روسيا اليوم تعمل بالممكن ولا تنسى الطموح
::cck::1742::/cck::
::introtext::
الحديث عن عودة روسيا إلى سالف عصرها وقوتها في عهد الاتحاد السوفييتي السابق بات من الأمور المستبعدة في الوقت الراهن، وبات معها مستبعداً أيضاً بروز رئيس روسي من نوع (خروشوف) الذي كان يصفق بحذائه في الأمم المتحدة، ويتحدى الولايات المتحدة الأمريكية علانية بكونه قادراً بأسلحته النووية على تدمير خمس كرات أرضية إذا تطلب الأمر. فهذه الأمور أصبحت من الماضي الذي لن يجدي نفعاً معه البكاء على الأطلال، وأصبح من الأمور المفهومة والمدركة للقادة والساسة الروس في مرحلة ما بعد الانهيار السوفييتي، لأنهم يعلمون جيداً تبعات التركة الثقيلة من المشكلات والأزمات السياسية والاقتصادية التي ورثوها من العهد السوفييتي السابق، ويكفي أن نعرف بعض الحقائق والتفاصيل الاقتصادية عن روسيا اليوم لنعي قدر الصعوبة في عودة روسيا إلى سابق عهدها وإلى لعب دور الدولة العظمى التي تستطيع أن تنافس الولايات المتحدة وتكبح جماحها وتقلص دورها.
::/introtext::
::fulltext::
الحديث عن عودة روسيا إلى سالف عصرها وقوتها في عهد الاتحاد السوفييتي السابق بات من الأمور المستبعدة في الوقت الراهن، وبات معها مستبعداً أيضاً بروز رئيس روسي من نوع (خروشوف) الذي كان يصفق بحذائه في الأمم المتحدة، ويتحدى الولايات المتحدة الأمريكية علانية بكونه قادراً بأسلحته النووية على تدمير خمس كرات أرضية إذا تطلب الأمر. فهذه الأمور أصبحت من الماضي الذي لن يجدي نفعاً معه البكاء على الأطلال، وأصبح من الأمور المفهومة والمدركة للقادة والساسة الروس في مرحلة ما بعد الانهيار السوفييتي، لأنهم يعلمون جيداً تبعات التركة الثقيلة من المشكلات والأزمات السياسية والاقتصادية التي ورثوها من العهد السوفييتي السابق، ويكفي أن نعرف بعض الحقائق والتفاصيل الاقتصادية عن روسيا اليوم لنعي قدر الصعوبة في عودة روسيا إلى سابق عهدها وإلى لعب دور الدولة العظمى التي تستطيع أن تنافس الولايات المتحدة وتكبح جماحها وتقلص دورها.
فالتقارير تقول إن الناتج القومي الروسي يساوي حالياً عشر الناتج القومي الأمريكي، ونصف الناتج القومي للهند، وربع الناتج القومي للصين، كما تشير التقارير إلى أن الشعب الروسي بات يتناقص عددياً بمعدلات مقلقة، حيث انخفض عدد السكان من 151 مليون نسمة في عام 1990 إلى 146 مليون نسمة في عام 1999، وتتحدث دراسة سكانية عن انخفاض هذا العدد إلى 135 مليوناً في عام 2025.
فالحديث إذن عن عودة الدولة العظمى ضمن هذه الظروف هو ضرب من الخيال. وعليه فإن غاية ما يطمح أو يسعى إليه القادة الروس اليوم هو دور روسي إقليمي قوي أكثر من سعيهم إلى إعادة دور الدولة العظمى مع إبقائهم بالطبع باب الرغبة والطموح مشرعاً في هذا الصدد، فهم يعملون بالممكن والمتاح ولا ينسون الطموح.
ومن هذا المنطلق فقد شهدت السياسة الروسية في الآونة الأخيرة تفعيلاً ملحوظاً على مسرح السياسة الدولية ولا تزال تنمو باطراد، وأبدت درجة عالية من الاستقلالية في العديد من القضايا والمواقف الدولية والإقليمية، برغم تحالفها المعلن مع الولايات المتحدة في الحرب الأمريكية على الإرهاب، والذي يبدو أنه مناورة لتحييد بعض الأطراف التي قد تقف في طريق المشروع الروسي النهضوي الجديد.
إن التحسن المستمر في الوضع الاقتصادي الروسي الصعب في عهد الرئيس فلاديمير بوتين فتح الباب وأعاد الآمال من جديد بإمكانية لعب روسيا دوراً إقليمياً متميزاً، وهذا ما بدأت بوادره تلوح في الأفق؛ فالتحركات الروسية المستمرة وزيارات الرئيس الروسي بوتين إلى دول الخليج ودول المنطقة والحفاوة التي استقبل بها والاتفاقيات التي وقعها، كلها تصب في هذا الاتجاه، وتدل على أن روسيا اليوم بدأت خطواتها الأولى في تأسيس دور إقليمي واعد في منطقة الشرق الأوسط وفي توقيت (يبدو أنه اختير بعناية) تشهد فيه الإدارة الأمريكية تعثراً واضحاً ومأزقاً حقيقياً في سياساتها الخارجية وتدنياً كبيراً في شعبيتها داخلياً وخارجياً.
إن التوجه الروسي الجديد نحو الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، وفي هذا التوقيت تحديداً، لم يكن مصادفة ومن دون تخطيط مسبق، فتصريحات الرئيس بوتين في يوليو من عام 2002 التي أطلقها أمام تجمع لسفراء روسيا في 130 دولة بمناسبة مرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية الروسية كانت لها دلالاتها ومعانيها التي يبدو أنها وجدت آذاناً صاغية من قبل وزارة الخارجية الروسية، حيث شنّ الرئيس الروسي هجوماً عنيفاً على الخارجية الروسية واتهمها (بأنها لم تؤد واجبها كما ينبغي في الدفاع عن مصالح روسيا)، ليس هذا فحسب، بل وصفها (بالفشل في إقامة علاقات صداقة ودية مع وسائل الإعلام الأجنبية والعجز عن إقامة علاقات جيدة على الصعيد الدولي). وأضاف (أن سياسة التكتم والعجز عن التعامل مع وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية في المجتمع المدني لا يخدمان مصالح روسيا)، الأمر الذي كان له أثره الواضح في مستوى أداء الدبلوماسية الروسية والإعلام الروسي أيضاً في الفترة اللاحقة، وكان من نتائجه ميلاد الفضائية الجديدة (روسيا اليوم)، باللغة الإنكليزية أولاً ثم العربية، واختيار اللغة العربية بعد اللغة الإنكليزية مباشرة له دلالاته الواضحة أيضاً على التوجه الروسي الجديد في المنطقة، والرغبة في إيصال وجهة نظر معينة إلى المشاهد العربي.
والسؤال المطروح والملح الآن هو إذا كانت روسيا اليوم عازمة على لعب دور إقليمي متميز في الشرق الأوسط وضمن حدود إمكاناتها وقدراتها فما هو الدور المقابل المفترض لبلداننا العربية لاستثمارهذا التحرك الروسي أولاً؟ ثم هل من إمكانية لعمل عربي ضمن حدود الإمكانات والقدرات أيضاً يرسم لنا مساراً جديداً وموقعاً دولياً متميزاًً يعمل بالممكن ولا ينسى الطموح ؟ أم سنكتفي فقط باجترار الأحزان والبكاء على أطلال الأمجاد السابقة؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1742::/cck::
::introtext::
الحديث عن عودة روسيا إلى سالف عصرها وقوتها في عهد الاتحاد السوفييتي السابق بات من الأمور المستبعدة في الوقت الراهن، وبات معها مستبعداً أيضاً بروز رئيس روسي من نوع (خروشوف) الذي كان يصفق بحذائه في الأمم المتحدة، ويتحدى الولايات المتحدة الأمريكية علانية بكونه قادراً بأسلحته النووية على تدمير خمس كرات أرضية إذا تطلب الأمر. فهذه الأمور أصبحت من الماضي الذي لن يجدي نفعاً معه البكاء على الأطلال، وأصبح من الأمور المفهومة والمدركة للقادة والساسة الروس في مرحلة ما بعد الانهيار السوفييتي، لأنهم يعلمون جيداً تبعات التركة الثقيلة من المشكلات والأزمات السياسية والاقتصادية التي ورثوها من العهد السوفييتي السابق، ويكفي أن نعرف بعض الحقائق والتفاصيل الاقتصادية عن روسيا اليوم لنعي قدر الصعوبة في عودة روسيا إلى سابق عهدها وإلى لعب دور الدولة العظمى التي تستطيع أن تنافس الولايات المتحدة وتكبح جماحها وتقلص دورها.
::/introtext::
::fulltext::
الحديث عن عودة روسيا إلى سالف عصرها وقوتها في عهد الاتحاد السوفييتي السابق بات من الأمور المستبعدة في الوقت الراهن، وبات معها مستبعداً أيضاً بروز رئيس روسي من نوع (خروشوف) الذي كان يصفق بحذائه في الأمم المتحدة، ويتحدى الولايات المتحدة الأمريكية علانية بكونه قادراً بأسلحته النووية على تدمير خمس كرات أرضية إذا تطلب الأمر. فهذه الأمور أصبحت من الماضي الذي لن يجدي نفعاً معه البكاء على الأطلال، وأصبح من الأمور المفهومة والمدركة للقادة والساسة الروس في مرحلة ما بعد الانهيار السوفييتي، لأنهم يعلمون جيداً تبعات التركة الثقيلة من المشكلات والأزمات السياسية والاقتصادية التي ورثوها من العهد السوفييتي السابق، ويكفي أن نعرف بعض الحقائق والتفاصيل الاقتصادية عن روسيا اليوم لنعي قدر الصعوبة في عودة روسيا إلى سابق عهدها وإلى لعب دور الدولة العظمى التي تستطيع أن تنافس الولايات المتحدة وتكبح جماحها وتقلص دورها.
