التوظيف الاقتصادي في بناء الشراكة الاستراتيجية العلاقة السعودية – التركية نموذجاً
::cck::2275::/cck::
::introtext::
يؤدي التعاون بمفهومه العملي الواقعي دوراً جوهرياً في العلاقات الدولية، ويؤسس عموماً لتشابك في المصالح على المستويات الدنيا المتمثلة في شبكة رجال الأعمال والشركات والقطاع الخاص، ثم على المستويات العليا المتمثلة في رعاية الدولة لهذه المصالح بتسهيل سبل الاتصال واللقاءات وعقد المؤتمرات، لتصل لاحقاً وتدريجياً إلى مرحلة يتحتم فيها إيجاد أطر قانونية ورسمية تقنن وترعى هذه العلاقات وتطورها من خلال عقد اتفاقيات تعاون رسمية بين الدولتين أو مجموعة من الدول.
::/introtext::
::fulltext::
يؤدي التعاون بمفهومه العملي الواقعي دوراً جوهرياً في العلاقات الدولية، ويؤسس عموماً لتشابك في المصالح على المستويات الدنيا المتمثلة في شبكة رجال الأعمال والشركات والقطاع الخاص، ثم على المستويات العليا المتمثلة في رعاية الدولة لهذه المصالح بتسهيل سبل الاتصال واللقاءات وعقد المؤتمرات، لتصل لاحقاً وتدريجياً إلى مرحلة يتحتم فيها إيجاد أطر قانونية ورسمية تقنن وترعى هذه العلاقات وتطورها من خلال عقد اتفاقيات تعاون رسمية بين الدولتين أو مجموعة من الدول.
إن تزايد وتعزيز الشراكة الفعلية بين الشركات الكبرى في بلدين متجاورين أو متباعدين إنما يمهد في أغلب الأحوال إلى تقارب استراتيجي، ليس من منظور اقتصادي فحسب، بل سياسي أيضاً.
وفي المقابل، قد لا تتأسس في بعض الأحوال علاقة حتى بين الشركات ورجال الأعمال في دولتين إلا من خلال رغبة أو إرادة سياسية أولية من قبل الدولة نفسها للإيذان بإيجاد تلك العلاقة وتسهيل مقتضياتها. فإذا اجتمعت الحالتان معاً، أي توافر الإرادة على صعيد الدولة، ووجود تعاون اقتصادي متشابك سابق على هذه الإرادة، فلا تنتج عن ذلك إلا علاقة مميزة تتوافر على مصالح واقعية، ورعاية رسمية تدفع وتقنن هذه المصالح وتوسعها إلى آفاق جديدة، وتطورها بالتالي إلى شراكة على صعيد الدولتين.
وإذا انتقلنا من العام إلى الخاص، أي إلى حالة العلاقة السعودية – التركية، وجدنا أن:
1- التعاون بين شركات ومصانع الدولتين موجود أصلاً، وإن كان دون المستوى المرجو، مقارنة بحجم الدولتين.
2- لم يكن هناك مانع بين الدولتين على الصعيد الاقتصادي والتجاري من توفير شروط نجاح تلك الشركات في السابق، ولكن الإرادة السياسية المتبادلة في تسريع وتوسيع هذه العلاقات وتعزيزها توافرت بوادرها منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وتوجت بإعلان الشراكة وتقنينها عام 2006.
المتغير التركي: عارض أم ثابت؟
شهدت تركيا خلال السنوات الخمس الماضية تغيراً ملحوظاً في سياستها الخارجية، تجلى بصورة واضحة في محاولة إيجاد توازن في توجهاتها بين الغرب والشرق، بعد أن شهدت نحو ثمانين عاماً علاقات مميزة مع الغرب، وعلاقات مشوبة بالتوتر، أو على الأقل بالحذر، مع الشرق أو مع العالمين العربي والإسلامي. وما انفك حزب العدالة والتنمية التركي منذ توليه مقاليد الحكم عام 2002 يتبنى خيار تعزيز علاقاته مع الغرب والاتحاد الأوربي على وجه الخصوص، وفي المقابل إيجاد أجواء استعادة الثقة مع العالم الإسلامي، ونجح فعلياً حتى الآن في ذلك.
وربما تعتبر تجربة حكم هذا الحزب لفترة محددة بمثابة تغير عارض، لكن ما شهدته السنوات الخمس الماضية على مستوى المجتمع التركي والاقتصاد والعلاقات الخارجية، جعل المراقبين ينظرون إلى تلك التجربة على أنها أحدثت تغيرات جوهرية عميقة في المجتمع والنخبة، لا يمكن تجاوزها أو محوها بسهولة فور انتهاء فترة حكم هذا الحزب. وكان تصويت نحو نصف الشعب التركي له خلال الانتخابات الأخيرة في يوليو 2007 عبارة عن إضفاء مصداقية على تلك التحولات. فإذا أضفنا إليها متغيراً آخر يتمثل في وصول حزب العدالة والتنمية إلى مؤسسة الرئاسة في أغسطس الماضي، فإن هذا ينبئ بأن الفترة المقبلة تسير نحو تجذير الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وإعطاء زخم كبير لسياسة التوازن في العلاقة الخارجية مع الشرق والغرب في الوقت نفسه.
وبالإضافة إلى الاستقرار السياسي، تشهد تركيا أيضاً استقراراً اقتصادياً نادراً ما وصلت إليه بالمستوى الذي تعرفه الآن. فالاقتصاد التركي بدأ يتعافى منذ نحو خمس سنوات بعد أن واجهته أزمات خطيرة كان آخرها أزمة عام 2001، فيما يشهد حالياً نمواً مطرداً إلى أن وصل نهاية العام الفائت إلى حد إعلان تركيا استغناءها وعدم حاجتها لأي قروض تقدمها المؤسسات المالية الدولية.
وإلى جانب استقرار القطاع العام الحكومي وتعافيه من كثير من الأزمات الاقتصادية الخانقة، فقد برز في تركيا قطاع خاص منظم ويتسم بالقوة والشفافية والعمل وفق مقتضيات السوق، ويساهم في رفد الدولة بجلب الاستثمارات وتوظيف العمالة وزيادة نسب النمو. وبهذا الشأن لعبت جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين (موسياد) دوراً كبيراً في الاقتصاد التركي، وهو تجمع فريد يضم عدداً من رجال الأعمال المحافظين الذين يملكون 10 آلاف شركة ومصنع. وتكمن قوة الجمعية في كونها تشكل إطاراً يجمع بين المؤسسات الإنتاجية التي تسهم في تسيير عجلة الاقتصاد، وتلعب دوراً في الحياة السياسية والاقتصادية في تركيا. وقد تأسست هذه الجمعية عام 1990 لتحمي مصالح القوى الاقتصادية المحافظة ذات التوجه نحو العالم الإسلامي، في مواجهة جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (توسياد) التي تأسست عام 1971 ذات التوجه الغربي إلى حد بعيد. وتسعى القوى التي تقف خلف (موسياد) إلى توطيد العلاقات مع العالم الإسلامي، وإقامة استثمارات ومشاريع اقتصادية مشتركة مع رؤوس الأموال الإسلامية داخل تركيا وخارجها، وتدعو إلى الانفتاح على كافة القوى في تركيا وخارجها بحيث يتحقق توازن في العلاقات بين الغرب والشرق. وحققت هذه القوى نجاحاً نسبياً في جذب الأموال العربية القادمة إلى تركيا والتي بلغ حجمها حتى الآن نحو 20 مليار دولار، وهي مرشحة للزيادة بفضل انفتاح تركيا الاقتصادي على دول الخليج العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية.

ثقل المتغير السعودي
تمثل زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى تركيا في أغسطس 2006 المحطة الأبرز في تاريخ العلاقات بين البلدين، وتعتبر متغيراً جوهرياً لما تضمنته هذه الزيارة من أهداف واتفاقيات، ولما لها من دلالات. إذ أعطت الزيارة قوة دفع قصوى نحو الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين، فهي أول زيارة رسمية لملك سعودي إلى تركيا منذ 40 عاماً، حيث كانت زيارة الملك فيصل قبل ذلك للمشاركة في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي، ولم تكن تحمل الأهداف والبرنامج الذي حملته هذه الزيارة. وكما أوضح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل فإن هذه الزيارة (ستفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين). فيما اعتبر الجانب التركي هذه الزيارة، حسب المتحدث باسم وزارة الخارجية، (تاريخية ستمثل نقطة تحول في العلاقات بين تركيا والسعودية).
ويمكن اعتبارها كذلك، أي نقلة نوعية ونقطة تحول، إذا تمت مقارنتها بما سبق من محطات تعاون بين البلدين، فالعلاقات السابقة كانت متواضعة إلى درجة أنه يمكن إحصاء المحطات القليلة التي جرى فيها عقد اتفاقيات تعاون؛ مثل اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري لعام 1974 والتي انبثقت منها اللجنة السعودية-التركية المشتركة، واتفاق ثقافي يعود لعام 1976. بينما شهدت هذه الزيارة توقيع ست اتفاقيات كبرى، تشمل كثيراً من جوانب التعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي والعسكري، وفتحت آفاقاً واسعة أمام القطاعين الحكومي والخاص في كلا البلدين للاستثمار والتعاون وإيجاد الشراكة المؤدية إلى توثيق الصلات. وتكتسب هذه الشراكة واقعياً صفة (الاستراتيجية) انطلاقاً من حجم وعدد الاتفاقيات الموقعة، فيما تكتسب صبغة رسمية من خلال تصريحات وتلميحات المسؤولين في البلدين، الذين تنم أحاديثهم عن تفاهمات شاملة في كثير من القضايا، وتوافق كبير في المصالح، عبر عنها وزير الخارجية السعودي بأمله في (أن نرى تركيا شريكاً استراتيجياً للمملكة).
إن الشراكة الاستراتيجية بمفهومها الواسع تستوجب تحقيق قدر كبير من التعاون بين الدولتين في المجالات الاستراتيجية الرئيسية المتمثلة في الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. فهل يمكن تحقيق توافق بين الدولتين وتعاون على هذه الصعد لتصل إلى مستوى الشراكة المنشودة؟
الوظيفة الاقتصادية ودورها في الشراكة
يلعب المنهج الوظيفي في العلاقات الدولية دوراً بارزاً في هذا الإطار، فتقارب دول أوروبا إلى مستوى الاتحاد، كانت بدايته التوظيف التعاوني للقطاعات الاقتصادية، حتى وصلت هذه الدول وشعوبها بعد عشرات السنين إلى مرحلة وجدت فيها أن مصالحها الاقتصادية مرتبطة ومتشابكة وهي بحاجة إلى تعاون سياسي وعسكري وثقافي يحفظ هذه المصالح ويطورها. وهذا ما يبدو أنه المنهج الذي اتبعته السعودية وتركيا في تعظيم حجم الاعتماد المتبادل بينهما اقتصادياً ليمهد الطريق لتعاون أوسع يشمل المجالات كافة.
ولعل الاستقرار الاقتصادي الكبير الذي تشهده الدولتان، شجعهما منذ سنوات على تسريع وقع التعاون، حتى وصل إلى ضرورة فتح البلدين للاستثمارات المتبادلة وتبادل الخبرات، ومنع الازدواج الضريبي، والتوفيق بين الأنظمة التجارية في البلدين، وتوج ذلك بتوقيع اتفاقيات شاملة تنظم أسس العلاقة وتكون مرجعاً رسمياً لرعاية العلاقة وانسيابيتها. ويمكن الاستدلال من حجم الوفد الاقتصادي رفيع المستوى الذي رافق العاهل السعودي في الزيارة، والذي بلغ نحو 50 رجل أعمال، على أن الأولوية للتعاون الاقتصادي في المرحلة الحالية، حيث إن هذا التعاون سيفتح المجال واسعاً لمجالات التعاون الأخرى. ورغم الاتفاق فعلياً على التعاون السياسي والعسكري إلا أن وقع الاقتصاد كان أوضح.
زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى تركيا تمثل المحطة الأبرز في تاريخ العلاقات بين البلدين
وهنا يثار تساؤل عن مدى جدية شراكة بين دولتين يختلف نظامهما السياسي، وهو ما يعد تحدياً بنظر العديد من المحللين الذين يشيرون إلى أن ثمة اختلافاً بين النظامين السعودي والتركي قد يعرقل تطوير العلاقات بينهما خاصة في الجانبين السياسي والعسكري. وفي هذا الصدد شدد وزير الخارجية السعودي على نفي أن يكون اختلاف النظامين يشكل عائقاً أمام تحقيق الشراكة والتعاون بين الدولتين. كما تعمّد من جهة أخرى ذكر أن الدولتين اتفقتا على التعاون في المجالين السياسي والعسكري إلى جانب الاقتصادي. وهذا يشي بأن ثمة تجاوزاً من الطرفين لأية قضايا خلافية، وتوجههما نحو بناء جسور جديدة من الثقة والتعاون. ومما يدل على وجود تحول في العلاقة السياسية توقيع الطرفين على مذكرة تفاهم عام 2006 بين وزارتي الخارجية تنص –كما أشار إلى ذلك المتحدث باسم الخارجية التركية نامق تان- على (التنسيق والتشاور بينهما في مختلف الموضوعات المهمة، إضافة إلى مناقشة تقرير العلاقات بين البلدين).
نتاج تعزيز الشراكة
تتركز مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري الحالي بين البلدين في قطاعات السلع الغذائية والاستهلاكية والوسيطة. وإذا أريد لهذه العلاقة أن تتسم بالشراكة الفعلية، فينبغي عدم الاكتفاء بمثل هذه المشروعات والنشاطات، فالدولتان تتوافران على مقدرات استراتيجية تميز كل واحدة منها على الصعيد الإقليمي، وأحياناً على الصعيد الدولي. ففي حين تعد المملكة العربية السعودية من أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم، وهو شريان وعصب الحياة الصناعية، ويوفر لها قدرات مالية ضخمة، فإن تركيا تتوافر على خبرات وقدرات صناعية كبرى، تجاوزت الصناعة الخفيفة والمتوسطة إلى الثقيلة. وعليه، فإن تعاون هاتين الدولتين الإقليميتين الكبيرتين يمكن أن يحولهما إلى مصاف الدول الصناعية.
كما تعد تركيا بلداً مفتوحاً للاستثمار، وخاصة في المجالات الزراعية والسياحية، وحيث إن الاستثمار في الزراعة حظي بنجاح ملحوظ في السعودية، فيما تعد تركيا أصلاً ذات طبيعة زراعية خصبة، فإن تبادل الخبرات والاستثمارات الكبيرة في هذا المجال وزيادة الاستثمار في هذا القطاع الاستراتيجي في البلدين، سيوفران لهما أغلب المنتجات الزراعية التي يحتاجها البلدان، فضلاً عن إمكانية تصدير الفوائض ذات الجودة العالية إلى الدول الخليجية ذات الطلب العالي على تلك المنتجات. أما في الجانب السياحي، فغني عن القول إن الحجاج والمعتمرين الأتراك يشكلون نسبة كبيرة من زوار السعودية؛ إذ يقدر عددهم بنحو 250 -300 ألف حاج معتمر سنوياً. ولا شك في أن تطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية سينعكس أيضاً على تزايد السياحة الاقتصادية للبلدين والترفيهية باتجاه تركيا.
إن توسع مصالح الدولة يحتم عليها اتباع سياسة خارجية أكثر فاعلية، خاصة في محيطها الإقليمي، وإن نشوء التكتلات الإقليمية والدولية في عصرنا الراهن يفرض على الدول التي بينها قواسم مشتركة ومصالح كبرى أن تلجأ إلى التعاون والتحالف من أجل إيجاد موطئ قدم لها بين تلك التكتلات. وهذا ما ينطبق على حالتي السعودية وتركيا اللتين تشهدان نمواً مطرداً في اقتصاديهما ودورهما الإقليمي. كما يمكن لهما أن يقودا تحالفاً اقتصادياً إقليمياً مؤثراً على المستوى الدولي. وبوصف المملكة بأن لها تأثير كبير في محيطها الخليجي ولها علاقات تعاونية متعددة مع دوله، وحيث إن تركيا لها امتدادها الأوروبي، فإن من شأن مد الجسور بينهما أن يتجاوزهما وحدهما كدولتين إلى تعاون أوسع يشمل ما سبق بحيث يكون محوره هاتين الدولتين المبادرتين في الشراكة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2275::/cck::
::introtext::
يؤدي التعاون بمفهومه العملي الواقعي دوراً جوهرياً في العلاقات الدولية، ويؤسس عموماً لتشابك في المصالح على المستويات الدنيا المتمثلة في شبكة رجال الأعمال والشركات والقطاع الخاص، ثم على المستويات العليا المتمثلة في رعاية الدولة لهذه المصالح بتسهيل سبل الاتصال واللقاءات وعقد المؤتمرات، لتصل لاحقاً وتدريجياً إلى مرحلة يتحتم فيها إيجاد أطر قانونية ورسمية تقنن وترعى هذه العلاقات وتطورها من خلال عقد اتفاقيات تعاون رسمية بين الدولتين أو مجموعة من الدول.
::/introtext::
::fulltext::
يؤدي التعاون بمفهومه العملي الواقعي دوراً جوهرياً في العلاقات الدولية، ويؤسس عموماً لتشابك في المصالح على المستويات الدنيا المتمثلة في شبكة رجال الأعمال والشركات والقطاع الخاص، ثم على المستويات العليا المتمثلة في رعاية الدولة لهذه المصالح بتسهيل سبل الاتصال واللقاءات وعقد المؤتمرات، لتصل لاحقاً وتدريجياً إلى مرحلة يتحتم فيها إيجاد أطر قانونية ورسمية تقنن وترعى هذه العلاقات وتطورها من خلال عقد اتفاقيات تعاون رسمية بين الدولتين أو مجموعة من الدول.
إن تزايد وتعزيز الشراكة الفعلية بين الشركات الكبرى في بلدين متجاورين أو متباعدين إنما يمهد في أغلب الأحوال إلى تقارب استراتيجي، ليس من منظور اقتصادي فحسب، بل سياسي أيضاً.
وفي المقابل، قد لا تتأسس في بعض الأحوال علاقة حتى بين الشركات ورجال الأعمال في دولتين إلا من خلال رغبة أو إرادة سياسية أولية من قبل الدولة نفسها للإيذان بإيجاد تلك العلاقة وتسهيل مقتضياتها. فإذا اجتمعت الحالتان معاً، أي توافر الإرادة على صعيد الدولة، ووجود تعاون اقتصادي متشابك سابق على هذه الإرادة، فلا تنتج عن ذلك إلا علاقة مميزة تتوافر على مصالح واقعية، ورعاية رسمية تدفع وتقنن هذه المصالح وتوسعها إلى آفاق جديدة، وتطورها بالتالي إلى شراكة على صعيد الدولتين.
وإذا انتقلنا من العام إلى الخاص، أي إلى حالة العلاقة السعودية – التركية، وجدنا أن:
1- التعاون بين شركات ومصانع الدولتين موجود أصلاً، وإن كان دون المستوى المرجو، مقارنة بحجم الدولتين.
2- لم يكن هناك مانع بين الدولتين على الصعيد الاقتصادي والتجاري من توفير شروط نجاح تلك الشركات في السابق، ولكن الإرادة السياسية المتبادلة في تسريع وتوسيع هذه العلاقات وتعزيزها توافرت بوادرها منذ بداية القرن الحادي والعشرين، وتوجت بإعلان الشراكة وتقنينها عام 2006.
المتغير التركي: عارض أم ثابت؟
شهدت تركيا خلال السنوات الخمس الماضية تغيراً ملحوظاً في سياستها الخارجية، تجلى بصورة واضحة في محاولة إيجاد توازن في توجهاتها بين الغرب والشرق، بعد أن شهدت نحو ثمانين عاماً علاقات مميزة مع الغرب، وعلاقات مشوبة بالتوتر، أو على الأقل بالحذر، مع الشرق أو مع العالمين العربي والإسلامي. وما انفك حزب العدالة والتنمية التركي منذ توليه مقاليد الحكم عام 2002 يتبنى خيار تعزيز علاقاته مع الغرب والاتحاد الأوربي على وجه الخصوص، وفي المقابل إيجاد أجواء استعادة الثقة مع العالم الإسلامي، ونجح فعلياً حتى الآن في ذلك.
وربما تعتبر تجربة حكم هذا الحزب لفترة محددة بمثابة تغير عارض، لكن ما شهدته السنوات الخمس الماضية على مستوى المجتمع التركي والاقتصاد والعلاقات الخارجية، جعل المراقبين ينظرون إلى تلك التجربة على أنها أحدثت تغيرات جوهرية عميقة في المجتمع والنخبة، لا يمكن تجاوزها أو محوها بسهولة فور انتهاء فترة حكم هذا الحزب. وكان تصويت نحو نصف الشعب التركي له خلال الانتخابات الأخيرة في يوليو 2007 عبارة عن إضفاء مصداقية على تلك التحولات. فإذا أضفنا إليها متغيراً آخر يتمثل في وصول حزب العدالة والتنمية إلى مؤسسة الرئاسة في أغسطس الماضي، فإن هذا ينبئ بأن الفترة المقبلة تسير نحو تجذير الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، وإعطاء زخم كبير لسياسة التوازن في العلاقة الخارجية مع الشرق والغرب في الوقت نفسه.
وبالإضافة إلى الاستقرار السياسي، تشهد تركيا أيضاً استقراراً اقتصادياً نادراً ما وصلت إليه بالمستوى الذي تعرفه الآن. فالاقتصاد التركي بدأ يتعافى منذ نحو خمس سنوات بعد أن واجهته أزمات خطيرة كان آخرها أزمة عام 2001، فيما يشهد حالياً نمواً مطرداً إلى أن وصل نهاية العام الفائت إلى حد إعلان تركيا استغناءها وعدم حاجتها لأي قروض تقدمها المؤسسات المالية الدولية.
وإلى جانب استقرار القطاع العام الحكومي وتعافيه من كثير من الأزمات الاقتصادية الخانقة، فقد برز في تركيا قطاع خاص منظم ويتسم بالقوة والشفافية والعمل وفق مقتضيات السوق، ويساهم في رفد الدولة بجلب الاستثمارات وتوظيف العمالة وزيادة نسب النمو. وبهذا الشأن لعبت جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين (موسياد) دوراً كبيراً في الاقتصاد التركي، وهو تجمع فريد يضم عدداً من رجال الأعمال المحافظين الذين يملكون 10 آلاف شركة ومصنع. وتكمن قوة الجمعية في كونها تشكل إطاراً يجمع بين المؤسسات الإنتاجية التي تسهم في تسيير عجلة الاقتصاد، وتلعب دوراً في الحياة السياسية والاقتصادية في تركيا. وقد تأسست هذه الجمعية عام 1990 لتحمي مصالح القوى الاقتصادية المحافظة ذات التوجه نحو العالم الإسلامي، في مواجهة جمعية رجال الأعمال والصناعيين الأتراك (توسياد) التي تأسست عام 1971 ذات التوجه الغربي إلى حد بعيد. وتسعى القوى التي تقف خلف (موسياد) إلى توطيد العلاقات مع العالم الإسلامي، وإقامة استثمارات ومشاريع اقتصادية مشتركة مع رؤوس الأموال الإسلامية داخل تركيا وخارجها، وتدعو إلى الانفتاح على كافة القوى في تركيا وخارجها بحيث يتحقق توازن في العلاقات بين الغرب والشرق. وحققت هذه القوى نجاحاً نسبياً في جذب الأموال العربية القادمة إلى تركيا والتي بلغ حجمها حتى الآن نحو 20 مليار دولار، وهي مرشحة للزيادة بفضل انفتاح تركيا الاقتصادي على دول الخليج العربية، وخاصة المملكة العربية السعودية.

ثقل المتغير السعودي
تمثل زيارة العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز إلى تركيا في أغسطس 2006 المحطة الأبرز في تاريخ العلاقات بين البلدين، وتعتبر متغيراً جوهرياً لما تضمنته هذه الزيارة من أهداف واتفاقيات، ولما لها من دلالات. إذ أعطت الزيارة قوة دفع قصوى نحو الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين، فهي أول زيارة رسمية لملك سعودي إلى تركيا منذ 40 عاماً، حيث كانت زيارة الملك فيصل قبل ذلك للمشاركة في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي، ولم تكن تحمل الأهداف والبرنامج الذي حملته هذه الزيارة. وكما أوضح وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل فإن هذه الزيارة (ستفتح صفحة جديدة في العلاقات بين البلدين). فيما اعتبر الجانب التركي هذه الزيارة، حسب المتحدث باسم وزارة الخارجية، (تاريخية ستمثل نقطة تحول في العلاقات بين تركيا والسعودية).
ويمكن اعتبارها كذلك، أي نقلة نوعية ونقطة تحول، إذا تمت مقارنتها بما سبق من محطات تعاون بين البلدين، فالعلاقات السابقة كانت متواضعة إلى درجة أنه يمكن إحصاء المحطات القليلة التي جرى فيها عقد اتفاقيات تعاون؛ مثل اتفاقية التعاون الاقتصادي والتجاري لعام 1974 والتي انبثقت منها اللجنة السعودية-التركية المشتركة، واتفاق ثقافي يعود لعام 1976. بينما شهدت هذه الزيارة توقيع ست اتفاقيات كبرى، تشمل كثيراً من جوانب التعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي والعسكري، وفتحت آفاقاً واسعة أمام القطاعين الحكومي والخاص في كلا البلدين للاستثمار والتعاون وإيجاد الشراكة المؤدية إلى توثيق الصلات. وتكتسب هذه الشراكة واقعياً صفة (الاستراتيجية) انطلاقاً من حجم وعدد الاتفاقيات الموقعة، فيما تكتسب صبغة رسمية من خلال تصريحات وتلميحات المسؤولين في البلدين، الذين تنم أحاديثهم عن تفاهمات شاملة في كثير من القضايا، وتوافق كبير في المصالح، عبر عنها وزير الخارجية السعودي بأمله في (أن نرى تركيا شريكاً استراتيجياً للمملكة).
إن الشراكة الاستراتيجية بمفهومها الواسع تستوجب تحقيق قدر كبير من التعاون بين الدولتين في المجالات الاستراتيجية الرئيسية المتمثلة في الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية. فهل يمكن تحقيق توافق بين الدولتين وتعاون على هذه الصعد لتصل إلى مستوى الشراكة المنشودة؟
الوظيفة الاقتصادية ودورها في الشراكة
يلعب المنهج الوظيفي في العلاقات الدولية دوراً بارزاً في هذا الإطار، فتقارب دول أوروبا إلى مستوى الاتحاد، كانت بدايته التوظيف التعاوني للقطاعات الاقتصادية، حتى وصلت هذه الدول وشعوبها بعد عشرات السنين إلى مرحلة وجدت فيها أن مصالحها الاقتصادية مرتبطة ومتشابكة وهي بحاجة إلى تعاون سياسي وعسكري وثقافي يحفظ هذه المصالح ويطورها. وهذا ما يبدو أنه المنهج الذي اتبعته السعودية وتركيا في تعظيم حجم الاعتماد المتبادل بينهما اقتصادياً ليمهد الطريق لتعاون أوسع يشمل المجالات كافة.
ولعل الاستقرار الاقتصادي الكبير الذي تشهده الدولتان، شجعهما منذ سنوات على تسريع وقع التعاون، حتى وصل إلى ضرورة فتح البلدين للاستثمارات المتبادلة وتبادل الخبرات، ومنع الازدواج الضريبي، والتوفيق بين الأنظمة التجارية في البلدين، وتوج ذلك بتوقيع اتفاقيات شاملة تنظم أسس العلاقة وتكون مرجعاً رسمياً لرعاية العلاقة وانسيابيتها. ويمكن الاستدلال من حجم الوفد الاقتصادي رفيع المستوى الذي رافق العاهل السعودي في الزيارة، والذي بلغ نحو 50 رجل أعمال، على أن الأولوية للتعاون الاقتصادي في المرحلة الحالية، حيث إن هذا التعاون سيفتح المجال واسعاً لمجالات التعاون الأخرى. ورغم الاتفاق فعلياً على التعاون السياسي والعسكري إلا أن وقع الاقتصاد كان أوضح.
زيارة الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى تركيا تمثل المحطة الأبرز في تاريخ العلاقات بين البلدين
وهنا يثار تساؤل عن مدى جدية شراكة بين دولتين يختلف نظامهما السياسي، وهو ما يعد تحدياً بنظر العديد من المحللين الذين يشيرون إلى أن ثمة اختلافاً بين النظامين السعودي والتركي قد يعرقل تطوير العلاقات بينهما خاصة في الجانبين السياسي والعسكري. وفي هذا الصدد شدد وزير الخارجية السعودي على نفي أن يكون اختلاف النظامين يشكل عائقاً أمام تحقيق الشراكة والتعاون بين الدولتين. كما تعمّد من جهة أخرى ذكر أن الدولتين اتفقتا على التعاون في المجالين السياسي والعسكري إلى جانب الاقتصادي. وهذا يشي بأن ثمة تجاوزاً من الطرفين لأية قضايا خلافية، وتوجههما نحو بناء جسور جديدة من الثقة والتعاون. ومما يدل على وجود تحول في العلاقة السياسية توقيع الطرفين على مذكرة تفاهم عام 2006 بين وزارتي الخارجية تنص –كما أشار إلى ذلك المتحدث باسم الخارجية التركية نامق تان- على (التنسيق والتشاور بينهما في مختلف الموضوعات المهمة، إضافة إلى مناقشة تقرير العلاقات بين البلدين).
نتاج تعزيز الشراكة
تتركز مجالات التعاون الاقتصادي والتجاري الحالي بين البلدين في قطاعات السلع الغذائية والاستهلاكية والوسيطة. وإذا أريد لهذه العلاقة أن تتسم بالشراكة الفعلية، فينبغي عدم الاكتفاء بمثل هذه المشروعات والنشاطات، فالدولتان تتوافران على مقدرات استراتيجية تميز كل واحدة منها على الصعيد الإقليمي، وأحياناً على الصعيد الدولي. ففي حين تعد المملكة العربية السعودية من أكبر منتجي ومصدري النفط في العالم، وهو شريان وعصب الحياة الصناعية، ويوفر لها قدرات مالية ضخمة، فإن تركيا تتوافر على خبرات وقدرات صناعية كبرى، تجاوزت الصناعة الخفيفة والمتوسطة إلى الثقيلة. وعليه، فإن تعاون هاتين الدولتين الإقليميتين الكبيرتين يمكن أن يحولهما إلى مصاف الدول الصناعية.
كما تعد تركيا بلداً مفتوحاً للاستثمار، وخاصة في المجالات الزراعية والسياحية، وحيث إن الاستثمار في الزراعة حظي بنجاح ملحوظ في السعودية، فيما تعد تركيا أصلاً ذات طبيعة زراعية خصبة، فإن تبادل الخبرات والاستثمارات الكبيرة في هذا المجال وزيادة الاستثمار في هذا القطاع الاستراتيجي في البلدين، سيوفران لهما أغلب المنتجات الزراعية التي يحتاجها البلدان، فضلاً عن إمكانية تصدير الفوائض ذات الجودة العالية إلى الدول الخليجية ذات الطلب العالي على تلك المنتجات. أما في الجانب السياحي، فغني عن القول إن الحجاج والمعتمرين الأتراك يشكلون نسبة كبيرة من زوار السعودية؛ إذ يقدر عددهم بنحو 250 -300 ألف حاج معتمر سنوياً. ولا شك في أن تطوير العلاقات الاقتصادية والسياسية سينعكس أيضاً على تزايد السياحة الاقتصادية للبلدين والترفيهية باتجاه تركيا.
إن توسع مصالح الدولة يحتم عليها اتباع سياسة خارجية أكثر فاعلية، خاصة في محيطها الإقليمي، وإن نشوء التكتلات الإقليمية والدولية في عصرنا الراهن يفرض على الدول التي بينها قواسم مشتركة ومصالح كبرى أن تلجأ إلى التعاون والتحالف من أجل إيجاد موطئ قدم لها بين تلك التكتلات. وهذا ما ينطبق على حالتي السعودية وتركيا اللتين تشهدان نمواً مطرداً في اقتصاديهما ودورهما الإقليمي. كما يمكن لهما أن يقودا تحالفاً اقتصادياً إقليمياً مؤثراً على المستوى الدولي. وبوصف المملكة بأن لها تأثير كبير في محيطها الخليجي ولها علاقات تعاونية متعددة مع دوله، وحيث إن تركيا لها امتدادها الأوروبي، فإن من شأن مد الجسور بينهما أن يتجاوزهما وحدهما كدولتين إلى تعاون أوسع يشمل ما سبق بحيث يكون محوره هاتين الدولتين المبادرتين في الشراكة.
::/fulltext::
::cck::2275::/cck::
