئيس الراحل ياسر عرفات ، والرئيس الأمريكي السابقبيل كلينتون ، ورئيس وزراء إسرائيل الأسبق إسحاق رابين في 13/9/1993م. ومن بين أخطر بنود هذه الاتفاقية قائمة القضايا المؤجلة (الدولة وحدودها والسيادة واللاجئون والمياه والقدس) إلى مفاوضات الوضع النهائي التي كان من المفروض لها أن تتم في أيار من عام 1997م من دون أن يلوح في الأفق حتى الآن ما يشير إلى بدئها سوى وعد من الرئيس الأمريكي بوش (الابن) بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى جانب دولة إسرائيل. 

ولكن هل الرئيس بوش جاد حقاً في ما وعد؟ وهل يمكن للمرء أن ينظر إلى المؤتمر الدولي الذي سيدعو إليه الأطراف المعنية إلى واشنطن على أنه قد يفضي إلى إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة؟ 

الإجابة عن هذين السؤالين تتطلب التطرق، وإن بشكل سريع، إلى الظروف الدولية والإقليمية المرافقة للدعوة الأمريكية إلى هذا المؤتمر والتي يمكن تلخيصها بالآتي:

* بوادر فشل السياسة الأمريكية في العراق الذي أرادت له أن يكون مفتاح الشرق الأوسط والأخير، أي الشرق الأوسط، سبيلها إلى إعادة هيكلة العالم بما ينسجم والمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية ولحلفائها وأبرزهم الكيان الصهيوني تحت شعار محاربة الإرهاب الدولي، ودمقرطة الشرق الأوسط. ولكن رياح التغيير كما أرادتها الإدارة الأمريكية عصفت على ما يبدو باتجاه معاكس، سواء في ما يتعلق بحربها القذرة في العراق أو في أفغانستان، إذ أخذت أقدامها تغوص أكثر فأكثر في وحل مستنقعي العراق وأفغانستان، مما حدا بها أن تبحث عن طوق نجاة للخروج من مأزقها المتعمق في هذين البلدين، فعنت لها الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي لإحياء ما سمي على غير وجه حق (عملية السلام) وصولاً إلى إقامة الدولة الفلسطينية لوعيها بأهمية ومركزية القضية الفلسطينية في الوجدان والذهن العربي والإسلامي، وهدفها من ذلك دغدغة المشاعر لدى العرب والمسلمين لتمد دولهم لها طوق النجاة في العراق وأفغانستان.

* فشل العدوان الإسرائيلي – الأمريكي على جنوب لبنان بشكل أظهر عجز الحليف الاستراتيجي الإقليمي، (إسرائيل)، عن القيام بالمهام الموكلة إليها إقليمياً، الأمر الذي كشف ظهر الحليف الأكبر في المنطقة، وأربك سياساتها الإقليمية، وجعلها تلجأ إلى مخزونها الاستراتيجي من التكتيكات؛ فعادت إلى فكرة الدولة الفلسطينية، تماماً كما فعل بوش الأب الذي ظل يرفض عرض الرئيس الراحل صدام حسين بإنهاء الاحتلالات في المنطقة تبعاً لأقدميتها زمنياً: بدءاً باحتلال إسرائيل لفلسطين والجولان السورية وجنوب لبنان، وإيران للجزر الإماراتية الثلاث أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى، والعراق للكويت، مشدداً على أن (تحرير الكويت) يحتل الأولوية القصوى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والعالم، وواعداً بالعودة للقضية الفلسطينية بعد إنجاز (التحرير). فكان مؤتمر مدريد بنتائجه الوخيمة على الطرف الفلسطيني والعرب عموماً.

أخطر ما يخص علاقة الولايات المتحدة مع الاتحاد الأوروبي انتهاج الأخير سياسة أمريكية ذات طبيعة مزدوجة

* بروز إيران كقوة إقليمية واعدة، الأمر الذي تخشاه الولايات المتحدة الأمريكية، لا لأنها في خلاف استراتيجي مع إيران، أو لأن إيران تشكل تهديداً للمصالح الحيوية الأمريكية في الشرق الأوسط وأهمها النفط وإسرائيل، بل لأنها تسعى إلى نفوذ إقليمي معترف به أمريكياً وأوروبياً مكافئ للدور الاستراتيجي الإقليمي لإسرائيل. فإسرائيل في غرب الفرات وإيران شرق الفرات، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة الأمريكية لعدة أسباب أهمها أن مثل هذا الدور الإقليمي الذي تطلبه إيران يجب أن يتوزع على كل دول المنطقة: تركيا، وأفغانستان، وباكستان، والهند، وربما السعودية ومصر. كما أن الولايات المتحدة لا يمكن لها أن تغفل الثقل الديموغرافي النوعي لإيران، وقوتها الاقتصادية، والخلفية الإمبراطورية لنظامها السياسي. فإيران كانت ذات يوم إحدى أقوى إمبراطوريتين عالميتين هما: الإمبراطورية الفارسية، والإمبراطورية الرومانية، وقدراتها العلمية والتكنولوجية، لا سيما في مجال التكنولوجيا النووية، وليس كما يحلو للبعض الاعتقاد بعداوة إيران لإسرائيل، ولا لأن إيران تبشر بنهاية عاجلة للكيان الصهيوني، بل لأنها تخشى من وضع إيران يدها على منطقة الخليج بفعل موروثها الإمبراطوري بالسيطرة بذلك على أكبر مستودعات النفط العالمية.

* عودة روسيا الاتحادية أو ما يسمى أحياناً (الدب الروسي) إلى الساحة الدولية متسلحة بقوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية من شأنها أن تسهم في بروز عالم متعدد الأقطاب، وإنهاء التفرد الأمريكي بالقرار الدولي.

* بروز الصين الشعبية كقوة اقتصادية بما يقض مضاجع الإدارة الأمريكية التي تتخوف من منافسة اقتصادية قوية لها من جانب الصين الشعبية، فضلاً عن إمكانات الصين الشعبية العسكرية والتكنولوجية والنووية، وتقاربها المتعدد الأوجه مع روسيا الاتحادية، ولعبها دوراً متصاعداً في السياسة الدولية، الأمر الذي ترى فيه الولايات المتحدة الأمريكية تحدياً آخر يضاف إلى التحدي الروسي للاستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، إن لم يكن أكثر خطورة على سياساتها الكونية والإقليمية.

* تنامي دور الاتحاد الأوروبي الاقتصادي والسياسي، وبروز (اليورو) عملة منافسة للدولار الأمريكي الآخذ في الهبوط المتسارع نحو الأدنى. 

بيد أن أخطر ما يخص علاقة الولايات المتحدة الأمريكية مع الاتحاد الأوروبي انتهاج الأخير سياسة أمريكية ذات طبيعة مزدوجة قوامها:

* التسليم بقيادة أمريكا سياسياً واقتصادياً للعالم من دون أن ينسحب ذلك على دول الاتحاد الأوروبي من جهة، وسعيه إلى مشاركة الولايات المتحدة الأمريكية في المنافع الحيوية المتولدة من هذا الدور الأمريكي القيادي للعالم المدعوم أوروبياً، من دون الاستعداد لتحمل أعباء وتكاليف تلك المشاركة في قيادة العالم اقتصادياً وتكنولوجياً.

* محدودية فاعلية الدور الياباني في دعم السياسة الأمريكية الكونية والإقليمية لأسباب تاريخية، والاكتفاء بالمشاركة الرمزية في حروب أمريكا في العراق وأفغانستان.

الولايات المتحدة تبحث عن طوق نجاة للخروج من مأزقها المتعمق في العراق و أفغانستان 

* تنامي المعارضة الرسمية والشعبية لدول أمريكا اللاتينية لسياسة الولايات المتحدة الأمريكية في القارة اللاتينية من جهة، ولسياستها الدولية التي أخذت تختط نهجاً عدوانياً في العالم وتعتمد سياسة الحروب الاستباقية، والتحول بالسلاح النووي من سلاح ردعي إلى سلاح ميداني كلما اقتضت الحاجة لذلك حسب تقديراتها للموقف، أو كلما وجدت نفسها في وضع حرج اختصاراً للزمن كما حصل في أفغانستان والعراق. وكذلك تنامي الحركات اليسارية في العديد من دول أمريكا اللاتينية التي استطاعت الوصول إلى سدة الحكم في هذه الدول وأبرزها هوغو شافيز في فنزويلا، وعودة أورتيغا إلى سدة الحكم في نيكاراغوا عن طريق الانتخابات وغيرها من الدول، الأمر الذي أربك إدارة بوش، لأن خطر التحولات الجذرية في السياسة الدولية وصل إلى بوابتها الخارجية.

