جولة العاهل السعودي الأوروبية.. أهداف ودلالات

::cck::2402::/cck::
::introtext::

تأتي الجولة التي قام بها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال شهر نوفمبر الماضي إلى عدد من الدول الأوروبية والتي شملت كلاً من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وتركيا، استكمالاً لجولة قام بها في شهر يونيو الماضي، وشملت كلاً من فرنسا وإسبانيا وبولندا.

::/introtext::
::fulltext::

تأتي الجولة التي قام بها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز خلال شهر نوفمبر الماضي إلى عدد من الدول الأوروبية والتي شملت كلاً من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وتركيا، استكمالاً لجولة قام بها في شهر يونيو الماضي، وشملت كلاً من فرنسا وإسبانيا وبولندا.

تدل الفترة الزمنية القصيرة الفاصلة بين الجولتين على أمور عدة أبرزها الدور المتنامي الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي لن تكون آثارها السلبية محصورة فقط داخل دول المنطقة، بل ستمتد إلى المناطق المجاورة وأولها القارة الأوروبية.

وبالنظر إلى هذه التطورات الناتجة أساساً عن فشل الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة سواء في فلسطين أو لبنان مروراً بالعراق ووصولاً إلى إيران، كان لا بد للمملكة وهي الدولة المحورية في المنطقة، أن تبادر إلى اتخاذ الخطوات الكفيلة بمنع الانفجار الكبير المتوقع حدوثه عبر استقطاب القوى الدولية ذات التأثير في مجريات الأحداث الدولية والتي لها مصالح حيوية في المنطقة تسعى إلى حمايتها من تلك الأخطار التي تنتظر المنطقة في حال تُركت الأمور تسير في طريقها حتى النهاية.

تعزيز التحالفات وتنويعها

في هذا الإطار يمكن فهم السياسة التي بدأت المملكة ودول خليجية وعربية أخرى بانتهاجها في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي غيرت الكثير من قواعد اللعبة الدولية وكشفت الحقيقة الأزلية التي تؤكد أن المصالح فقط هي التي تحكم تحالفات الدول.

فها هي الولايات المتحدة ورغم التحالف التاريخي الذي يضمها مع المملكة ودول الخليج الأخرى نجدها تدخل في صدامات مع المملكة على خلفية الحرب التي تشنها على ما تسميه (الإرهاب الإسلامي)، الذي ترى أنه كان نتاجاً للمجتمعات الخليجية المنغلقة البعيدة عن التطورات التي يشهدها العالم. ولم تكتف واشنطن خلال الفترة التي تلت تلك الأحداث بتوجيه الاتهامات بضلوع منظمات ومؤسسات سعودية وخليجية في الأحداث الإرهابية التي وقعت، ليس في الولايات المتحدة فقط، ولكن أيضاً في أنحاء مختلفة من العالم، بل سعت كذلك إلى الضغط على الدول الخليجية لإحداث تعديلات جذرية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي من أجل القضاء على ما تسميه أسباب تفريخ الإرهابيين.

الدول الخليجية تعتبر خامس أكبر مستورد للسلع الأوروبية والرابعة عشرة في قائمة المصدرين لأوروبا 

نجاح المملكة في اجتذاب شركاء من الخارج سيصب في مصلحة أمنها وأمن المنطقة 

ولعبت المؤسسة التشريعية الأمريكية دوراً في تعميق التباعد بين الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج، حيث تقدم أعضاء في الكونغرس في أكثر من مرة بمشروعات قوانين تحت عنوان (محاسبة السعودية) الهدف منها ممارسة مزيد من الضغوط عليها للتماهي مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. وكان آخر تلك المشروعات مشروع تقدم به عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية بنسلفانيا أرلن سبيكتر بمشاركة زميله في الحزب الديمقراطي عن ولاية أوريغن رون وايدن، ويقضي بإلزام المملكة بإغلاق كل المنظمات السعودية، التي تموّل وتدرب وتشجع أو تقدم المعونة للإرهاب في أي مكان في العالم، ووقف تمويل المنظمات الإرهابية خارج المملكة، وعرقلة المعونات التي يقدمها مواطنون سعوديون أو جهات خاصة إلى أية منظمات إرهابية، والتعاون تعاوناً كاملاً مع الولايات المتحدة في التحقيقات الخاصة بالأفراد والمنظمات الإرهابية. وكالعادة حظي مشروع القانون بدعم من المنظمة الصهيونية الأمريكية (ZOA) التي كان لها دور رئيسي في صياغته، وتسعى من خلاله أن يكون بمثابة لائحة اتهام ضد المملكة لدعمها للإرهاب.

ورغم فشل كل مشروعات القوانين السابقة بما فيها هذا المشروع الأخير في تقديم أية أدلة قاطعة على تمويل أي مصدر في المملكة للإرهاب، إلا أن استمرار تلك التوجهات وسيطرتها على بعض أعضاء الكونغرس يدلان على أن هناك تغييرات وتبدلات حصلت في أفق العلاقات الاستراتيجية الأمريكية – السعودية، وأنه من الصعب تجاوزها أو تحييدها عن صناعة القرار في الدولتين.

وهذا ما تجلى بوضوح في السياسة التي بدأت المملكة بانتهاجها والتي تقوم على توسيع وتنويع تحالفاتها الإقليمية والدولية وعدم الارتكان إلى التحالف مع الولايات المتحدة واعتباره الضمانة الوحيدة في مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية.

من هنا شاهدنا الملك عبدالله بن عبدالعزيز يتوجه في جولات مكوكية إلى دول في آسيا، إلى روسيا والهند والصين وباكستان في العام 2003 (حينما كان ولياً للعهد) ثم في العام 2006 بعد أن تولى مسؤولية الحكم بشكل رسمي، من أجل تعزيز العلاقات بين هذه الدول والمملكة وبناء شبكة من العلاقات المصلحية تكون مدخلاً لبناء تحالفات استراتيجية تحقق مصالح كل الأطراف، وتكون أيضاً عوناً للمملكة على تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

بدأت السعودية بانتهاج سياسة تقوم على توسيع وتنويع تحالفاتها الإقليمية الدولية 

أوروبا بعد آسيا

بعد النجاحات التي حققتها الدبلوماسية السعودية في آسيا على كافة المستويات اتجهت للعمل على تعزيز العلاقات مع دول القارة الأوروبية. وجاءت الزيارتان اللتان قام بهما الملك عبدالله بن عبدالعزيز في يونيو الماضي ونوفمبر الجاري لتحقيق هذا الهدف.

وبطبيعة الحال كان للعلاقات الاقتصادية مكانتها في هذه الجولات، فهناك مصالح متبادلة بين الجانبين السعودي والأوروبي, حيث إن الاتحاد الأوروبي يعتبر الشريك التجاري الأول عالمياً مع الدول الخليجية، وتعتبر الدول الخليجية خامس أكبر مستورد للسلع الأوروبية والرابعة عشرة في قائمة المصدرين لأوروبا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين في السنوات الأخيرة أكثر من 65 مليار دولار، لذلك سعى الطرفان إلى الدخول في مفاوضات من أجل التوصل لاتفاقية تجارة حرة بينهما بهدف ترسيخ مبدأ الشراكة من خلال التشاور والمتابعة المستمرة من كلا الجانبين كتوحيد الإجراءات وتطبيق بنود الاتفاقية بشكل سليم ودقيق، وهناك عوامل عدة تجعل من الاتحاد الأوروبي رابحاً من عقد الشراكة العربية-الأوروبية بشكل عام والشراكة الخليجية-الأوروبية بشكل خاص.

وجاءت زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى كل من فرنسا وإسبانيا وبولندا ثم بريطانيا وإيطاليا وألمانيا لتعزز تلك العلاقات، حيث عملت الدول الخليجية على تهيئة المناخ المناسب للشراكة الخليجية-الأوروبية بقيادة المملكة، حيث أصدرت الدول الخليجية مؤخراً قرارات تهدف إلى تحسين بيئة الاستثمار، وجعلها أكثر جاذبية.

أهداف ومقاصد

هذا على الجانب الاقتصادي، أما على الجانب السياسي والاستراتيجي، فهناك أهداف متعددة على أجندة العاهل السعودي، التي حملها خلال جولاته الأوروبية تتعلق بحزمة من الملفات والقضايا التي تتجاوز ملفات العلاقات الثنائية بين المملكة والدول التي توقف بها العاهل السعودي.

إن زيادة مساحة الفعل الأوروبي في قضايا المنطقة لمواجهة الفشل الذي منيت به السياسة الأمريكية في كافة تلك القضايا، هي الهدف الذي تسعى إليه المملكة من توسيع وتنويع تحالفاتها الإقليمية والدولية.  فالفشل الأمريكي الواضح في العراق على كافة المستويات خاصة على المستويين الأمني والسياسي، وفي ظل الآثار الكارثية المترتبة على استمرار هذا الفشل وتعمقه ليس فقط على الدولة، والمجتمع العراقي المهدد بدخوله حرباً أهلية مدمرة تقضي على ما تبقى من مؤسسات الدولة والمجتمع، بل أيضاً على المنطقة بأكملها خاصة في ظل تفجر الأزمات في مناطق مختلفة منها وارتباطها ببعضها البعض، يعني أن دوراً أوروبياً وآسيوياً بات مطلوباً للمساعدة على احتواء هذا الفشل ووضع استراتيجية للخروج من هذا المأزق.

ورغم أن التغييرات السياسية التي تشهدها الدول الأوروبية الرئيسية على مستوى القيادات ومن ثم السياسات، تساعد على لعب أوروبا لهذا الدور، إلا أنه يجب التأكيد على أن هذا الدور الأوروبي الذي بدأ في الظهور مؤخراً وتسعى السعودية إلى تفعيله لم يكن نتاج صعود قيادات جديدة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا فقط، وإنما نتجة لتطورات الأوضاع على الأرض. فالهزيمة الأمريكية في العراق والفشل في أفغانستان لم يكونا بسبب معارضة ألمانيا وفرنسا قبل تغيير قياداتهما بل بسبب المقاومة العراقية والأفغانية، كما أنه حتى تلك القيادات الجديدة لا تعلن معارضتها للولايات المتحدة بل ربما تتحالف معها، كما هي الحال مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أعلن منذ اليوم الأول لوصوله إلى السلطة عن رغبة بلاده في بناء علاقات جيدة مع الولايات المتحدة.

والمتتبع لتصريحات هؤلاء القادة الجدد سواء رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون أو الرئيس الفرنسي ساركوزي أو المستشارة الألمانية ميركل عن ضرورة الانسحاب من العراق، سيجد أنها نوع من الاعتراف بالأمر الواقع، وليس نقداً لسياسات أمريكا أو اعتراضاً على الرئيس بوش. لذا فإن تحركات هذه القيادات الأوروبية التي تعطي دفعة للاتحاد الأوروبي نحو العراق وقضايا المنطقة الأخرى، ستصب في صالح الولايات المتحدة بالأساس وإن كانت آثارها الإيجابية ستكون في دول المنطقة على المستوى البعيد.

ولا يختلف الوضع بشأن الأزمات الأخرى سواء في فلسطين أو لبنان عن أزمة العراق. فتلك القضايا المتشابكة مع بعضها نتيجة لتعامل الولايات المتحدة معها باعتبارها أزمة واحدة مترابطة، تنذر هي الأخرى بانفجارات مترافقة في حال استمر التعامل معها وفقاً للاستراتيجية الأمريكية التي تقوم على تدمير الوحدة الوطنية في هذه البلدان سواء بالتقسيم الطائفي، كما هي الحال في لبنان أو التقسيم السياسي كما هي الحال في فلسطين.

ويظهر الدور الأوروبي في هذه القضايا من خلال السعي إلى إيجاد حلول لها. فنجد مثلاً الاهتمام الفرنسي بضرورة اجتياز محنة الانتخابات الرئاسية في لبنان وفقاً للأطر الدستورية كمدخل لحل الأزمة السياسية الشاملة. كما تلعب الدول الأوروبية دورها لإعادة الروح إلى العملية السياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين من أجل التوصل إلى تسوية مرضية للطرفين.

