توقعات السياسة الخارجية الروسية تجاه منطقة الخليج

::cck::1871::/cck::
::introtext::

يتواصل الاهتمام الكبير بصعود روسـيا كقوة فاعلة في العلاقات الدولية المعاصرة. فالرئاسة الروسية الناجحة لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى التي تُوجّت بقمة سان بطرسبورغ في يوليو 2006، وتمدُّد اقتصاد الطاقة الروسي داخل أسواق الطاقة العالمية، واستخدام موسكو للطاقة كأداة في سياستها الخارجية، وانفتاحها الدبلوماسي المفعم بالحماسة على بعض مناطق نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق (بما فيها منطقة الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية)، أمور تؤشر كلها إلى جرأة وبراعة صنّاع السياسة الخارجية الروسية الحديثة.

::/introtext::
::fulltext::

يتواصل الاهتمام الكبير بصعود روسـيا كقوة فاعلة في العلاقات الدولية المعاصرة. فالرئاسة الروسية الناجحة لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى التي تُوجّت بقمة سان بطرسبورغ في يوليو 2006، وتمدُّد اقتصاد الطاقة الروسي داخل أسواق الطاقة العالمية، واستخدام موسكو للطاقة كأداة في سياستها الخارجية، وانفتاحها الدبلوماسي المفعم بالحماسة على بعض مناطق نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق (بما فيها منطقة الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية)، أمور تؤشر كلها إلى جرأة وبراعة صنّاع السياسة الخارجية الروسية الحديثة.

رغم أن منطقة الخليج الاستراتيجية تبدو للوهلة الأولى أشبه بمنطقة هامشية في عملية صنع السياسة الخارجية الروسية، إلا أن أهداف وغايات هذه السياسة في دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق واليمن تُصبح أكثر وضوحاً، عندما يُنظر إليها ضمن الإطار الأوسع لغايات السياسة الخارجية الروسية الراهنة.

سياسة موسكو الدولية في مجال الطاقة تستند إلى موقع روسيا كقوة عالمية عظمى في صناعة الغاز

فنموذج السياسة الخارجية الروسية الأكثر تكاملاً، والذي برز خلال فترة رئاسة بوتين لروسيا، يدعم هدفين أساسيين. الأول هو حماية الأمن القومي الروسي ـ بشقيه الداخلي والخارجي (أي مواجهة الإرهاب المحلي والتهديدات القادمة من خلف حدود روسيا). أما الثاني فهو توطيد دعائم الكرملين ودعم تقدّم الشركات الروسية التي تقودها الدولة لتعزيز انخراطها في الاقتصاد العالمي، خاصة في قطاع تصدير الطاقة ثم في بقية قطاعات التصدير الاستراتيجية الرئيسية الأخرى، مثل قطاعات الموارد الطبيعية والتقنيات الدفاعية وتصنيع الأسلحة. ولو وضعنا هذه الغايات نصب أعيننا لوجدنا أن منطقة الخليج تتحول تلقائياً إلى طرف أساسي في عملية صنع السياسة الخارجية الروسية، نتيجةً لثلاثة عوامل، هي:

* إن منطقة الخليج أكبر مصدر فردي لموارد الطاقة إنتاجاً وتصديراً في العالم، كما أن المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وإيران والعراق من أكبر مصدّري النفط في العالم.

* تُعَـدّ منطقة الخليج ـ ودول مجلس التعاون الخليجي تحديـداً ـ من أكثر مناطق العالم استيراداً للأسلحة.

* لقد تعاظمت أهمية ومكانة منطقة الخليج لأنها أيضاً مركز الحضارة الإسلامية ومهد الرسالة الإسلامية، وفضاء رحب للحوارات الفكرية حول العلاقات بين الحضارات.

في التسعينات، كانت العلاقات بين روسيا والخليج، حقيقةً، علاقات هامشية في الغالب، لأنّ انشغال روسيا في إخراج اقتصادها من دوامة الانحدار التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفييتي وانهماكها في النزاع الانفصالي في الشيشان، كانا يقوّضان قدرتها على ممارسة أي نفوذ عالمي. وعندما سعت موسكو إلى بناء روابط تجارية مع إيران وعراق صدام حسين وأطلقت مبادرات دبلوماسية عدة لتعزيز روابطها السياسية والاقتصادية مع مجلس التعاون الخليجي، كانت علاقات دول المجلس مع روسيا فاترة بسبب شك موسكو في أن تلك الدول كانت تتعاطف مع مجاهدين بارزين في الحركات الانفصالية الشيشانية.

أما اليوم، فإن مقاربة موسكو المتشددة تجاه الشيشان أصبحت، على ما يبدو، لا تُمثل أي مسألة حساسة في علاقات روسيا مع المملكة العربية السعودية ودول أخرى في مجلس التعاون الخليجي، التي يبدو أنها باتت تعترف بأن نزاع الكرملين مع إسلاميي القوقاز مسألة داخلية روسية. ونظراً لأن الحكومتين الروسية والسعودية تواصلان كفاحهما ضد المتمردين الإسلاميين المحليين في كلا البلدين، اجتمعت الحكومتان في مايو 2006 لتشكيل لجنة مشتركة لمكافحة الإرهاب من أجل مكافحة هذه الظاهرة إقليمياً وعالمياً.

ومهّد هذا التقدم بدوره الطريق أمام نشوء بيئة إيجابية سمحت بتطوير الروابط التجارية بين روسيا والمملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، لا سيما في قطاع الطاقة، حيث تم بالفعل تنفيذ عدد من المشاريع الاستثمارية المشتركة بين شركات روسية وخليجية تنشط في مجال الطاقة. لكن مثل هذه الاستثمارات لا تشكّل في الحقيقة إلا جزءاً يسيراً جداً من سوقي الطاقة الروسية والخليجية، ومن المحتمل أن تكون هذه المشاريع قد جاءت نتيجةً لاهتمام الحكومتين الروسية والسعودية بتقديم مثال واضح على شراكتهما الثنائية الجديدة، في سياق ما يُمكن تسميته بمرحلة (ما بعد الشيشان) في العلاقات السعودية – الروسية.

والجدير بالذكر أن أمن الطاقة كان على رأس أجندة قمة سان بطرسبورغ لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى، كما أن قطاع الطاقة الروسي يشهد حالياً صعوداً متواصلاً في أسواق الطاقة العالمية ـ وهو منحى يستحق من صنّاع السياسة الخليجيين أن يراقبوه عن كثب. وبعدما نشط عدد من المحللين في دعم قضية توفير إمدادات النفط من روسيا وكُمنوِلث الدول المستقلة كبديل محتمل عن إمدادات الخليج النفطية لبعض الوقت، قدّمت روسيا في قمة مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى التي انعقدت في العام الجاري أجندة جريئة لعمليات إمداد واستهلاك وتسعير موارد الطاقة في الأسواق العالمية. ومن مدلولات هذا المقترح الروسي ـ الذي يشمل النفط والغاز والفحم واليورانيوم ـ أنه يُعدّ بمثابة تحدٍّ مباشر لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، التي تقودها المملكة العربية السعودية (وتدعمها الولايات المتحدة)، كما أنه يُصوّر روسيا كدولة تسعى لتحل محل السعوديين على أساس ريادتها العالمية في احتياطيات الغاز وموارد الطاقة من حيث المكافئ النفطي.

ربما تبدو فكرة قيادة موسكو لعملية تحديد مسار تسعير الطاقة العالمية فكرةً غير مستساغة وغير واقعية برأي أكبر المستفيدين حالياً من الترتيب التقليدي لإمداد وتسعير النفط الخام عن طريق منظمة أوبك، بما فيهم الولايات المتحدة وحلفاؤها في منطقة الخليج. وفي الحقيقة، يعني تعزيز اتفاقيات إمدادات النفط والغاز الموقّعة بين روسيا وشركائها الذين يُعدّون من أكبر مستوردي الطاقة في آسيا (إضافةً إلى آخر الزبائن المتوقّعين، مثل جنوب إفريقيا التي طالما اعتمدت على دول الخليج في توفير جلّ وارداتها النفطية)، يعني أن صنّاع السياسة الخليجيين بحاجة إلى مراقبة مبادرات موسكو عن كثب، بما فيها أجندتها لتسعير وإمداد موارد الطاقة على أساس المكافئ النفطي.