* تردد الدول العربية (المعتدلة) والمحسوبة على الولايات المتحدة الأمريكية وأهمها السعودية وبقية دول الخليج العربية، ومصر، والأردن في دعم السياسة الأمريكية علناً بسبب سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الشرق أوسطية، وخاصة في ما يتعلق بتبنيها المطلق لسياسة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية باعتبارها أراضي متنازعاً عليها وليست محتلة، مخالفة بذلك مبدأ ظلت السياسة الشرق أوسطية للولايات المتحدة حتى وقت قريب تستند إليه، ويقوم على قرارات الشرعية الدولية (قرارات الأمم المتحدة)، وميثاق الأمم المتحدة (المادة الثانية) التي تنص على حق الشعوب في تقرير مصيرها، وعلى القانون الدولي الذي يرفض احتلال أراضي الغير وضمها بقوة السلاح، ويجيز للشعوب المحتلة أراضيها مقاومة المحتل سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. 

لا بل إن هذه الدول، وكما صرح بذلك قادتها، ترى أن سياسة أمريكا المتحيزة بالمطلق لإسرائيل، وتحصينها من صدور أي قرار إدانة لها على صعيد مجلس الأمن، وكذلك تحالفها الاستراتيجي معها بأبعاده العسكرية والعلمية والتكنولوجية واللوجستية أضعفت هذه الدول داخلياً من جهة، وربما أسهمت في إيجاد هوة بينها وبين شعوبها من جهة أخرى. 

ما المطلوب من المؤتمر الدولي؟ 

إذا كان ذلك هو باختصار شديد ومكثف المشهد الأمريكي الداخلي والظروف الإقليمية والدولية المرافقة لدعوة إدارة الرئيس بوش لهذا المؤتمر، فما هي يا ترى نظرة الطرف العربي الرسمي بشقيه (المعتدل) و(المتطرف) أو المصنف أمريكياً بأنه مساند للإرهاب الدولي (بمعنى مناهضة المصالح الأمريكية الإقليمية)؟ 

دول الاعتدال العربي متفقة على أن هذا المؤتمر وغيره لن يكتب له النجاح ما لم يقدم حلاً للقضية الفلسطينية وذلك بانسحاب إسرائيل من فلسطين المحتلة (الضفة الغربية وفي مقدمتها القدس) ومن بقية الأراضي العربية المحتلة، وإقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة منذ عام 1967م وعاصمتها القدس، وحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة من دون تحديد حجم هذه العودة أو نطاقها؛ مقابل التطبيع الكامل مع إسرائيل. بمعنى آخر سلام كامل مقابل انسحاب كامل، وإقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة إلى جانب إسرائيل وعاصمتها القدس وتطبيق قرار الجمعية العامة الخاص بحق العودة (194/1948) والتعويض، وهي البنود ذاتها التي تضمنتها المبادرة العربية للسلام. 

وهذا الموقف يشكل محور التوافق بين كل الدول العربية التي تبنت مبادرة السلام العربية (مبادرة الملك فهد أصلاً) في قمتي بيروت ومكة المكرمة. بمعنى أن الدول العربية (معتدلة) كانت، أم (متطرفة) مقاومة للإرهاب الدولي أو داعمة له وفقاً للمزاعم الأمريكية مجمعة على هذه المبادرة وليس بمقدورها أن تنزل إلى ما دون ذلك في أية مفاوضات قادمة، سواء جاءت على مستوى اللجنة الرباعية (أمريكا، الاتحاد الأوروبي، روسيا الاتحادية، والأمم المتحدة)، أو على شكل مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط الذي دعا إليه الرئيس بوش، فذلك (خط أحمر) لا يجرؤ أي كان على تجاوزه. 

وعليه، فإن مشاركة دول الاعتدال، ستبقى مرهونة بما ستقدمه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية سلفاً من عروض تتناغم مع التوقعات والطموحات لهذه الدول، وإن كانت السلطة الوطنية الفلسطينية قد أعلنت عن موقفها بحضور هذا المؤتمر داعية على لسان رئيسها محمود عباس إلى توفير شروط النجاح لمؤتمر السلام وخاصة مبادرة السلام العربية وبقية قرارات الشرعية الدولية. ومع أن الأوساط الصحافية أشارت إلى اتفاق الرئيس محمود عباس ورئيس وزراء إسرائيل على التقدم بمشروع مشترك قوامه الاتفاق على إقامة الدولة الفلسطينية من دون الدخول في التفاصيل الخاصة بالحدود وطبيعة هذه الدولة مؤقتة أو دائمة، وإن هي ترجح أن تكون ذات طبيعة مؤقتة، تتم خلالها عمليات مبادلة المستوطنات بأراضٍ داخل الخط الأخضر، وعودة رمزية للاجئين الفلسطينيين. غير أن القائد الشعبي الأسير في سجون الاحتلال الإسرائيلي مروان البرغوثي وصف هذا المؤتمر في مقابلة صحفية أجرتها معه صحيفة (يديعوت أحرنوت) العبرية ونشرتها صحيفة (القدس العربي) في عددها الصادر في 21/9/2007م قائلاً (هذا ليس مؤتمراً بل هو اجتماع لا يوجد له حتى الآن جدول أعمال).

أما دول مجلس التعاون الخليجي فقد اتسم موقفها بالحذر والوعي الكامل للهدف الأمريكي من الدعوة إلى هذا المؤتمر بتصريح أمينه العام عبدالرحمن العطية بأن مجلس التعاون الخليجي (يريد أن يكون مؤتمر السلام شاملاً ومتوازناً وألا يكون هدفه مساعدة الأمريكيين على الخروج من المأزق العراقي).

وقد تعزز هذا الموقف بموقف السعودية التي تعتبر العضو الأبرز في مجلس التعاون الخليجي التي ربطت مشاركتها في المؤتمر بالوقوف سلفاً عما سيتمخض عنه من نتائج تصب في خانة القبول بالمبادرة العربية للسلام، وهي بالأصل مبادرة الملك عبدالله بن عبد العزيز نفسه.

أما جامعة الدول العربية التي تنضوي تحت خيمتها كل الدول العربية (المعتدلة) و(المتطرفة)، ويمثل موقفها الحد الأدنى للتوقعات العربية، فشددت على لسان أمينها العام عمرو موسى بأنه (ينبغي ألا يكون المؤتمر مجرد واحد من تلك الاجتماعات للمصافحة أو إصدار بيان ختامي يجسد مواقف عامة، نريد تفاصيل).

وذلك يعني عملياً أن الدول العربية سئمت التكتيكات الأمريكية – الإسرائيلية، وهي غير مستعدة للاستمرار في لعبة عملية السلام التي أعلن الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى في مؤتمر قمة مكة المكرمة أنها فشلت، مطالباً بضرورة العودة بملف القضية الفلسطينية إلى هيئة الأمم المتحدة.

وختاماً تجدر الإشارة إلى أن الظروف الداخلية للولايات المتحدة الأمريكية، وقرب موعد انتخابات الرئاسة الأمريكية، والتراجع المستمر في شعبية الرئيس بوش (الابن) في الداخل الأمريكي، وأثر ذلك في انتخابات الرئاسة المقبلة، وتنامي المعارضة الأمريكية للحرب في العراق، وتحدي الديمقراطيين المتواصل للرئيس بوش، الذين يسيطرون على الكونغرس بمجلسيه النواب والشيوخ، والمأزق المتعمق لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق، وتصاعد وتيرة المقاومة العراقية المسلحة، وكذلك جملة الظروف الإقليمية والدولية التي أشير إليها آنفاً، من شأنها أن تدعم الموقف العربي، وترفع من سقف توقعاته، وخاصة إذا ما تم الاعتراف بالمقاومة العراقية التي حالت دون احتلالات أمريكية أخرى، ودعمها سياسياً ومادياً بدل التكرار الممل اللا مجدي لمقولة (السلام هو الخيار الاستراتيجي للعرب) طالما ظلت إسرائيل وأمريكا ترفضان الامتثال لقرارات الشرعية الدولية والاستجابة للمبادرة العربية للسلام، وإن هما ولأسباب تكتيكية ظلتا تؤكدان نيتهما في تحقيق السلام في المنطقة. 

ولذلك على الدول العربية، أي كان تصنيفها لذاتها أو تصنيف أمريكا لها ألا تنزلق إلى منحدر جديد من دون أن تعرف مسبقاً وبضمانات أمريكية وإسرائيلية موثقة ومعلنة بأن إسرائيل ستذعن لقرارات الشرعية الدولية وأهمها إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

 

::/fulltext::
::cck::1717::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *