منظمات المجتمع المدني والتحول الديمقراطي “العلاقة المأزومة”

::cck::1693::/cck::
::introtext::

يرتبط ظهور مصطلح أو مفهوم المجتمع المدني بظهور نظريات العقد الاجتماعي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر في المجتمعات الغربية للدلالة على مجتمع المواطنين الأحرار الذين اختاروا بإرادتهم الطوعية حكوماتهم. 

::/introtext::
::fulltext::

يرتبط ظهور مصطلح أو مفهوم المجتمع المدني بظهور نظريات العقد الاجتماعي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر في المجتمعات الغربية للدلالة على مجتمع المواطنين الأحرار الذين اختاروا بإرادتهم الطوعية حكوماتهم.

لقد ظل هذا المصطلح متداولاً في الأوساط الفكرية للمفكرين الاجتماعيين وخاصة – هيغل وماركس – إلى أواخر القرن التاسع عشر، ثم انحسر عن الحياة الفكرية والسياسية طوال القرن العشرين، وعاد مرة أخرى للظهور وبقوة في العقد الأخير من القرن العشرين، حيث شاع استعماله وتداوله في أدبيات العلوم الاجتماعية، وراج كثيراً في الأوساط الأكاديمية والعلمية سواء على المستوى العالمي أو المستوى العربي، وذلك بسبب عوامل عديدة من أهمها: تعاظم دور المجتمع المدني في استعادة الديمقراطية وتفعيلها في دول نكبت بنظم تسلطية مثل: البرتغال (1974) وإسبانيا (1975) واليونان (1976)، وقد فسرت سرعة انتشار الديمقراطية في تلك البلدان بعد تحررها من الحكم الشمولي بوجود البنية التحتية للديمقراطية وهي قيم ومؤسسات المجتمع المدني التي كانت في حالة خمود إبان الحكم التسلطي. وكذلك برز دور المجتمع المدني كخيار سلمي بديل عن الصراع الداخلي في دول مثل بولندا عبر نقابة التضامن، وتشيكوسلوفاكيا عبر المنتدى المدني الذي ترأسه الكاتب المسرحي (هافيل). وتأكدت أهمية ودور منظمات المجتمع المدني عندما انهارت دول الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، فقد فسر الانهيار بغياب منظمات المجتمع المدني التي تحمي الدولة من الانهيار لأن الدولة التسلطية الشمولية كانت قد ابتلعت المجتمع وسحقت الإنسان.

مع منتصف التسعينات أصبح مفهوم المجتمع المدني هدفاً تدور حوله المؤتمرات والندوات

أما الدور الأعظم لمنظمات المجتمع المدني فيكمن في أن تجارب التنمية في معظم دول العالم الثالث وعلى امتداد عقود زمنية، كشفت عن فشل كثير من تلك التجارب في تحقيق أهداف التنمية، بل تضاعفت ديون العالم الثالث وزادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في هذه التجارب بهدف فهم أعمق لأبعاد عملية التنمية، وكان من أهم هذه الأبعاد دور وقيم وممارسات المجتمع المدني، فقد وجد أن هناك فروقاً حاسمة في معدلات التنمية من مجتمع إلى آخر مع وجود السياسات نفسها، وهذه الفروق إنما ترجع إلى وجود قيم وممارسات المجتمع المدني.

وهكذا مع منتصف التسعينات، أصبح مفهوم المجتمع المدني هدفاً تدور حوله المؤتمرات والندوات، ومصطلحاً يتردد كثيراً في خطب الزعماء وكتابات المفكرين على اختلاف توجهاتهم، إلا أنه أصبح مصطلحاً فضفاضاً مثل مفهوم (الديمقراطية) يفسره كل حسب حاجته وأغراضه وتوجهاته السياسية والأيديولوجية. 