على أي حال، ينبغي عدم المغالاة بطبيعة التحدي الروسي لمنظمة أوبك؛ بل إنه من المستبعد أن يُضعف هذا التحدي هيمنة أوبك القديمة الجديدة على أسواق الطاقة العالمية. وذلك لأن الزخم الجيوسياسي لسياسة الطاقة الحالية التي تتبعها موسكو موجّه بالدرجة الأولى نحو الأسواق الأوروبية ولأن الأولوية الرئيسية لعملاق الطاقة الروسي الأكبر، غازبروم (Gazprom)،تتمثلفي التوسعمن أجل كسب المستورد الأوروبي. ففي الحقيقة، خلال الجزء الأكبر من عام 2006، روّجت شركات النفط الروسية العملاقة التي تقودها الحكومة الروسية، مثل غازبروم (Gazprom) ولوك أويل (Lukoil) وروسنيفت (Rosneft) وسواها، روجت جميعاً لدور موسكو كضامن عالمي وأوروبي بالدرجة الأولى لأمن الطاقة بدلاً من تبني استراتيجيات أخرى، كأجندة تسعير وإمداد موارد الطاقة على أساس المكافئ النفطي، التي تختزن نية الفوز بحصص أعضاء بمنظمة أوبك في أسواق النفط.

علاوة على ذلك، تستند سياسة موسكو الدولية في مجال الطاقة بشكل أساسي إلى موقع روسيا كقوة عالمية عظمى في صناعة الغاز، وهو ما يجعل تنافسها مع منظمة أوبك غير مباشر إلى حد كبير. من جانبهما، ردّت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على سياسة موسكو في مجال الطاقة بالدفع نحو تحويل اعتماد الدول المستوردة للطاقة من روسيا إلى مناطق أخرى ضمن كمنويلث الدول المستقلة مثل منطقة بحر قزوين، بالإضافة إلى مصادر الإمدادات الأكثر تقليديةً مثل الدول الأعضاء في منظمة أوبك. ويأتي هذا المشهد على طرفي نقيض مع المشهد الذي ساد خلال الأشهر الأولى التي تلت أزمة الحادي عشر من سبتمبر، حيث شهدت المحافل الدولية دعم المخططين السياسيين ومديري الطاقة التنفيذيين في الإدارة الأمريكية لقضية توفير إمدادات الطاقة من روسيا وكمنويلث الدول المستقلة، كبديل فعّال عن إمدادات منطقة الخليج، التي وُصفت آنذاك كمنطقة على درجة عالية من عدم الاستقرار السياسي.

طوّرت روسيا بشكل واضح علاقات وثيقة مع إيران تلامس حدود العلاقات الاستراتيجية

ورغم أنه من شبه المستحيل أنْ يكون هناك أي صلة بين حتى أدنى نية روسية للسعي إلى ممارسة نفوذ سياسي أعظم في منطقة الخليج من ناحية، وتداعيات صعودها في أسواق الطاقة العالمية على المنطقة من جهة أخرى؛ طوّرت روسيا بشكل واضح علاقات وثيقة مع إيران تلامس حدود العلاقات الاستراتيجية. فسلوك روسيا الحامي لإيران في الأمم المتحدة الذي تأكد عبر واردات إيران من الأسلحة الروسية التي غُطّيت إعلامياً على نطاق واسع والاتفاقيات التجارية التي أبرمها البلدان في مجال الطاقة النووية ، دفعت بعض المعلّقين إلى الحديث عن (علاقات مميزة) بين موسكو وطهران على غرار العلاقات التقليدية الثابتة بين واشنطن والرياض.

لكنّ الأمر لا يقتصر هنا على حقيقة أن مقاولين روساً يبنون مفاعل نووي لإيران في مدينة بوشهر، بل إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبحت تُصنّف حالياً كثالث أكبر مستورد للأسلحة الروسية، وذلك في ضوء صفقة صواريخ الدفاع الجوي من طراز (TOR–M1) التي بلغت قيمتها مليار دولار ووقعت عليها موسكو وطهران في نهاية عام 2006. وتكتسي مثل هذه الاتفاقيات أهمية خاصة بالنسبة إلى الصناعة الدفاعية الروسية، لأنه طالما كان من الصعب جداً على تجّار الأسلحة الروس دخول سوق مجلس التعاون الخليجي للأسلحة الذي يعود على مصدّري الأسلحة بأرباح طائلة،والذي لا يزال وثيق الصلة بأكبر الدول الغربية المصدّرة للأسلحة. هذا، وأدى تعزيز العلاقات الروسية – الإيرانية في مجال الطاقة، بما في ذلك تشكيل لجان دراسية لتنسيق سياسات تسعير موارد الطاقة وإنشاء خطوط أنابيب لنقل صادرات الغاز الطبيعي، إلى توطيد أعمق للشراكة الروسية – الإيرانية خلال عام 2006. وإجمالاً، هناك مجموعات سياسية واقتصادية محلية قويّة في كلا البلدين تدفع الدولتين نحو تطوير علاقات استراتيجية وتجارية أوثق.

وعلى الرغم من أن الروابط بين روسيا وإيران توطّدت بالفعل في السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يزال من السابق لأوانه مقارنة محور موسكو ـ طهران الحالي بعلاقة واشنطن التقليدية الثابتة مع الرياض، على الرغم من الآراء الأخيرة التي أدلى بها بعض المعلّقين في هذا الشأن. وفيما تُطبع السياسة الخارجية الروسية على نحو متزايد بالطابع القومي، وتبدو موسكو اليوم أكثر استعداداً مما كانت عليه في التسعينات لمواجهة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط بشكل فاعل، تتيح العلاقات الحالية بين روسيا وإيران لموسكو فرصة معقولة نسبياً لتعزيز موقعها العام في منطقة الخليج ككل. وتجدر الإشارة إلى أن روسيا والاتحاد السوفييتي السابق لم يُمارسا قط أي نفوذ ذي مغزى في شبه الجزيرة العربية، التي تواصل الولايات المتحدة فرض هيمنتها السياسية والعسكرية عليها. إذ مارست موسكو نفوذها في الخليج تقليدياً من خلال علاقاتها مع العراق واليمن، لكنّ علاقاتها مع الأولى انتهت عملياً مع سقوط صدام حسين وانهارت مع الثانية إثر تفكك الاتحاد السوفييتي.

وكما قال مؤخراً أشهر معلّق متخصص في شؤون السياسة الروسية تجاه منطقة الخليج أندريه كريوتز، فإن روسيا لا تزال ضعيفة جداً على الصعيدين السياسي والعسكري، ما يجعلها عاجزة عن تحدي الدور المهيمن الذي تمارسه الولايات المتحدة في منطقة الخليج. كما أنه ليس لدى موسكو أي طموحات حقيقية إلى تحدي ذلك الدور. وتتمثل أولويات سياسة موسكو الخارجية الحالية في تعزيز قدرتها على تصدير موارد الطاقة إلى أسواق النفط العالمية، الأمر الذي سيدفعها إلى الدخول في حوار تجاري مستمر مع منطقة الخليج بدلاً من التنافس معها بشكل مباشر. ومع دخول العقوبات الأممية الآن حيز التنفيذ يبدو من المحتمل أن يوسع النظام الإيراني، الذي يعاني من عزلة دولية شديدة، دوره كشريك تجاري مهم لروسيا وكسوق مهمة لمنتجاتها التقنية والصناعية (ذات القيمة الضئيلة بالمقارنة مع صادرات روسيا من موارد الطاقة). استراتيجياً، تُمثل إيران قوة إقليمية ودولة مجاورة لكمنويلث الدول المستقلة وتشاطر روسيا العديد من هواجسها الأمنية. وهذه الاتجاهات ستضمن لروسيا بعض النفوذ في الجغرافيا السياسية لمنطقة الخليج خلال بواكير القرن الحادي والعشرين، لأن إيران ستواصل تحالفها مع موسكو من أجل الحصول على دعمها الدبلوماسي العالمي، وستسعى إلى توسيع روابطها التجارية معها. وعلى أي حال، لن ينطوي وصول موسكو إلى منطقة الخليج على أي أثر استراتيجي كبير عدا تعميق علاقاتها الثنائية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1871::/cck::
::introtext::

يتواصل الاهتمام الكبير بصعود روسـيا كقوة فاعلة في العلاقات الدولية المعاصرة. فالرئاسة الروسية الناجحة لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى التي تُوجّت بقمة سان بطرسبورغ في يوليو 2006، وتمدُّد اقتصاد الطاقة الروسي داخل أسواق الطاقة العالمية، واستخدام موسكو للطاقة كأداة في سياستها الخارجية، وانفتاحها الدبلوماسي المفعم بالحماسة على بعض مناطق نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق (بما فيها منطقة الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية)، أمور تؤشر كلها إلى جرأة وبراعة صنّاع السياسة الخارجية الروسية الحديثة.

::/introtext::
::fulltext::

يتواصل الاهتمام الكبير بصعود روسـيا كقوة فاعلة في العلاقات الدولية المعاصرة. فالرئاسة الروسية الناجحة لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى التي تُوجّت بقمة سان بطرسبورغ في يوليو 2006، وتمدُّد اقتصاد الطاقة الروسي داخل أسواق الطاقة العالمية، واستخدام موسكو للطاقة كأداة في سياستها الخارجية، وانفتاحها الدبلوماسي المفعم بالحماسة على بعض مناطق نفوذ الاتحاد السوفييتي السابق (بما فيها منطقة الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية)، أمور تؤشر كلها إلى جرأة وبراعة صنّاع السياسة الخارجية الروسية الحديثة.

رغم أن منطقة الخليج الاستراتيجية تبدو للوهلة الأولى أشبه بمنطقة هامشية في عملية صنع السياسة الخارجية الروسية، إلا أن أهداف وغايات هذه السياسة في دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق واليمن تُصبح أكثر وضوحاً، عندما يُنظر إليها ضمن الإطار الأوسع لغايات السياسة الخارجية الروسية الراهنة.

سياسة موسكو الدولية في مجال الطاقة تستند إلى موقع روسيا كقوة عالمية عظمى في صناعة الغاز

فنموذج السياسة الخارجية الروسية الأكثر تكاملاً، والذي برز خلال فترة رئاسة بوتين لروسيا، يدعم هدفين أساسيين. الأول هو حماية الأمن القومي الروسي ـ بشقيه الداخلي والخارجي (أي مواجهة الإرهاب المحلي والتهديدات القادمة من خلف حدود روسيا). أما الثاني فهو توطيد دعائم الكرملين ودعم تقدّم الشركات الروسية التي تقودها الدولة لتعزيز انخراطها في الاقتصاد العالمي، خاصة في قطاع تصدير الطاقة ثم في بقية قطاعات التصدير الاستراتيجية الرئيسية الأخرى، مثل قطاعات الموارد الطبيعية والتقنيات الدفاعية وتصنيع الأسلحة. ولو وضعنا هذه الغايات نصب أعيننا لوجدنا أن منطقة الخليج تتحول تلقائياً إلى طرف أساسي في عملية صنع السياسة الخارجية الروسية، نتيجةً لثلاثة عوامل، هي:

* إن منطقة الخليج أكبر مصدر فردي لموارد الطاقة إنتاجاً وتصديراً في العالم، كما أن المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وإيران والعراق من أكبر مصدّري النفط في العالم.

* تُعَـدّ منطقة الخليج ـ ودول مجلس التعاون الخليجي تحديـداً ـ من أكثر مناطق العالم استيراداً للأسلحة.

* لقد تعاظمت أهمية ومكانة منطقة الخليج لأنها أيضاً مركز الحضارة الإسلامية ومهد الرسالة الإسلامية، وفضاء رحب للحوارات الفكرية حول العلاقات بين الحضارات.

في التسعينات، كانت العلاقات بين روسيا والخليج، حقيقةً، علاقات هامشية في الغالب، لأنّ انشغال روسيا في إخراج اقتصادها من دوامة الانحدار التي أعقبت تفكك الاتحاد السوفييتي وانهماكها في النزاع الانفصالي في الشيشان، كانا يقوّضان قدرتها على ممارسة أي نفوذ عالمي. وعندما سعت موسكو إلى بناء روابط تجارية مع إيران وعراق صدام حسين وأطلقت مبادرات دبلوماسية عدة لتعزيز روابطها السياسية والاقتصادية مع مجلس التعاون الخليجي، كانت علاقات دول المجلس مع روسيا فاترة بسبب شك موسكو في أن تلك الدول كانت تتعاطف مع مجاهدين بارزين في الحركات الانفصالية الشيشانية.

أما اليوم، فإن مقاربة موسكو المتشددة تجاه الشيشان أصبحت، على ما يبدو، لا تُمثل أي مسألة حساسة في علاقات روسيا مع المملكة العربية السعودية ودول أخرى في مجلس التعاون الخليجي، التي يبدو أنها باتت تعترف بأن نزاع الكرملين مع إسلاميي القوقاز مسألة داخلية روسية. ونظراً لأن الحكومتين الروسية والسعودية تواصلان كفاحهما ضد المتمردين الإسلاميين المحليين في كلا البلدين، اجتمعت الحكومتان في مايو 2006 لتشكيل لجنة مشتركة لمكافحة الإرهاب من أجل مكافحة هذه الظاهرة إقليمياً وعالمياً.

ومهّد هذا التقدم بدوره الطريق أمام نشوء بيئة إيجابية سمحت بتطوير الروابط التجارية بين روسيا والمملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، لا سيما في قطاع الطاقة، حيث تم بالفعل تنفيذ عدد من المشاريع الاستثمارية المشتركة بين شركات روسية وخليجية تنشط في مجال الطاقة. لكن مثل هذه الاستثمارات لا تشكّل في الحقيقة إلا جزءاً يسيراً جداً من سوقي الطاقة الروسية والخليجية، ومن المحتمل أن تكون هذه المشاريع قد جاءت نتيجةً لاهتمام الحكومتين الروسية والسعودية بتقديم مثال واضح على شراكتهما الثنائية الجديدة، في سياق ما يُمكن تسميته بمرحلة (ما بعد الشيشان) في العلاقات السعودية – الروسية.

والجدير بالذكر أن أمن الطاقة كان على رأس أجندة قمة سان بطرسبورغ لمجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى، كما أن قطاع الطاقة الروسي يشهد حالياً صعوداً متواصلاً في أسواق الطاقة العالمية ـ وهو منحى يستحق من صنّاع السياسة الخليجيين أن يراقبوه عن كثب. وبعدما نشط عدد من المحللين في دعم قضية توفير إمدادات النفط من روسيا وكُمنوِلث الدول المستقلة كبديل محتمل عن إمدادات الخليج النفطية لبعض الوقت، قدّمت روسيا في قمة مجموعة الدول الصناعية الثماني الكبرى التي انعقدت في العام الجاري أجندة جريئة لعمليات إمداد واستهلاك وتسعير موارد الطاقة في الأسواق العالمية. ومن مدلولات هذا المقترح الروسي ـ الذي يشمل النفط والغاز والفحم واليورانيوم ـ أنه يُعدّ بمثابة تحدٍّ مباشر لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، التي تقودها المملكة العربية السعودية (وتدعمها الولايات المتحدة)، كما أنه يُصوّر روسيا كدولة تسعى لتحل محل السعوديين على أساس ريادتها العالمية في احتياطيات الغاز وموارد الطاقة من حيث المكافئ النفطي.

ربما تبدو فكرة قيادة موسكو لعملية تحديد مسار تسعير الطاقة العالمية فكرةً غير مستساغة وغير واقعية برأي أكبر المستفيدين حالياً من الترتيب التقليدي لإمداد وتسعير النفط الخام عن طريق منظمة أوبك، بما فيهم الولايات المتحدة وحلفاؤها في منطقة الخليج. وفي الحقيقة، يعني تعزيز اتفاقيات إمدادات النفط والغاز الموقّعة بين روسيا وشركائها الذين يُعدّون من أكبر مستوردي الطاقة في آسيا (إضافةً إلى آخر الزبائن المتوقّعين، مثل جنوب إفريقيا التي طالما اعتمدت على دول الخليج في توفير جلّ وارداتها النفطية)، يعني أن صنّاع السياسة الخليجيين بحاجة إلى مراقبة مبادرات موسكو عن كثب، بما فيها أجندتها لتسعير وإمداد موارد الطاقة على أساس المكافئ النفطي.

على أي حال، ينبغي عدم المغالاة بطبيعة التحدي الروسي لمنظمة أوبك؛ بل إنه من المستبعد أن يُضعف هذا التحدي هيمنة أوبك القديمة الجديدة على أسواق الطاقة العالمية. وذلك لأن الزخم الجيوسياسي لسياسة الطاقة الحالية التي تتبعها موسكو موجّه بالدرجة الأولى نحو الأسواق الأوروبية ولأن الأولوية الرئيسية لعملاق الطاقة الروسي الأكبر، غازبروم (Gazprom)،تتمثلفي التوسعمن أجل كسب المستورد الأوروبي. ففي الحقيقة، خلال الجزء الأكبر من عام 2006، روّجت شركات النفط الروسية العملاقة التي تقودها الحكومة الروسية، مثل غازبروم (Gazprom) ولوك أويل (Lukoil) وروسنيفت (Rosneft) وسواها، روجت جميعاً لدور موسكو كضامن عالمي وأوروبي بالدرجة الأولى لأمن الطاقة بدلاً من تبني استراتيجيات أخرى، كأجندة تسعير وإمداد موارد الطاقة على أساس المكافئ النفطي، التي تختزن نية الفوز بحصص أعضاء بمنظمة أوبك في أسواق النفط.

علاوة على ذلك، تستند سياسة موسكو الدولية في مجال الطاقة بشكل أساسي إلى موقع روسيا كقوة عالمية عظمى في صناعة الغاز، وهو ما يجعل تنافسها مع منظمة أوبك غير مباشر إلى حد كبير. من جانبهما، ردّت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على سياسة موسكو في مجال الطاقة بالدفع نحو تحويل اعتماد الدول المستوردة للطاقة من روسيا إلى مناطق أخرى ضمن كمنويلث الدول المستقلة مثل منطقة بحر قزوين، بالإضافة إلى مصادر الإمدادات الأكثر تقليديةً مثل الدول الأعضاء في منظمة أوبك. ويأتي هذا المشهد على طرفي نقيض مع المشهد الذي ساد خلال الأشهر الأولى التي تلت أزمة الحادي عشر من سبتمبر، حيث شهدت المحافل الدولية دعم المخططين السياسيين ومديري الطاقة التنفيذيين في الإدارة الأمريكية لقضية توفير إمدادات الطاقة من روسيا وكمنويلث الدول المستقلة، كبديل فعّال عن إمدادات منطقة الخليج، التي وُصفت آنذاك كمنطقة على درجة عالية من عدم الاستقرار السياسي.

طوّرت روسيا بشكل واضح علاقات وثيقة مع إيران تلامس حدود العلاقات الاستراتيجية

ورغم أنه من شبه المستحيل أنْ يكون هناك أي صلة بين حتى أدنى نية روسية للسعي إلى ممارسة نفوذ سياسي أعظم في منطقة الخليج من ناحية، وتداعيات صعودها في أسواق الطاقة العالمية على المنطقة من جهة أخرى؛ طوّرت روسيا بشكل واضح علاقات وثيقة مع إيران تلامس حدود العلاقات الاستراتيجية. فسلوك روسيا الحامي لإيران في الأمم المتحدة الذي تأكد عبر واردات إيران من الأسلحة الروسية التي غُطّيت إعلامياً على نطاق واسع والاتفاقيات التجارية التي أبرمها البلدان في مجال الطاقة النووية ، دفعت بعض المعلّقين إلى الحديث عن (علاقات مميزة) بين موسكو وطهران على غرار العلاقات التقليدية الثابتة بين واشنطن والرياض.

لكنّ الأمر لا يقتصر هنا على حقيقة أن مقاولين روساً يبنون مفاعل نووي لإيران في مدينة بوشهر، بل إن الجمهورية الإسلامية الإيرانية أصبحت تُصنّف حالياً كثالث أكبر مستورد للأسلحة الروسية، وذلك في ضوء صفقة صواريخ الدفاع الجوي من طراز (TOR–M1) التي بلغت قيمتها مليار دولار ووقعت عليها موسكو وطهران في نهاية عام 2006. وتكتسي مثل هذه الاتفاقيات أهمية خاصة بالنسبة إلى الصناعة الدفاعية الروسية، لأنه طالما كان من الصعب جداً على تجّار الأسلحة الروس دخول سوق مجلس التعاون الخليجي للأسلحة الذي يعود على مصدّري الأسلحة بأرباح طائلة،والذي لا يزال وثيق الصلة بأكبر الدول الغربية المصدّرة للأسلحة. هذا، وأدى تعزيز العلاقات الروسية – الإيرانية في مجال الطاقة، بما في ذلك تشكيل لجان دراسية لتنسيق سياسات تسعير موارد الطاقة وإنشاء خطوط أنابيب لنقل صادرات الغاز الطبيعي، إلى توطيد أعمق للشراكة الروسية – الإيرانية خلال عام 2006. وإجمالاً، هناك مجموعات سياسية واقتصادية محلية قويّة في كلا البلدين تدفع الدولتين نحو تطوير علاقات استراتيجية وتجارية أوثق.

وعلى الرغم من أن الروابط بين روسيا وإيران توطّدت بالفعل في السنوات الأخيرة، إلا أنه لا يزال من السابق لأوانه مقارنة محور موسكو ـ طهران الحالي بعلاقة واشنطن التقليدية الثابتة مع الرياض، على الرغم من الآراء الأخيرة التي أدلى بها بعض المعلّقين في هذا الشأن. وفيما تُطبع السياسة الخارجية الروسية على نحو متزايد بالطابع القومي، وتبدو موسكو اليوم أكثر استعداداً مما كانت عليه في التسعينات لمواجهة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط بشكل فاعل، تتيح العلاقات الحالية بين روسيا وإيران لموسكو فرصة معقولة نسبياً لتعزيز موقعها العام في منطقة الخليج ككل. وتجدر الإشارة إلى أن روسيا والاتحاد السوفييتي السابق لم يُمارسا قط أي نفوذ ذي مغزى في شبه الجزيرة العربية، التي تواصل الولايات المتحدة فرض هيمنتها السياسية والعسكرية عليها. إذ مارست موسكو نفوذها في الخليج تقليدياً من خلال علاقاتها مع العراق واليمن، لكنّ علاقاتها مع الأولى انتهت عملياً مع سقوط صدام حسين وانهارت مع الثانية إثر تفكك الاتحاد السوفييتي.

وكما قال مؤخراً أشهر معلّق متخصص في شؤون السياسة الروسية تجاه منطقة الخليج أندريه كريوتز، فإن روسيا لا تزال ضعيفة جداً على الصعيدين السياسي والعسكري، ما يجعلها عاجزة عن تحدي الدور المهيمن الذي تمارسه الولايات المتحدة في منطقة الخليج. كما أنه ليس لدى موسكو أي طموحات حقيقية إلى تحدي ذلك الدور. وتتمثل أولويات سياسة موسكو الخارجية الحالية في تعزيز قدرتها على تصدير موارد الطاقة إلى أسواق النفط العالمية، الأمر الذي سيدفعها إلى الدخول في حوار تجاري مستمر مع منطقة الخليج بدلاً من التنافس معها بشكل مباشر. ومع دخول العقوبات الأممية الآن حيز التنفيذ يبدو من المحتمل أن يوسع النظام الإيراني، الذي يعاني من عزلة دولية شديدة، دوره كشريك تجاري مهم لروسيا وكسوق مهمة لمنتجاتها التقنية والصناعية (ذات القيمة الضئيلة بالمقارنة مع صادرات روسيا من موارد الطاقة). استراتيجياً، تُمثل إيران قوة إقليمية ودولة مجاورة لكمنويلث الدول المستقلة وتشاطر روسيا العديد من هواجسها الأمنية. وهذه الاتجاهات ستضمن لروسيا بعض النفوذ في الجغرافيا السياسية لمنطقة الخليج خلال بواكير القرن الحادي والعشرين، لأن إيران ستواصل تحالفها مع موسكو من أجل الحصول على دعمها الدبلوماسي العالمي، وستسعى إلى توسيع روابطها التجارية معها. وعلى أي حال، لن ينطوي وصول موسكو إلى منطقة الخليج على أي أثر استراتيجي كبير عدا تعميق علاقاتها الثنائية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

::/fulltext::
::cck::1871::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *