مستقبل الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط
::cck::1787::/cck::
::introtext::
تختلف آراء الخبراء المتخصصين بالشؤون الروسية حول مستقبل دور روسيا الاتحادية على الساحات الإقليمية والدولية، فمن متنبئ بعودة روسيا الاتحادية إلى مسرح السياسة الدولية كقوة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة فاعلة في إعادة تشكيل النظام الدولي على أساس من التوازن بأشكاله المختلفة وتعدد أقطابه، استناداً إلى أن روسيا الاتحادية استطاعت في السنوات الأخيرة ترتيب أوضاعها الداخلية وخاصة على المستوى الاقتصادي، فقد حققت فائضاً في ميزان المدفوعات التجاري، وخفضت العجز في الموازنة فاق توقعات وشروط صندوق النقد الدولي، إذ وصل الفائض إلى 30 مليار دولار متجاوزة بذلك ما يتوافر لدى صندوق النقدي الدولي نفسه من أموال.
::/introtext::
::fulltext::
تختلف آراء الخبراء المتخصصين بالشؤون الروسية حول مستقبل دور روسيا الاتحادية على الساحات الإقليمية والدولية، فمن متنبئ بعودة روسيا الاتحادية إلى مسرح السياسة الدولية كقوة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة فاعلة في إعادة تشكيل النظام الدولي على أساس من التوازن بأشكاله المختلفة وتعدد أقطابه، استناداً إلى أن روسيا الاتحادية استطاعت في السنوات الأخيرة ترتيب أوضاعها الداخلية وخاصة على المستوى الاقتصادي، فقد حققت فائضاً في ميزان المدفوعات التجاري، وخفضت العجز في الموازنة فاق توقعات وشروط صندوق النقد الدولي، إذ وصل الفائض إلى 30 مليار دولار متجاوزة بذلك ما يتوافر لدى صندوق النقدي الدولي نفسه من أموال.
هناك من يرى النقيض من ذلك، مشيراً إلى أن روسيا الاتحادية مهددة بالتفكك والانهيار لأسباب ديموغرافية واقتصادية وعسكرية وتقنية، وأن استفادتها من ارتفاع أسعار النفط لن تمكنها من تجاوز أزماتها الاقتصادية الظاهرة والكامنة إلا مرحلياً لتعود مجدداً إلى الغرق في بحر أزماتها الداخلية البنيوية والاقتصادية والعسكرية.
وهناك من يرى أيضاً أن روسيا الاتحادية، وإن هي تمكنت من إحراز نجاحات على كافة الصعد، فإنها لأسباب خارجية وأخرى داخلية وأهمها العسكرية، لن تستطيع العودة إلى مسرح السياسة الدولية كقوة كونية عظمى ذات سياسات إقليمية متناغمة مع سياستها الكونية، فكل ما يمكن أن ترقى إليه مستقبلاً هو أن تكون الشريك الأصغر للولايات المتحدة الأمريكية في إعادة تشكيل النظام الدولي واحتفاظ الولايات المتحدة الأمريكية بدور وموقع القوة العظمى المقررة لاتجاهات ومسارات السياسة الدولية والسياسات الإقليمية المتناغمة معها؛ أي أن الولايات المتحدة ستحتفظ لنفسها بموقع الأول بين الأوائل (Primus Inter Paris).
روسيا الاتحادية ومقومات القوة التقليدية والديناميكية
ولكن ما تأثير الواقع الروسي الحالي في مستقبل الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط؟
إن مستقبل السياسة الدولية والإقليمية للدول الكبرى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية بمستوييها التقليدي والديناميكي. وإذا كانت الديموغرافيا، والاقتصاد والقوة العسكرية والنظام القيمي أو ما يسميه غاري هارت بـ (قوة المبادئ) تدخل في إطار العناصر الثابتة للقوة، فإن طبيعة النظام السياسي، والتقدم المعرفي والتكنولوجي والمعلوماتي تندرج في إطار العناصر الديناميكية للقوة.
أما العناصر الخارجية، فتتصل بطبيعة النظام الدولي القائم حالياً واللاعبين الرئيسيين والثانويين في هذا النظام، ورؤية كل منهم للآخر والدور السياسي الكوني والإقليمي الذي ينهض به، وحدود هذا الدور وفقاً لعناصر القوة التقليدية والديناميكية ووفقاً للدور المسموح به دولياً وإقليمياً.
والواقع الروسي الاتحادي يلخصه يوجين ب. رومير أحد كبار زملاء معهد الدراسات الاستراتيجية في جامعة الدفاع الوطني (NDU) الأمريكية، وسيليست أ. والاندر، مديرة برنامج روسيا والأوراسيا وأمينة الصندوق في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) التابع لمعهد ماساشوستس للتقنية (MIT) بجملة واحدة بقولهما (جغرافية مترامية الأطراف، ونمو اقتصادي متسارع، وترسانة نووية هائلة، ومقعد دائم في مجلس الامن، والقدرة على تدمير الولايات المتحدة بضغطة واحدة على الزر النووي).
ويخلص رومير ووالاندر في مؤلفهما إلى (من القطب العالمي الثاني؟ روسيا: هل تولد القوة من رحم الضعف؟) إلى أن كل تلك المقومات وديناميكية النظام السياسي الروسي بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين (تجعل روسيا تبدو كما لو كانت تملك كل الشروط اللازم توافرها لأية دولة حتى يمكننا اعتبارها قوة عظمى).
روسيا حققت في السنوات الأخيرة فائضاً في ميزان المدفوعات التجاري فاق التوقعات
ولكن هذه المقومات والعوامل التي ينظر إليها الخبراء على أنها تمثل من ناحية المقومات الأساسية للقوة، فإنها من ناحية أخرى هي ذاتها مصادر الضعف الروسي مما يحد من إمكاناتها وقدراتها على ممارسة (دور الشريك الفاعل والمرغوب فيه في إطار التصدي للتحديات الدولية الكبرى المتمثلة في الإرهاب، وانتشار السلاح النووي والفقر وعدم الاستقرار).
إن روسيا الاتحادية في عهد الرئيس يلتسين هي غيرها في عهد الرئيس بوتين سواء في ما يتعلق بحيوية ونشاط رأس النظام، أو في ما يخص النمو الاقتصادي المطرد الذي وصل إلى 7.1 في المائة في النصف الأول من عام 2003م. فعلى الصعيد الرئاسي تمكن بوتين من تحسين شعبيته وأسس لنفوذ قوي في الدوما (البرلمان الروسي) تمثل بإصداره تشريعات عدة وفقاً لرغبة الكرملين، والمصادقة على معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، وسن قانون ضريبي جديد، وقانون خصخصة الأراضي المملوكة للدولة. كما نجح بوتين في تحجيم نفوذ وتأثير لوبيات اقتصادية من على مسرح السياسة الداخلية، وإخضاع الأقاليم الروسية لمراقبة ومحاسبة الكرملين بإجراء تغييرات تشريعية عدة ذات صلة بحكام الأقاليم ونفوذهم، وإجبار أباطرة الشركات الروسية وكبار رجال الأعمال الروس على الابتعاد عن المسرح السياسي، وإخضاع المرافق الإعلامية لإشراف الكرملين، الأمر الذي زاد من تهميش الأحزاب والحركات السياسية المعارضة ليترك بوتين بذلك بصماته القوية على الحياة السياسية في البلاد.
نجح بوتين في تحجيم نفوذ وتأثير لوبيات اقتصادية من على مسرح السياسة الداخلية
أما على صعيد السياسة الخارجية فقد نجح بوتين في تخليص البلاد من جملة من المشكلات التي ظلت تحد من تحرك روسيا على الصعيد الدولي، أهمها الانسحاب من فيتنام وكوبا، واستحداث مجلس للعلاقات بين روسيا وحلف الناتو، وانتهاج سياسة براغماتية تستند إلى المصالح الوطنية العليا للبلاد، وتبني مذهب استراتيجي في التعامل مع التكاليف والمنافع وحدود الممكن والمستحيل على الصعيد الدبلوماسي، وإبداء مرونة في التعامل مع انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة حظر الصواريخ الباليستية، وانضمام جمهوريات البلطيق (أستونيا ولاتيفيا ولتوانيا) إلى الناتو، وبعض دول حلف وارسو إلى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي كان محرماً في العهد السوفييتي، مما حدا ببعض المختصين بالشؤون الروسية إلى المراهنة (على أن الشراكة العالمية المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا قد تصبح في نهاية المطاف أكثر أهمية من الشراكة المعقودة حالياً بين واشنطن والعديد من حلفائها الأوروبيين التقليديين).
بيد أن هناك من يرى أن هذا المنهج البراغماتي في السياسة الخارجية الروسية ربما يعود إلى أن عوامل قوة روسيا الاتحادية، المساحة المترامية، هي نفسها عوامل ضعفها. فروسيا الاتحادية بمساحتها (17.075.400) لا تزال الدولة الكبرى في العالم مما قد يشكل عامل ضعف وعبئاً أمنياً واقتصادياً على الدولة الروسية، كما تتمثل في الانكماش السكاني لروسيا الاتحادية، إذ تراجع عدد سكانها خلال عشر سنوات من انهيار الاتحاد السوفييتي من (148.2 – 143.8) مليون نسمة، وكذلك في حالة الفوضى التي يعيشها الجيش الروسي، وضعف تسليحه وقدراته القتالية، وفي مستقبل اقتصادي مشكوك فيه، ونظام سياسي لم يصل إلى حالة الاستقرار والثبات والديمومة.

ولما كان من الصعب أو من المبكر الحكم على ثبات روسيا الاتحادية على سياستها البراغماتية وخاصة تجاه الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو أو تحولها إلى الاتجاه المعاكس، وما إذا كانت ذات طابع مبدئي، أم أنها لدواع تكتيكية بهدف تجاوز حالة الضعف الروسي لتعود من جديد بحكم مصالحها الكونية الحيوية واستراتيجيتها العليا إلى ممارسة سياستها الكونية وسياساتها الإقليمية المتناغمة مع إرثها الإمبراطوري ببعديه القيصري والبلشفي، فإن مستقبل العلاقات الأمريكية – الروسية مرهون بانكشاف حقيقة المنهج البراغماتي الروسي.
لذا فإن الخبراء المختصين بالشؤون الأمريكية – الروسية ينظرون إلى مستقبل العلاقات بين البلدين بعين ملؤها الريبة والحذر، وأن (أفضل استراتيجية يتبناها صانعو السياسة الأمريكيون والروس هي اتخاذ موقف وسطي بين الإفراط في الارتباط، وفك الارتباط الفعلي).
ومثل هذا النهج الوسطي بين الإفراط وفك الارتباط يتطلب، كما يرى مايكل ماكفول، (من القادة الأمريكيين والروس الوصول إلى تعريف للعلاقات الأمريكية – الروسية بحيث لا يؤدي إلى إضرام منافسات الحرب الباردة من جديد، ولا يعمل على تغذية الأوهام حول إمكانية قيام تحالفات وعلاقات مميزة. إن الاحتفاظ بمسافة أبعد مما كانت عليه العلاقات منذ عقد مضى قد يكون أمراً صحياً لإقامة علاقات ثنائية، لكن الابتعاد أكثر من ذلك قد يثبت خطورته).
الشرق الأوسط بين إشكاليتين
إذا كان مصطلح الشرق الأوسط، من دون الدخول في تقاطعات هذا المصطلح وخلفيته الاستعمارية، يشمل جغرافياً المنطقة العربية بدولها الآسيوية والإفريقية، وكذلك دول الجوار: إيران، وتركيا، وأفغانستان، وباكستان، وبنغلاديش، فإنه يعني سياسياً العديد من المشكلات والأزمات أهمها المشكلة الفلسطينية، واللبنانية، والعراقية، والإرهاب الدولي، والملف النووي الإيراني، وملف النفط العربي والقزويني، ومشكلة الشرق الأوسط التي يراد لها أن تعني كل ما تقدم من مشكلات.
فالشرق الأوسط كان يتاخم الاتحاد السوفييتي قبل انهياره وتفككه إلى خمس عشرة دولة (رابطة الدول المستقلة) تحادد بعضها الشرق الأوسط وهي: أذربيجان، وتركمانستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، ويعني الشرق الأوسط اقتصادياً منطقة تعوم على بحور نفطية تحوي أكثر من 60 في المائة من مجموع الاحتياطي النفطي العالمي.
وبقدر ما هو الشرق الأوسط مغرٍ بثرواته النفطية، وموقعه الاستراتيجي بتوسطه للعالم، فإنه بمشكلاته المتعددة يفتح شهية الدول الكبرى للاستحواذ عليه وإعادة تشكيله بالشكل الذي يخدم مصالحها الحيوية وسياساتها الكونية والإقليمية. فروسيا على سبيل المثال ومنذ العهد القيصري ظلت تحلم في الوصول إلى مياهه الدافئة (الخليج العربي)، الأمر الذي قاومته الإمبراطوريات الغربية تباعاً بدءاً بالإمبراطورية البريطانية فالإمبراطورية الأمريكية، التي ساهمت في إلحاق هزيمة نكراء بالاتحاد السوفييتي مما شكل توطئة لتفكك الاتحاد السوفييتي وولادة الدولة الروسية من جديد لتتحول إلى قوة دولية ثانوية تكافح من أجل البقاء داخلياً وخارجياً.
استمرار الاهتمام بالشرق الأوسط
ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي لا يعني بأي شكل من الأشكال تخلي روسيا الاتحادية، الوريث الشرعي له، عن دورها الدولي وأدوارها الإقليمية وخاصة في الشرق الأوسط الذي لا تختلف نظرة روسيا الاتحادية إليه عن نظرة سلفها الاتحاد السوفييتي، وإن تبدلت طرق ووسائل التعبير عن الأهمية المستدامة للشرق الأوسط لدى روسيا الاتحادية.
ولكن ما الوسائل التي تمتلكها روسيا الاتحادية أو يمكن لها أن تحوز عليها لاستعادة دورها المفقود في الشرق الأوسط؟
نجح بوتين في تحجيم نفوذ وتأثير لوبيات اقتصادية من على مسرح السياسة الداخلية
في ضوء الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بقربه من روسيا الاتحادية وكذلك أهميته الاقتصادية للاقتصاد الروسي والعالمي باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة التقليدية (النفط) التي لا غنى للعالم عنها في المدى المنظور، وتعدد مشكلاته، يمكن استشراف مدخلين أساسيين لاستعادة الروس دورهم في الشرق الأوسط هما:
الأول: المدخل الجغرافي وهو غير سالك لأن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين ينظرون إلى أي اقتراب جغرافي من الشرق الأوسط بأنه تهديد لمصالحهم الحيوية في هذه المنطقة الحيوية من العالم مما يستدعي مقاومته بكل السبل بما في ذلك العسكرية على اختلاف أشكالها ومستوياتها.
الثاني: المدخل (المشكلاتي)، بمعنى العودة إلى ساحة الشرق الأوسط من خلال المشكلات التي لا تتهدد دوله فحسب، بل تتهدد مصالح الدول التي ترى فيه منطقة نفوذ خاصة بها كالولايات المتحدة الأمريكية،غير مسموح للاعبين دوليين من خارج دائرة دول الناتو والاتحاد الأوروبي العبث بها.
أما مدخل المشكلات فسالك شريطة توافر العناصر الآتية:
1- حرص روسيا الاتحادية على استمرار الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتنميتها وعدم استفزاز القطب الأمريكي الأوحد بالتدخل في المشكلات التي تعصف بالشرق الأوسط إلا بموافقة أمريكية وبالقدر المسموح به.
2- فشل المشروع الأمريكي في العراق وأفغانستان، وبالتالي فشل الولايات المتحدة في إعادة تشكيل العالم من خلال شرق أوسط جديد، (شرق أوسط أمريكي). ومثل هذا الفشل إن حصل ستكون له آثاره الوخيمة على واشنطن، ويحول دون تفردها بالإرادة الدولية والقرار الدولي. وهناك من الدلائل التي تؤشر إلى ذلك أهمها وأخطرها إعلان الجنرال كيسي رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية أن (الجيش الأمريكي فقد التوازن بسبب الحرب في العراق)، وريكاردو سانشيز قائد القوات الأمريكية السابق في العراق (أن الحرب في العراق كابوس لا نهاية له).
3- قدرة روسيا الاتحادية على الاحتفاظ بديناميكية نظامها السياسي التي تشير التطورات على مستوى القيادة السياسية إلى أن بوتين عاقد العزم على عدم السماح مطلقاً بالتراجع عن النهج السياسي الذي اختطه لروسيا الاتحادية، وسعيه إلى التحول بالنظام السياسي وشعبه الروسي من نظام رئاسي إلى رئاسي برلماني بما يتيح العودة إلى سدة الحكم من خلال رئاسته المستقبلية للحكومة غير المحددة بإطار زمني.
4- الاستمرار في التمايز عن الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها الإقليمية، مستفيدة من تدهور شعبية الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، وتورطها في مستنقعي العراق وأفغانستان، والسعي إلى توريطها في إيران بما يضعها أمام احتمالين لا ثالث لهما:
الأول: مهاجمة إيران وربما الدخول في حرب محدودة معها، وهو أمر مستبعد بتقديري، لأن الخلاف الأمريكي – الإيراني ليس ذا طبيعة استراتيجية، بل هو خلاف على الدور الذي تهدف إيران إليه، دور إقليمي متسيد في شرق الفرات، كما هي إسرائيل في تسيدها لغرب الفرات، الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة لأسباب سياسية متعلقة بحلفائها الإقليميين وأبرزهم تركيا والسعودية وباكستان وأفغانستان وبعض دول الكمنويلث المتولدة عن الاتحاد السوفييتي السابق، والراغبة هي الأخرى في المشاركة في القرار الإقليمي، وتخوفها من نزعات إيران الإمبراطورية.
الثاني: التوصل إلى تسوية مع إيران مع احتفاظ الأخيرة ببرنامجها النووي المدعوم روسيا، الأمر الذي سيكشف عورة الولايات المتحدة الأمريكية إقليمياً، ويفتح المجال واسعاً أمام عودة روسياً الاتحادية إلى ممارسة دور إقليمي فاعل، إن لم يكن موازياً لدور الولايات المتحدة، بحكم قربها الجغرافي وعلاقاتها المتطورة مع معظم دول المنطقة وخاصة مع إيران، ودول الخليج العربية التي ترتبط مع بعضها، مثل الكويت، باتفاقية تعاون (1993م) وتزود بعضها الآخر بأنظمة تسليحية، مضافاً إلى ذلك امتلاكها قاعدة بحرية على الساحل السوري وعلاقاتها الجيدة مع تركيا والهند ودول الشمال الإفريقي العربية، وشاطئها لبحر قزوين الذي يشكل أكبر مخزون للغاز الطبيعي.
5- تنامي علاقات روسيا الاتحادية مع الصين الشعبية التي يجمعها وروسيا الاتحادية كثير من القواسم في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط تكاد تكون متطابقة في ما يخص الصراع العربي – الإسرائيلي.
6- العلاقات المتطورة مع دول الاتحاد الأوروبي التي ترى في روسيا الاتحادية شريكاً دولياً أساسياً لا بد من تنمية العلاقات معها، وعدم تجاهل مصالحها الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط، والحرص على عدم العودة إلى أجواء الحرب الباردة لدرجة أن بعض دول الاتحاد الأوروبي تبدي تفهماً كبيراً تجاه مخاوف روسيا الأمنية من نظام الدرع الصاروخية الأمريكي، الذي تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية نصبه في أذربيجان والتشيك وبولندا، مما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية إلى إبداء مرونة في هذا المجال باقتراح ضم روسيا الاتحادية إلى هذا النظام.
وختاماً يمكن القول إن روسيا الاتحادية وللأسباب الآنفة الذكر مرشحة للعب دور إقليمي فاعل في الشرق الأوسط يعتقد أن تكون له آثاره الإيجابية في مستقبل المنطقة وفي مستقبل إعادة هيكلة النظام الدولي ليتحول من طبيعته الانتقالية، نظام القطب الواحد، إلى نظام متعدد الأقطاب قد تكون للعرب فرصة أن يكونوا إحدى أضلاعه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1787::/cck::
::introtext::
تختلف آراء الخبراء المتخصصين بالشؤون الروسية حول مستقبل دور روسيا الاتحادية على الساحات الإقليمية والدولية، فمن متنبئ بعودة روسيا الاتحادية إلى مسرح السياسة الدولية كقوة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة فاعلة في إعادة تشكيل النظام الدولي على أساس من التوازن بأشكاله المختلفة وتعدد أقطابه، استناداً إلى أن روسيا الاتحادية استطاعت في السنوات الأخيرة ترتيب أوضاعها الداخلية وخاصة على المستوى الاقتصادي، فقد حققت فائضاً في ميزان المدفوعات التجاري، وخفضت العجز في الموازنة فاق توقعات وشروط صندوق النقد الدولي، إذ وصل الفائض إلى 30 مليار دولار متجاوزة بذلك ما يتوافر لدى صندوق النقدي الدولي نفسه من أموال.
::/introtext::
::fulltext::
تختلف آراء الخبراء المتخصصين بالشؤون الروسية حول مستقبل دور روسيا الاتحادية على الساحات الإقليمية والدولية، فمن متنبئ بعودة روسيا الاتحادية إلى مسرح السياسة الدولية كقوة منافسة للولايات المتحدة الأمريكية ومشاركة فاعلة في إعادة تشكيل النظام الدولي على أساس من التوازن بأشكاله المختلفة وتعدد أقطابه، استناداً إلى أن روسيا الاتحادية استطاعت في السنوات الأخيرة ترتيب أوضاعها الداخلية وخاصة على المستوى الاقتصادي، فقد حققت فائضاً في ميزان المدفوعات التجاري، وخفضت العجز في الموازنة فاق توقعات وشروط صندوق النقد الدولي، إذ وصل الفائض إلى 30 مليار دولار متجاوزة بذلك ما يتوافر لدى صندوق النقدي الدولي نفسه من أموال.
هناك من يرى النقيض من ذلك، مشيراً إلى أن روسيا الاتحادية مهددة بالتفكك والانهيار لأسباب ديموغرافية واقتصادية وعسكرية وتقنية، وأن استفادتها من ارتفاع أسعار النفط لن تمكنها من تجاوز أزماتها الاقتصادية الظاهرة والكامنة إلا مرحلياً لتعود مجدداً إلى الغرق في بحر أزماتها الداخلية البنيوية والاقتصادية والعسكرية.
وهناك من يرى أيضاً أن روسيا الاتحادية، وإن هي تمكنت من إحراز نجاحات على كافة الصعد، فإنها لأسباب خارجية وأخرى داخلية وأهمها العسكرية، لن تستطيع العودة إلى مسرح السياسة الدولية كقوة كونية عظمى ذات سياسات إقليمية متناغمة مع سياستها الكونية، فكل ما يمكن أن ترقى إليه مستقبلاً هو أن تكون الشريك الأصغر للولايات المتحدة الأمريكية في إعادة تشكيل النظام الدولي واحتفاظ الولايات المتحدة الأمريكية بدور وموقع القوة العظمى المقررة لاتجاهات ومسارات السياسة الدولية والسياسات الإقليمية المتناغمة معها؛ أي أن الولايات المتحدة ستحتفظ لنفسها بموقع الأول بين الأوائل (Primus Inter Paris).
روسيا الاتحادية ومقومات القوة التقليدية والديناميكية
ولكن ما تأثير الواقع الروسي الحالي في مستقبل الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط؟
إن مستقبل السياسة الدولية والإقليمية للدول الكبرى يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمجموعة من العوامل الداخلية والخارجية بمستوييها التقليدي والديناميكي. وإذا كانت الديموغرافيا، والاقتصاد والقوة العسكرية والنظام القيمي أو ما يسميه غاري هارت بـ (قوة المبادئ) تدخل في إطار العناصر الثابتة للقوة، فإن طبيعة النظام السياسي، والتقدم المعرفي والتكنولوجي والمعلوماتي تندرج في إطار العناصر الديناميكية للقوة.
أما العناصر الخارجية، فتتصل بطبيعة النظام الدولي القائم حالياً واللاعبين الرئيسيين والثانويين في هذا النظام، ورؤية كل منهم للآخر والدور السياسي الكوني والإقليمي الذي ينهض به، وحدود هذا الدور وفقاً لعناصر القوة التقليدية والديناميكية ووفقاً للدور المسموح به دولياً وإقليمياً.
والواقع الروسي الاتحادي يلخصه يوجين ب. رومير أحد كبار زملاء معهد الدراسات الاستراتيجية في جامعة الدفاع الوطني (NDU) الأمريكية، وسيليست أ. والاندر، مديرة برنامج روسيا والأوراسيا وأمينة الصندوق في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) التابع لمعهد ماساشوستس للتقنية (MIT) بجملة واحدة بقولهما (جغرافية مترامية الأطراف، ونمو اقتصادي متسارع، وترسانة نووية هائلة، ومقعد دائم في مجلس الامن، والقدرة على تدمير الولايات المتحدة بضغطة واحدة على الزر النووي).
ويخلص رومير ووالاندر في مؤلفهما إلى (من القطب العالمي الثاني؟ روسيا: هل تولد القوة من رحم الضعف؟) إلى أن كل تلك المقومات وديناميكية النظام السياسي الروسي بقيادة الرئيس فلاديمير بوتين (تجعل روسيا تبدو كما لو كانت تملك كل الشروط اللازم توافرها لأية دولة حتى يمكننا اعتبارها قوة عظمى).
روسيا حققت في السنوات الأخيرة فائضاً في ميزان المدفوعات التجاري فاق التوقعات
ولكن هذه المقومات والعوامل التي ينظر إليها الخبراء على أنها تمثل من ناحية المقومات الأساسية للقوة، فإنها من ناحية أخرى هي ذاتها مصادر الضعف الروسي مما يحد من إمكاناتها وقدراتها على ممارسة (دور الشريك الفاعل والمرغوب فيه في إطار التصدي للتحديات الدولية الكبرى المتمثلة في الإرهاب، وانتشار السلاح النووي والفقر وعدم الاستقرار).
إن روسيا الاتحادية في عهد الرئيس يلتسين هي غيرها في عهد الرئيس بوتين سواء في ما يتعلق بحيوية ونشاط رأس النظام، أو في ما يخص النمو الاقتصادي المطرد الذي وصل إلى 7.1 في المائة في النصف الأول من عام 2003م. فعلى الصعيد الرئاسي تمكن بوتين من تحسين شعبيته وأسس لنفوذ قوي في الدوما (البرلمان الروسي) تمثل بإصداره تشريعات عدة وفقاً لرغبة الكرملين، والمصادقة على معاهدة خفض الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، وسن قانون ضريبي جديد، وقانون خصخصة الأراضي المملوكة للدولة. كما نجح بوتين في تحجيم نفوذ وتأثير لوبيات اقتصادية من على مسرح السياسة الداخلية، وإخضاع الأقاليم الروسية لمراقبة ومحاسبة الكرملين بإجراء تغييرات تشريعية عدة ذات صلة بحكام الأقاليم ونفوذهم، وإجبار أباطرة الشركات الروسية وكبار رجال الأعمال الروس على الابتعاد عن المسرح السياسي، وإخضاع المرافق الإعلامية لإشراف الكرملين، الأمر الذي زاد من تهميش الأحزاب والحركات السياسية المعارضة ليترك بوتين بذلك بصماته القوية على الحياة السياسية في البلاد.
نجح بوتين في تحجيم نفوذ وتأثير لوبيات اقتصادية من على مسرح السياسة الداخلية
أما على صعيد السياسة الخارجية فقد نجح بوتين في تخليص البلاد من جملة من المشكلات التي ظلت تحد من تحرك روسيا على الصعيد الدولي، أهمها الانسحاب من فيتنام وكوبا، واستحداث مجلس للعلاقات بين روسيا وحلف الناتو، وانتهاج سياسة براغماتية تستند إلى المصالح الوطنية العليا للبلاد، وتبني مذهب استراتيجي في التعامل مع التكاليف والمنافع وحدود الممكن والمستحيل على الصعيد الدبلوماسي، وإبداء مرونة في التعامل مع انسحاب الولايات المتحدة من معاهدة حظر الصواريخ الباليستية، وانضمام جمهوريات البلطيق (أستونيا ولاتيفيا ولتوانيا) إلى الناتو، وبعض دول حلف وارسو إلى الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي كان محرماً في العهد السوفييتي، مما حدا ببعض المختصين بالشؤون الروسية إلى المراهنة (على أن الشراكة العالمية المتصاعدة بين الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا قد تصبح في نهاية المطاف أكثر أهمية من الشراكة المعقودة حالياً بين واشنطن والعديد من حلفائها الأوروبيين التقليديين).
بيد أن هناك من يرى أن هذا المنهج البراغماتي في السياسة الخارجية الروسية ربما يعود إلى أن عوامل قوة روسيا الاتحادية، المساحة المترامية، هي نفسها عوامل ضعفها. فروسيا الاتحادية بمساحتها (17.075.400) لا تزال الدولة الكبرى في العالم مما قد يشكل عامل ضعف وعبئاً أمنياً واقتصادياً على الدولة الروسية، كما تتمثل في الانكماش السكاني لروسيا الاتحادية، إذ تراجع عدد سكانها خلال عشر سنوات من انهيار الاتحاد السوفييتي من (148.2 – 143.8) مليون نسمة، وكذلك في حالة الفوضى التي يعيشها الجيش الروسي، وضعف تسليحه وقدراته القتالية، وفي مستقبل اقتصادي مشكوك فيه، ونظام سياسي لم يصل إلى حالة الاستقرار والثبات والديمومة.

ولما كان من الصعب أو من المبكر الحكم على ثبات روسيا الاتحادية على سياستها البراغماتية وخاصة تجاه الولايات المتحدة الأمريكية ودول حلف الناتو أو تحولها إلى الاتجاه المعاكس، وما إذا كانت ذات طابع مبدئي، أم أنها لدواع تكتيكية بهدف تجاوز حالة الضعف الروسي لتعود من جديد بحكم مصالحها الكونية الحيوية واستراتيجيتها العليا إلى ممارسة سياستها الكونية وسياساتها الإقليمية المتناغمة مع إرثها الإمبراطوري ببعديه القيصري والبلشفي، فإن مستقبل العلاقات الأمريكية – الروسية مرهون بانكشاف حقيقة المنهج البراغماتي الروسي.
لذا فإن الخبراء المختصين بالشؤون الأمريكية – الروسية ينظرون إلى مستقبل العلاقات بين البلدين بعين ملؤها الريبة والحذر، وأن (أفضل استراتيجية يتبناها صانعو السياسة الأمريكيون والروس هي اتخاذ موقف وسطي بين الإفراط في الارتباط، وفك الارتباط الفعلي).
ومثل هذا النهج الوسطي بين الإفراط وفك الارتباط يتطلب، كما يرى مايكل ماكفول، (من القادة الأمريكيين والروس الوصول إلى تعريف للعلاقات الأمريكية – الروسية بحيث لا يؤدي إلى إضرام منافسات الحرب الباردة من جديد، ولا يعمل على تغذية الأوهام حول إمكانية قيام تحالفات وعلاقات مميزة. إن الاحتفاظ بمسافة أبعد مما كانت عليه العلاقات منذ عقد مضى قد يكون أمراً صحياً لإقامة علاقات ثنائية، لكن الابتعاد أكثر من ذلك قد يثبت خطورته).
الشرق الأوسط بين إشكاليتين
إذا كان مصطلح الشرق الأوسط، من دون الدخول في تقاطعات هذا المصطلح وخلفيته الاستعمارية، يشمل جغرافياً المنطقة العربية بدولها الآسيوية والإفريقية، وكذلك دول الجوار: إيران، وتركيا، وأفغانستان، وباكستان، وبنغلاديش، فإنه يعني سياسياً العديد من المشكلات والأزمات أهمها المشكلة الفلسطينية، واللبنانية، والعراقية، والإرهاب الدولي، والملف النووي الإيراني، وملف النفط العربي والقزويني، ومشكلة الشرق الأوسط التي يراد لها أن تعني كل ما تقدم من مشكلات.
فالشرق الأوسط كان يتاخم الاتحاد السوفييتي قبل انهياره وتفككه إلى خمس عشرة دولة (رابطة الدول المستقلة) تحادد بعضها الشرق الأوسط وهي: أذربيجان، وتركمانستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، وكازاخستان، ويعني الشرق الأوسط اقتصادياً منطقة تعوم على بحور نفطية تحوي أكثر من 60 في المائة من مجموع الاحتياطي النفطي العالمي.
وبقدر ما هو الشرق الأوسط مغرٍ بثرواته النفطية، وموقعه الاستراتيجي بتوسطه للعالم، فإنه بمشكلاته المتعددة يفتح شهية الدول الكبرى للاستحواذ عليه وإعادة تشكيله بالشكل الذي يخدم مصالحها الحيوية وسياساتها الكونية والإقليمية. فروسيا على سبيل المثال ومنذ العهد القيصري ظلت تحلم في الوصول إلى مياهه الدافئة (الخليج العربي)، الأمر الذي قاومته الإمبراطوريات الغربية تباعاً بدءاً بالإمبراطورية البريطانية فالإمبراطورية الأمريكية، التي ساهمت في إلحاق هزيمة نكراء بالاتحاد السوفييتي مما شكل توطئة لتفكك الاتحاد السوفييتي وولادة الدولة الروسية من جديد لتتحول إلى قوة دولية ثانوية تكافح من أجل البقاء داخلياً وخارجياً.
استمرار الاهتمام بالشرق الأوسط
ولكن انهيار الاتحاد السوفييتي لا يعني بأي شكل من الأشكال تخلي روسيا الاتحادية، الوريث الشرعي له، عن دورها الدولي وأدوارها الإقليمية وخاصة في الشرق الأوسط الذي لا تختلف نظرة روسيا الاتحادية إليه عن نظرة سلفها الاتحاد السوفييتي، وإن تبدلت طرق ووسائل التعبير عن الأهمية المستدامة للشرق الأوسط لدى روسيا الاتحادية.
ولكن ما الوسائل التي تمتلكها روسيا الاتحادية أو يمكن لها أن تحوز عليها لاستعادة دورها المفقود في الشرق الأوسط؟
نجح بوتين في تحجيم نفوذ وتأثير لوبيات اقتصادية من على مسرح السياسة الداخلية
في ضوء الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بقربه من روسيا الاتحادية وكذلك أهميته الاقتصادية للاقتصاد الروسي والعالمي باعتباره أحد أهم مصادر الطاقة التقليدية (النفط) التي لا غنى للعالم عنها في المدى المنظور، وتعدد مشكلاته، يمكن استشراف مدخلين أساسيين لاستعادة الروس دورهم في الشرق الأوسط هما:
الأول: المدخل الجغرافي وهو غير سالك لأن الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الغربيين ينظرون إلى أي اقتراب جغرافي من الشرق الأوسط بأنه تهديد لمصالحهم الحيوية في هذه المنطقة الحيوية من العالم مما يستدعي مقاومته بكل السبل بما في ذلك العسكرية على اختلاف أشكالها ومستوياتها.
الثاني: المدخل (المشكلاتي)، بمعنى العودة إلى ساحة الشرق الأوسط من خلال المشكلات التي لا تتهدد دوله فحسب، بل تتهدد مصالح الدول التي ترى فيه منطقة نفوذ خاصة بها كالولايات المتحدة الأمريكية،غير مسموح للاعبين دوليين من خارج دائرة دول الناتو والاتحاد الأوروبي العبث بها.
أما مدخل المشكلات فسالك شريطة توافر العناصر الآتية:
1- حرص روسيا الاتحادية على استمرار الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية وتنميتها وعدم استفزاز القطب الأمريكي الأوحد بالتدخل في المشكلات التي تعصف بالشرق الأوسط إلا بموافقة أمريكية وبالقدر المسموح به.
2- فشل المشروع الأمريكي في العراق وأفغانستان، وبالتالي فشل الولايات المتحدة في إعادة تشكيل العالم من خلال شرق أوسط جديد، (شرق أوسط أمريكي). ومثل هذا الفشل إن حصل ستكون له آثاره الوخيمة على واشنطن، ويحول دون تفردها بالإرادة الدولية والقرار الدولي. وهناك من الدلائل التي تؤشر إلى ذلك أهمها وأخطرها إعلان الجنرال كيسي رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية أن (الجيش الأمريكي فقد التوازن بسبب الحرب في العراق)، وريكاردو سانشيز قائد القوات الأمريكية السابق في العراق (أن الحرب في العراق كابوس لا نهاية له).
3- قدرة روسيا الاتحادية على الاحتفاظ بديناميكية نظامها السياسي التي تشير التطورات على مستوى القيادة السياسية إلى أن بوتين عاقد العزم على عدم السماح مطلقاً بالتراجع عن النهج السياسي الذي اختطه لروسيا الاتحادية، وسعيه إلى التحول بالنظام السياسي وشعبه الروسي من نظام رئاسي إلى رئاسي برلماني بما يتيح العودة إلى سدة الحكم من خلال رئاسته المستقبلية للحكومة غير المحددة بإطار زمني.
4- الاستمرار في التمايز عن الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها الإقليمية، مستفيدة من تدهور شعبية الولايات المتحدة في العالمين العربي والإسلامي، وتورطها في مستنقعي العراق وأفغانستان، والسعي إلى توريطها في إيران بما يضعها أمام احتمالين لا ثالث لهما:
الأول: مهاجمة إيران وربما الدخول في حرب محدودة معها، وهو أمر مستبعد بتقديري، لأن الخلاف الأمريكي – الإيراني ليس ذا طبيعة استراتيجية، بل هو خلاف على الدور الذي تهدف إيران إليه، دور إقليمي متسيد في شرق الفرات، كما هي إسرائيل في تسيدها لغرب الفرات، الأمر الذي ترفضه الولايات المتحدة لأسباب سياسية متعلقة بحلفائها الإقليميين وأبرزهم تركيا والسعودية وباكستان وأفغانستان وبعض دول الكمنويلث المتولدة عن الاتحاد السوفييتي السابق، والراغبة هي الأخرى في المشاركة في القرار الإقليمي، وتخوفها من نزعات إيران الإمبراطورية.
الثاني: التوصل إلى تسوية مع إيران مع احتفاظ الأخيرة ببرنامجها النووي المدعوم روسيا، الأمر الذي سيكشف عورة الولايات المتحدة الأمريكية إقليمياً، ويفتح المجال واسعاً أمام عودة روسياً الاتحادية إلى ممارسة دور إقليمي فاعل، إن لم يكن موازياً لدور الولايات المتحدة، بحكم قربها الجغرافي وعلاقاتها المتطورة مع معظم دول المنطقة وخاصة مع إيران، ودول الخليج العربية التي ترتبط مع بعضها، مثل الكويت، باتفاقية تعاون (1993م) وتزود بعضها الآخر بأنظمة تسليحية، مضافاً إلى ذلك امتلاكها قاعدة بحرية على الساحل السوري وعلاقاتها الجيدة مع تركيا والهند ودول الشمال الإفريقي العربية، وشاطئها لبحر قزوين الذي يشكل أكبر مخزون للغاز الطبيعي.
5- تنامي علاقات روسيا الاتحادية مع الصين الشعبية التي يجمعها وروسيا الاتحادية كثير من القواسم في ما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط تكاد تكون متطابقة في ما يخص الصراع العربي – الإسرائيلي.
6- العلاقات المتطورة مع دول الاتحاد الأوروبي التي ترى في روسيا الاتحادية شريكاً دولياً أساسياً لا بد من تنمية العلاقات معها، وعدم تجاهل مصالحها الدولية والإقليمية في الشرق الأوسط، والحرص على عدم العودة إلى أجواء الحرب الباردة لدرجة أن بعض دول الاتحاد الأوروبي تبدي تفهماً كبيراً تجاه مخاوف روسيا الأمنية من نظام الدرع الصاروخية الأمريكي، الذي تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية نصبه في أذربيجان والتشيك وبولندا، مما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية إلى إبداء مرونة في هذا المجال باقتراح ضم روسيا الاتحادية إلى هذا النظام.
وختاماً يمكن القول إن روسيا الاتحادية وللأسباب الآنفة الذكر مرشحة للعب دور إقليمي فاعل في الشرق الأوسط يعتقد أن تكون له آثاره الإيجابية في مستقبل المنطقة وفي مستقبل إعادة هيكلة النظام الدولي ليتحول من طبيعته الانتقالية، نظام القطب الواحد، إلى نظام متعدد الأقطاب قد تكون للعرب فرصة أن يكونوا إحدى أضلاعه.
::/fulltext::
::cck::1787::/cck::