مفهوم المجتمع المدني

يثير مفهوم المجتمع المدني في المحيط الفكري والسياسي العربي معاني وتصورات مختلفة سواء من حيث تنظيماته أو مضامينه، ومهما كانت هذه الاختلافات فإنها ترجع في النهاية إلى تصورين رئيسيين لمفهوم المجتمع المدني هما:

الأول: مفهوم واسع يستوعب البنى والمؤسسات التقليدية والحديثة معاً، فيعرف المجتمع المدني بأنه (مجموعة المؤسسات والفعاليات والأنشطة التي تحتل مركزاً وسيطاً بين العائلة والدولة). وبناء عليه فإن مؤسسات المجتمع المدني تشمل المؤسسات التقليدية الاجتماعية مثل العشائرية والقبلية والطائفية، إضافة إلى المؤسسات الحديثة مثل الجمعيات والنقابات والأحزاب والأندية والتعاونيات والاتحادات ومراكز البحث والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان.

الثاني: مفهوم ضيق، يحصر المجتمع المدني في المؤسسات الحديثة فيعرفه بأنه مجموعة المنظمات والممارسات التي تنشأ بالإرادة الحرة لأبناء أي مجتمع، في استقلال نسبي عن المؤسسات الإرثية – الأسرة والعشيرة والقبيلة – من ناحية وعن الدولة من ناحية أخرى.

ولعل التعريف المعتمد عربياً وخليجياً لمفهوم المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف.

لماذا المجتمع المدني؟

تشكل منظمات المجتمع المدني البنية التحتية للديمقراطية، وإذا كان من المسلمات أنه لا تنمية من دون ديمقراطية فكذلك لا ديمقراطية من غير مجتمع مدني يكون كالأب الشرعي أو الأم الحاضنة التي تضمن للديمقراطية النمو والاستمرار والازدهار، وتجعلها وهذا هو الأهم غير قابلة للانكفاء والارتداد.

ولعلنا ندرك عمق العلاقة العضوية بين المجتمع المدني والديمقراطية إذا عرفنا أن تنظيمات المجتمع المدني هي المسؤولة عن التنشئة المدنية السياسية المبكرة للمواطن عبر الجمعية والنقابة والحزب.

وفي تصوري أن الإخفاق الأكبر لمشاريع النهضة العربية في زرع شجرة الديمقراطية في التربة العربية، رغم التجارب المبكرة في استيراد أشكال وآليات ديمقراطية منذ بدايات القرن المنصرم، يرجع إلى أن النخب الفكرية والثقافية ركزت جهودها على البنية الفوقية للديمقراطية ( النظام السياسي )، ولم تصاحبها جهود مماثلة لترسيخ البنية التحتية للديمقراطية على مستوى تنظيمات المجتمع المدني وعلى مستوى القيم والممارسات والعلاقات والثقافة المجتمعية، ولذلك لم تثمر شجرة الديمقراطية الوليدة،  ولم تغرس جذورها في التربة المجتمعية، فكانت في مهب الريح معرضة للاقتلاع عند هبوب أول ريح انقلابية. إن جزءاً أساسياً من أزمة الديمقراطية العربية ثم التعثر فالإخفاق تعود أسبابه إلى غياب أو ضعف تنظيمات المجتمع المدني وتدمير قيمه. 

تحليل وتقييم

الآن إذا عرفنا مدى أهمية ودور منظمات المجتمع المدني الحيوي في تفعيل الديمقراطية وترسيخها وحمايتها من الانتكاسة وكذلك دورها الحيوي في العملية التنموية ومواجهة الفساد وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات وكذلك دورها العابر للقارات من أجل تقديم خدمات إنسانية أو معونات أو إغاثة فما هي طبيعة الأدوار التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني على المستوى الخليجي خاصة والعربي عامة.

الملاحظ بصفة عامة وإذا استثنينا تنظيمات العمل الخيري الخليجي أن دول مجلس التعاون لا تملك موقفاً موحداً أو تصوراً عاماً متقارباً تجاه السماح بإنشاء تنظيمات المجتمع المدني، فهناك دول تسمح وفي ظل ضوابط قانونية، وهناك دول تمنع مطلقاً، وهناك دول تفرض قيوداً خانقة على إنشائها وعملها. هذا في ما يتعلق بالحكومات أما في ما يتعلق بالممارسات، فالملاحظ بصفة عامة أن غالبية منظمات المجتمع المدني خاصة على المستوى العربي تم اختراقها من قبل جماعات أيديولوجية، وأصبحت بمثابة امتدادات لتلك الجماعات تنفذ توجيهاتها السياسية وتحولت إلى أدوات لتلك الجماعات في صراعها السياسي مع الحكومات. أو في صراعها السياسي مع الغرب والأمثلة على ذلك كثيرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر: نقابة المحامين في الأردن جندت نفسها للدفاع عن صدام، بينما لم تنطق بكلمة واحدة عن مقابره الجماعية، اتحاد الكتّاب العرب فصل كتّاباً ومفكرين لمجرد اختلافهم في مواقفهم السياسية تجاه السلام والتطبيع، وتحولت المنظمات المهنية إلى مكاتب للمقاطعة العربية لإسرائيل، ومعظم الاتحادات والنقابات العربية وقفت في خندق واحد مع نظام صدام إبان الغزو العراقي للكويت، بل حتى البرلمانيين العرب وقفوا موقفاً مخزياً حين رفضوا إدانة المقابر الجماعية، ومعظم منظمات المجتمع المدني تحولت إلى أدوات قمع للمثقفين وللحريات المدنية، وبلغ المرض الفكري عند بعض تلك المنظمات أنها اعتبرت القبض على صدام إهانة لكرامة الأمة، وكذلك بلغ أن قمع تلك المنظمات للمثقفين أصبح أشد من قمع السلطات والحكومات، إذ إن معظم منظمات المجتمع المدني أصبحت مسيسة وتركت عملها الأصلي والحقيقي في خدمة أعضائها ومصالحهم المهنية وتطويرها لتنافس الأحزاب السياسية والجماعات الدينية الأيديولوجية في شحن الجماهير وقيادة المسيرات المناهضة وحرق الأعلام ومقاطعة البضائع الأمريكية.

قد يقال إن خدمة النضال الوطني والقومي جزء من عمل منظمات المجتمع المدني، ولكن هناك فرقاً دقيقاً بين العمل الحزبي والعمل المدني ينبغي توضيحه، فالأحزاب السياسية تشتغل بالعمل السياسي وهدفها الوصول إلى السلطة والأحزاب في أدبيات المجتمع المدني الغربي جزء من منظومة المجتمع السياسي لا المدني، بينما منظمات المجتمع المدني معنية أساساً بالنشاط الطوعي المنظم الذي لا يستهدف الربح أو السلطة، ولا حرج عليها إذا اهتمت بقضايا المجتمع العامة، فهي تنشغل بالأمور السياسية ولكن لا تشتغل بها ولا تحل محل الأحزاب السياسية، وكل مواطن في أي مجتمع عربي لا يستطيع أن يكون بمنأى عن الانشغال – لا الاشتغال- بهموم وقضايا الأمة، ولكن مشكلة منظمات المجتمع المدني العربية أنها تجاوزت كل الخطوط الحمر، حيث أصبح خطابها العام المعلن خطاباً تحريضياً تشكيكياً توزع تهم (العمالة) وتحتكر العمل الوطني، وما ذلك إلا لطغيان العمل السياسي على العمل النقابي والمهني والمدني. فما علاقة نقابة الصيادلة والأطباء والمهندسين بالاعتراض على انتخابات العراق مثلاً؟! وما علاقة تلك النقابات بالوقوف مع الإرهابيين الذين يسفكون دم أبناء الشعب العراقي بحجة المقاومة الشريفة؟

دول مجلس التعاون لا تملك موقفاً موحداً أو تصوراً عاماً تجاه السماح بإنشاء تنظيمات المجتمع المدني

إن القوانين والتشريعات المنظمة لعمل منظمات المجتمع المدني والنفع العام تقصر عملها على الأنشطة المتعلقة بالشؤون الإنسانية والاجتماعية والثقافية والخيرية، ولكن المشكلة أن تلك المنظمات لها طموحات سياسية واسعة، وتريد أن تتزعم حركة النضال ضد إسرائيل والغرب وأمريكا، وتقود المسيرات ضدها، ولكنها لا تقود مسيرة واحدة ضد الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن العربي على امتداد الساحتين العربية والإسلامية، تدافع عن الطغاة العرب وتجند جيشاً من المحامين للدفاع عنهم ولكنها لا تحرك ساكناً أمام التعذيب الممارس في السجون الثورية، لقد صمتت كل النقابات والاتحادات العربية، ومنها اتحاد المحامين العرب عن المقابر الجماعية والإبادة البشرية واستباحة كرامة المواطن في سجون النظم الثورية، ولكنها تكالبت جميعاً للدفاع عن القائد الضرورة!

منظمات المجتمع المدني التي اجتمعت في البحرين وغيرها من أجل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ضد الإساءات الموجهة من المتطرفين والحاقدين رغم أهمية هذا الموضوع ليتها اجتمعت مرة من أجل نصرة حقوق الإنسان العربي، من أجل حقوق المتهم التي تنتهك يومياً، من أجل فقه وثقافة وخطاب ديني يحترم النقد والرأي الآخر ويجرم التخوين والتكفير والشحن الطائفي والفتاوى التي تتسبب في إراقة دماء آلاف العرب والمسلمين. ليت تنظيمات المجتمع المدني التي تملك الجرأة في تنظيم المسيرات ضد أمريكا وإسرائيل وتحشد مهرجاناً للشتائم، ليتها تملك الجرأة على تنظيم مسيرة واحدة ضد التعذيب، ضد القمع الممارس عربياً.

لقد أصبحت منظمات المجتمع المدني العربية عامة والخليجية خاصة تزايد على الحكومات بل وتضغط عليها من أجل منع الروايات ووقف المسلسلات التلفزيونية ومحاكمة الكتّاب ومنع الحفلات الغنائية ومصادرة الكتب والصحف بذرائع متنوعة منها الحفاظ على التقاليد وحماية القيم والعقيدة والدين، بل إن حكوماتنا وقياداتنا أكثر انفتاحاً وتقدمية وإنصافاً وإنسانية في ما يتعلق بحقوق المرأة والأقليات وحريات التعبير من منظمات المجتمع المدني. إن ما يؤسف له – حقاً- أن منظمات المجتمع المدني التي تمثل رهاننا المستقبلي لتجاوز معوقات التحول الديمقراطي أصبحت – كلها – إما مسيسة ومؤدلجة توظف الدين والثوابت الوطنية والقومية في خدمة الصراع السياسي، أو طائفية معنية بالشأن الطائفي، أو قبلية تعنى بشؤون أفراد القبيلة ولو على حساب الصالح العام، أو مسخرة لخدمة مصالح شخصية.

وقد نشرت صحيفة (القبس) الكويتية بتاريخ 04/11/2003 استطلاعاً، قال فيه 85 في المائة إن جمعيات النفع العام في الكويت ما هي إلى تجمعات لمصالح شخصية وقس على ذلك بقية تنظيمات المجتمع المدني في بقية دول مجلس التعاون. وقد بلغت الأدلجة وطغيانها في عمل النقابات والاتحادات أن اتحاد الصحافيين العرب قدم تقريراً عن (أحوال الصحافة في الوطن العربي) والمعيار الذي اعتمده التقرير في تصنيف الدول العربية يقوم على موقف الحكومات من إسرائيل وأمريكا لا على طبيعة ممارسات الحكومات العربية من حيث كونها استبدادية أو ديمقراطية! وهذا أدى بهم إلى نتائج غريبة إذ تقدمت سوريا وليبيا واحتلتا المراكز الأولى! إن منظمات المجتمع المدني عامة عربية أو خليجية لا تزال مشحونة ومسكونة بعنتريات ستينات القرن المنصرم، ولا تزال أيضاً محكومة بأساليب الخطاب النضالي الشعاراتي، ولم تستطع حتى الآن أن تمارس أي دور حيوي مؤثر في قرارات تشريعية واجتماعية تخدم مجتمعاتها وتزيدها تقدماً ورقياً وتجعلها أكثر قبولاً لقيم الحداثة وكرامة الإنسان وحريته. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1693::/cck::
::introtext::

يرتبط ظهور مصطلح أو مفهوم المجتمع المدني بظهور نظريات العقد الاجتماعي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر في المجتمعات الغربية للدلالة على مجتمع المواطنين الأحرار الذين اختاروا بإرادتهم الطوعية حكوماتهم. 

::/introtext::
::fulltext::

يرتبط ظهور مصطلح أو مفهوم المجتمع المدني بظهور نظريات العقد الاجتماعي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر في المجتمعات الغربية للدلالة على مجتمع المواطنين الأحرار الذين اختاروا بإرادتهم الطوعية حكوماتهم.

لقد ظل هذا المصطلح متداولاً في الأوساط الفكرية للمفكرين الاجتماعيين وخاصة – هيغل وماركس – إلى أواخر القرن التاسع عشر، ثم انحسر عن الحياة الفكرية والسياسية طوال القرن العشرين، وعاد مرة أخرى للظهور وبقوة في العقد الأخير من القرن العشرين، حيث شاع استعماله وتداوله في أدبيات العلوم الاجتماعية، وراج كثيراً في الأوساط الأكاديمية والعلمية سواء على المستوى العالمي أو المستوى العربي، وذلك بسبب عوامل عديدة من أهمها: تعاظم دور المجتمع المدني في استعادة الديمقراطية وتفعيلها في دول نكبت بنظم تسلطية مثل: البرتغال (1974) وإسبانيا (1975) واليونان (1976)، وقد فسرت سرعة انتشار الديمقراطية في تلك البلدان بعد تحررها من الحكم الشمولي بوجود البنية التحتية للديمقراطية وهي قيم ومؤسسات المجتمع المدني التي كانت في حالة خمود إبان الحكم التسلطي. وكذلك برز دور المجتمع المدني كخيار سلمي بديل عن الصراع الداخلي في دول مثل بولندا عبر نقابة التضامن، وتشيكوسلوفاكيا عبر المنتدى المدني الذي ترأسه الكاتب المسرحي (هافيل). وتأكدت أهمية ودور منظمات المجتمع المدني عندما انهارت دول الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي، فقد فسر الانهيار بغياب منظمات المجتمع المدني التي تحمي الدولة من الانهيار لأن الدولة التسلطية الشمولية كانت قد ابتلعت المجتمع وسحقت الإنسان.

مع منتصف التسعينات أصبح مفهوم المجتمع المدني هدفاً تدور حوله المؤتمرات والندوات

أما الدور الأعظم لمنظمات المجتمع المدني فيكمن في أن تجارب التنمية في معظم دول العالم الثالث وعلى امتداد عقود زمنية، كشفت عن فشل كثير من تلك التجارب في تحقيق أهداف التنمية، بل تضاعفت ديون العالم الثالث وزادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، الأمر الذي أدى إلى إعادة النظر في هذه التجارب بهدف فهم أعمق لأبعاد عملية التنمية، وكان من أهم هذه الأبعاد دور وقيم وممارسات المجتمع المدني، فقد وجد أن هناك فروقاً حاسمة في معدلات التنمية من مجتمع إلى آخر مع وجود السياسات نفسها، وهذه الفروق إنما ترجع إلى وجود قيم وممارسات المجتمع المدني.

وهكذا مع منتصف التسعينات، أصبح مفهوم المجتمع المدني هدفاً تدور حوله المؤتمرات والندوات، ومصطلحاً يتردد كثيراً في خطب الزعماء وكتابات المفكرين على اختلاف توجهاتهم، إلا أنه أصبح مصطلحاً فضفاضاً مثل مفهوم (الديمقراطية) يفسره كل حسب حاجته وأغراضه وتوجهاته السياسية والأيديولوجية. 

مفهوم المجتمع المدني

يثير مفهوم المجتمع المدني في المحيط الفكري والسياسي العربي معاني وتصورات مختلفة سواء من حيث تنظيماته أو مضامينه، ومهما كانت هذه الاختلافات فإنها ترجع في النهاية إلى تصورين رئيسيين لمفهوم المجتمع المدني هما:

الأول: مفهوم واسع يستوعب البنى والمؤسسات التقليدية والحديثة معاً، فيعرف المجتمع المدني بأنه (مجموعة المؤسسات والفعاليات والأنشطة التي تحتل مركزاً وسيطاً بين العائلة والدولة). وبناء عليه فإن مؤسسات المجتمع المدني تشمل المؤسسات التقليدية الاجتماعية مثل العشائرية والقبلية والطائفية، إضافة إلى المؤسسات الحديثة مثل الجمعيات والنقابات والأحزاب والأندية والتعاونيات والاتحادات ومراكز البحث والجامعات ومنظمات حقوق الإنسان.

الثاني: مفهوم ضيق، يحصر المجتمع المدني في المؤسسات الحديثة فيعرفه بأنه مجموعة المنظمات والممارسات التي تنشأ بالإرادة الحرة لأبناء أي مجتمع، في استقلال نسبي عن المؤسسات الإرثية – الأسرة والعشيرة والقبيلة – من ناحية وعن الدولة من ناحية أخرى.

ولعل التعريف المعتمد عربياً وخليجياً لمفهوم المجتمع المدني هو مجموعة التنظيمات التطوعية الحرة التي تملأ المجال العام بين الأسرة والدولة لتحقيق مصالح أفرادها، ملتزمة في ذلك بقيم ومعايير الاحترام والتراضي والتسامح والإدارة السلمية للتنوع والاختلاف.

لماذا المجتمع المدني؟

تشكل منظمات المجتمع المدني البنية التحتية للديمقراطية، وإذا كان من المسلمات أنه لا تنمية من دون ديمقراطية فكذلك لا ديمقراطية من غير مجتمع مدني يكون كالأب الشرعي أو الأم الحاضنة التي تضمن للديمقراطية النمو والاستمرار والازدهار، وتجعلها وهذا هو الأهم غير قابلة للانكفاء والارتداد.

ولعلنا ندرك عمق العلاقة العضوية بين المجتمع المدني والديمقراطية إذا عرفنا أن تنظيمات المجتمع المدني هي المسؤولة عن التنشئة المدنية السياسية المبكرة للمواطن عبر الجمعية والنقابة والحزب.

وفي تصوري أن الإخفاق الأكبر لمشاريع النهضة العربية في زرع شجرة الديمقراطية في التربة العربية، رغم التجارب المبكرة في استيراد أشكال وآليات ديمقراطية منذ بدايات القرن المنصرم، يرجع إلى أن النخب الفكرية والثقافية ركزت جهودها على البنية الفوقية للديمقراطية ( النظام السياسي )، ولم تصاحبها جهود مماثلة لترسيخ البنية التحتية للديمقراطية على مستوى تنظيمات المجتمع المدني وعلى مستوى القيم والممارسات والعلاقات والثقافة المجتمعية، ولذلك لم تثمر شجرة الديمقراطية الوليدة،  ولم تغرس جذورها في التربة المجتمعية، فكانت في مهب الريح معرضة للاقتلاع عند هبوب أول ريح انقلابية. إن جزءاً أساسياً من أزمة الديمقراطية العربية ثم التعثر فالإخفاق تعود أسبابه إلى غياب أو ضعف تنظيمات المجتمع المدني وتدمير قيمه. 

تحليل وتقييم

الآن إذا عرفنا مدى أهمية ودور منظمات المجتمع المدني الحيوي في تفعيل الديمقراطية وترسيخها وحمايتها من الانتكاسة وكذلك دورها الحيوي في العملية التنموية ومواجهة الفساد وسيادة القانون وحماية الحقوق والحريات وكذلك دورها العابر للقارات من أجل تقديم خدمات إنسانية أو معونات أو إغاثة فما هي طبيعة الأدوار التي تقوم بها منظمات المجتمع المدني على المستوى الخليجي خاصة والعربي عامة.

الملاحظ بصفة عامة وإذا استثنينا تنظيمات العمل الخيري الخليجي أن دول مجلس التعاون لا تملك موقفاً موحداً أو تصوراً عاماً متقارباً تجاه السماح بإنشاء تنظيمات المجتمع المدني، فهناك دول تسمح وفي ظل ضوابط قانونية، وهناك دول تمنع مطلقاً، وهناك دول تفرض قيوداً خانقة على إنشائها وعملها. هذا في ما يتعلق بالحكومات أما في ما يتعلق بالممارسات، فالملاحظ بصفة عامة أن غالبية منظمات المجتمع المدني خاصة على المستوى العربي تم اختراقها من قبل جماعات أيديولوجية، وأصبحت بمثابة امتدادات لتلك الجماعات تنفذ توجيهاتها السياسية وتحولت إلى أدوات لتلك الجماعات في صراعها السياسي مع الحكومات. أو في صراعها السياسي مع الغرب والأمثلة على ذلك كثيرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر: نقابة المحامين في الأردن جندت نفسها للدفاع عن صدام، بينما لم تنطق بكلمة واحدة عن مقابره الجماعية، اتحاد الكتّاب العرب فصل كتّاباً ومفكرين لمجرد اختلافهم في مواقفهم السياسية تجاه السلام والتطبيع، وتحولت المنظمات المهنية إلى مكاتب للمقاطعة العربية لإسرائيل، ومعظم الاتحادات والنقابات العربية وقفت في خندق واحد مع نظام صدام إبان الغزو العراقي للكويت، بل حتى البرلمانيين العرب وقفوا موقفاً مخزياً حين رفضوا إدانة المقابر الجماعية، ومعظم منظمات المجتمع المدني تحولت إلى أدوات قمع للمثقفين وللحريات المدنية، وبلغ المرض الفكري عند بعض تلك المنظمات أنها اعتبرت القبض على صدام إهانة لكرامة الأمة، وكذلك بلغ أن قمع تلك المنظمات للمثقفين أصبح أشد من قمع السلطات والحكومات، إذ إن معظم منظمات المجتمع المدني أصبحت مسيسة وتركت عملها الأصلي والحقيقي في خدمة أعضائها ومصالحهم المهنية وتطويرها لتنافس الأحزاب السياسية والجماعات الدينية الأيديولوجية في شحن الجماهير وقيادة المسيرات المناهضة وحرق الأعلام ومقاطعة البضائع الأمريكية.

قد يقال إن خدمة النضال الوطني والقومي جزء من عمل منظمات المجتمع المدني، ولكن هناك فرقاً دقيقاً بين العمل الحزبي والعمل المدني ينبغي توضيحه، فالأحزاب السياسية تشتغل بالعمل السياسي وهدفها الوصول إلى السلطة والأحزاب في أدبيات المجتمع المدني الغربي جزء من منظومة المجتمع السياسي لا المدني، بينما منظمات المجتمع المدني معنية أساساً بالنشاط الطوعي المنظم الذي لا يستهدف الربح أو السلطة، ولا حرج عليها إذا اهتمت بقضايا المجتمع العامة، فهي تنشغل بالأمور السياسية ولكن لا تشتغل بها ولا تحل محل الأحزاب السياسية، وكل مواطن في أي مجتمع عربي لا يستطيع أن يكون بمنأى عن الانشغال – لا الاشتغال- بهموم وقضايا الأمة، ولكن مشكلة منظمات المجتمع المدني العربية أنها تجاوزت كل الخطوط الحمر، حيث أصبح خطابها العام المعلن خطاباً تحريضياً تشكيكياً توزع تهم (العمالة) وتحتكر العمل الوطني، وما ذلك إلا لطغيان العمل السياسي على العمل النقابي والمهني والمدني. فما علاقة نقابة الصيادلة والأطباء والمهندسين بالاعتراض على انتخابات العراق مثلاً؟! وما علاقة تلك النقابات بالوقوف مع الإرهابيين الذين يسفكون دم أبناء الشعب العراقي بحجة المقاومة الشريفة؟

دول مجلس التعاون لا تملك موقفاً موحداً أو تصوراً عاماً تجاه السماح بإنشاء تنظيمات المجتمع المدني

إن القوانين والتشريعات المنظمة لعمل منظمات المجتمع المدني والنفع العام تقصر عملها على الأنشطة المتعلقة بالشؤون الإنسانية والاجتماعية والثقافية والخيرية، ولكن المشكلة أن تلك المنظمات لها طموحات سياسية واسعة، وتريد أن تتزعم حركة النضال ضد إسرائيل والغرب وأمريكا، وتقود المسيرات ضدها، ولكنها لا تقود مسيرة واحدة ضد الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن العربي على امتداد الساحتين العربية والإسلامية، تدافع عن الطغاة العرب وتجند جيشاً من المحامين للدفاع عنهم ولكنها لا تحرك ساكناً أمام التعذيب الممارس في السجون الثورية، لقد صمتت كل النقابات والاتحادات العربية، ومنها اتحاد المحامين العرب عن المقابر الجماعية والإبادة البشرية واستباحة كرامة المواطن في سجون النظم الثورية، ولكنها تكالبت جميعاً للدفاع عن القائد الضرورة!

منظمات المجتمع المدني التي اجتمعت في البحرين وغيرها من أجل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ضد الإساءات الموجهة من المتطرفين والحاقدين رغم أهمية هذا الموضوع ليتها اجتمعت مرة من أجل نصرة حقوق الإنسان العربي، من أجل حقوق المتهم التي تنتهك يومياً، من أجل فقه وثقافة وخطاب ديني يحترم النقد والرأي الآخر ويجرم التخوين والتكفير والشحن الطائفي والفتاوى التي تتسبب في إراقة دماء آلاف العرب والمسلمين. ليت تنظيمات المجتمع المدني التي تملك الجرأة في تنظيم المسيرات ضد أمريكا وإسرائيل وتحشد مهرجاناً للشتائم، ليتها تملك الجرأة على تنظيم مسيرة واحدة ضد التعذيب، ضد القمع الممارس عربياً.

لقد أصبحت منظمات المجتمع المدني العربية عامة والخليجية خاصة تزايد على الحكومات بل وتضغط عليها من أجل منع الروايات ووقف المسلسلات التلفزيونية ومحاكمة الكتّاب ومنع الحفلات الغنائية ومصادرة الكتب والصحف بذرائع متنوعة منها الحفاظ على التقاليد وحماية القيم والعقيدة والدين، بل إن حكوماتنا وقياداتنا أكثر انفتاحاً وتقدمية وإنصافاً وإنسانية في ما يتعلق بحقوق المرأة والأقليات وحريات التعبير من منظمات المجتمع المدني. إن ما يؤسف له – حقاً- أن منظمات المجتمع المدني التي تمثل رهاننا المستقبلي لتجاوز معوقات التحول الديمقراطي أصبحت – كلها – إما مسيسة ومؤدلجة توظف الدين والثوابت الوطنية والقومية في خدمة الصراع السياسي، أو طائفية معنية بالشأن الطائفي، أو قبلية تعنى بشؤون أفراد القبيلة ولو على حساب الصالح العام، أو مسخرة لخدمة مصالح شخصية.

وقد نشرت صحيفة (القبس) الكويتية بتاريخ 04/11/2003 استطلاعاً، قال فيه 85 في المائة إن جمعيات النفع العام في الكويت ما هي إلى تجمعات لمصالح شخصية وقس على ذلك بقية تنظيمات المجتمع المدني في بقية دول مجلس التعاون. وقد بلغت الأدلجة وطغيانها في عمل النقابات والاتحادات أن اتحاد الصحافيين العرب قدم تقريراً عن (أحوال الصحافة في الوطن العربي) والمعيار الذي اعتمده التقرير في تصنيف الدول العربية يقوم على موقف الحكومات من إسرائيل وأمريكا لا على طبيعة ممارسات الحكومات العربية من حيث كونها استبدادية أو ديمقراطية! وهذا أدى بهم إلى نتائج غريبة إذ تقدمت سوريا وليبيا واحتلتا المراكز الأولى! إن منظمات المجتمع المدني عامة عربية أو خليجية لا تزال مشحونة ومسكونة بعنتريات ستينات القرن المنصرم، ولا تزال أيضاً محكومة بأساليب الخطاب النضالي الشعاراتي، ولم تستطع حتى الآن أن تمارس أي دور حيوي مؤثر في قرارات تشريعية واجتماعية تخدم مجتمعاتها وتزيدها تقدماً ورقياً وتجعلها أكثر قبولاً لقيم الحداثة وكرامة الإنسان وحريته. 

::/fulltext::
::cck::1693::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *