روسيا والبرنامج النووي الإيراني .. المنطلقات والمصالح

::cck::1740::/cck::
::introtext::

لاشك في أن دور روسيا إزاء الأزمة النووية الإيرانية هو دور محوري، ولا يمكن دراسة تلك الأزمة من دون تحديد محاوره وركائزه والمصالح التي انطلق منها، فالدور الروسي كان معرقلاً في بعض الفترات لكثير من المخططات الغربية ضد إيران، وكان في فترات أخرى مقللاً من اندفاع الهجوم على طهران، مستغلاً في ذلك تناقضات المصالح وتداخلها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة لموسكو. وكان من الواضح في الفترة الأخيرة أن روسيا بإمساكها ورقة المساومة الإيرانية تسعى إلى التأكيد على استقلالية قرارها الخارجي في إطار عودة دورها في العالم والشرق الأوسط كدولة كبرى. 

::/introtext::
::fulltext::

لاشك في أن دور روسيا إزاء الأزمة النووية الإيرانية هو دور محوري، ولا يمكن دراسة تلك الأزمة من دون تحديد محاوره وركائزه والمصالح التي انطلق منها، فالدور الروسي كان معرقلاً في بعض الفترات لكثير من المخططات الغربية ضد إيران، وكان في فترات أخرى مقللاً من اندفاع الهجوم على طهران، مستغلاً في ذلك تناقضات المصالح وتداخلها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة لموسكو. وكان من الواضح في الفترة الأخيرة أن روسيا بإمساكها ورقة المساومة الإيرانية تسعى إلى التأكيد على استقلالية قرارها الخارجي في إطار عودة دورها في العالم والشرق الأوسط كدولة كبرى. 

بعد انتصار الثورة الإيرانية تميزت العلاقات بين موسكو وطهران بالدفء، ولم يعكر صفوها سوى الاجتياح السوفييتي لأفغانستان، فبعده ساءت العلاقات السوفييتية ــ الإيرانية بشكل ملحوظ، وزاد الأمر سوءاً في ظل تقديم موسكو مساعدات عسكرية واستخباراتية لنظام صدام حسين خلال الحرب العراقية ــ الإيرانية.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 بدأت مرحلة جديدة من التعاون؛ حيث شهد عام 1992 بداية التعاون الروسي ــ الإيراني في مجال الطاقة النووية، فوقع البلدان اتفاقية بشأن التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وفي عام 1994 وقعت طهران مع موسكو عقداً بقيمة 800 مليون دولار في البداية لبناء مفاعل (بوشهر) النووي لتوليد الطاقة الكهربائية.

العلاقات الروسية ــ الإيرانية أخذت منطلقاً جديداً مع وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم

وأخذت العلاقات الروسية ــ الإيرانية منطلقاً جديداً مع وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم، وخاصة في ظل فترته الرئاسية الثانية عام 2005، فقد وقعت إيران وروسيا وللمرة الأولى عقد تسليح ضخماً، بقيمة مليار و400 مليون دولار، تلقت طهران بموجبه 29 منظومة صواريخ فاعلة للدفاع الجوي من طراز (تور إم ــ1)، وتقوم موسكو بموجبه أيضاً بتحديث الطائرات الإيرانية العسكرية من طراز (سوخوي ــ24) و(ميغ ــ29)، وقامت روسيا بصنع وإطلاق أول قمر صناعي إيراني إلى الفضاء.

ويمكن تفسير هذا التعاون ـ وفقاً لرؤية بعض المحللين ـ بأن روسيا سعت منذ تولي فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في موسكو عام 2000 إلى تثبيت (حلفاء استراتيجيين) في مواقع مختلفة كمناطق عازلة أو (جدران صد) ضد النفوذ الأمريكي في العالم. ووفق هذا التصور تكون الصين في شرق آسيا والهند في جنوب آسيا أهم حلفاء موسكو في العالم حالياً. وعلى النسق ذاته، تحتل إيران مكانتها لدى موسكو باعتبارها الشريك الأول لروسيا في منطقة الشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى. 

الملف النووي .. إشارات متناقضة

بعدما أصبحت روسيا عضواً كاملاً في مجموعة الدول الصناعية الثماني، وبعدما حصلت على 20 مليار دولار من المجموعة تكلفة تفكيك وتدمير أسلحة الدمار الشامل خوفاً من وصولها إلى أيدي الإرهابيين، ظهرت بوادر تناقض في الموقف الروسي تجاه أزمة البرنامج النووي الإيراني خاصة ما يتعلق منها بالعمل في مفاعل بوشهر الذي تقوم روسيا ببنائه. وترددت أنباء بأن الرئيس بوتين قرر أن ينهي وبشكل تدريجي مواصلة روسيا بناء المفاعل، وأنه سيظل علناً يدعو إلى التعاون الروسي ـ الإيراني، ويشدد على بناء مفاعل بوشهر، ولكنه سراً سيتجاوب مع واشنطن.

وهناك تصريحات روسية تعبر عن شكوك في (استمرار روسيا في التعاون مع إيران بشأن استكمال بناء المفاعل)، منها تلك التي أشارت إلى  أن تأخر الانتهاء من بناء المفاعل وتسليم الوقود النووي لطهران يرجعان إلى عدم تسديد إيران المدفوعات المتفق عليها منذ سبتمبر 2006. وكلما ترددت أنباء بأن إيران وروسيا اتفقتا على جدول زمني لتسليم وقود لمحطة الطاقة النووية في إيران، تظهر توضيحات بأن المحادثات بين موسكو وطهران لا تزال مستمرة.

وقالت تقارير إن الرئيس الروسي وعد الرئيس الأمريكيجورج بوش والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بأنه لن يسمح لإيران بالحصول على السلاح النووي، وأنه سيتم تأخير نقل الوقود النووي حتى تخضع إيران لمطالب مجلس الأمن في وضع حد لبرنامج تخصيب اليورانيوم.

وربما ذلك هو ما دفع علي أردشير لاريجاني مسؤول الأمن القومي وكبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني للتحذير من أن صداقة بلاده مع روسيا على المحك، وستتعرض لهزة كبيرة إذا ما تراجعت موسكو عن تعهداتها بتأمين وصول الوقود النووي. لكن مع صدور القرار 1737 الذي فرض عقوبات اقتصادية على طهران ظهر الموقف الروسي على حقيقته. فعلى الرغم من أن روسيا كانت قد أعلنت أكثر من مرة أنها ضد حصول طهران على السلاح النووي – وإن كانت قد ظهرت بعض الخلافات حول المستحقات المالية لها على طهران – إلا أنها ترفض تماماً الانفراد الغربي بإيران وتقف حائلاً ضد أي تهديدات جدية ضدها.

وظهر ذلك في رفضها مسودة ذلك القرار الذي تقدم به الأوروبيون لفرض عقوبات مشددة شبيهة بتلك التي فرضت على بغداد بعد غزوها الكويت في العام 1990، ورغم الضغوط الغربية والأمريكية الشديدة لتمرير هذا القرار إلا أن موسكو رفضت بشكل قاطع هذا الأمر، وقامت بصياغة مسودة مشروع جديد مخفف يحفظ ماء وجه الأوروبيين والأمريكيين، بعد الرفض الإيراني المتكرر لمطالبهم بوقف تخصيب اليورانيوم واعتباره شرطاً أساسياً قبل الدخول في مفاوضات معها، ودون أن تكون له آثار ضارة على طهران.

وقد سعت واشنطن إلى تليين الموقف الروسي من تحركاتها بشأن إيران عبر الحديث عن صفقة بينهما، يمكن أن تشمل على سبيل المثال تأجيل الخطط الأمريكية الخاصة بشبكة الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية. 

روسيا وأوروبا

يتمثل الخلاف بين الجانبين الروسي والأوروبي بشأن الأزمة الإيرانية في أن الأول يؤكد على ضرورة منح إيران مزيداً من الوقت في التعاطي مع ملفها النووي، أما الأوروبيون فقد ظلوا يشددون على ضرورة التحرك العاجل قبل فوات الأوان لكافة الأطراف، أي قبل تمكن إيران من السيطرة النهائية والفعلية على الدورة الكاملة للتخصيب.

وفي الوقت نفسه الذي كان الاتحاد الأوروبي يسعى فيه إلى إقناع القيادة الإيرانية بتبني موقف معتدل في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتجنب دخول الجانبين في أزمة غير مسبوقة، ظهرت العديد من الخطط الأوروبية الساعية إلى التركيز على حشد أكبر عدد من الأطراف الفاعلة للضغط على إيران، وبدأت بالفعل تلك الخطة بمحاولات لندن مع موسكو لمقايضتها بتنازلات سياسية محددة في المستقبل في مقابل التخلي عن إيران. وبحسب ما يؤكد بعض الدبلوماسيين، فإن بريطانيا تريد في الواقع وضع موسكو في موقف حرج ودفعها لإرسال رسالة إلى طهران مفادها أن الروس لن يقفوا إلى جانبها على طول الخط. 

رفض مطلق للضغوط الاقتصادية والعسكرية

لكن روسيا ظلت على موقفها الذي يرى أن الأولوية هي لحل الأزمة النووية الإيرانية بالطرق السياسية والدبلوماسية بعيداً عن الضغوط بكافة أنواعها سواء ما يتعلق منها بالعقوبات الاقتصادية أو بتوجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

وتؤكد موسكو أن هذا النهج هو الصائب للتعامل مع الأزمة الإيرانية، مدللة على ذلك بأن النهج المقابل المتشدد فشل في ردع كوريا الشمالية عن تطوير أسلحة نووية، كما أن العقوبات لن تجبر طهران على التراجع لأن إيران دولة مصنعة وفيها موارد كثيرة على رأسها البترول ولديها تعاملات اقتصادية ضخمة مع منافسين للجانب الأمريكي مثل الصين، كما أن لديها خبرة مكتسبة في التعامل مع العقوبات الاقتصادية منذ الثمانينات.

وعبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن ذلك حين قال إن روسيا لن تؤيد فرض عقوبات جديدة على إيران إلا إذا أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة استنفادها كل الجهود المبذولة لاستيضاح طبيعة البرنامج النووي الإيراني، مشدداً على أن التهديد بفرض عقوبات ضد طهران أو استخدام القوة ضدها سيؤدي إلى تفاقم المواجهة الدولية القائمة مع طهران، وقد يؤدي أيضاً إلى رفض طهران التام للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن هنا فإن (استخدام القوة خيار خطر للغاية وليس بناء).

من هنا يمكن القول إن روسيا ستظل عقبة كأداء أمام أي عقوبات مشددة على إيران، طالما ظلت هذه الأزمة الورقة الأهم في يد موسكو للعودة إلى المنطقة ومواجهة النفوذ الأمريكي والغربي فيها، خاصة بعد دخول العلاقات الروسية – الإيرانية إلى مرحلة جديدة في ظل المصالح الاستراتيجية التي تربط بين الجانبين اللذين تجمعهما عضوية منظمة شنغهاي، التي يرى كثير من المحللين أنها تتحول تدريجياً لتحل محل حلف وارسو في مواجهة حلف الناتو.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1740::/cck::
::introtext::

لاشك في أن دور روسيا إزاء الأزمة النووية الإيرانية هو دور محوري، ولا يمكن دراسة تلك الأزمة من دون تحديد محاوره وركائزه والمصالح التي انطلق منها، فالدور الروسي كان معرقلاً في بعض الفترات لكثير من المخططات الغربية ضد إيران، وكان في فترات أخرى مقللاً من اندفاع الهجوم على طهران، مستغلاً في ذلك تناقضات المصالح وتداخلها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة لموسكو. وكان من الواضح في الفترة الأخيرة أن روسيا بإمساكها ورقة المساومة الإيرانية تسعى إلى التأكيد على استقلالية قرارها الخارجي في إطار عودة دورها في العالم والشرق الأوسط كدولة كبرى. 

::/introtext::
::fulltext::

لاشك في أن دور روسيا إزاء الأزمة النووية الإيرانية هو دور محوري، ولا يمكن دراسة تلك الأزمة من دون تحديد محاوره وركائزه والمصالح التي انطلق منها، فالدور الروسي كان معرقلاً في بعض الفترات لكثير من المخططات الغربية ضد إيران، وكان في فترات أخرى مقللاً من اندفاع الهجوم على طهران، مستغلاً في ذلك تناقضات المصالح وتداخلها لتحقيق أقصى استفادة ممكنة لموسكو. وكان من الواضح في الفترة الأخيرة أن روسيا بإمساكها ورقة المساومة الإيرانية تسعى إلى التأكيد على استقلالية قرارها الخارجي في إطار عودة دورها في العالم والشرق الأوسط كدولة كبرى. 

بعد انتصار الثورة الإيرانية تميزت العلاقات بين موسكو وطهران بالدفء، ولم يعكر صفوها سوى الاجتياح السوفييتي لأفغانستان، فبعده ساءت العلاقات السوفييتية ــ الإيرانية بشكل ملحوظ، وزاد الأمر سوءاً في ظل تقديم موسكو مساعدات عسكرية واستخباراتية لنظام صدام حسين خلال الحرب العراقية ــ الإيرانية.

ومع انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 بدأت مرحلة جديدة من التعاون؛ حيث شهد عام 1992 بداية التعاون الروسي ــ الإيراني في مجال الطاقة النووية، فوقع البلدان اتفاقية بشأن التعاون في مجال الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وفي عام 1994 وقعت طهران مع موسكو عقداً بقيمة 800 مليون دولار في البداية لبناء مفاعل (بوشهر) النووي لتوليد الطاقة الكهربائية.

العلاقات الروسية ــ الإيرانية أخذت منطلقاً جديداً مع وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم

وأخذت العلاقات الروسية ــ الإيرانية منطلقاً جديداً مع وصول فلاديمير بوتين إلى الحكم، وخاصة في ظل فترته الرئاسية الثانية عام 2005، فقد وقعت إيران وروسيا وللمرة الأولى عقد تسليح ضخماً، بقيمة مليار و400 مليون دولار، تلقت طهران بموجبه 29 منظومة صواريخ فاعلة للدفاع الجوي من طراز (تور إم ــ1)، وتقوم موسكو بموجبه أيضاً بتحديث الطائرات الإيرانية العسكرية من طراز (سوخوي ــ24) و(ميغ ــ29)، وقامت روسيا بصنع وإطلاق أول قمر صناعي إيراني إلى الفضاء.

ويمكن تفسير هذا التعاون ـ وفقاً لرؤية بعض المحللين ـ بأن روسيا سعت منذ تولي فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في موسكو عام 2000 إلى تثبيت (حلفاء استراتيجيين) في مواقع مختلفة كمناطق عازلة أو (جدران صد) ضد النفوذ الأمريكي في العالم. ووفق هذا التصور تكون الصين في شرق آسيا والهند في جنوب آسيا أهم حلفاء موسكو في العالم حالياً. وعلى النسق ذاته، تحتل إيران مكانتها لدى موسكو باعتبارها الشريك الأول لروسيا في منطقة الشرق الأوسط والخليج وآسيا الوسطى. 

الملف النووي .. إشارات متناقضة

بعدما أصبحت روسيا عضواً كاملاً في مجموعة الدول الصناعية الثماني، وبعدما حصلت على 20 مليار دولار من المجموعة تكلفة تفكيك وتدمير أسلحة الدمار الشامل خوفاً من وصولها إلى أيدي الإرهابيين، ظهرت بوادر تناقض في الموقف الروسي تجاه أزمة البرنامج النووي الإيراني خاصة ما يتعلق منها بالعمل في مفاعل بوشهر الذي تقوم روسيا ببنائه. وترددت أنباء بأن الرئيس بوتين قرر أن ينهي وبشكل تدريجي مواصلة روسيا بناء المفاعل، وأنه سيظل علناً يدعو إلى التعاون الروسي ـ الإيراني، ويشدد على بناء مفاعل بوشهر، ولكنه سراً سيتجاوب مع واشنطن.

وهناك تصريحات روسية تعبر عن شكوك في (استمرار روسيا في التعاون مع إيران بشأن استكمال بناء المفاعل)، منها تلك التي أشارت إلى  أن تأخر الانتهاء من بناء المفاعل وتسليم الوقود النووي لطهران يرجعان إلى عدم تسديد إيران المدفوعات المتفق عليها منذ سبتمبر 2006. وكلما ترددت أنباء بأن إيران وروسيا اتفقتا على جدول زمني لتسليم وقود لمحطة الطاقة النووية في إيران، تظهر توضيحات بأن المحادثات بين موسكو وطهران لا تزال مستمرة.

وقالت تقارير إن الرئيس الروسي وعد الرئيس الأمريكيجورج بوش والرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز بأنه لن يسمح لإيران بالحصول على السلاح النووي، وأنه سيتم تأخير نقل الوقود النووي حتى تخضع إيران لمطالب مجلس الأمن في وضع حد لبرنامج تخصيب اليورانيوم.

وربما ذلك هو ما دفع علي أردشير لاريجاني مسؤول الأمن القومي وكبير المفاوضين في الملف النووي الإيراني للتحذير من أن صداقة بلاده مع روسيا على المحك، وستتعرض لهزة كبيرة إذا ما تراجعت موسكو عن تعهداتها بتأمين وصول الوقود النووي. لكن مع صدور القرار 1737 الذي فرض عقوبات اقتصادية على طهران ظهر الموقف الروسي على حقيقته. فعلى الرغم من أن روسيا كانت قد أعلنت أكثر من مرة أنها ضد حصول طهران على السلاح النووي – وإن كانت قد ظهرت بعض الخلافات حول المستحقات المالية لها على طهران – إلا أنها ترفض تماماً الانفراد الغربي بإيران وتقف حائلاً ضد أي تهديدات جدية ضدها.

وظهر ذلك في رفضها مسودة ذلك القرار الذي تقدم به الأوروبيون لفرض عقوبات مشددة شبيهة بتلك التي فرضت على بغداد بعد غزوها الكويت في العام 1990، ورغم الضغوط الغربية والأمريكية الشديدة لتمرير هذا القرار إلا أن موسكو رفضت بشكل قاطع هذا الأمر، وقامت بصياغة مسودة مشروع جديد مخفف يحفظ ماء وجه الأوروبيين والأمريكيين، بعد الرفض الإيراني المتكرر لمطالبهم بوقف تخصيب اليورانيوم واعتباره شرطاً أساسياً قبل الدخول في مفاوضات معها، ودون أن تكون له آثار ضارة على طهران.

وقد سعت واشنطن إلى تليين الموقف الروسي من تحركاتها بشأن إيران عبر الحديث عن صفقة بينهما، يمكن أن تشمل على سبيل المثال تأجيل الخطط الأمريكية الخاصة بشبكة الدرع الصاروخية في أوروبا الشرقية. 

روسيا وأوروبا

يتمثل الخلاف بين الجانبين الروسي والأوروبي بشأن الأزمة الإيرانية في أن الأول يؤكد على ضرورة منح إيران مزيداً من الوقت في التعاطي مع ملفها النووي، أما الأوروبيون فقد ظلوا يشددون على ضرورة التحرك العاجل قبل فوات الأوان لكافة الأطراف، أي قبل تمكن إيران من السيطرة النهائية والفعلية على الدورة الكاملة للتخصيب.

وفي الوقت نفسه الذي كان الاتحاد الأوروبي يسعى فيه إلى إقناع القيادة الإيرانية بتبني موقف معتدل في التعامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتجنب دخول الجانبين في أزمة غير مسبوقة، ظهرت العديد من الخطط الأوروبية الساعية إلى التركيز على حشد أكبر عدد من الأطراف الفاعلة للضغط على إيران، وبدأت بالفعل تلك الخطة بمحاولات لندن مع موسكو لمقايضتها بتنازلات سياسية محددة في المستقبل في مقابل التخلي عن إيران. وبحسب ما يؤكد بعض الدبلوماسيين، فإن بريطانيا تريد في الواقع وضع موسكو في موقف حرج ودفعها لإرسال رسالة إلى طهران مفادها أن الروس لن يقفوا إلى جانبها على طول الخط. 

رفض مطلق للضغوط الاقتصادية والعسكرية

لكن روسيا ظلت على موقفها الذي يرى أن الأولوية هي لحل الأزمة النووية الإيرانية بالطرق السياسية والدبلوماسية بعيداً عن الضغوط بكافة أنواعها سواء ما يتعلق منها بالعقوبات الاقتصادية أو بتوجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية.

وتؤكد موسكو أن هذا النهج هو الصائب للتعامل مع الأزمة الإيرانية، مدللة على ذلك بأن النهج المقابل المتشدد فشل في ردع كوريا الشمالية عن تطوير أسلحة نووية، كما أن العقوبات لن تجبر طهران على التراجع لأن إيران دولة مصنعة وفيها موارد كثيرة على رأسها البترول ولديها تعاملات اقتصادية ضخمة مع منافسين للجانب الأمريكي مثل الصين، كما أن لديها خبرة مكتسبة في التعامل مع العقوبات الاقتصادية منذ الثمانينات.

وعبر وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف عن ذلك حين قال إن روسيا لن تؤيد فرض عقوبات جديدة على إيران إلا إذا أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة استنفادها كل الجهود المبذولة لاستيضاح طبيعة البرنامج النووي الإيراني، مشدداً على أن التهديد بفرض عقوبات ضد طهران أو استخدام القوة ضدها سيؤدي إلى تفاقم المواجهة الدولية القائمة مع طهران، وقد يؤدي أيضاً إلى رفض طهران التام للتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن هنا فإن (استخدام القوة خيار خطر للغاية وليس بناء).

من هنا يمكن القول إن روسيا ستظل عقبة كأداء أمام أي عقوبات مشددة على إيران، طالما ظلت هذه الأزمة الورقة الأهم في يد موسكو للعودة إلى المنطقة ومواجهة النفوذ الأمريكي والغربي فيها، خاصة بعد دخول العلاقات الروسية – الإيرانية إلى مرحلة جديدة في ظل المصالح الاستراتيجية التي تربط بين الجانبين اللذين تجمعهما عضوية منظمة شنغهاي، التي يرى كثير من المحللين أنها تتحول تدريجياً لتحل محل حلف وارسو في مواجهة حلف الناتو.

 

::/fulltext::
::cck::1740::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *