دور قطاع الطاقة في التوجه الروسي الجديد نحو دول الخليج العربية
::cck::1738::/cck::
::introtext::
لعب قطاع الطاقة في روسيا دوراً أساسياً في استعادة قواها الاقتصادية وتحديث وإصلاح قطاعات الإنتاج المختلفة، وأسهم في الاستقرار السياسي في البلاد بعد الاضطرابات المتوالية التي شهدها العقد المنصرم، إبان تفكك الدولة وانهيار بناها الاقتصادية. وكان أحد العوامل المهمة الذي ساعدها على تحقيق أهدافها الاستفادة الكبيرة من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية خلال السنوات القليلة الماضية، بوصفها ثاني أكبر مصدري النفط في العالم. وبفضل ذلك، أضحت روسيا تتمتع حالياً باقتصاد مستقر ومعدل تضخم منخفض وتزايد ملحوظ في مستوى المعيشة العام في الدولة. وكان أحد مؤشرات تعافي الاقتصاد الروسي ومتانته أن استطاعت الدولة في عام 2006 سداد 21 مليار دولار من المديونية الأجنبية.
::/introtext::
::fulltext::
لعب قطاع الطاقة في روسيا دوراً أساسياً في استعادة قواها الاقتصادية وتحديث وإصلاح قطاعات الإنتاج المختلفة، وأسهم في الاستقرار السياسي في البلاد بعد الاضطرابات المتوالية التي شهدها العقد المنصرم، إبان تفكك الدولة وانهيار بناها الاقتصادية. وكان أحد العوامل المهمة الذي ساعدها على تحقيق أهدافها الاستفادة الكبيرة من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية خلال السنوات القليلة الماضية، بوصفها ثاني أكبر مصدري النفط في العالم. وبفضل ذلك، أضحت روسيا تتمتع حالياً باقتصاد مستقر ومعدل تضخم منخفض وتزايد ملحوظ في مستوى المعيشة العام في الدولة. وكان أحد مؤشرات تعافي الاقتصاد الروسي ومتانته أن استطاعت الدولة في عام 2006 سداد 21 مليار دولار من المديونية الأجنبية.
يبدو أن هذه مجرد البداية، إذ تخطط روسيا إلى (مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي خلال عشر سنوات)، بحسب خطاب رئيس الوزراء الجديد فيكتور زوبوف أمام مجلس الدوما الروسي في سبتمبر 2007، مما يشير إلى استعادة الدولة الثقة بنفسها مجدداً، ووجود طموحات كبيرة لديها بلعب دور اقتصادي عالمي يؤازر سياستها الخارجية، ويمهد الطريق إلى احتمال أن تعود مرة أخرى لاعباً فاعلاً في الشؤون الدولية.
ومن أجل تحقيق ذلك، اتجهت روسيا، بالإضافة إلى متابعة الإصلاحات الداخلية، إلى تطوير علاقاتها الخارجية مع دول العالم، وخاصة تلك الدول التي تختزن وتصدر أهم مصدرين للطاقة؛ النفط والغاز (وهما المحرك الرئيسي لاقتصادها واقتصادات الدول الصناعية) بهدف تنسيق سياسات الطاقة معها على المستوى العالمي. وفي هذا الإطار، تمثل دول الخليج العربية أهم حلقة في الاهتمامات الروسية المتعلقة بالطاقة، وخاصة المملكة العربية السعودية، المصدّر الأول للنفط في العالم، وقطر التي تحتوي على ثالث احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم.
قطاع الطاقة: الاهتمام المشترك والاختلاف في السياسات
تمثل السوق العالمية للطاقة مصدر اهتمام مشتركاً بالنسبة إلى روسيا ودول الخليج العربية على حد سواء، فهما يعتبران أهم مزودي العالم بحاجاته من النفط والغاز الطبيعي، فحسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن المملكة العربية السعودية تعتبر الأولى عالمياً في تصدير النفط، فهي تصدر نحو 8.6 مليون برميل في اليوم حسب معدلات عام 2005، ووصل أحياناً عام 2006 إلى 9 ملايين برميل، تليها روسيا في المرتبة الثانية بنحو 7 ملايين برميل في اليوم، كما تعتبر كل من الإمارات العربية المتحدة التي تصدر بين 2.5 – 2.9 مليون برميل في اليوم، والكويت التي تصدر ما بين 2.2 – 2.6 مليون برميل في اليوم، من بين أكبر المساهمين بتصدير النفط.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتهج مؤخراً سياسة تقاربية مع دول الخليج العربية
لكن سياسات الطاقة في الوقت نفسه ربما تشكل عنصر اختلاف لدى الطرفين، فلدى السعودية مثلاً وبقية دول الخليج العربية منهج مختلف في التعامل مع سوق الطاقة العالمية عن منهج روسيا؛ ففي حين تريد المملكة العربية السعودية مثلاً زيادة إنتاجها من النفط من أجل تخفيض أسعاره العالمية للمساهمة في استقرار الأسواق ومراعاة علاقاتها مع الغرب الذي يشاطر المملكة الاهتمام باستقرار الأسعار والحيلولة دون ارتفاعها المستمر بما يؤثر في مجمل الأوضاع الاقتصادية العالمية، وهو ما نشهده في الفترة الحالية، فإن روسيا تريد الحفاظ على الأسعار مرتفعة لأن ذلك من شأنه زيادة عائداتها المالية، مما يسمح لها بالحفاظ على نموها الاقتصادي القوي ومواجهة الصعوبات في عملية الإصلاحات الاقتصادية وتحديث صناعتها النفطية وزيادة استثماراتها فيها. فتكاليف إنتاج النفط في روسيا مرتفعة إذا ما قورنت بتكاليفه في دول الخليج العربية، إذ تبلغ تكلفة برميل النفط في روسيا نحو 5-7 دولارات أمريكية، وتصل أحياناً في بعض المناطق النفطية الروسية التي لا تزال تحتاج إلى تطوير واستثمار إلى نحو 15 دولاراً للبرميل الواحد، فيما تبلغ نحو دولار واحد إلى دولارين للبرميل في المملكة العربية السعودية. كما تحتاج روسيا إلى ضخ استثمارات مالية ضخمة من أجل تأهيل آبار نفط جديدة في ظل استنزاف ونضوب بعض الآبار النفطية القديمة التي كانت تعتمد عليها في الإنتاج والتصدير.
ورغم أن روسيا تظهر أمام العالم برغبتها في استقرار سوق الطاقة العالمية، حتى إنه يفهم من بعض تصريحات مسؤوليها بأن هناك تقارباً مع وجهة النظر القائلة بزيادة الإنتاج التي تؤدي أحياناً إلى تخفيض الأسعار العالمية للنفط، فإنها في الواقع لم تغير سياستها ومنهجها. فقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، كما أوردت صحيفة (الاندبندنت) البريطانية في 17 سبتمبر 2007 بأن (روسيا ليست لديها نية في قطع إمدادات الطاقة بل ربما زيادتها)، و(أننا سوف نزيد إنتاج النفط والغاز وسوف نفعل ذلك لأن الطلب العالمي في تزايد). وإذا أمعنا النظر في هذه العبارات نجد أن سياسة روسيا مع الإبقاء على الأسعار المرتفعة الحالية، فاحتمال زيادة الإنتاج مرتبط لديها بزيادة الطلب العالمي، وليس من أجل ضخ كميات إضافية لتخفيض الأسعار. وعليه، يبقى الهدف الروسي نفسه، وهو الاستفادة القصوى من ارتفاع أسعار الطاقة اقتصادياً وسياسياً على المستوى العالمي.
سياسات الطاقة: هل ثمة إمكانية للتنسيق الروسي – الخليجي
وإذا كانت هذه الرغبة الروسية، فإن تأثيرها يبقى محدوداً ما لم تنسق سياساتها مع الدول الأخرى المصدرة للنفط والغاز، فهي تريد بناء شبكة من العلاقات مع القوى والدول الفاعلة في نظام الطاقة العالمي، والذي من الممكن أن يؤدي إلى التأثير في أسعارها. وبناء على ذلك، انتهج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً سياسة تقاربية مع دول الخليج العربية تهدف بعمومها إلى زيادة حجم التعاون وتعزيز العلاقات، بينما تهدف بشكل خاص إلى التنسيق في سياسات الطاقة بين الطرفين، وخاصة أن دول الخليج العربية تعتبر من أكبر الدول المشاركة في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). وأسفرت تلك السياسة الروسية الجديدة عن قيام بوتين بزيارة رسمية في فبراير 2007 إلى المملكة العربية السعودية وقطر، ثم زيارة رسمية أخرى للإمارات العربية المتحدة في سبتمبر الماضي.
وفي زيارته للمملكة العربية السعودية، عبّر بوتين بوضوح عن رغبة روسيا في تطوير علاقات التعاون وليس التنافس بين الدولتين، فقد قال في الرياض في 12 فبراير الماضي، في لقاء جمعه مع 200 رجل أعمال روسي وسعودي (ندرك جميعنا تماماً السرعة التي يتطور بها الاقتصاد العالمي، وكم يحتاج هذا الاقتصاد من الطاقة الآن، وكم يحتاجه في المستقبل .. وذلك يعني أن روسيا والسعودية ليستا متنافستين ولكنهما حليفتان، ليستا متنافستين بل شركاء في تنمية وتطوير أسواق الطاقة العالمية)، كما دعا إلى (تعاون أوسع بين أكبر دولتين مصدرتين للنفط في العالم). وهذه إشارة مهمة من بوتين، ربما أراد من خلالها الإيحاء إلى أهمية الدور المحوري الذي تلعبه روسيا في سياسات الطاقة العالمية، بوصفها المزود النفطي الثاني للعالم، فإذا تفاهم وتعاون مع المزود الأول، فلا شك في أن أهميتها تتزايد، وترتد على الطرفين بفوائد جمة، كما أنه إيحاء إلى قوى دولية كبرى بأن لروسيا أهميتها، وذلك من خلال إمكانية تأثيرها في شريان الحياة الاقتصادية (النفط)، في ظل ما تشهده الأسواق حالياً من ارتفاع قياسي في الأسعار.
روسيا تحتاج الى ضخ استثمارات مالية ضخمة من أجل تأهيل آبار نفط جديدة
واصطحب بوتين في زيارته للسعودية وفداً من رؤساء شركات روسية كبرى، من بينهم رئيس شركة لوك أويل، وهي كبرى الشركات النفطية الروسية. علماً بأن شركة (لوك أويل) كانت عقدت اتفاقاً مع شركة أرامكو السعودية في مارس 2004 بهدف البحث عن الغاز في رقعة جغرافية تغطي 30 ألف كيلومتر مربع في الجزء الشمالي من الربع الخالي، جنوب حقل الغوار النفطي، وتستثمر الشركة الروسية نحو ملياري دولار لاستغلال المخزون الذي يكتشف في المنطقة، كما يتوقع أن تبدأ المنطقة بإنتاج الغاز تجارياً في غضون سبع سنوات.
ولعل من أسباب اهتمام روسيا أيضاً في فتح آفاق التعاون والاستثمار الكبير مع دول الخليج العربية، محاولتها تنويع استثماراتها في المنطقة للتعويض عن استثماراتها السابقة في العراق، حيث وقعت مع العراق في عام 1997 اتفاقيات نفطية ضخمة، إحداها كانت لتطوير (حقل القرنة الغربي 2) الذي تقدر التوقعات بأنه يحوي 15 مليار برميل من النفط الخام.
وكانت قطر المحطة الثانية لزيارة بوتين في فبراير الماضي، وتكتسب أهميتها في جولة بوتين من أنها تحتوي على ثالث أكبر احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي بعد روسيا وإيران، إذ تقدر احتياطيات قطر من الغاز الطبيعي المثبت حوالي 910.5 تريليون قدم مكعبة حسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في يناير 2007، أما روسيا فهي تحل في المرتبة الأولى بنحو 1680 تريليون قدم مكعبة، وتحل إيران في المرتبة الثانية بنحو 974 تريليون قدم مكعبة. وكما هو حال النفط، يبدو أن بوتين أراد تنسيق السياسات المتعلقة بالغاز الطبيعي لتحقيق أكبر فائدة ممكنة للدول المصدرة له. وقد طرح بوتين في الدوحة فكرة إنشاء (كارتل أو منظمة دولية للغاز) على غرار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، من أجل تحديد حصص بين الدول المصدرة للغاز. وقد تكون روسيا تود احتواء حرية حركة المنتجين الآخرين في سوق الطاقة العالمية، وكذلك تقليص خيارات المستوردين من روسيا في تنويع وارداتهم.
وطرحت فكرة تأسيس منظمة دولية للغاز الطبيعي لأول مرة من قبل بوتين أيضاً أثناء زيارته إلى الجزائر عام 2005، وكرر في مؤتمر صحفي في الدوحة مقولته حول هذه المنظمة بأنها (فكرة مهمة .. لكن هناك صعوبات تحول دون تطبيقها). ومن المفترض أن تضم خطط هذه المنظمة إلى جانب روسيا المصدرين الأساسيين للغاز الطبيعي في العالم مثل قطر وإيران والجزائر وتركمانستان وأوزبكستان وفنزويلا.
ويتفق العديد من الخبراء على أن تطبيق اقتراح مثل هذه المنظمة بعيد الاحتمال؛ ذلك أن الغاز الطبيعي يختلف عن النفط من حيث إن بيعه والتجارة فيه لا يتمان من خلال بورصة عالمية (stock exchange) مثل النفط، كما أنه يباع بعقود طويلة المدى مما يبعد عنه تقلبات الأسعار.
ويمكن أن يكون الهدف من هذه الفكرة الروسية سياسياً، إلى جانب كونه هدفاً اقتصادياً قائماً على التضامن بين مصدري الغاز لتنظيم السوق والتحكم في استقراره وأسعاره، فالضغط السياسي متضمن هنا في هذه السياسة الاقتصادية المفترضة؛ إذ من شأن ذلك أن يزيد دور روسيا الدولي، ويحقق لها ممارسة الضغط على الغرب في المستقبل.
ويضاف إلى سعي روسيا إلى تطوير علاقاتها مع المملكة العربية السعودية وقطر، اهتمامها بتعزيز تلك العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة التي قام بوتين بزيارتها أيضاً في 10 سبتمبر 2007، وهي أول زيارة لرئيس روسي إلى الإمارات. وتتميز دولة الإمارات عن غيرها من دول الخليج بالعلاقات المتميزة اقتصادياً وتجارياً منذ عقد التسعينات من القرن الماضي، حتى وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين حالياً إلى نحو 700 مليون دولار. ورافق الرئيس الروسي وفد كبير من رجال الأعمال الروس في مختلف المجالات وأهمها قطاع النفط والغاز، إذ تحتل الإمارات المرتبة الرابعة من مصدري النفط في العالم بما يتراوح بين 2.5 – 2.9 مليون برميل في اليوم، فيما تحتل المرتبة السادسة في احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم بنحو 198.5 تريليون قدم مكعبة. وبالتالي فإن تنسيق سياسات الطاقة بين روسيا ودول الخليج لا بد أن يشمل الإمارات بما تمثله من ثقل كبير في قطاعي النفط والغاز.
ويمكن الاستنتاج مما سبق أن سياسة روسيا تجاه دول الخليج العربية تشهد تحولاً ملموساً، تجلى بوضوح في قيام الرئيس الروسي بنفسه، وبرفقة وفود اقتصادية رفيعة المستوى، بزيارة ثلاث دول خليجية في سنة واحدة، وهي بالطبع تشير إلى إدراك روسيا للأهمية التي تتمتع بها هذه الدول في مجالات عدة، لعل من أهمها مجال الطاقة. ولذلك من المنتظر أن تكون هذه الزيارات مجرد تأسيس لعلاقات مستقبلية يتوقع أن تشهد تنوعاً في مجالات التعاون الأخرى. وهنا يمكن القول إن روسيا قد تحاول أن تستثمر تحسن علاقاتها مع الدول الخليجية بالوصول إلى هدفها وهو التنسيق بينها وبين دول الخليج العربية، وبالتالي مع منظمة أوبك، بشأن سياسات الطاقة العالمية بما يخدم مصالح هذه الأطراف. ومن جهة أخرى، قد يؤدي تطور العلاقات بين روسيا ودول الخليج العربية إلى التعاون في زيادة استثمارات قطاع الطاقة لدى الطرفين، لكن ليس بالضرورة أن يؤدي في النهاية إلى الاتفاق على سياسة واحدة في ما يتعلق بكميات الإنتاج ومن ثم الأسعار.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1738::/cck::
::introtext::
لعب قطاع الطاقة في روسيا دوراً أساسياً في استعادة قواها الاقتصادية وتحديث وإصلاح قطاعات الإنتاج المختلفة، وأسهم في الاستقرار السياسي في البلاد بعد الاضطرابات المتوالية التي شهدها العقد المنصرم، إبان تفكك الدولة وانهيار بناها الاقتصادية. وكان أحد العوامل المهمة الذي ساعدها على تحقيق أهدافها الاستفادة الكبيرة من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية خلال السنوات القليلة الماضية، بوصفها ثاني أكبر مصدري النفط في العالم. وبفضل ذلك، أضحت روسيا تتمتع حالياً باقتصاد مستقر ومعدل تضخم منخفض وتزايد ملحوظ في مستوى المعيشة العام في الدولة. وكان أحد مؤشرات تعافي الاقتصاد الروسي ومتانته أن استطاعت الدولة في عام 2006 سداد 21 مليار دولار من المديونية الأجنبية.
::/introtext::
::fulltext::
لعب قطاع الطاقة في روسيا دوراً أساسياً في استعادة قواها الاقتصادية وتحديث وإصلاح قطاعات الإنتاج المختلفة، وأسهم في الاستقرار السياسي في البلاد بعد الاضطرابات المتوالية التي شهدها العقد المنصرم، إبان تفكك الدولة وانهيار بناها الاقتصادية. وكان أحد العوامل المهمة الذي ساعدها على تحقيق أهدافها الاستفادة الكبيرة من ارتفاع أسعار الطاقة العالمية خلال السنوات القليلة الماضية، بوصفها ثاني أكبر مصدري النفط في العالم. وبفضل ذلك، أضحت روسيا تتمتع حالياً باقتصاد مستقر ومعدل تضخم منخفض وتزايد ملحوظ في مستوى المعيشة العام في الدولة. وكان أحد مؤشرات تعافي الاقتصاد الروسي ومتانته أن استطاعت الدولة في عام 2006 سداد 21 مليار دولار من المديونية الأجنبية.
يبدو أن هذه مجرد البداية، إذ تخطط روسيا إلى (مضاعفة الناتج المحلي الإجمالي خلال عشر سنوات)، بحسب خطاب رئيس الوزراء الجديد فيكتور زوبوف أمام مجلس الدوما الروسي في سبتمبر 2007، مما يشير إلى استعادة الدولة الثقة بنفسها مجدداً، ووجود طموحات كبيرة لديها بلعب دور اقتصادي عالمي يؤازر سياستها الخارجية، ويمهد الطريق إلى احتمال أن تعود مرة أخرى لاعباً فاعلاً في الشؤون الدولية.
ومن أجل تحقيق ذلك، اتجهت روسيا، بالإضافة إلى متابعة الإصلاحات الداخلية، إلى تطوير علاقاتها الخارجية مع دول العالم، وخاصة تلك الدول التي تختزن وتصدر أهم مصدرين للطاقة؛ النفط والغاز (وهما المحرك الرئيسي لاقتصادها واقتصادات الدول الصناعية) بهدف تنسيق سياسات الطاقة معها على المستوى العالمي. وفي هذا الإطار، تمثل دول الخليج العربية أهم حلقة في الاهتمامات الروسية المتعلقة بالطاقة، وخاصة المملكة العربية السعودية، المصدّر الأول للنفط في العالم، وقطر التي تحتوي على ثالث احتياطي من الغاز الطبيعي في العالم.
قطاع الطاقة: الاهتمام المشترك والاختلاف في السياسات
تمثل السوق العالمية للطاقة مصدر اهتمام مشتركاً بالنسبة إلى روسيا ودول الخليج العربية على حد سواء، فهما يعتبران أهم مزودي العالم بحاجاته من النفط والغاز الطبيعي، فحسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية فإن المملكة العربية السعودية تعتبر الأولى عالمياً في تصدير النفط، فهي تصدر نحو 8.6 مليون برميل في اليوم حسب معدلات عام 2005، ووصل أحياناً عام 2006 إلى 9 ملايين برميل، تليها روسيا في المرتبة الثانية بنحو 7 ملايين برميل في اليوم، كما تعتبر كل من الإمارات العربية المتحدة التي تصدر بين 2.5 – 2.9 مليون برميل في اليوم، والكويت التي تصدر ما بين 2.2 – 2.6 مليون برميل في اليوم، من بين أكبر المساهمين بتصدير النفط.
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتهج مؤخراً سياسة تقاربية مع دول الخليج العربية
لكن سياسات الطاقة في الوقت نفسه ربما تشكل عنصر اختلاف لدى الطرفين، فلدى السعودية مثلاً وبقية دول الخليج العربية منهج مختلف في التعامل مع سوق الطاقة العالمية عن منهج روسيا؛ ففي حين تريد المملكة العربية السعودية مثلاً زيادة إنتاجها من النفط من أجل تخفيض أسعاره العالمية للمساهمة في استقرار الأسواق ومراعاة علاقاتها مع الغرب الذي يشاطر المملكة الاهتمام باستقرار الأسعار والحيلولة دون ارتفاعها المستمر بما يؤثر في مجمل الأوضاع الاقتصادية العالمية، وهو ما نشهده في الفترة الحالية، فإن روسيا تريد الحفاظ على الأسعار مرتفعة لأن ذلك من شأنه زيادة عائداتها المالية، مما يسمح لها بالحفاظ على نموها الاقتصادي القوي ومواجهة الصعوبات في عملية الإصلاحات الاقتصادية وتحديث صناعتها النفطية وزيادة استثماراتها فيها. فتكاليف إنتاج النفط في روسيا مرتفعة إذا ما قورنت بتكاليفه في دول الخليج العربية، إذ تبلغ تكلفة برميل النفط في روسيا نحو 5-7 دولارات أمريكية، وتصل أحياناً في بعض المناطق النفطية الروسية التي لا تزال تحتاج إلى تطوير واستثمار إلى نحو 15 دولاراً للبرميل الواحد، فيما تبلغ نحو دولار واحد إلى دولارين للبرميل في المملكة العربية السعودية. كما تحتاج روسيا إلى ضخ استثمارات مالية ضخمة من أجل تأهيل آبار نفط جديدة في ظل استنزاف ونضوب بعض الآبار النفطية القديمة التي كانت تعتمد عليها في الإنتاج والتصدير.
ورغم أن روسيا تظهر أمام العالم برغبتها في استقرار سوق الطاقة العالمية، حتى إنه يفهم من بعض تصريحات مسؤوليها بأن هناك تقارباً مع وجهة النظر القائلة بزيادة الإنتاج التي تؤدي أحياناً إلى تخفيض الأسعار العالمية للنفط، فإنها في الواقع لم تغير سياستها ومنهجها. فقد صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ، كما أوردت صحيفة (الاندبندنت) البريطانية في 17 سبتمبر 2007 بأن (روسيا ليست لديها نية في قطع إمدادات الطاقة بل ربما زيادتها)، و(أننا سوف نزيد إنتاج النفط والغاز وسوف نفعل ذلك لأن الطلب العالمي في تزايد). وإذا أمعنا النظر في هذه العبارات نجد أن سياسة روسيا مع الإبقاء على الأسعار المرتفعة الحالية، فاحتمال زيادة الإنتاج مرتبط لديها بزيادة الطلب العالمي، وليس من أجل ضخ كميات إضافية لتخفيض الأسعار. وعليه، يبقى الهدف الروسي نفسه، وهو الاستفادة القصوى من ارتفاع أسعار الطاقة اقتصادياً وسياسياً على المستوى العالمي.
سياسات الطاقة: هل ثمة إمكانية للتنسيق الروسي – الخليجي
وإذا كانت هذه الرغبة الروسية، فإن تأثيرها يبقى محدوداً ما لم تنسق سياساتها مع الدول الأخرى المصدرة للنفط والغاز، فهي تريد بناء شبكة من العلاقات مع القوى والدول الفاعلة في نظام الطاقة العالمي، والذي من الممكن أن يؤدي إلى التأثير في أسعارها. وبناء على ذلك، انتهج الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤخراً سياسة تقاربية مع دول الخليج العربية تهدف بعمومها إلى زيادة حجم التعاون وتعزيز العلاقات، بينما تهدف بشكل خاص إلى التنسيق في سياسات الطاقة بين الطرفين، وخاصة أن دول الخليج العربية تعتبر من أكبر الدول المشاركة في منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك). وأسفرت تلك السياسة الروسية الجديدة عن قيام بوتين بزيارة رسمية في فبراير 2007 إلى المملكة العربية السعودية وقطر، ثم زيارة رسمية أخرى للإمارات العربية المتحدة في سبتمبر الماضي.
وفي زيارته للمملكة العربية السعودية، عبّر بوتين بوضوح عن رغبة روسيا في تطوير علاقات التعاون وليس التنافس بين الدولتين، فقد قال في الرياض في 12 فبراير الماضي، في لقاء جمعه مع 200 رجل أعمال روسي وسعودي (ندرك جميعنا تماماً السرعة التي يتطور بها الاقتصاد العالمي، وكم يحتاج هذا الاقتصاد من الطاقة الآن، وكم يحتاجه في المستقبل .. وذلك يعني أن روسيا والسعودية ليستا متنافستين ولكنهما حليفتان، ليستا متنافستين بل شركاء في تنمية وتطوير أسواق الطاقة العالمية)، كما دعا إلى (تعاون أوسع بين أكبر دولتين مصدرتين للنفط في العالم). وهذه إشارة مهمة من بوتين، ربما أراد من خلالها الإيحاء إلى أهمية الدور المحوري الذي تلعبه روسيا في سياسات الطاقة العالمية، بوصفها المزود النفطي الثاني للعالم، فإذا تفاهم وتعاون مع المزود الأول، فلا شك في أن أهميتها تتزايد، وترتد على الطرفين بفوائد جمة، كما أنه إيحاء إلى قوى دولية كبرى بأن لروسيا أهميتها، وذلك من خلال إمكانية تأثيرها في شريان الحياة الاقتصادية (النفط)، في ظل ما تشهده الأسواق حالياً من ارتفاع قياسي في الأسعار.
روسيا تحتاج الى ضخ استثمارات مالية ضخمة من أجل تأهيل آبار نفط جديدة
واصطحب بوتين في زيارته للسعودية وفداً من رؤساء شركات روسية كبرى، من بينهم رئيس شركة لوك أويل، وهي كبرى الشركات النفطية الروسية. علماً بأن شركة (لوك أويل) كانت عقدت اتفاقاً مع شركة أرامكو السعودية في مارس 2004 بهدف البحث عن الغاز في رقعة جغرافية تغطي 30 ألف كيلومتر مربع في الجزء الشمالي من الربع الخالي، جنوب حقل الغوار النفطي، وتستثمر الشركة الروسية نحو ملياري دولار لاستغلال المخزون الذي يكتشف في المنطقة، كما يتوقع أن تبدأ المنطقة بإنتاج الغاز تجارياً في غضون سبع سنوات.
ولعل من أسباب اهتمام روسيا أيضاً في فتح آفاق التعاون والاستثمار الكبير مع دول الخليج العربية، محاولتها تنويع استثماراتها في المنطقة للتعويض عن استثماراتها السابقة في العراق، حيث وقعت مع العراق في عام 1997 اتفاقيات نفطية ضخمة، إحداها كانت لتطوير (حقل القرنة الغربي 2) الذي تقدر التوقعات بأنه يحوي 15 مليار برميل من النفط الخام.
وكانت قطر المحطة الثانية لزيارة بوتين في فبراير الماضي، وتكتسب أهميتها في جولة بوتين من أنها تحتوي على ثالث أكبر احتياطيات العالم من الغاز الطبيعي بعد روسيا وإيران، إذ تقدر احتياطيات قطر من الغاز الطبيعي المثبت حوالي 910.5 تريليون قدم مكعبة حسب إحصائيات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية في يناير 2007، أما روسيا فهي تحل في المرتبة الأولى بنحو 1680 تريليون قدم مكعبة، وتحل إيران في المرتبة الثانية بنحو 974 تريليون قدم مكعبة. وكما هو حال النفط، يبدو أن بوتين أراد تنسيق السياسات المتعلقة بالغاز الطبيعي لتحقيق أكبر فائدة ممكنة للدول المصدرة له. وقد طرح بوتين في الدوحة فكرة إنشاء (كارتل أو منظمة دولية للغاز) على غرار منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، من أجل تحديد حصص بين الدول المصدرة للغاز. وقد تكون روسيا تود احتواء حرية حركة المنتجين الآخرين في سوق الطاقة العالمية، وكذلك تقليص خيارات المستوردين من روسيا في تنويع وارداتهم.
وطرحت فكرة تأسيس منظمة دولية للغاز الطبيعي لأول مرة من قبل بوتين أيضاً أثناء زيارته إلى الجزائر عام 2005، وكرر في مؤتمر صحفي في الدوحة مقولته حول هذه المنظمة بأنها (فكرة مهمة .. لكن هناك صعوبات تحول دون تطبيقها). ومن المفترض أن تضم خطط هذه المنظمة إلى جانب روسيا المصدرين الأساسيين للغاز الطبيعي في العالم مثل قطر وإيران والجزائر وتركمانستان وأوزبكستان وفنزويلا.
ويتفق العديد من الخبراء على أن تطبيق اقتراح مثل هذه المنظمة بعيد الاحتمال؛ ذلك أن الغاز الطبيعي يختلف عن النفط من حيث إن بيعه والتجارة فيه لا يتمان من خلال بورصة عالمية (stock exchange) مثل النفط، كما أنه يباع بعقود طويلة المدى مما يبعد عنه تقلبات الأسعار.
ويمكن أن يكون الهدف من هذه الفكرة الروسية سياسياً، إلى جانب كونه هدفاً اقتصادياً قائماً على التضامن بين مصدري الغاز لتنظيم السوق والتحكم في استقراره وأسعاره، فالضغط السياسي متضمن هنا في هذه السياسة الاقتصادية المفترضة؛ إذ من شأن ذلك أن يزيد دور روسيا الدولي، ويحقق لها ممارسة الضغط على الغرب في المستقبل.
ويضاف إلى سعي روسيا إلى تطوير علاقاتها مع المملكة العربية السعودية وقطر، اهتمامها بتعزيز تلك العلاقات مع الإمارات العربية المتحدة التي قام بوتين بزيارتها أيضاً في 10 سبتمبر 2007، وهي أول زيارة لرئيس روسي إلى الإمارات. وتتميز دولة الإمارات عن غيرها من دول الخليج بالعلاقات المتميزة اقتصادياً وتجارياً منذ عقد التسعينات من القرن الماضي، حتى وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين حالياً إلى نحو 700 مليون دولار. ورافق الرئيس الروسي وفد كبير من رجال الأعمال الروس في مختلف المجالات وأهمها قطاع النفط والغاز، إذ تحتل الإمارات المرتبة الرابعة من مصدري النفط في العالم بما يتراوح بين 2.5 – 2.9 مليون برميل في اليوم، فيما تحتل المرتبة السادسة في احتياطيات الغاز الطبيعي في العالم بنحو 198.5 تريليون قدم مكعبة. وبالتالي فإن تنسيق سياسات الطاقة بين روسيا ودول الخليج لا بد أن يشمل الإمارات بما تمثله من ثقل كبير في قطاعي النفط والغاز.
ويمكن الاستنتاج مما سبق أن سياسة روسيا تجاه دول الخليج العربية تشهد تحولاً ملموساً، تجلى بوضوح في قيام الرئيس الروسي بنفسه، وبرفقة وفود اقتصادية رفيعة المستوى، بزيارة ثلاث دول خليجية في سنة واحدة، وهي بالطبع تشير إلى إدراك روسيا للأهمية التي تتمتع بها هذه الدول في مجالات عدة، لعل من أهمها مجال الطاقة. ولذلك من المنتظر أن تكون هذه الزيارات مجرد تأسيس لعلاقات مستقبلية يتوقع أن تشهد تنوعاً في مجالات التعاون الأخرى. وهنا يمكن القول إن روسيا قد تحاول أن تستثمر تحسن علاقاتها مع الدول الخليجية بالوصول إلى هدفها وهو التنسيق بينها وبين دول الخليج العربية، وبالتالي مع منظمة أوبك، بشأن سياسات الطاقة العالمية بما يخدم مصالح هذه الأطراف. ومن جهة أخرى، قد يؤدي تطور العلاقات بين روسيا ودول الخليج العربية إلى التعاون في زيادة استثمارات قطاع الطاقة لدى الطرفين، لكن ليس بالضرورة أن يؤدي في النهاية إلى الاتفاق على سياسة واحدة في ما يتعلق بكميات الإنتاج ومن ثم الأسعار.
::/fulltext::
::cck::1738::/cck::