أما أزمة البرنامج النووي الإيراني، فتمثل دليلاً واضحاً على أهمية الدور الأوروبي في ظل العجز الأمريكي عن التعامل معها بفاعلية، وتميزت أوروبا برؤية مختلفة عن الرؤية الأمريكية في طريقة التعاطي مع الملف النووي الإيراني. فمنذ بداية الأزمة عملت الدول الأوروبية على تحاشي الأخطاء التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية وقادتها إلى المأزق العراقي، فسعت إلى حل الأزمة بالطرق الدبلوماسية عن طريق التفاوض مع طهران.

ومنذ تم تسليط الأضواء على البرنامج النووي في إيران في أغسطس 2002 بعد إعلان مجلس المقاومة الوطني الإيراني (مجاهدي خلق) وهي جماعة إيرانية معارضة، أن هناك منشأة كبيرة لتخصيب اليورانيوم في (نتانز) ومحطة نووية تعمل بالماء الثقيل في (آراك) لم تتردد أوروبا بالدخول في مفاوضات مع إيران للتوصل إلى حل للأزمة يبعد شبح استخدام القوة العسكرية لتحقيق ما لم تحققه المفاوضات.

الدول الخليجية عملت على تهيئة المناخ المناسب للشراكة الخليجية-الأوروبية بقيادة السعودية

ورغم تعثر المفاوضات أكثر من مرة واتجاه أوروبا إلى تأييد فرض عقوبات اقتصادية على طهران ثم إعلان وزير الخارجية الفرنسي أنه يجب على العالم التحضير لحرب قادمة مع إيران، إلا أن ذلك كله كان يندرج في إطار الضغوط السياسية والدبلوماسية، ولم يكن مقدمة لتخلي أوروبا عن رؤيتها لحل الأزمة دبلوماسياً.

لكل هذه الأسباب والدوافع جاءت الزيارتان اللتان قام بهما العاهل السعودي إلى أوروبا من أجل تحفيز هذا الدور الأوروبي لمواجهة الأزمات المتفجرة فيها، خاصة أن المملكة لا تستطيع تحمُّل أعباء التحديات التي تفرضها هذه الأزمات، وذلك لأن الضغوط التي تستطيع المملكة فرضها والحوافز التي يُمكنها تقديمها لا تكفي للنهوض بمثل هذه الأعباء. لذا اتجهت المملكة إلى البحث عن شركاء من خارج المنطقة لهم مصالح حيوية ويكونون قادرين على تقديم الدعم والعون الذي تحتاجه لمواجهة هذه الأزمات وتطوراتها وبما يساعد على تحقيق الاستقرار وحماية أمن المنطقة.

ومن المؤكد أن نجاح المملكة في اجتذاب شركاء من الخارج تربطها بهم مصالح متعاظمة كما هي الحال مع دول آسيا والاتحاد الأوروبي سيصب في مصلحتها من ناحية حماية أمنها وأمن المنطقة وتحقيق الاستقرار فيها من خلال التعامل مع الأزمات فيها، وخاصة أزمة البرنامج النووي الإيراني ومحاولات طهران تقوية مركزها الإقليمي على حساب السعودية والدول العربية الأخرى، والتي في حال نجاحها ستكون لها آثار سلبية على استقرار المنطقة، لأن التغييرات الاستراتيجية المترتبة على امتلاك إيران للسلاح النووي ومن ثم لعبها دوراً ومركزاً إقليمياً متقدماً، ستدفع الدول الأخرى إلى محاولة إحداث التوازن بامتلاك السلاح النووي، ما يعني دخول المنطقة في سباق تسلح يقضي على ما تبقى من أسس الاستقرار في المنطقة.

::/fulltext::

araa39_79-b02
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2402::/cck::
::introtext::

تأتي الجولة التي قام بها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال شهر نوفمبر الماضي إلى عدد من الدول الأوروبية والتي شملت كلاً من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وتركيا، استكمالاً لجولة قام بها في شهر يونيو الماضي، وشملت كلاً من فرنسا وإسبانيا وبولندا.

::/introtext::
::fulltext::

تأتي الجولة التي قام بها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز خلال شهر نوفمبر الماضي إلى عدد من الدول الأوروبية والتي شملت كلاً من بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وتركيا، استكمالاً لجولة قام بها في شهر يونيو الماضي، وشملت كلاً من فرنسا وإسبانيا وبولندا.

تدل الفترة الزمنية القصيرة الفاصلة بين الجولتين على أمور عدة أبرزها الدور المتنامي الذي تضطلع به المملكة العربية السعودية على المستويين الإقليمي والدولي، خاصة في ظل التطورات الخطيرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والتي لن تكون آثارها السلبية محصورة فقط داخل دول المنطقة، بل ستمتد إلى المناطق المجاورة وأولها القارة الأوروبية.

وبالنظر إلى هذه التطورات الناتجة أساساً عن فشل الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة سواء في فلسطين أو لبنان مروراً بالعراق ووصولاً إلى إيران، كان لا بد للمملكة وهي الدولة المحورية في المنطقة، أن تبادر إلى اتخاذ الخطوات الكفيلة بمنع الانفجار الكبير المتوقع حدوثه عبر استقطاب القوى الدولية ذات التأثير في مجريات الأحداث الدولية والتي لها مصالح حيوية في المنطقة تسعى إلى حمايتها من تلك الأخطار التي تنتظر المنطقة في حال تُركت الأمور تسير في طريقها حتى النهاية.

تعزيز التحالفات وتنويعها

في هذا الإطار يمكن فهم السياسة التي بدأت المملكة ودول خليجية وعربية أخرى بانتهاجها في السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي غيرت الكثير من قواعد اللعبة الدولية وكشفت الحقيقة الأزلية التي تؤكد أن المصالح فقط هي التي تحكم تحالفات الدول.

فها هي الولايات المتحدة ورغم التحالف التاريخي الذي يضمها مع المملكة ودول الخليج الأخرى نجدها تدخل في صدامات مع المملكة على خلفية الحرب التي تشنها على ما تسميه (الإرهاب الإسلامي)، الذي ترى أنه كان نتاجاً للمجتمعات الخليجية المنغلقة البعيدة عن التطورات التي يشهدها العالم. ولم تكتف واشنطن خلال الفترة التي تلت تلك الأحداث بتوجيه الاتهامات بضلوع منظمات ومؤسسات سعودية وخليجية في الأحداث الإرهابية التي وقعت، ليس في الولايات المتحدة فقط، ولكن أيضاً في أنحاء مختلفة من العالم، بل سعت كذلك إلى الضغط على الدول الخليجية لإحداث تعديلات جذرية سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي من أجل القضاء على ما تسميه أسباب تفريخ الإرهابيين.

الدول الخليجية تعتبر خامس أكبر مستورد للسلع الأوروبية والرابعة عشرة في قائمة المصدرين لأوروبا 

نجاح المملكة في اجتذاب شركاء من الخارج سيصب في مصلحة أمنها وأمن المنطقة 

ولعبت المؤسسة التشريعية الأمريكية دوراً في تعميق التباعد بين الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج، حيث تقدم أعضاء في الكونغرس في أكثر من مرة بمشروعات قوانين تحت عنوان (محاسبة السعودية) الهدف منها ممارسة مزيد من الضغوط عليها للتماهي مع الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. وكان آخر تلك المشروعات مشروع تقدم به عضو مجلس الشيوخ الجمهوري عن ولاية بنسلفانيا أرلن سبيكتر بمشاركة زميله في الحزب الديمقراطي عن ولاية أوريغن رون وايدن، ويقضي بإلزام المملكة بإغلاق كل المنظمات السعودية، التي تموّل وتدرب وتشجع أو تقدم المعونة للإرهاب في أي مكان في العالم، ووقف تمويل المنظمات الإرهابية خارج المملكة، وعرقلة المعونات التي يقدمها مواطنون سعوديون أو جهات خاصة إلى أية منظمات إرهابية، والتعاون تعاوناً كاملاً مع الولايات المتحدة في التحقيقات الخاصة بالأفراد والمنظمات الإرهابية. وكالعادة حظي مشروع القانون بدعم من المنظمة الصهيونية الأمريكية (ZOA) التي كان لها دور رئيسي في صياغته، وتسعى من خلاله أن يكون بمثابة لائحة اتهام ضد المملكة لدعمها للإرهاب.

ورغم فشل كل مشروعات القوانين السابقة بما فيها هذا المشروع الأخير في تقديم أية أدلة قاطعة على تمويل أي مصدر في المملكة للإرهاب، إلا أن استمرار تلك التوجهات وسيطرتها على بعض أعضاء الكونغرس يدلان على أن هناك تغييرات وتبدلات حصلت في أفق العلاقات الاستراتيجية الأمريكية – السعودية، وأنه من الصعب تجاوزها أو تحييدها عن صناعة القرار في الدولتين.

وهذا ما تجلى بوضوح في السياسة التي بدأت المملكة بانتهاجها والتي تقوم على توسيع وتنويع تحالفاتها الإقليمية والدولية وعدم الارتكان إلى التحالف مع الولايات المتحدة واعتباره الضمانة الوحيدة في مواجهة التقلبات الإقليمية والدولية.

من هنا شاهدنا الملك عبدالله بن عبدالعزيز يتوجه في جولات مكوكية إلى دول في آسيا، إلى روسيا والهند والصين وباكستان في العام 2003 (حينما كان ولياً للعهد) ثم في العام 2006 بعد أن تولى مسؤولية الحكم بشكل رسمي، من أجل تعزيز العلاقات بين هذه الدول والمملكة وبناء شبكة من العلاقات المصلحية تكون مدخلاً لبناء تحالفات استراتيجية تحقق مصالح كل الأطراف، وتكون أيضاً عوناً للمملكة على تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة.

بدأت السعودية بانتهاج سياسة تقوم على توسيع وتنويع تحالفاتها الإقليمية الدولية 

أوروبا بعد آسيا

بعد النجاحات التي حققتها الدبلوماسية السعودية في آسيا على كافة المستويات اتجهت للعمل على تعزيز العلاقات مع دول القارة الأوروبية. وجاءت الزيارتان اللتان قام بهما الملك عبدالله بن عبدالعزيز في يونيو الماضي ونوفمبر الجاري لتحقيق هذا الهدف.

وبطبيعة الحال كان للعلاقات الاقتصادية مكانتها في هذه الجولات، فهناك مصالح متبادلة بين الجانبين السعودي والأوروبي, حيث إن الاتحاد الأوروبي يعتبر الشريك التجاري الأول عالمياً مع الدول الخليجية، وتعتبر الدول الخليجية خامس أكبر مستورد للسلع الأوروبية والرابعة عشرة في قائمة المصدرين لأوروبا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين في السنوات الأخيرة أكثر من 65 مليار دولار، لذلك سعى الطرفان إلى الدخول في مفاوضات من أجل التوصل لاتفاقية تجارة حرة بينهما بهدف ترسيخ مبدأ الشراكة من خلال التشاور والمتابعة المستمرة من كلا الجانبين كتوحيد الإجراءات وتطبيق بنود الاتفاقية بشكل سليم ودقيق، وهناك عوامل عدة تجعل من الاتحاد الأوروبي رابحاً من عقد الشراكة العربية-الأوروبية بشكل عام والشراكة الخليجية-الأوروبية بشكل خاص.

وجاءت زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى كل من فرنسا وإسبانيا وبولندا ثم بريطانيا وإيطاليا وألمانيا لتعزز تلك العلاقات، حيث عملت الدول الخليجية على تهيئة المناخ المناسب للشراكة الخليجية-الأوروبية بقيادة المملكة، حيث أصدرت الدول الخليجية مؤخراً قرارات تهدف إلى تحسين بيئة الاستثمار، وجعلها أكثر جاذبية.

أهداف ومقاصد

هذا على الجانب الاقتصادي، أما على الجانب السياسي والاستراتيجي، فهناك أهداف متعددة على أجندة العاهل السعودي، التي حملها خلال جولاته الأوروبية تتعلق بحزمة من الملفات والقضايا التي تتجاوز ملفات العلاقات الثنائية بين المملكة والدول التي توقف بها العاهل السعودي.

إن زيادة مساحة الفعل الأوروبي في قضايا المنطقة لمواجهة الفشل الذي منيت به السياسة الأمريكية في كافة تلك القضايا، هي الهدف الذي تسعى إليه المملكة من توسيع وتنويع تحالفاتها الإقليمية والدولية.  فالفشل الأمريكي الواضح في العراق على كافة المستويات خاصة على المستويين الأمني والسياسي، وفي ظل الآثار الكارثية المترتبة على استمرار هذا الفشل وتعمقه ليس فقط على الدولة، والمجتمع العراقي المهدد بدخوله حرباً أهلية مدمرة تقضي على ما تبقى من مؤسسات الدولة والمجتمع، بل أيضاً على المنطقة بأكملها خاصة في ظل تفجر الأزمات في مناطق مختلفة منها وارتباطها ببعضها البعض، يعني أن دوراً أوروبياً وآسيوياً بات مطلوباً للمساعدة على احتواء هذا الفشل ووضع استراتيجية للخروج من هذا المأزق.

ورغم أن التغييرات السياسية التي تشهدها الدول الأوروبية الرئيسية على مستوى القيادات ومن ثم السياسات، تساعد على لعب أوروبا لهذا الدور، إلا أنه يجب التأكيد على أن هذا الدور الأوروبي الذي بدأ في الظهور مؤخراً وتسعى السعودية إلى تفعيله لم يكن نتاج صعود قيادات جديدة في فرنسا وألمانيا وبريطانيا فقط، وإنما نتجة لتطورات الأوضاع على الأرض. فالهزيمة الأمريكية في العراق والفشل في أفغانستان لم يكونا بسبب معارضة ألمانيا وفرنسا قبل تغيير قياداتهما بل بسبب المقاومة العراقية والأفغانية، كما أنه حتى تلك القيادات الجديدة لا تعلن معارضتها للولايات المتحدة بل ربما تتحالف معها، كما هي الحال مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الذي أعلن منذ اليوم الأول لوصوله إلى السلطة عن رغبة بلاده في بناء علاقات جيدة مع الولايات المتحدة.

والمتتبع لتصريحات هؤلاء القادة الجدد سواء رئيس الوزراء البريطاني غوردون براون أو الرئيس الفرنسي ساركوزي أو المستشارة الألمانية ميركل عن ضرورة الانسحاب من العراق، سيجد أنها نوع من الاعتراف بالأمر الواقع، وليس نقداً لسياسات أمريكا أو اعتراضاً على الرئيس بوش. لذا فإن تحركات هذه القيادات الأوروبية التي تعطي دفعة للاتحاد الأوروبي نحو العراق وقضايا المنطقة الأخرى، ستصب في صالح الولايات المتحدة بالأساس وإن كانت آثارها الإيجابية ستكون في دول المنطقة على المستوى البعيد.

ولا يختلف الوضع بشأن الأزمات الأخرى سواء في فلسطين أو لبنان عن أزمة العراق. فتلك القضايا المتشابكة مع بعضها نتيجة لتعامل الولايات المتحدة معها باعتبارها أزمة واحدة مترابطة، تنذر هي الأخرى بانفجارات مترافقة في حال استمر التعامل معها وفقاً للاستراتيجية الأمريكية التي تقوم على تدمير الوحدة الوطنية في هذه البلدان سواء بالتقسيم الطائفي، كما هي الحال في لبنان أو التقسيم السياسي كما هي الحال في فلسطين.

ويظهر الدور الأوروبي في هذه القضايا من خلال السعي إلى إيجاد حلول لها. فنجد مثلاً الاهتمام الفرنسي بضرورة اجتياز محنة الانتخابات الرئاسية في لبنان وفقاً للأطر الدستورية كمدخل لحل الأزمة السياسية الشاملة. كما تلعب الدول الأوروبية دورها لإعادة الروح إلى العملية السياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين من أجل التوصل إلى تسوية مرضية للطرفين.

أما أزمة البرنامج النووي الإيراني، فتمثل دليلاً واضحاً على أهمية الدور الأوروبي في ظل العجز الأمريكي عن التعامل معها بفاعلية، وتميزت أوروبا برؤية مختلفة عن الرؤية الأمريكية في طريقة التعاطي مع الملف النووي الإيراني. فمنذ بداية الأزمة عملت الدول الأوروبية على تحاشي الأخطاء التي وقعت فيها الإدارة الأمريكية وقادتها إلى المأزق العراقي، فسعت إلى حل الأزمة بالطرق الدبلوماسية عن طريق التفاوض مع طهران.

ومنذ تم تسليط الأضواء على البرنامج النووي في إيران في أغسطس 2002 بعد إعلان مجلس المقاومة الوطني الإيراني (مجاهدي خلق) وهي جماعة إيرانية معارضة، أن هناك منشأة كبيرة لتخصيب اليورانيوم في (نتانز) ومحطة نووية تعمل بالماء الثقيل في (آراك) لم تتردد أوروبا بالدخول في مفاوضات مع إيران للتوصل إلى حل للأزمة يبعد شبح استخدام القوة العسكرية لتحقيق ما لم تحققه المفاوضات.

الدول الخليجية عملت على تهيئة المناخ المناسب للشراكة الخليجية-الأوروبية بقيادة السعودية

ورغم تعثر المفاوضات أكثر من مرة واتجاه أوروبا إلى تأييد فرض عقوبات اقتصادية على طهران ثم إعلان وزير الخارجية الفرنسي أنه يجب على العالم التحضير لحرب قادمة مع إيران، إلا أن ذلك كله كان يندرج في إطار الضغوط السياسية والدبلوماسية، ولم يكن مقدمة لتخلي أوروبا عن رؤيتها لحل الأزمة دبلوماسياً.

لكل هذه الأسباب والدوافع جاءت الزيارتان اللتان قام بهما العاهل السعودي إلى أوروبا من أجل تحفيز هذا الدور الأوروبي لمواجهة الأزمات المتفجرة فيها، خاصة أن المملكة لا تستطيع تحمُّل أعباء التحديات التي تفرضها هذه الأزمات، وذلك لأن الضغوط التي تستطيع المملكة فرضها والحوافز التي يُمكنها تقديمها لا تكفي للنهوض بمثل هذه الأعباء. لذا اتجهت المملكة إلى البحث عن شركاء من خارج المنطقة لهم مصالح حيوية ويكونون قادرين على تقديم الدعم والعون الذي تحتاجه لمواجهة هذه الأزمات وتطوراتها وبما يساعد على تحقيق الاستقرار وحماية أمن المنطقة.

ومن المؤكد أن نجاح المملكة في اجتذاب شركاء من الخارج تربطها بهم مصالح متعاظمة كما هي الحال مع دول آسيا والاتحاد الأوروبي سيصب في مصلحتها من ناحية حماية أمنها وأمن المنطقة وتحقيق الاستقرار فيها من خلال التعامل مع الأزمات فيها، وخاصة أزمة البرنامج النووي الإيراني ومحاولات طهران تقوية مركزها الإقليمي على حساب السعودية والدول العربية الأخرى، والتي في حال نجاحها ستكون لها آثار سلبية على استقرار المنطقة، لأن التغييرات الاستراتيجية المترتبة على امتلاك إيران للسلاح النووي ومن ثم لعبها دوراً ومركزاً إقليمياً متقدماً، ستدفع الدول الأخرى إلى محاولة إحداث التوازن بامتلاك السلاح النووي، ما يعني دخول المنطقة في سباق تسلح يقضي على ما تبقى من أسس الاستقرار في المنطقة.

::/fulltext::
::cck::2402::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *