التعاون التجاري الاقتصادي بين روسيا ودول الخليج
::cck::1861::/cck::
::introtext::
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي خسرت روسيا الوصول الحر إلى عشرة موانئ كبرى في البلطيق وأوكرانيا وجورجيا وأذربيجان، وتقلصت حدودها البرية مع أوروبا إلى عمق القارة شرقاً. ومع ذلك بقيت روسيا أكبر بلاد العالم مساحة (17.1 مليون كلم 2)، وهي تفوق قليلاً مساحة البلدان العربية مجتمعة، وبعدد سكانها (148 مليون نسمة) هي السادسة عالمياً، ولكنها تقل عن نصف سكان الدول العربية مجتمعة، ويبلغ طول حدودها 58.5 ألف كلم، ثلثاها بحرية، وحدودها البرية مشتركة مع 14 دولة في شمال ووسط أوروبا وأقصى ووسط آسيا حتى بحر قزوين، وتنبسط روسيا على رقعة جغرافية مهمة من منطقة أوروآسيا، وهي قريبة من ثلاث مناطق جيواستراتيجية مضطربة باستمرار: منطقة الشرق الأوسط، جنوب غرب آسيا والقوقاز.
::/introtext::
::fulltext::
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي خسرت روسيا الوصول الحر إلى عشرة موانئ كبرى في البلطيق وأوكرانيا وجورجيا وأذربيجان، وتقلصت حدودها البرية مع أوروبا إلى عمق القارة شرقاً. ومع ذلك بقيت روسيا أكبر بلاد العالم مساحة (17.1 مليون كلم 2)، وهي تفوق قليلاً مساحة البلدان العربية مجتمعة، وبعدد سكانها (148 مليون نسمة) هي السادسة عالمياً، ولكنها تقل عن نصف سكان الدول العربية مجتمعة، ويبلغ طول حدودها 58.5 ألف كلم، ثلثاها بحرية، وحدودها البرية مشتركة مع 14 دولة في شمال ووسط أوروبا وأقصى ووسط آسيا حتى بحر قزوين، وتنبسط روسيا على رقعة جغرافية مهمة من منطقة أوروآسيا، وهي قريبة من ثلاث مناطق جيواستراتيجية مضطربة باستمرار: منطقة الشرق الأوسط، جنوب غرب آسيا والقوقاز.
من خلال ميزان إنتاج واستهلاك النفط والغاز تتبين نقاط ضعف القوة العظمى، ففي عام 2005 بلغت حصة روسيا من الإنتاج العالمي من النفط والغاز حوالي 12.4 في المائة و 26.4 في المائة على التوالي. حصة بلدان الخليج الآن 22,8 في المائة و 7,1 في المائة على التوالي، وهي أقل من حصتها في الاحتياطي العالمي الثابت، ومن المتوقع أن تصعد الطاقة الإنتاجية لدول الخليج بنسبة 72 في المائة حتى عام 2030م.
تستهلك روسيا من الغاز سنوياً ما يزيد على استهلاك اليابان، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا وإيطاليا مجتمعة
ويستهلك الاقتصاد الروسي ثلثي المستخرج من النفط والغاز محلياً، وتستهلك روسيا من الغاز سنوياً ما يزيد على استهلاك اليابان، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا وإيطاليا مجتمعة، رغم أن حجم الناتج الإجمالي المحلي لهذه البلدان الخمسة يفوق مثيله الروسي 13 ضعفاً. وفي الوقت نفسه فإن الإصلاحات التي أدخلها الرئيس بوتين تداركت ما أحدثته إصلاحات سنوات التسعينات، فأدت إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات النمو الاقتصادي ما يعني مزيداً من الاستهلاك الداخلي وتراجعاً في إمكانيات تصدير مواد الطاقة. وتصدر روسيا النفط والغاز عن طريق الأنابيب بمعدل 2.9 مليون برميل يومياً، (0.57 مليار متر مكعب يومياً). وإذا ما احتسبنا أن احتياطيات الغاز في منطقة الخليج تفوق الاحتياطيات الروسية بأكثر من 80 في المائة، مع توقع أن ينمو إنتاج الغاز الطبيعي الخليجي بنحو 200 في المائة حتى عام 2030، ليمثل نحو 46 في المائة من الزيادة المتوقعة في العرض العالمي للغاز الطبيعي، فإنه يمكن التنبؤ بتطور عاصف لسوق الغاز المضغوط قياساً بالذي يضخ عبر الأنابيب، وهو يشكل 30.4 في المائة من تجارة الغاز الدولية، تستحوذ بلدان الخليج على 24 في المائة منها.
وبسبب طفرات أسعار النفط ارتفعت الزيادة في عائدات الصادرات النفطية لكل دول العالم المصدرة للنفط عام 2004 قياساً بعام 2003 بمقدار 200 مليار دولار، وفي عام 2005 بمقدار 280 مليار دولار، أي بنسبة تتراوح بين 8 إلى 12 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي لهذه الدول مجتمعة، لكن لهذا العامل أثره المتباين في اقتصاد كل من روسيا ودول الخليج. فرغم تزايد حصة الصادرات النفطية في إجمالي الصادرات الروسية من حيث القيمة، إلا أنها لا تبتعد عن النصف كثيراً ( 51.2 في المائة، 52.4 في المائة، 54.2 في المائة، 54.7 في المائة و 61.1 في المائة للأعوام من 2001 إلى 2005 على التوالي)، كما استغلت طفرات الأسعار في إعادة تمويل قطاعات النفط والغاز والطاقة والمجمع الصناعي العسكري والفضاء وتعزيز القاعدة العلمية التقنية في البلاد. أما اعتماد دول الخليج على الاستيراد فقد ازداد بشكل ملحوظ، حيث ارتفع في السعودية من 38 في المائة إلى 95 في المائة من قيمة عائدات صادرات النفط والغاز بين عامي 1981 و2005. وهكذا أصبحنا نشهد في بلدان الخليج أغلب علامات (المرض الهولندي): ارتفاع أسعار صادرات المواد الخام وزيادة تدفق العائدات النقدية، تعزيز قيمة العملة الوطنية (الدينار الكويتي أو الريال السعودي في حال اتخاذ إجراءات مستقلة عن سعر صرف الدولار)، زيادة في إحلال السلع المستوردة على حساب المنتجة محلياً، وضعف القدرة التنافسية للاقتصاد.
الإصلاحات التي أدخلها الرئيس بوتين تداركت ما أحدثته إصلاحات سنوات التسعينات
ورغم أن روسيا رفعت إنتاجها النفطي إلى 9.236 مليون برميل سنوياً في يونيو 2006، بزيادة حوالي 46 ألف برميل على الإنتاج السعودي في إشارة إلى أنها الدولة الرائدة في ضمان أمن الطاقة عالمياً، حيث تستطيع رفع الإنتاج إلى 9.9 مليون برميل سنوياً عام 2007، إلا أن النفط الروسي صنف ( URALS) المستخرج من مناطق بشكيريا وتتارستان الإسلاميتين عالي الكبريت ولا يزال بعيداً عن مواصفات (BRENT). كما أن تكلفة استخراج برميل النفط في روسيا تبلغ 15 دولاراً، بينما لا تزيد على 5 دولارات في السعودية ودولة الإمارات. وعليه فإن السعودية تستطيع أن تتحمل هبوطاً درامياً لأسعار النفط حتى للحد الذي يشكل كارثة للاقتصاد الروسي. هذه الميزات المتوزعة هنا وهناك هي ما حدت بالدولتين لإبرام اتفاقية تعاون في مجال النفط والغاز بينهما لمدة خمس سنوات أثناء زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عندما كان ولياً للعهد)، إلى موسكو عام 2003 بهدف التنسيق في الأسواق العالمية لصالح استقرار إمدادات النفط والحفاظ على أسعار النفط العادلة.
إن المقارنات أعلاه تبين أنه رغم كون روسيا ومجلس التعاون الخليجي منتجين ومصدرين للغاز ولاعبين رئيسيين في سوقهما الدولية، إلا أنهما ليسا متنافسين متضادين، ولن يحل أحدهما محل الآخر في السوق، بل إن تطورات سوق النفط والغاز الدولية، والحاجة إلى تصريف فائض رأس المال الذي يتجسد في روسيا على هيئة آلات ومعدات وتقنيات ومعارف وكوادر علمية في مجالات الاقتصاد والحياة المختلفة في مقابل تنويع الاستثمار وتوجيهه إنتاجياً في بلدان الخليج كي لا يشكل فيض السيولة النقدية خطراً على الاقتصاد الخليجي عندما تستمر منصبة في قطاعات المال والعقار والأسهم والاتصالات وغيرها من قطاعات الاقتصاد غير الفعلي. كما أصبحت تملي هذا التفاهم ضرورة التعامل الجدي مع التدهور المستمر في سعر الدولار الأمريكي مع استمرار بقائه وحدة حسابية لتسوية مبيعات مواد الطاقة في السوق العالمية. فروسيا وبلدان في المنطقة بدأت التوجه نحو إقامة بورصات نفط خاصة تتعامل بعملات غير الدولار. تلك وغيرها أسباب اقتصادية تطرح مسألة التعاون على الاقتصاد الخليجي المحتاج إلى إعادة بناء هياكله والاقتصاد الروسي الآخذ في التعافي سريعاً بعد كبوته على أثر انهيار الاتحاد السوفييتي مروراً بالفترة الانتقالية الصعبة قبل حقبة الرئيس الحالي بوتين.
على أن للعوامل غير الاقتصادية أثرها المسرع في التعاون الاقتصادي والتجاري، فبعد أن استعادت روسيا عافيتها الاقتصادية أخذت تتعامل مع العالم باستراتيجيات جديدة وواضحة ترفض عالم القطب الواحد الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية. ويرى الروس، كما يرى الأمريكيون والدول الكبرى الأخرى أن منطقة الخليج هي الأكثر حساسية في مسألة توازن المصالح الدولية. ولهذا جاءت زيارات بوتين إلى كل من السعودية وقطر والإمارات في جولتي فبراير وسبتمبر 2007. وهنا يرى الخبير جاك سابير أن الأهم من بين كل الأسباب الأخرى لتركيز الرئيس بوتين على السعودية وقطر في زيارته الشرق أوسطية الأولى هو أنه بدأت تظهر ميول لدى البعض في المؤسسة السياسية السعودية للخروج من تحت عباءة النفوذ الأمريكي، وأن هناك حاجة لاختبار ما إذا كانت تلك (مساعي للقيام بلعبة خاصة ما مستقلة عن الولايات المتحدة)، أم (أن ذلك نتاج قرار سياسي جدي وموزون). وإذا كان العامل الديني معطلاً في العلاقات السوفييتية والروسية – السعودية في السابق، خاصة أثناء مناهضة السعودية للوجود السوفييتي في أفغانستان، ثم مناصرتها الإسلاميين الشيشان، فإنه يلعب الآن دوراً إيجابياً مهماً في تعزيز هذه العلاقات. فلقد تغير الوضع جذرياً في أفغانستان. وبالنسبة للقضية الشيشانية فقد أكد الملك عبدالله بن عبدالعزيز أثناء زيارته إلى موسكو عام 2003 أنها مسألة داخلية، وأن حلها يجب أن يقوم على أساس القوانين الروسية.
ولا يمكن وصف العلاقات الاقتصادية التجارية بين روسيا والعالم العربي بالمتطورة، فمع أن الحجم المطلق للصادرات الروسية إلى العالم العربي بين عامي (2002 و 2005) تضاعف تقريباً من حوالي 2.453 مليار دولار إلى 4.201 مليار دولار، إلا أن ثقلها النسبي في إجمالي الصادرات الروسية تراجع من 2.29 في المائة إلى 1.72 في المائة العامين نفسيهما. ومع أن الصادرات العربية إلى روسيا تضاعفت أكثر من 3 مرات بين هذين العامين (من 143 مليون دولار إلى 429 مليون دولار)، إلا أنها متدنية جداً من حيث أرقامها المطلقة أو ثقلها النسبي في إجمالي الواردات الروسية (من 0.2 في المائة إلى 0.31 في المائة للفترة نفسها).
إلا أن الرصيد الغني في تاريخ التعاون الاقتصادي والتجاري بين الاتحاد السوفييتي السابق وعدد من الدول العربية في حوض المتوسط وشمال إفريقيا واليمن وغيرها كان في مشاريع ضخمة أصبحت من معالم البناء الاقتصادي لهذه البلدان كالسدود ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وتعزيز القدرات الدفاعية والصناعة العسكرية وأبحاث الفضاء وبناء شبكات الطرق والجسور ومشاريع الزراعة وصيد الأسماك والصناعات الغذائية والخفيفة الأخرى والمستشفيات والجامعات وإعداد الكوادر الوطنية في مختلف التخصصات الاقتصادية والاجتماعية هذا من جهة. ومن الجهة الأخرى تسارع ديناميكية العلاقات الاقتصادية الروسية – الخليجية في السنوات الأخيرة في بعض من تلك المجالات إضافة إلى مشاريع السياحة والفندقة والمواصلات وتنشيط التبادل التجاري. وهاتان التجربتان تضعان أساساً قوياً لتطور هذه العلاقات مستقبلاً لمصلحة روسيا والبلدان الخليجية والعربية الأخرى، ويسعى الروس إلى الربط التكاملي بين التجربتين، فقد دعا د. يوري زينين المسؤول الرئيسي في قسم الشرق الأوسط بوكالة (نوفوستي) الروسية للأنباء إلى أن تشارك المؤسسات المالية الخليجية بإقامة مؤسسات مشتركة لتنفيذ طلب مصر المقدم إلى روسيا بتحديث 65 مؤسسة صناعية بنيت بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي.ولأن حضور روسيا الاقتصادي في الخليج والعالم العربي يأتي الآن في إطار استراتيجيتها الكونية الجديدة فإن ذلك يمكن أن يشكل بالنسبة لدول الخليج وغيرها مدخلاً واقعياً لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية على أسس جديدة وأكثر عدالة.

ومن الطبيعي أن يصطدم التعاون التجاري الاقتصادي الروسي الخليجي بعوامل معوقة كثيرة، موضوعية وذاتية. من أهمها النفوذ المتعمق والمزمن للدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة التي تعتبر الخليج منطقة مصالح حيوية تمس أمنها القومي، قلة الخبرة في التعامل بين الطرفين والاختلاف في أساليب وطرق الممارسات الاقتصادية، غياب أو ضعف المؤسسات التمويلية لمختلف أوجه التعاون، ونشاط اللوبي الصهيوني الذي أصبح متنفذاً في روسيا خلال الفترة الانتقالية حتى عهد الرئيس بوتين، والذي يملك تنظيماً شبكياً عالي الدقة ويعرف جيداً آليات تعطيل أي مشروع روسي – خليجي أو عربي مشترك أو يضع أي مشروع عربي في روسيا في خانة الإرهاب أو غسل الأموال. كما أن الحاجز اللغوي لا يزال يشكل عائقاً جدياً أمام التفاهم أثناء الاتصالات والاجتماعات والمؤتمرات وإتمام الصفقات. ولا تزال مواصفات البضائع من حيث الجودة والتصميم تضعف القدرة التنافسية لبعض السلع الروسية، ويقلل ارتفاع تكاليف الإنتاج والمناولة والشحن والنقل والتأمين من أرباح المؤسسات. أضف إلى ذلك الحذر الشديد من قبل بلدان الخليج على خلفية انعدام الثقة بين الجانبين كبقايا الماضي. ومن أهم العوامل المعوقة بقايا عدم الاستقرار الذي شهده الاقتصاد الروسي فيما بين النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي حتى السنوات الأولى من العقد الحالي والتي خلفت شبكة معقدة من المعاملات البيروقراطية والوساطات ونظاماً قضائياً لا يزال لا يشكل ضمانة قوية.
وفي مواجهة هذه الظواهر الأخيرة تتمتع المؤسسات الاقتصادية الغربية بحماية دولها، حيث تمتلك حكوماتها والمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية ما يسمى نظام (الخط الساخن) مع الرئاسة الروسية لحل المشكلات الاقتصادية والمنازعات في إطار حماية الاستثمارات الأجنبية. أما الدول الخليجية فلا تمتلك هذا الخط الساخن مع مؤسسة الرئاسة في حين تتعرض لتعقيد أشد وتمييز في المعاملات.
على أن كل تلك العوائق يمكن أن تتراجع أمام عاملين إيجابيين قويين هما: أولاً، توافر الإرادة السياسية لدى القيادات الروسية والخليجية على السواء. وكما شهدنا في السنوات الأخيرة فإن قراراً سياسياً من قبل السعودية أو الإمارات أو قطر يمكن أن يطلق المجال للتعاون في مجالات النفط والغاز والطاقة، بما في ذلك النووية والصناعة العسكرية. ثانياً، أن هذه المجالات الثلاثة بالذات تشكل العمود الفقري في الحياة الاقتصادية والقدرات الدفاعية للجانبين الروسي والخليجي وبمثابة القاطرة للتعاون الاقتصادي في كل المجالات الأخرى. وأي نشاط اقتصادي مرتبط بهذه المجالات يمكن أن يحظى بدعم وضمانات من قبل الدولة هنا وهناك.
ويبدو أن القرار السياسي في هذا الصدد أصبح ناضجاً، وذلك ما يوحي به وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في ختام زيارة الرئيس بوتين إلى المملكة العربية السعودية عندما قال (لا ترى المملكة أي عوائق على طريق التعاون مع روسيا في كل المجالات، بما في ذلك مجالات الأسلحة والطاقة النووية). وقبل ذلك كان قد ترأس سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير خارجية الإماراتي جانب دولة الإمارات في اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة مع روسيا للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتقني الذي عقد في موسكو في 30 أكتوبر 2006، فيما ترأس سيرجي أوهانسيان رئيس الوكالة الاتحادية الروسية للطاقة الجانب الروسي. وأصبحت الإمارات، التي وقّعت اتفاقية للتعاون التجاري والاقتصادي والفني مع روسيا منذ زمن مبكر في 2 يناير 1990، تتقدم دول مجلس التعاون الخليجي بحجم العلاقات التجارية مع روسيا التي ازدادت في السنوات الأربع الأخيرة بنحو مرتين ونصف المرة. وقد وقعت مذكرة تفاهم بين وكالة الفضاء الفدرالية الروسية والمنظمة الإماراتية للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة حول التعاون في مجال استخدام الفضاء للأغراض السلمية، ويتجه البلدان إلى الوصول لمنع الازدواج الضريبي، كما تسعى روسيا إلى اتفاق مماثل مع كافة دول مجلس التعاون.
ويمكن اليوم الحديث عن نتائج ملموسة، فقد فازت شركة لوك أويل أوفرسيز الروسية عام 2004بمناقصة للتنقيب والأعمال اللاحقة لمجمع (أ) لمكامن الغاز في صحراء الربع الخالي بالاشتراك مع شركة أرامكو، وأصبحت شركة ستروي ترانس غاز الروسية الكبرى تملك الحق فيالعمل في السوق السعودية للنفط والغاز، وهناك حوالي عشر شركات روسية أخرى عاملة في مجال صناعة النفط والغاز والأعمال الهندسية تعمل على توطيد مواقعها في المملكة العربية السعودية. وتم التوقيع على مذكرة تفاهم حول التعاون بين قطر للبترول وشركة لوكأويل الروسية القابضة. ومنذ عام 2003 تشكّل ونشط مجلس الأعمال العربي – الروسي الذي يعقد منتدياته بانتظام في روسيا والبلدان العربية، ويجري العمل على إشادة البيت العربي في روسيا، الذي سيحتوي على مراكز تجارية ومعارض ومكاتب متنوعة، وازدادت حركة المواصلات الجوية بين روسيا ودول الخليج، وبدأ في 4 مايو 2007 بث فضائية (روسيا اليوم) باللغة العربية.
وبما أن الشريان الحيوي للمشاريع الاستراتيجية بين الحكومات أو المشاريع الأصغر بين رجال الأعمال هو المال، فقد نشطت روسيا ودول الخليج في هذا الاتجاه. وبعد تسوية مسألة الديون السابقة بين روسيا وكل من الكويت والإمارات عن طريق صادرات تقنيات عسكرية وغير عسكرية، طرح عدد من المبادرات لتأسيس صندوق استثماري للتبادل التجاري المشترك برأسمال 500 مليون دولارلتشجيع الاستثمار بين روسيا والسعودية. ودعا المنتدى السابع لمجلس الأعمال العربي – الروسي (البحرين- مايو 2007) إلى تأسيس مصرف عربي – روسي مشترك أبدت مملكة البحرين رغبتها في استضافته.
وهكذا، فإنه على طريق التعاون الاقتصادي والتجاري بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي هناك عوامل مشجعة وأخرى معوقة، وأيضاً عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، لكن التعاون بين القطاعات الرئيسية التي تحتل فيها الدول موقعاً مقرراً هو الذي يشكل قاطرة ذلك التعاون ويستقطب حوله أنشطة رجال الأعمال من مختلف المجالات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1861::/cck::
::introtext::
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي خسرت روسيا الوصول الحر إلى عشرة موانئ كبرى في البلطيق وأوكرانيا وجورجيا وأذربيجان، وتقلصت حدودها البرية مع أوروبا إلى عمق القارة شرقاً. ومع ذلك بقيت روسيا أكبر بلاد العالم مساحة (17.1 مليون كلم 2)، وهي تفوق قليلاً مساحة البلدان العربية مجتمعة، وبعدد سكانها (148 مليون نسمة) هي السادسة عالمياً، ولكنها تقل عن نصف سكان الدول العربية مجتمعة، ويبلغ طول حدودها 58.5 ألف كلم، ثلثاها بحرية، وحدودها البرية مشتركة مع 14 دولة في شمال ووسط أوروبا وأقصى ووسط آسيا حتى بحر قزوين، وتنبسط روسيا على رقعة جغرافية مهمة من منطقة أوروآسيا، وهي قريبة من ثلاث مناطق جيواستراتيجية مضطربة باستمرار: منطقة الشرق الأوسط، جنوب غرب آسيا والقوقاز.
::/introtext::
::fulltext::
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي خسرت روسيا الوصول الحر إلى عشرة موانئ كبرى في البلطيق وأوكرانيا وجورجيا وأذربيجان، وتقلصت حدودها البرية مع أوروبا إلى عمق القارة شرقاً. ومع ذلك بقيت روسيا أكبر بلاد العالم مساحة (17.1 مليون كلم 2)، وهي تفوق قليلاً مساحة البلدان العربية مجتمعة، وبعدد سكانها (148 مليون نسمة) هي السادسة عالمياً، ولكنها تقل عن نصف سكان الدول العربية مجتمعة، ويبلغ طول حدودها 58.5 ألف كلم، ثلثاها بحرية، وحدودها البرية مشتركة مع 14 دولة في شمال ووسط أوروبا وأقصى ووسط آسيا حتى بحر قزوين، وتنبسط روسيا على رقعة جغرافية مهمة من منطقة أوروآسيا، وهي قريبة من ثلاث مناطق جيواستراتيجية مضطربة باستمرار: منطقة الشرق الأوسط، جنوب غرب آسيا والقوقاز.
من خلال ميزان إنتاج واستهلاك النفط والغاز تتبين نقاط ضعف القوة العظمى، ففي عام 2005 بلغت حصة روسيا من الإنتاج العالمي من النفط والغاز حوالي 12.4 في المائة و 26.4 في المائة على التوالي. حصة بلدان الخليج الآن 22,8 في المائة و 7,1 في المائة على التوالي، وهي أقل من حصتها في الاحتياطي العالمي الثابت، ومن المتوقع أن تصعد الطاقة الإنتاجية لدول الخليج بنسبة 72 في المائة حتى عام 2030م.
تستهلك روسيا من الغاز سنوياً ما يزيد على استهلاك اليابان، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا وإيطاليا مجتمعة
ويستهلك الاقتصاد الروسي ثلثي المستخرج من النفط والغاز محلياً، وتستهلك روسيا من الغاز سنوياً ما يزيد على استهلاك اليابان، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا وإيطاليا مجتمعة، رغم أن حجم الناتج الإجمالي المحلي لهذه البلدان الخمسة يفوق مثيله الروسي 13 ضعفاً. وفي الوقت نفسه فإن الإصلاحات التي أدخلها الرئيس بوتين تداركت ما أحدثته إصلاحات سنوات التسعينات، فأدت إلى ارتفاع ملحوظ في معدلات النمو الاقتصادي ما يعني مزيداً من الاستهلاك الداخلي وتراجعاً في إمكانيات تصدير مواد الطاقة. وتصدر روسيا النفط والغاز عن طريق الأنابيب بمعدل 2.9 مليون برميل يومياً، (0.57 مليار متر مكعب يومياً). وإذا ما احتسبنا أن احتياطيات الغاز في منطقة الخليج تفوق الاحتياطيات الروسية بأكثر من 80 في المائة، مع توقع أن ينمو إنتاج الغاز الطبيعي الخليجي بنحو 200 في المائة حتى عام 2030، ليمثل نحو 46 في المائة من الزيادة المتوقعة في العرض العالمي للغاز الطبيعي، فإنه يمكن التنبؤ بتطور عاصف لسوق الغاز المضغوط قياساً بالذي يضخ عبر الأنابيب، وهو يشكل 30.4 في المائة من تجارة الغاز الدولية، تستحوذ بلدان الخليج على 24 في المائة منها.
وبسبب طفرات أسعار النفط ارتفعت الزيادة في عائدات الصادرات النفطية لكل دول العالم المصدرة للنفط عام 2004 قياساً بعام 2003 بمقدار 200 مليار دولار، وفي عام 2005 بمقدار 280 مليار دولار، أي بنسبة تتراوح بين 8 إلى 12 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي لهذه الدول مجتمعة، لكن لهذا العامل أثره المتباين في اقتصاد كل من روسيا ودول الخليج. فرغم تزايد حصة الصادرات النفطية في إجمالي الصادرات الروسية من حيث القيمة، إلا أنها لا تبتعد عن النصف كثيراً ( 51.2 في المائة، 52.4 في المائة، 54.2 في المائة، 54.7 في المائة و 61.1 في المائة للأعوام من 2001 إلى 2005 على التوالي)، كما استغلت طفرات الأسعار في إعادة تمويل قطاعات النفط والغاز والطاقة والمجمع الصناعي العسكري والفضاء وتعزيز القاعدة العلمية التقنية في البلاد. أما اعتماد دول الخليج على الاستيراد فقد ازداد بشكل ملحوظ، حيث ارتفع في السعودية من 38 في المائة إلى 95 في المائة من قيمة عائدات صادرات النفط والغاز بين عامي 1981 و2005. وهكذا أصبحنا نشهد في بلدان الخليج أغلب علامات (المرض الهولندي): ارتفاع أسعار صادرات المواد الخام وزيادة تدفق العائدات النقدية، تعزيز قيمة العملة الوطنية (الدينار الكويتي أو الريال السعودي في حال اتخاذ إجراءات مستقلة عن سعر صرف الدولار)، زيادة في إحلال السلع المستوردة على حساب المنتجة محلياً، وضعف القدرة التنافسية للاقتصاد.
الإصلاحات التي أدخلها الرئيس بوتين تداركت ما أحدثته إصلاحات سنوات التسعينات
ورغم أن روسيا رفعت إنتاجها النفطي إلى 9.236 مليون برميل سنوياً في يونيو 2006، بزيادة حوالي 46 ألف برميل على الإنتاج السعودي في إشارة إلى أنها الدولة الرائدة في ضمان أمن الطاقة عالمياً، حيث تستطيع رفع الإنتاج إلى 9.9 مليون برميل سنوياً عام 2007، إلا أن النفط الروسي صنف ( URALS) المستخرج من مناطق بشكيريا وتتارستان الإسلاميتين عالي الكبريت ولا يزال بعيداً عن مواصفات (BRENT). كما أن تكلفة استخراج برميل النفط في روسيا تبلغ 15 دولاراً، بينما لا تزيد على 5 دولارات في السعودية ودولة الإمارات. وعليه فإن السعودية تستطيع أن تتحمل هبوطاً درامياً لأسعار النفط حتى للحد الذي يشكل كارثة للاقتصاد الروسي. هذه الميزات المتوزعة هنا وهناك هي ما حدت بالدولتين لإبرام اتفاقية تعاون في مجال النفط والغاز بينهما لمدة خمس سنوات أثناء زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز (عندما كان ولياً للعهد)، إلى موسكو عام 2003 بهدف التنسيق في الأسواق العالمية لصالح استقرار إمدادات النفط والحفاظ على أسعار النفط العادلة.
إن المقارنات أعلاه تبين أنه رغم كون روسيا ومجلس التعاون الخليجي منتجين ومصدرين للغاز ولاعبين رئيسيين في سوقهما الدولية، إلا أنهما ليسا متنافسين متضادين، ولن يحل أحدهما محل الآخر في السوق، بل إن تطورات سوق النفط والغاز الدولية، والحاجة إلى تصريف فائض رأس المال الذي يتجسد في روسيا على هيئة آلات ومعدات وتقنيات ومعارف وكوادر علمية في مجالات الاقتصاد والحياة المختلفة في مقابل تنويع الاستثمار وتوجيهه إنتاجياً في بلدان الخليج كي لا يشكل فيض السيولة النقدية خطراً على الاقتصاد الخليجي عندما تستمر منصبة في قطاعات المال والعقار والأسهم والاتصالات وغيرها من قطاعات الاقتصاد غير الفعلي. كما أصبحت تملي هذا التفاهم ضرورة التعامل الجدي مع التدهور المستمر في سعر الدولار الأمريكي مع استمرار بقائه وحدة حسابية لتسوية مبيعات مواد الطاقة في السوق العالمية. فروسيا وبلدان في المنطقة بدأت التوجه نحو إقامة بورصات نفط خاصة تتعامل بعملات غير الدولار. تلك وغيرها أسباب اقتصادية تطرح مسألة التعاون على الاقتصاد الخليجي المحتاج إلى إعادة بناء هياكله والاقتصاد الروسي الآخذ في التعافي سريعاً بعد كبوته على أثر انهيار الاتحاد السوفييتي مروراً بالفترة الانتقالية الصعبة قبل حقبة الرئيس الحالي بوتين.
على أن للعوامل غير الاقتصادية أثرها المسرع في التعاون الاقتصادي والتجاري، فبعد أن استعادت روسيا عافيتها الاقتصادية أخذت تتعامل مع العالم باستراتيجيات جديدة وواضحة ترفض عالم القطب الواحد الذي تمثله الولايات المتحدة الأمريكية. ويرى الروس، كما يرى الأمريكيون والدول الكبرى الأخرى أن منطقة الخليج هي الأكثر حساسية في مسألة توازن المصالح الدولية. ولهذا جاءت زيارات بوتين إلى كل من السعودية وقطر والإمارات في جولتي فبراير وسبتمبر 2007. وهنا يرى الخبير جاك سابير أن الأهم من بين كل الأسباب الأخرى لتركيز الرئيس بوتين على السعودية وقطر في زيارته الشرق أوسطية الأولى هو أنه بدأت تظهر ميول لدى البعض في المؤسسة السياسية السعودية للخروج من تحت عباءة النفوذ الأمريكي، وأن هناك حاجة لاختبار ما إذا كانت تلك (مساعي للقيام بلعبة خاصة ما مستقلة عن الولايات المتحدة)، أم (أن ذلك نتاج قرار سياسي جدي وموزون). وإذا كان العامل الديني معطلاً في العلاقات السوفييتية والروسية – السعودية في السابق، خاصة أثناء مناهضة السعودية للوجود السوفييتي في أفغانستان، ثم مناصرتها الإسلاميين الشيشان، فإنه يلعب الآن دوراً إيجابياً مهماً في تعزيز هذه العلاقات. فلقد تغير الوضع جذرياً في أفغانستان. وبالنسبة للقضية الشيشانية فقد أكد الملك عبدالله بن عبدالعزيز أثناء زيارته إلى موسكو عام 2003 أنها مسألة داخلية، وأن حلها يجب أن يقوم على أساس القوانين الروسية.
ولا يمكن وصف العلاقات الاقتصادية التجارية بين روسيا والعالم العربي بالمتطورة، فمع أن الحجم المطلق للصادرات الروسية إلى العالم العربي بين عامي (2002 و 2005) تضاعف تقريباً من حوالي 2.453 مليار دولار إلى 4.201 مليار دولار، إلا أن ثقلها النسبي في إجمالي الصادرات الروسية تراجع من 2.29 في المائة إلى 1.72 في المائة العامين نفسيهما. ومع أن الصادرات العربية إلى روسيا تضاعفت أكثر من 3 مرات بين هذين العامين (من 143 مليون دولار إلى 429 مليون دولار)، إلا أنها متدنية جداً من حيث أرقامها المطلقة أو ثقلها النسبي في إجمالي الواردات الروسية (من 0.2 في المائة إلى 0.31 في المائة للفترة نفسها).
إلا أن الرصيد الغني في تاريخ التعاون الاقتصادي والتجاري بين الاتحاد السوفييتي السابق وعدد من الدول العربية في حوض المتوسط وشمال إفريقيا واليمن وغيرها كان في مشاريع ضخمة أصبحت من معالم البناء الاقتصادي لهذه البلدان كالسدود ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وتعزيز القدرات الدفاعية والصناعة العسكرية وأبحاث الفضاء وبناء شبكات الطرق والجسور ومشاريع الزراعة وصيد الأسماك والصناعات الغذائية والخفيفة الأخرى والمستشفيات والجامعات وإعداد الكوادر الوطنية في مختلف التخصصات الاقتصادية والاجتماعية هذا من جهة. ومن الجهة الأخرى تسارع ديناميكية العلاقات الاقتصادية الروسية – الخليجية في السنوات الأخيرة في بعض من تلك المجالات إضافة إلى مشاريع السياحة والفندقة والمواصلات وتنشيط التبادل التجاري. وهاتان التجربتان تضعان أساساً قوياً لتطور هذه العلاقات مستقبلاً لمصلحة روسيا والبلدان الخليجية والعربية الأخرى، ويسعى الروس إلى الربط التكاملي بين التجربتين، فقد دعا د. يوري زينين المسؤول الرئيسي في قسم الشرق الأوسط بوكالة (نوفوستي) الروسية للأنباء إلى أن تشارك المؤسسات المالية الخليجية بإقامة مؤسسات مشتركة لتنفيذ طلب مصر المقدم إلى روسيا بتحديث 65 مؤسسة صناعية بنيت بالتعاون مع الاتحاد السوفييتي.ولأن حضور روسيا الاقتصادي في الخليج والعالم العربي يأتي الآن في إطار استراتيجيتها الكونية الجديدة فإن ذلك يمكن أن يشكل بالنسبة لدول الخليج وغيرها مدخلاً واقعياً لإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والتجارية الدولية على أسس جديدة وأكثر عدالة.

ومن الطبيعي أن يصطدم التعاون التجاري الاقتصادي الروسي الخليجي بعوامل معوقة كثيرة، موضوعية وذاتية. من أهمها النفوذ المتعمق والمزمن للدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة التي تعتبر الخليج منطقة مصالح حيوية تمس أمنها القومي، قلة الخبرة في التعامل بين الطرفين والاختلاف في أساليب وطرق الممارسات الاقتصادية، غياب أو ضعف المؤسسات التمويلية لمختلف أوجه التعاون، ونشاط اللوبي الصهيوني الذي أصبح متنفذاً في روسيا خلال الفترة الانتقالية حتى عهد الرئيس بوتين، والذي يملك تنظيماً شبكياً عالي الدقة ويعرف جيداً آليات تعطيل أي مشروع روسي – خليجي أو عربي مشترك أو يضع أي مشروع عربي في روسيا في خانة الإرهاب أو غسل الأموال. كما أن الحاجز اللغوي لا يزال يشكل عائقاً جدياً أمام التفاهم أثناء الاتصالات والاجتماعات والمؤتمرات وإتمام الصفقات. ولا تزال مواصفات البضائع من حيث الجودة والتصميم تضعف القدرة التنافسية لبعض السلع الروسية، ويقلل ارتفاع تكاليف الإنتاج والمناولة والشحن والنقل والتأمين من أرباح المؤسسات. أضف إلى ذلك الحذر الشديد من قبل بلدان الخليج على خلفية انعدام الثقة بين الجانبين كبقايا الماضي. ومن أهم العوامل المعوقة بقايا عدم الاستقرار الذي شهده الاقتصاد الروسي فيما بين النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي حتى السنوات الأولى من العقد الحالي والتي خلفت شبكة معقدة من المعاملات البيروقراطية والوساطات ونظاماً قضائياً لا يزال لا يشكل ضمانة قوية.
وفي مواجهة هذه الظواهر الأخيرة تتمتع المؤسسات الاقتصادية الغربية بحماية دولها، حيث تمتلك حكوماتها والمؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية ما يسمى نظام (الخط الساخن) مع الرئاسة الروسية لحل المشكلات الاقتصادية والمنازعات في إطار حماية الاستثمارات الأجنبية. أما الدول الخليجية فلا تمتلك هذا الخط الساخن مع مؤسسة الرئاسة في حين تتعرض لتعقيد أشد وتمييز في المعاملات.
على أن كل تلك العوائق يمكن أن تتراجع أمام عاملين إيجابيين قويين هما: أولاً، توافر الإرادة السياسية لدى القيادات الروسية والخليجية على السواء. وكما شهدنا في السنوات الأخيرة فإن قراراً سياسياً من قبل السعودية أو الإمارات أو قطر يمكن أن يطلق المجال للتعاون في مجالات النفط والغاز والطاقة، بما في ذلك النووية والصناعة العسكرية. ثانياً، أن هذه المجالات الثلاثة بالذات تشكل العمود الفقري في الحياة الاقتصادية والقدرات الدفاعية للجانبين الروسي والخليجي وبمثابة القاطرة للتعاون الاقتصادي في كل المجالات الأخرى. وأي نشاط اقتصادي مرتبط بهذه المجالات يمكن أن يحظى بدعم وضمانات من قبل الدولة هنا وهناك.
ويبدو أن القرار السياسي في هذا الصدد أصبح ناضجاً، وذلك ما يوحي به وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل في ختام زيارة الرئيس بوتين إلى المملكة العربية السعودية عندما قال (لا ترى المملكة أي عوائق على طريق التعاون مع روسيا في كل المجالات، بما في ذلك مجالات الأسلحة والطاقة النووية). وقبل ذلك كان قد ترأس سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير خارجية الإماراتي جانب دولة الإمارات في اجتماع اللجنة الحكومية المشتركة مع روسيا للتعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي والتقني الذي عقد في موسكو في 30 أكتوبر 2006، فيما ترأس سيرجي أوهانسيان رئيس الوكالة الاتحادية الروسية للطاقة الجانب الروسي. وأصبحت الإمارات، التي وقّعت اتفاقية للتعاون التجاري والاقتصادي والفني مع روسيا منذ زمن مبكر في 2 يناير 1990، تتقدم دول مجلس التعاون الخليجي بحجم العلاقات التجارية مع روسيا التي ازدادت في السنوات الأربع الأخيرة بنحو مرتين ونصف المرة. وقد وقعت مذكرة تفاهم بين وكالة الفضاء الفدرالية الروسية والمنظمة الإماراتية للعلوم والتكنولوجيا المتقدمة حول التعاون في مجال استخدام الفضاء للأغراض السلمية، ويتجه البلدان إلى الوصول لمنع الازدواج الضريبي، كما تسعى روسيا إلى اتفاق مماثل مع كافة دول مجلس التعاون.
ويمكن اليوم الحديث عن نتائج ملموسة، فقد فازت شركة لوك أويل أوفرسيز الروسية عام 2004بمناقصة للتنقيب والأعمال اللاحقة لمجمع (أ) لمكامن الغاز في صحراء الربع الخالي بالاشتراك مع شركة أرامكو، وأصبحت شركة ستروي ترانس غاز الروسية الكبرى تملك الحق فيالعمل في السوق السعودية للنفط والغاز، وهناك حوالي عشر شركات روسية أخرى عاملة في مجال صناعة النفط والغاز والأعمال الهندسية تعمل على توطيد مواقعها في المملكة العربية السعودية. وتم التوقيع على مذكرة تفاهم حول التعاون بين قطر للبترول وشركة لوكأويل الروسية القابضة. ومنذ عام 2003 تشكّل ونشط مجلس الأعمال العربي – الروسي الذي يعقد منتدياته بانتظام في روسيا والبلدان العربية، ويجري العمل على إشادة البيت العربي في روسيا، الذي سيحتوي على مراكز تجارية ومعارض ومكاتب متنوعة، وازدادت حركة المواصلات الجوية بين روسيا ودول الخليج، وبدأ في 4 مايو 2007 بث فضائية (روسيا اليوم) باللغة العربية.
وبما أن الشريان الحيوي للمشاريع الاستراتيجية بين الحكومات أو المشاريع الأصغر بين رجال الأعمال هو المال، فقد نشطت روسيا ودول الخليج في هذا الاتجاه. وبعد تسوية مسألة الديون السابقة بين روسيا وكل من الكويت والإمارات عن طريق صادرات تقنيات عسكرية وغير عسكرية، طرح عدد من المبادرات لتأسيس صندوق استثماري للتبادل التجاري المشترك برأسمال 500 مليون دولارلتشجيع الاستثمار بين روسيا والسعودية. ودعا المنتدى السابع لمجلس الأعمال العربي – الروسي (البحرين- مايو 2007) إلى تأسيس مصرف عربي – روسي مشترك أبدت مملكة البحرين رغبتها في استضافته.
وهكذا، فإنه على طريق التعاون الاقتصادي والتجاري بين روسيا ودول مجلس التعاون الخليجي هناك عوامل مشجعة وأخرى معوقة، وأيضاً عوامل موضوعية وأخرى ذاتية، لكن التعاون بين القطاعات الرئيسية التي تحتل فيها الدول موقعاً مقرراً هو الذي يشكل قاطرة ذلك التعاون ويستقطب حوله أنشطة رجال الأعمال من مختلف المجالات.
::/fulltext::
::cck::1861::/cck::