فالتقارير تقول إن الناتج القومي الروسي يساوي حالياً عشر الناتج القومي الأمريكي، ونصف الناتج القومي للهند، وربع الناتج القومي للصين، كما تشير التقارير إلى أن الشعب الروسي بات يتناقص عددياً بمعدلات مقلقة، حيث انخفض عدد السكان من 151 مليون نسمة في عام 1990 إلى 146 مليون نسمة في عام 1999، وتتحدث دراسة سكانية عن انخفاض هذا العدد إلى 135 مليوناً في عام 2025.
فالحديث إذن عن عودة الدولة العظمى ضمن هذه الظروف هو ضرب من الخيال. وعليه فإن غاية ما يطمح أو يسعى إليه القادة الروس اليوم هو دور روسي إقليمي قوي أكثر من سعيهم إلى إعادة دور الدولة العظمى مع إبقائهم بالطبع باب الرغبة والطموح مشرعاً في هذا الصدد، فهم يعملون بالممكن والمتاح ولا ينسون الطموح.
ومن هذا المنطلق فقد شهدت السياسة الروسية في الآونة الأخيرة تفعيلاً ملحوظاً على مسرح السياسة الدولية ولا تزال تنمو باطراد، وأبدت درجة عالية من الاستقلالية في العديد من القضايا والمواقف الدولية والإقليمية، برغم تحالفها المعلن مع الولايات المتحدة في الحرب الأمريكية على الإرهاب، والذي يبدو أنه مناورة لتحييد بعض الأطراف التي قد تقف في طريق المشروع الروسي النهضوي الجديد.
إن التحسن المستمر في الوضع الاقتصادي الروسي الصعب في عهد الرئيس فلاديمير بوتين فتح الباب وأعاد الآمال من جديد بإمكانية لعب روسيا دوراً إقليمياً متميزاً، وهذا ما بدأت بوادره تلوح في الأفق؛ فالتحركات الروسية المستمرة وزيارات الرئيس الروسي بوتين إلى دول الخليج ودول المنطقة والحفاوة التي استقبل بها والاتفاقيات التي وقعها، كلها تصب في هذا الاتجاه، وتدل على أن روسيا اليوم بدأت خطواتها الأولى في تأسيس دور إقليمي واعد في منطقة الشرق الأوسط وفي توقيت (يبدو أنه اختير بعناية) تشهد فيه الإدارة الأمريكية تعثراً واضحاً ومأزقاً حقيقياً في سياساتها الخارجية وتدنياً كبيراً في شعبيتها داخلياً وخارجياً.
إن التوجه الروسي الجديد نحو الخليج ومنطقة الشرق الأوسط، وفي هذا التوقيت تحديداً، لم يكن مصادفة ومن دون تخطيط مسبق، فتصريحات الرئيس بوتين في يوليو من عام 2002 التي أطلقها أمام تجمع لسفراء روسيا في 130 دولة بمناسبة مرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية الروسية كانت لها دلالاتها ومعانيها التي يبدو أنها وجدت آذاناً صاغية من قبل وزارة الخارجية الروسية، حيث شنّ الرئيس الروسي هجوماً عنيفاً على الخارجية الروسية واتهمها (بأنها لم تؤد واجبها كما ينبغي في الدفاع عن مصالح روسيا)، ليس هذا فحسب، بل وصفها (بالفشل في إقامة علاقات صداقة ودية مع وسائل الإعلام الأجنبية والعجز عن إقامة علاقات جيدة على الصعيد الدولي). وأضاف (أن سياسة التكتم والعجز عن التعامل مع وسائل الإعلام والمؤسسات الدولية في المجتمع المدني لا يخدمان مصالح روسيا)، الأمر الذي كان له أثره الواضح في مستوى أداء الدبلوماسية الروسية والإعلام الروسي أيضاً في الفترة اللاحقة، وكان من نتائجه ميلاد الفضائية الجديدة (روسيا اليوم)، باللغة الإنكليزية أولاً ثم العربية، واختيار اللغة العربية بعد اللغة الإنكليزية مباشرة له دلالاته الواضحة أيضاً على التوجه الروسي الجديد في المنطقة، والرغبة في إيصال وجهة نظر معينة إلى المشاهد العربي.
والسؤال المطروح والملح الآن هو إذا كانت روسيا اليوم عازمة على لعب دور إقليمي متميز في الشرق الأوسط وضمن حدود إمكاناتها وقدراتها فما هو الدور المقابل المفترض لبلداننا العربية لاستثمارهذا التحرك الروسي أولاً؟ ثم هل من إمكانية لعمل عربي ضمن حدود الإمكانات والقدرات أيضاً يرسم لنا مساراً جديداً وموقعاً دولياً متميزاًً يعمل بالممكن ولا ينسى الطموح ؟ أم سنكتفي فقط باجترار الأحزان والبكاء على أطلال الأمجاد السابقة؟
::/fulltext::
::cck::1742::/cck::
