القمم الخليجية والقمم العربية: رؤية مقارنة
::cck::2151::/cck::
::introtext::
إذا أردنا أن نقيّم أي تجربة لمعرفة مدى نجاحها أو فشلها، وحجم سلبياتها وإيجابياتها، فلابد من مقارنتها بحجم ما تم إنجازه وبمثيلاتها من التجارب. ولاشك في أن أقرب التجارب التي يمكن مقارنة مجلس التعاون الخليجي بها هي تجربة جامعة الدول العربية، فعلى الرغم من الاختلافات بينهما في الكثير من الأمور، إلا أن المناخ المحيط بهما تقريباً واحد، كما أن العديد من القضايا هي قضايا تهم الكيانين، وعلى رأسها قضايا مثل العراق وفلسطين، ناهيك عن الرغبة في السير قدماً نحو شكل أعمق من أشكال الوحدة.
::/introtext::
::fulltext::
إذا أردنا أن نقيّم أي تجربة لمعرفة مدى نجاحها أو فشلها، وحجم سلبياتها وإيجابياتها، فلابد من مقارنتها بحجم ما تم إنجازه وبمثيلاتها من التجارب. ولاشك في أن أقرب التجارب التي يمكن مقارنة مجلس التعاون الخليجي بها هي تجربة جامعة الدول العربية، فعلى الرغم من الاختلافات بينهما في الكثير من الأمور، إلا أن المناخ المحيط بهما تقريباً واحد، كما أن العديد من القضايا هي قضايا تهم الكيانين، وعلى رأسها قضايا مثل العراق وفلسطين، ناهيك عن الرغبة في السير قدماً نحو شكل أعمق من أشكال الوحدة.
في هذا الإطار، يمكن المقارنة بين القمم الخليجية والقمم العربية في العديد من الأمور والقضايا والمراحل، بدءاً من الإعداد للقمة ذاتها إلى حجم العبء الملقى على عاتقها، مروراً بطريقة العمل في القمة.
ما قبل القمة
في الوقت الذي تحرص فيه كل الدول الخليجية على الإعداد الجيد للقمة الخليجية وعلى أن تضيف كل قمة جديدة شيئاً لسابقتها، فإن مجرد اجتماع القادة العرب جميعاً في مكان ما هو في حد ذاته نجاح، ويعتبر إنجازاً حتى لو كان مجرد ديكور، لأنه الضمانة الوحيدة لاستمرار هذه القمم بشكل دوري.
على سبيل المثال، فإن مصر حين دعت إلى قمة طارئة في شرم الشيخ عام 2005، حدثت خلافات شديدة بين الجزائر ومصر، إذ رأت الجزائر أنها لم تستشر بالقدر الكافي في الموضوع، وأن الإجراءات المفروض اتباعها في هذه الحالات لم تحترم، على اعتبار أن من يدعو إلى قمة طارئة هو رئيس القمة العادية أو الأمين العام للجامعة العربية بالاتفاق مع رئيس القمة. وزادت على ذلك، فوجهت نقداً لاذعاً لمصر، حين أعلن وزير الدولة الجزائري أبو جرة سلطاني أن (الرئيس حسني مبارك يعد لهذه القمة تمهيداً للدخول في حملته الانتخابية).
وكان تأجيل قمة الملوك والرؤساء العرب عام 2005، القمة المقرر عقدها في تونس قبل يوم واحد من انعقادها، مثالاً آخر، فقد أرجأت تونس القمة بشكل مفاجئ ومن دون تشاور مع الأمين العام للجامعة العربية، ولا حتى مع وزراء الخارجية العرب الذين كانوا مجتمعين لديها لإعداد مشروع البيان الختامي، وترددت الكثير من التفسيرات وقتها لسبب التأجيل. ولم تقف الخلافات عند هذا الحد، فقد سعت مصر (دولة المقر) إلى إخراج القمة من مأزقها بإعلانها استعدادها لاستضافة القمة، إلا أن تونس أكدت أن تأجيل القمة العربية (لا يمثل تنازلاً من تونس عن رئاستها ولا تغيراً في التزامها باستضافتها).
وهذه تعد أمثلة نموذجية على خلافات ما قبل القمم العربية مقارنة بالقمم الخليجية التي في الغالب تشهد تنسيقاً كبيراً بين الدول الأعضاء، وإن كان هذا لا ينفي في الوقت ذاته وجود خلافات أحياناً.
(ملاسنات) القمم العربية
وعلى خلاف القمم الخليجية، التي لم تشهد طوال تاريخها (ملاسنات) أو انتقادات قاسية بين القادة الخليجيين، شهدت القمم العربية ملاسنات حادة وشديدة ولاذعة بين القادة العرب، كان آخرها الملاسنة الشهيرة بين الرئيس الليبي معمر القذافي والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (ولي العهد آنذاك). فعندما تحدث القذافي عن الوجود الأمريكي في السعودية، وجّه انتقادات حادة للسعودية التي رأى أنها تحالفت مع الشيطان لصد الخطر العراقي، وأن دولاً خليجية بينها المملكة العربية السعودية هي التي دعت القوات الأمريكية إلى المنطقة عقب غزو الكويت عام 1990، وهو ما دفع الملك عبد الله للرد بعنف معتبراً الزعيم الليبي عميلاً للاستعمار ومتهماً إياه بالكذب.
ولاشك في أن هذا الوضع المعقد والمتشابك الذي تتصادم فيه المصالح ساعد على عدم القدرة على التوفيق بين الأطراف، حتى أصبح البعض يرى أن الزعيم الذي يغيب عن القمم العربية سينظر إليه بشكل أكثر جدية ممن سيحضر، على اعتبار أن القمم العربية أصبحت جزءاً من ديكور العمل السياسي العربي، ولم يعد لها برنامج جدي وآليات تنفيذ. ونظر البعض الآخر إلى الأمر من جهة أخرى، إذ اعتبروا أن (غياب بعض الزعماء تحديداً يعد أحد أسباب نجاح بعض القمم)، بسبب ما درج عليه هؤلاء الزعماء من تصرفات غوغائية و(ملاسنات) في القمم.
يمكن للجامعة العربية أن تحقق قدراً كبيراً من التقدم إذا طورت ميثاقها وأساليب عملها
أما في ما يتعلق بالقمم الخليجية، فإن هناك حرصاً من دول مجلس التعاون على ألا يكون حضور القمة على مستوى أدنى من مستوى قادة الدول الخليجية، وهو الأمر الذي يعكس شعوراً بالمسؤولية من جهة، وإدراكاً لأهمية القمة من جهة أخرى، فمهما كانت هناك خلافات بين الدول الأعضاء، فإن الحضور في الغالب يكون على مستوى رؤساء الدول.
إيجابيات المسيرة
في إطار سعي مجلس التعاون الخليجي للقيام بمهامه التي تتمثل في تقوية البيت الخليجي عبر القضاء على أي خلافات وتوطيد التعاون والتنسيق وإعداد الخطط والبرامج المتكاملة للعمل الخليجي المشترك، فإن القمم الخليجية نجحت في تحقيق العديد من الإنجازات، وخاصة الاقتصادية، بدايةً من قمة 1982 التي تمت الموافقة فيها على إنشاء مؤسسة الخليج للاستثمار، ونهايةً بقمة الدوحة 2007 التي أعلنت قيام (السوق الخليجية المشتركة) اعتباراً من الأول من يناير 2008، كما تم تحقيق خطوات جيدة على المستوى العسكري مع إنشاء (قوة درع الجزيرة) والتوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
أما القمم العربية، فرغم تعثرها في بعض الأمور، إلا أنها أنجزت بعض الخطوات العامة، وفي الفترة الأخيرة تحققت إنجازات في غاية الأهمية، منها إنشاء آلية لتسوية النزاعات وإدارتها والوقاية منها، وإدخال مؤسسة القمة في النظام الهيكلي والمؤسسي للجامعة بما يجعل اجتماعاتها دورية، وتكليف الأمين العام بإصلاح حال الأمانة العامة، ناهيك عما تحقق من قبل من إنشاء مؤسسات دائمة ومتخصصة، مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومجلس الوحدة الاقتصادي، ومجلس السلم والأمن العربي.
تفعيل القمم
عندما طرحت الدول الأعضاء في الجامعة العربية مسألة عقد قمم دورية ببرامج محددة، وسط تأكيدات بتغليب الاقتصاد على السياسة، وربط المصالح المشتركة للشعوب، كان هناك أمل في الخروج من نفق الاجتماعات الشكلية ومعالجة الأمور بجدية، إلا أن الأمر الذي ظل معوقاً أمام ذلك هو ما أحاط بالقمم العربية من انقسامات واختلافات بين الدول العربية على عكس المشروع الخليجي الذي روعيت في تشكيله محددات الانسجام الداخلي بدلاً من مقتضيات وإمكانات التوسع. وفي هذا السياق يمكن إدراك الموقف الخليجي المتردد وربما المتحفظ والرافض لمسألة توسيع المجلس وضم أعضاء جدد مثل اليمن والعراق وإيران. بمعنى آخر، فإن من أهم ما يميز أعضاء مجلس التعاون عن أعضاء الجامعة العربية وهو ما ينعكس على مؤسسة القمة، هو انسجام البنى السياسية والاقتصادية في البلدان الخليجية الست إلى حد كبير، في حين تتباين في نظيراتها العربية، كما أن هناك صراعات ونزاعات ضخمة في المنطقة العربية لا يمكن أن تقارن بتلك التي تنشأ بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي.
من جهة أخرى، فإنه إذا كانت دول مجلس التعاون تمتلك إمكانيات ضخمة تجعل المواطن الخليجي يطلب منها المزيد والمزيد، فإن الأعباء الملقاة على القمة العربية تبدو أكثر مما تحتمله، وأيضاً أكثر مما يأمل العرب من القمة العربية معالجته، وهذا يعني أن القادة العرب لابد أن يجدوا حلاً لهذه المفارقة بين قدرة القمة والمطلوب منها.
وزاد الأمر سوءاً إجحام البلدان العربية عن الاهتمام بمحيطها والتركيز على معالجة شؤونها الداخلية أكثر فأكثر، خاصة أن غالبية الدول العربية تواجه فعلاً أوضاعاً داخلية صعبة ومعقدة، كما هي الحال في العراق وفلسطين ولبنان والسودان والجزائر.
وعلى أي حال، فإن القمم العربية والخليجية معاً، تواجه تحديات كبيرة تتطلب تفعيل العمل المشترك وخاصة في المجالات الأمنية والاقتصادية والتنموية، وتفعيل الاتفاقيات الموقعة، ومنها:
* ضرورة السعي من أجل حلول جذرية تجاه العديد من القضايا التي تهم أعضاء القمتين الخليجية والعربية، لأن اللجوء إلى الحلول المؤقتة يساهم في تسكين الوضع فقط، وهو أمر يسمح على المدى البعيد بتدخل أطراف إقليمية ودولية.
* ضرورة إدخال تعديلات محورية، ليس في ما يتعلق بعمل مؤسسة القمة فقط، ولكن بهيكل المجلس بأكمله لو اقتضت الحاجة ذلك، ويدخل في إطار ذلك تطوير الآليات والنظم الداخلية ودور الأمانة العامة وأساليب عملها، فعلى سبيل المثال، فإنه يمكن للجامعة العربية أن تحقق قدراً كبيراً من التقدم إذا طورت في ميثاقها وأساليب عملها، مثل التحول من الإجماع إلى الأغلبية وإنشاء قواعد ووسائل جديدة لتسوية النزاعات.
* تنمية القدرة على التحرك والمبادرة لمواجهة القضايا الثنائية وغيرها من القضايا التي تتصل بالأمن الوطني والقومي، وتقديم الخبرات والاستشارات للدول والمنظمات والمؤسسات العربية والدولية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2151::/cck::
::introtext::
إذا أردنا أن نقيّم أي تجربة لمعرفة مدى نجاحها أو فشلها، وحجم سلبياتها وإيجابياتها، فلابد من مقارنتها بحجم ما تم إنجازه وبمثيلاتها من التجارب. ولاشك في أن أقرب التجارب التي يمكن مقارنة مجلس التعاون الخليجي بها هي تجربة جامعة الدول العربية، فعلى الرغم من الاختلافات بينهما في الكثير من الأمور، إلا أن المناخ المحيط بهما تقريباً واحد، كما أن العديد من القضايا هي قضايا تهم الكيانين، وعلى رأسها قضايا مثل العراق وفلسطين، ناهيك عن الرغبة في السير قدماً نحو شكل أعمق من أشكال الوحدة.
::/introtext::
::fulltext::
إذا أردنا أن نقيّم أي تجربة لمعرفة مدى نجاحها أو فشلها، وحجم سلبياتها وإيجابياتها، فلابد من مقارنتها بحجم ما تم إنجازه وبمثيلاتها من التجارب. ولاشك في أن أقرب التجارب التي يمكن مقارنة مجلس التعاون الخليجي بها هي تجربة جامعة الدول العربية، فعلى الرغم من الاختلافات بينهما في الكثير من الأمور، إلا أن المناخ المحيط بهما تقريباً واحد، كما أن العديد من القضايا هي قضايا تهم الكيانين، وعلى رأسها قضايا مثل العراق وفلسطين، ناهيك عن الرغبة في السير قدماً نحو شكل أعمق من أشكال الوحدة.
في هذا الإطار، يمكن المقارنة بين القمم الخليجية والقمم العربية في العديد من الأمور والقضايا والمراحل، بدءاً من الإعداد للقمة ذاتها إلى حجم العبء الملقى على عاتقها، مروراً بطريقة العمل في القمة.
ما قبل القمة
في الوقت الذي تحرص فيه كل الدول الخليجية على الإعداد الجيد للقمة الخليجية وعلى أن تضيف كل قمة جديدة شيئاً لسابقتها، فإن مجرد اجتماع القادة العرب جميعاً في مكان ما هو في حد ذاته نجاح، ويعتبر إنجازاً حتى لو كان مجرد ديكور، لأنه الضمانة الوحيدة لاستمرار هذه القمم بشكل دوري.
على سبيل المثال، فإن مصر حين دعت إلى قمة طارئة في شرم الشيخ عام 2005، حدثت خلافات شديدة بين الجزائر ومصر، إذ رأت الجزائر أنها لم تستشر بالقدر الكافي في الموضوع، وأن الإجراءات المفروض اتباعها في هذه الحالات لم تحترم، على اعتبار أن من يدعو إلى قمة طارئة هو رئيس القمة العادية أو الأمين العام للجامعة العربية بالاتفاق مع رئيس القمة. وزادت على ذلك، فوجهت نقداً لاذعاً لمصر، حين أعلن وزير الدولة الجزائري أبو جرة سلطاني أن (الرئيس حسني مبارك يعد لهذه القمة تمهيداً للدخول في حملته الانتخابية).
وكان تأجيل قمة الملوك والرؤساء العرب عام 2005، القمة المقرر عقدها في تونس قبل يوم واحد من انعقادها، مثالاً آخر، فقد أرجأت تونس القمة بشكل مفاجئ ومن دون تشاور مع الأمين العام للجامعة العربية، ولا حتى مع وزراء الخارجية العرب الذين كانوا مجتمعين لديها لإعداد مشروع البيان الختامي، وترددت الكثير من التفسيرات وقتها لسبب التأجيل. ولم تقف الخلافات عند هذا الحد، فقد سعت مصر (دولة المقر) إلى إخراج القمة من مأزقها بإعلانها استعدادها لاستضافة القمة، إلا أن تونس أكدت أن تأجيل القمة العربية (لا يمثل تنازلاً من تونس عن رئاستها ولا تغيراً في التزامها باستضافتها).
وهذه تعد أمثلة نموذجية على خلافات ما قبل القمم العربية مقارنة بالقمم الخليجية التي في الغالب تشهد تنسيقاً كبيراً بين الدول الأعضاء، وإن كان هذا لا ينفي في الوقت ذاته وجود خلافات أحياناً.
(ملاسنات) القمم العربية
وعلى خلاف القمم الخليجية، التي لم تشهد طوال تاريخها (ملاسنات) أو انتقادات قاسية بين القادة الخليجيين، شهدت القمم العربية ملاسنات حادة وشديدة ولاذعة بين القادة العرب، كان آخرها الملاسنة الشهيرة بين الرئيس الليبي معمر القذافي والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز (ولي العهد آنذاك). فعندما تحدث القذافي عن الوجود الأمريكي في السعودية، وجّه انتقادات حادة للسعودية التي رأى أنها تحالفت مع الشيطان لصد الخطر العراقي، وأن دولاً خليجية بينها المملكة العربية السعودية هي التي دعت القوات الأمريكية إلى المنطقة عقب غزو الكويت عام 1990، وهو ما دفع الملك عبد الله للرد بعنف معتبراً الزعيم الليبي عميلاً للاستعمار ومتهماً إياه بالكذب.
ولاشك في أن هذا الوضع المعقد والمتشابك الذي تتصادم فيه المصالح ساعد على عدم القدرة على التوفيق بين الأطراف، حتى أصبح البعض يرى أن الزعيم الذي يغيب عن القمم العربية سينظر إليه بشكل أكثر جدية ممن سيحضر، على اعتبار أن القمم العربية أصبحت جزءاً من ديكور العمل السياسي العربي، ولم يعد لها برنامج جدي وآليات تنفيذ. ونظر البعض الآخر إلى الأمر من جهة أخرى، إذ اعتبروا أن (غياب بعض الزعماء تحديداً يعد أحد أسباب نجاح بعض القمم)، بسبب ما درج عليه هؤلاء الزعماء من تصرفات غوغائية و(ملاسنات) في القمم.
يمكن للجامعة العربية أن تحقق قدراً كبيراً من التقدم إذا طورت ميثاقها وأساليب عملها
أما في ما يتعلق بالقمم الخليجية، فإن هناك حرصاً من دول مجلس التعاون على ألا يكون حضور القمة على مستوى أدنى من مستوى قادة الدول الخليجية، وهو الأمر الذي يعكس شعوراً بالمسؤولية من جهة، وإدراكاً لأهمية القمة من جهة أخرى، فمهما كانت هناك خلافات بين الدول الأعضاء، فإن الحضور في الغالب يكون على مستوى رؤساء الدول.
إيجابيات المسيرة
في إطار سعي مجلس التعاون الخليجي للقيام بمهامه التي تتمثل في تقوية البيت الخليجي عبر القضاء على أي خلافات وتوطيد التعاون والتنسيق وإعداد الخطط والبرامج المتكاملة للعمل الخليجي المشترك، فإن القمم الخليجية نجحت في تحقيق العديد من الإنجازات، وخاصة الاقتصادية، بدايةً من قمة 1982 التي تمت الموافقة فيها على إنشاء مؤسسة الخليج للاستثمار، ونهايةً بقمة الدوحة 2007 التي أعلنت قيام (السوق الخليجية المشتركة) اعتباراً من الأول من يناير 2008، كما تم تحقيق خطوات جيدة على المستوى العسكري مع إنشاء (قوة درع الجزيرة) والتوقيع على اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
أما القمم العربية، فرغم تعثرها في بعض الأمور، إلا أنها أنجزت بعض الخطوات العامة، وفي الفترة الأخيرة تحققت إنجازات في غاية الأهمية، منها إنشاء آلية لتسوية النزاعات وإدارتها والوقاية منها، وإدخال مؤسسة القمة في النظام الهيكلي والمؤسسي للجامعة بما يجعل اجتماعاتها دورية، وتكليف الأمين العام بإصلاح حال الأمانة العامة، ناهيك عما تحقق من قبل من إنشاء مؤسسات دائمة ومتخصصة، مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، ومجلس الوحدة الاقتصادي، ومجلس السلم والأمن العربي.
تفعيل القمم
عندما طرحت الدول الأعضاء في الجامعة العربية مسألة عقد قمم دورية ببرامج محددة، وسط تأكيدات بتغليب الاقتصاد على السياسة، وربط المصالح المشتركة للشعوب، كان هناك أمل في الخروج من نفق الاجتماعات الشكلية ومعالجة الأمور بجدية، إلا أن الأمر الذي ظل معوقاً أمام ذلك هو ما أحاط بالقمم العربية من انقسامات واختلافات بين الدول العربية على عكس المشروع الخليجي الذي روعيت في تشكيله محددات الانسجام الداخلي بدلاً من مقتضيات وإمكانات التوسع. وفي هذا السياق يمكن إدراك الموقف الخليجي المتردد وربما المتحفظ والرافض لمسألة توسيع المجلس وضم أعضاء جدد مثل اليمن والعراق وإيران. بمعنى آخر، فإن من أهم ما يميز أعضاء مجلس التعاون عن أعضاء الجامعة العربية وهو ما ينعكس على مؤسسة القمة، هو انسجام البنى السياسية والاقتصادية في البلدان الخليجية الست إلى حد كبير، في حين تتباين في نظيراتها العربية، كما أن هناك صراعات ونزاعات ضخمة في المنطقة العربية لا يمكن أن تقارن بتلك التي تنشأ بين أعضاء مجلس التعاون الخليجي.
من جهة أخرى، فإنه إذا كانت دول مجلس التعاون تمتلك إمكانيات ضخمة تجعل المواطن الخليجي يطلب منها المزيد والمزيد، فإن الأعباء الملقاة على القمة العربية تبدو أكثر مما تحتمله، وأيضاً أكثر مما يأمل العرب من القمة العربية معالجته، وهذا يعني أن القادة العرب لابد أن يجدوا حلاً لهذه المفارقة بين قدرة القمة والمطلوب منها.
وزاد الأمر سوءاً إجحام البلدان العربية عن الاهتمام بمحيطها والتركيز على معالجة شؤونها الداخلية أكثر فأكثر، خاصة أن غالبية الدول العربية تواجه فعلاً أوضاعاً داخلية صعبة ومعقدة، كما هي الحال في العراق وفلسطين ولبنان والسودان والجزائر.
وعلى أي حال، فإن القمم العربية والخليجية معاً، تواجه تحديات كبيرة تتطلب تفعيل العمل المشترك وخاصة في المجالات الأمنية والاقتصادية والتنموية، وتفعيل الاتفاقيات الموقعة، ومنها:
* ضرورة السعي من أجل حلول جذرية تجاه العديد من القضايا التي تهم أعضاء القمتين الخليجية والعربية، لأن اللجوء إلى الحلول المؤقتة يساهم في تسكين الوضع فقط، وهو أمر يسمح على المدى البعيد بتدخل أطراف إقليمية ودولية.
* ضرورة إدخال تعديلات محورية، ليس في ما يتعلق بعمل مؤسسة القمة فقط، ولكن بهيكل المجلس بأكمله لو اقتضت الحاجة ذلك، ويدخل في إطار ذلك تطوير الآليات والنظم الداخلية ودور الأمانة العامة وأساليب عملها، فعلى سبيل المثال، فإنه يمكن للجامعة العربية أن تحقق قدراً كبيراً من التقدم إذا طورت في ميثاقها وأساليب عملها، مثل التحول من الإجماع إلى الأغلبية وإنشاء قواعد ووسائل جديدة لتسوية النزاعات.
* تنمية القدرة على التحرك والمبادرة لمواجهة القضايا الثنائية وغيرها من القضايا التي تتصل بالأمن الوطني والقومي، وتقديم الخبرات والاستشارات للدول والمنظمات والمؤسسات العربية والدولية.
::/fulltext::
::cck::2151::/cck::
