مجلس التعاون أمنيات القمم الرئاسية وحاجات القاعدة الشعبية

::cck::2143::/cck::
::introtext::

قبل خمسين عاماً وتحديداً في عام 1957م وقعت في روما المعاهدة التأسيسية للمجموعة الأوروبية، ومع أن للمكان دلالاته الحضارية والعقدية التي مكنت فكرة المجموعة الأوروبية من القفز فوق جراح الماضي والنزاعات العرقية والمذهبية وتعدد الألسنة وتمايز الأداء والمكانة الاقتصادية، فإن التقدم الذي تم باتجاه الاتحاد الأوروبي لم يجد قبولاً في الاستفتاءات الشعبية مما جعل الطبقات الأوروبية الحاكمة تتراجع عن دستور بدأ بمعاهدة تضخمت حتى وصلت إلى نحو 256 صفحة تضمنت حوالي 300 تعديل على المعاهدة التأسيسية ونحو 60 تعديلاً على معاهدة الاتحاد الأوروبي (ماستريخت 1992م)، وعدد من البروتوكولات والبيانات. 

::/introtext::
::fulltext::

قبل خمسين عاماً وتحديداً في عام 1957م وقعت في روما المعاهدة التأسيسية للمجموعة الأوروبية، ومع أن للمكان دلالاته الحضارية والعقدية التي مكنت فكرة المجموعة الأوروبية من القفز فوق جراح الماضي والنزاعات العرقية والمذهبية وتعدد الألسنة وتمايز الأداء والمكانة الاقتصادية، فإن التقدم الذي تم باتجاه الاتحاد الأوروبي لم يجد قبولاً في الاستفتاءات الشعبية مما جعل الطبقات الأوروبية الحاكمة تتراجع عن دستور بدأ بمعاهدة تضخمت حتى وصلت إلى نحو 256 صفحة تضمنت حوالي 300 تعديل على المعاهدة التأسيسية ونحو 60 تعديلاً على معاهدة الاتحاد الأوروبي (ماستريخت 1992م)، وعدد من البروتوكولات والبيانات.

وفقاً للمحلل السياسي الفرنسي برنار كاسن الذي أورد هذه الإحصائيات في صحيفة (الوطن) السعودية في عددها (2636)، فإن هناك فجوة تزداد عمقاً بين المواطنين الأوروبيين ومؤسسات الاتحاد الأوروبي. وهذه الفجوة من دون أدنى شك تؤكد إما أن الشارع الأوروبي لم يلمس نتائج تستحق التضحية بالكيانات القومية والسياسية من أجل أوروبا موحدة، أو أن هناك تصادماً عميقاً يجري بين المبادئ غير المكتوبة التي قام عليها الاتحاد الأوروبي وتوجهاته الليبرالية اليمينية أوالمعتدلة أو اليسارية التي تصبغه بها النخب الحاكمة بين فترة وأخرى.

لا أسوق هذا الشاهد من باب المقارنة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في مايو من عام 1981م لتهيئة الظروف باتجاه التكامل الاقتصادي والاندماج الاجتماعي بين دول وشعوب الخليج كأمل يتطلع إليه المجلس في أولى دورات قمته،ولتحقيق هدف أكثر إلحاحاً يعد العامل المحرك لمبادرة تأسيس المجلس وتمثل في تجنيب دول الخليج حالة الاستقطاب الأمني والأيديولوجي مع اندلاع حرب الخليج الأولى وتزايد التوتر بين القوتين السوفييتية والأمريكية وتغلغل نفوذهما في المنطقة. إن مجلس التعاون لم يقم على أساس معاهدة أيديولوجية كما يستدعي الاتحاد الأوروبي الماضي الروماني بحضارته القديمة التي لا تزال أوروبا تحن إليها وتستلهمها في مشروعاتها الوحدوية، ربما في وجه الفرع المنبثق من تلك المنظومة الحضارية الذي شكّل إمبراطورية أمريكية حديثة على أنقاض ممالك وجمهوريات أوروبية عتيقة، وإنما أسس مجلس التعاون استجابة لظروف إقليمية ودولية ومخاوف أمنية وفكرية حقيقية حتمت لم الشمل الخليجي في مؤسسة تعاونية يسوقها القدر إلى حيث يريد.

القمة والقاعدة .. أمنيات وحقائق

لقد بدأ مجلس التعاون الخليجي مشروع التعاون بحلم الوحدة وفقاً لنظامه الأساسي الذي تم التوقيع عليه في الدورة الأولى والذي نص على (تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كل الميادين وصولاً إلى وحدتها)، غير أن الأجندة الأمنية الملحة سيطرت على أعماله منذ الدورة الأولى وحتى دورته التاسعة في ديسمبر 1988م. ذلك الهاجس الأمني الذي تزامن مع الحرب الإيرانية-العراقية وحالة الاحتقان بين القوتين العظميين لم يمنع من اعتماد اتفاقية اقتصادية موحدة كانت بنودها أساساً فيما بعد لمجمل النشاط الاقتصادي المشترك الذي أشعر النخب الاقتصادية بأهمية مجلس التعاون، ثم بشكل أقل أعلن للشارع الخليجي عن وجود مظلة للعمل المشترك يمكن أن تعود بفوائد مباشرة عليه.

وإذا كانت الشعوب الأوروبية التي عاشت حلم الوحدة الأوروبية منذ لحظاته الأولى في روما، وتعايشت معه على مدى نصف قرن، وذاقت منافعه الجمة على مستوى الفرد في حرية التنقل والعمل والتملك وبعض الخدمات الاجتماعية، وانعكس على دول فقيرة كالبرتغال ودول شرق أوروبا بنمو اقتصادي مذهل، قد رفضت الدستور الأوروبي عندما عرض عليها للمصادقة عليه في استفتاءات شعبية فلنا أن نسأل عن معيار القبول والرفض في الحالتين الخليجية والأوروبية؟ وإلى أي مدى ستلعب المعلومات القليلة المتداولة عن مجلس التعاون الخليجي بين الشعوب الخليجية دوراً في إقرار شكل من أشكال الوحدة بين الشعوب الخليجية؟ سؤال قد يبدو مبكراً، إذ لا يلوح في الأفق أن المجلس باتجاه رصدٍ من أي نوع كان لرأي الشارع في أي من قرارات القمم الخليجية قبل اتخاذها، ناهيك عن استفتاء الشارع في دستور خليجي يفضي إلى وحدة حقيقية.

بين التعاون والاتحاد

لقد بدأ مجلس التعاون الخليجي بنظام أساسي تم التوافق بين القادة على بنوده في الدورة الأولى مسجلاً أمنيات عريضة لاندماج وتكامل خليجي فضفاض الماهية، على أن تتولى الظروف والسنون إنضاجه على اعتبار أن المزيد من الاجتماعات والتنسيق والتعاون ستشكل رؤية مشتركة عن النمط التعاوني أو الوحدوي أو التكاملي المنشود. وإذا كان المجلس قد فضّل النمط التعاوني للسير فيه فإن المواطن الخليجي من جهة يأخذ على المجلس أنه لم يؤسس لوحدة خليجية ملزمة منذ انطلاقته، ومن جهة أخرى يرى مراقبون منصفون أن لتحفظ القادة الخليجيين في إلزام أنفسهم بسقف محدد من الأداء نحو هدف وحدوي لا حياد عنه ما يبرره من عدة جوانب؛ منها أن الظرف الدولي لم يكن يسمح بمساحة من الحرية لدول الخليج لتتخذ قراراً استراتيجياً ملزماً بالوحدة، إذ سينظر إلى أي توحد للقرار السياسي والعسكري الخليجي على أنه خطر على مصالح دول عظمى، وسيكون له معارضون بالأصالة أو الإنابة من داخل المنطقة العربية نفسها. كما أن العلاقة الخليجية – الخليجية لم تكن في ذلك الوقت تتمتع بقدر من الثقة والشفافية بحيث تتشجع كل دولة على تقديم تنازلات سيادية من أجل المولود الجديد، يضاف إلى ذلك تنافر لم يكن خافياً بين تيارات فكرية قومية أو مذهبية أو طائفية تحيط بالقرار السياسي الخليجي. إن الأخذ بهذه الأسباب مجتمعة يصب في صالح النهج التعاوني الذي بدأ به المجلس وتطور إلى اتفاقيات في المجالات الاقتصادية والثقافية والأمنية انتظرت وتنتظر أن يصهرها الزمن والظروف في إطار تعاقدي قد يطلق عليه دستور خليجي؛ وربما يأخذ مسمى مختلفاً تجنباً لإثارة بعض الذين يجدون حرجاً في قبول مصطلح الدستور على إطلاقه.

لغة هادئة

إن متتبع القمم الخليجية منذ الدورة الأولى يجد لغة هادئة تلقنها الأزمات أحياناً ببعض العبارات الحازمة والحاسمة، ولكنها في مجملها لا تميل إلى المظاهر الاحتفالية بتبني إنجازات وهمية أو تستجلب بلغة مثيرة تطلعات قد لا تستوعبها المؤسسة الخليجية الوليدة التي لم تمهلها الظروف الإقليمية – التي تمثلت في حربين خليجيتين استهلكتا أكثر من عقد من عمر المجلس – أن تتقدم بشكل طبيعي باتجاه صقل التجربة وصلابة القرار وتقييم الأداء على الأرض . فمن الترحيب بما تحقق إلى مباركة اتفاقية جديدة، إلى حث الوزارات واللجان المسؤولة على بذل المزيد، إلى استشعار الخطر أو التلميح بالطمأنة وغير ذلك من العبارات المعتدلة والمتحفظة. وفي أحيان كثيرة تظهر البيانات الختامية للقمم الخليجية تفوّق القادة في طموحهم على آليات التنفيذ البيروقراطية في دول المجلس مما أعاق تنفيذ عدد من الاتفاقيات التي أقرتها مؤسسة القمة.

وقد سيطر الهاجس الأمني والنأي بالخليج عن الصراعات الدولية وعدم تحويله إلى منطقة نفوذ والحرب الإيرانية-العراقية والقضية الفلسطينية والتضامن العربي، ومبادئ السلام التي أعلنتها المملكة العربية السعودية في (فاس) ثم لاحقاً مبادرة السلام السعودية التي تحولت إلى مبادرة عربية في قمة بيروت 2002م على معظم القمم الخليجية، ولم تغب القضية الفلسطينية عن بيانات القمم الخليجية مطلقاً.

التقدم الذي تم باتجاه الاتحاد الأوروبي الكامل لم يجد قبولاً في الاستفتاءات الشعبية 

الاقتصاد .. محور الارتكاز

أما على صعيد التعاون والتنسيق المشترك، فقد كانت القمم الخليجية تبارك المتحقق من بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في كل قمة على أمل أن يكون ذلك دافعاً لأن (يلمس المواطن بداية التكامل الاقتصادي الذي ترمي الاتفاقية الاقتصادية إلى تحقيقه). وفي كل دورة تقريباً كان المجلس الأعلى ينص على استعراض (ما تحقق في تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية الموحدة (ويقرر) توسيع دائرة النشاطات الاقتصادية التي يسمح لمواطني دولة عضو بممارستها في الدول الأعضاء الأخرى) إلى أن وصلنا في القمة الخليجية الأخيرة إلى إقرار السوق الخليجية المشتركة، وليخرج المجلس الأعلى بلغة مختلفة إلى حد ما فيها تأكيد على (تنفيذ الدول الأعضاء لما صدر من قرارات من شأنها زيادة استفادة مواطني دول المجلس من قيام هذه السوق، وتعميق المواطنة الخليجية وتحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في ممارسة المهن والحرف والأنشطة الاقتصادية والاستثمارية).

وعلى الرغم من إقرار هذه السوق المشتركة بما تنص عليه من مميزات تهم المواطن العادي خاصة في مجال التنقل والعمل فإن التطبيق على الأرض بما يعكس وجودها على حياة المواطن الخليجي سيكون مرهوناً بسرعة تنفيذ الدول لالتزاماتها. ولا يخفي أي من المراقبين المتابعين للشأن الخليجي الخوف من حيلولة الأنظمة البيروقراطية من دون تنفيذ أهم بند لهذه الاتفاقية وهو ما يخص المواطن العادي في دول مجلس التعاون الخليجي.

بين القلق والأمل

إن المتابعة الشعبية لقمم الخليج لم تعد بتلك الحماسة التي كانت عليها قبل الثورة الفضائية في البث التلفزيوني، فقد كان المشاهد الخليجي إلى حد ما لا يمتلك خياراً سوى متابعة أحداث القمم على شاشة تلفزيونه الوطني إلى ما قبل 1991م، لكنه ومنذ ذلك التاريخ لم يعد هناك عامل يجذب انتباه المواطن الخليجي إلى حدث القمة سوى أهمية قراراتها بالنسبة له.

وحقيقة لا بد من التسليمبأن مواطني مجلس التعاون لا ينظرون من مسافة واحدة  نحو المجلس؛ إذ هناك حماسة في دول وتحفظ في دول أخرى، وليس جميع  المواطنين على الاستعداد نفسه للتضحية من أجل قيام اتحاد خليجي متكافئ. وهذه الحقيقة تنعكس سلباً على الالتزام بقرارات القمم الخليجية عندما تتحول إلى لجان وزارية وفنية.

كما أن المتنفذين من خارج الخليج الذين يعملون ويستثمرون فيه، وتلك الدول ذات المصالح المباشرة فيه، ودول عربية رئيسية  قد لعبت وتلعب أدواراً محورية في توجيه الموالين لها في الخليج على مستويات عديدة لممارسة تثبيط الخليجيين وإثارة الكثير من الغبار حول المجلس ونواياه المستقبلية، وعملت على التشكيك في آثاره الإيجابية على شعوب المنطقة. كما أن دولاً عظمى تعارض تحقيق الوحدة الخليجية على اعتبار أن ذلك سيكون أكبر خطر استراتيجي على تحالفاتها الثنائية مع دول الخليج. ولذلك فإن بعض المراقبين يعتقدون أن تحقيق الوحدة الخليجية التي نصّ عليها النظام الأساسي للمجلس قد يستغرق أكثر من خمسين عاماً شريطة جدية العمل وإلزامية قرارات القمم الخليجية.  لكن الواقع يؤكد أنه مع كل أزمة تعصف بالخليج ينحسرالغبار شيئاً فشيئاً، ويؤمن الخليجيون بأهمية المجلس، وأنه الخيار الأفضل لمستقبل المنطقة، وتزداد بين الخليجيين الرغبة في التضحية لصالح خليج موحد. 

::/fulltext::

araa40_27-24f
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2143::/cck::
::introtext::

قبل خمسين عاماً وتحديداً في عام 1957م وقعت في روما المعاهدة التأسيسية للمجموعة الأوروبية، ومع أن للمكان دلالاته الحضارية والعقدية التي مكنت فكرة المجموعة الأوروبية من القفز فوق جراح الماضي والنزاعات العرقية والمذهبية وتعدد الألسنة وتمايز الأداء والمكانة الاقتصادية، فإن التقدم الذي تم باتجاه الاتحاد الأوروبي لم يجد قبولاً في الاستفتاءات الشعبية مما جعل الطبقات الأوروبية الحاكمة تتراجع عن دستور بدأ بمعاهدة تضخمت حتى وصلت إلى نحو 256 صفحة تضمنت حوالي 300 تعديل على المعاهدة التأسيسية ونحو 60 تعديلاً على معاهدة الاتحاد الأوروبي (ماستريخت 1992م)، وعدد من البروتوكولات والبيانات. 

::/introtext::
::fulltext::

قبل خمسين عاماً وتحديداً في عام 1957م وقعت في روما المعاهدة التأسيسية للمجموعة الأوروبية، ومع أن للمكان دلالاته الحضارية والعقدية التي مكنت فكرة المجموعة الأوروبية من القفز فوق جراح الماضي والنزاعات العرقية والمذهبية وتعدد الألسنة وتمايز الأداء والمكانة الاقتصادية، فإن التقدم الذي تم باتجاه الاتحاد الأوروبي لم يجد قبولاً في الاستفتاءات الشعبية مما جعل الطبقات الأوروبية الحاكمة تتراجع عن دستور بدأ بمعاهدة تضخمت حتى وصلت إلى نحو 256 صفحة تضمنت حوالي 300 تعديل على المعاهدة التأسيسية ونحو 60 تعديلاً على معاهدة الاتحاد الأوروبي (ماستريخت 1992م)، وعدد من البروتوكولات والبيانات.

وفقاً للمحلل السياسي الفرنسي برنار كاسن الذي أورد هذه الإحصائيات في صحيفة (الوطن) السعودية في عددها (2636)، فإن هناك فجوة تزداد عمقاً بين المواطنين الأوروبيين ومؤسسات الاتحاد الأوروبي. وهذه الفجوة من دون أدنى شك تؤكد إما أن الشارع الأوروبي لم يلمس نتائج تستحق التضحية بالكيانات القومية والسياسية من أجل أوروبا موحدة، أو أن هناك تصادماً عميقاً يجري بين المبادئ غير المكتوبة التي قام عليها الاتحاد الأوروبي وتوجهاته الليبرالية اليمينية أوالمعتدلة أو اليسارية التي تصبغه بها النخب الحاكمة بين فترة وأخرى.

لا أسوق هذا الشاهد من باب المقارنة بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي الذي تأسس في مايو من عام 1981م لتهيئة الظروف باتجاه التكامل الاقتصادي والاندماج الاجتماعي بين دول وشعوب الخليج كأمل يتطلع إليه المجلس في أولى دورات قمته،ولتحقيق هدف أكثر إلحاحاً يعد العامل المحرك لمبادرة تأسيس المجلس وتمثل في تجنيب دول الخليج حالة الاستقطاب الأمني والأيديولوجي مع اندلاع حرب الخليج الأولى وتزايد التوتر بين القوتين السوفييتية والأمريكية وتغلغل نفوذهما في المنطقة. إن مجلس التعاون لم يقم على أساس معاهدة أيديولوجية كما يستدعي الاتحاد الأوروبي الماضي الروماني بحضارته القديمة التي لا تزال أوروبا تحن إليها وتستلهمها في مشروعاتها الوحدوية، ربما في وجه الفرع المنبثق من تلك المنظومة الحضارية الذي شكّل إمبراطورية أمريكية حديثة على أنقاض ممالك وجمهوريات أوروبية عتيقة، وإنما أسس مجلس التعاون استجابة لظروف إقليمية ودولية ومخاوف أمنية وفكرية حقيقية حتمت لم الشمل الخليجي في مؤسسة تعاونية يسوقها القدر إلى حيث يريد.

القمة والقاعدة .. أمنيات وحقائق

لقد بدأ مجلس التعاون الخليجي مشروع التعاون بحلم الوحدة وفقاً لنظامه الأساسي الذي تم التوقيع عليه في الدورة الأولى والذي نص على (تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كل الميادين وصولاً إلى وحدتها)، غير أن الأجندة الأمنية الملحة سيطرت على أعماله منذ الدورة الأولى وحتى دورته التاسعة في ديسمبر 1988م. ذلك الهاجس الأمني الذي تزامن مع الحرب الإيرانية-العراقية وحالة الاحتقان بين القوتين العظميين لم يمنع من اعتماد اتفاقية اقتصادية موحدة كانت بنودها أساساً فيما بعد لمجمل النشاط الاقتصادي المشترك الذي أشعر النخب الاقتصادية بأهمية مجلس التعاون، ثم بشكل أقل أعلن للشارع الخليجي عن وجود مظلة للعمل المشترك يمكن أن تعود بفوائد مباشرة عليه.

وإذا كانت الشعوب الأوروبية التي عاشت حلم الوحدة الأوروبية منذ لحظاته الأولى في روما، وتعايشت معه على مدى نصف قرن، وذاقت منافعه الجمة على مستوى الفرد في حرية التنقل والعمل والتملك وبعض الخدمات الاجتماعية، وانعكس على دول فقيرة كالبرتغال ودول شرق أوروبا بنمو اقتصادي مذهل، قد رفضت الدستور الأوروبي عندما عرض عليها للمصادقة عليه في استفتاءات شعبية فلنا أن نسأل عن معيار القبول والرفض في الحالتين الخليجية والأوروبية؟ وإلى أي مدى ستلعب المعلومات القليلة المتداولة عن مجلس التعاون الخليجي بين الشعوب الخليجية دوراً في إقرار شكل من أشكال الوحدة بين الشعوب الخليجية؟ سؤال قد يبدو مبكراً، إذ لا يلوح في الأفق أن المجلس باتجاه رصدٍ من أي نوع كان لرأي الشارع في أي من قرارات القمم الخليجية قبل اتخاذها، ناهيك عن استفتاء الشارع في دستور خليجي يفضي إلى وحدة حقيقية.

بين التعاون والاتحاد

لقد بدأ مجلس التعاون الخليجي بنظام أساسي تم التوافق بين القادة على بنوده في الدورة الأولى مسجلاً أمنيات عريضة لاندماج وتكامل خليجي فضفاض الماهية، على أن تتولى الظروف والسنون إنضاجه على اعتبار أن المزيد من الاجتماعات والتنسيق والتعاون ستشكل رؤية مشتركة عن النمط التعاوني أو الوحدوي أو التكاملي المنشود. وإذا كان المجلس قد فضّل النمط التعاوني للسير فيه فإن المواطن الخليجي من جهة يأخذ على المجلس أنه لم يؤسس لوحدة خليجية ملزمة منذ انطلاقته، ومن جهة أخرى يرى مراقبون منصفون أن لتحفظ القادة الخليجيين في إلزام أنفسهم بسقف محدد من الأداء نحو هدف وحدوي لا حياد عنه ما يبرره من عدة جوانب؛ منها أن الظرف الدولي لم يكن يسمح بمساحة من الحرية لدول الخليج لتتخذ قراراً استراتيجياً ملزماً بالوحدة، إذ سينظر إلى أي توحد للقرار السياسي والعسكري الخليجي على أنه خطر على مصالح دول عظمى، وسيكون له معارضون بالأصالة أو الإنابة من داخل المنطقة العربية نفسها. كما أن العلاقة الخليجية – الخليجية لم تكن في ذلك الوقت تتمتع بقدر من الثقة والشفافية بحيث تتشجع كل دولة على تقديم تنازلات سيادية من أجل المولود الجديد، يضاف إلى ذلك تنافر لم يكن خافياً بين تيارات فكرية قومية أو مذهبية أو طائفية تحيط بالقرار السياسي الخليجي. إن الأخذ بهذه الأسباب مجتمعة يصب في صالح النهج التعاوني الذي بدأ به المجلس وتطور إلى اتفاقيات في المجالات الاقتصادية والثقافية والأمنية انتظرت وتنتظر أن يصهرها الزمن والظروف في إطار تعاقدي قد يطلق عليه دستور خليجي؛ وربما يأخذ مسمى مختلفاً تجنباً لإثارة بعض الذين يجدون حرجاً في قبول مصطلح الدستور على إطلاقه.

لغة هادئة

إن متتبع القمم الخليجية منذ الدورة الأولى يجد لغة هادئة تلقنها الأزمات أحياناً ببعض العبارات الحازمة والحاسمة، ولكنها في مجملها لا تميل إلى المظاهر الاحتفالية بتبني إنجازات وهمية أو تستجلب بلغة مثيرة تطلعات قد لا تستوعبها المؤسسة الخليجية الوليدة التي لم تمهلها الظروف الإقليمية – التي تمثلت في حربين خليجيتين استهلكتا أكثر من عقد من عمر المجلس – أن تتقدم بشكل طبيعي باتجاه صقل التجربة وصلابة القرار وتقييم الأداء على الأرض . فمن الترحيب بما تحقق إلى مباركة اتفاقية جديدة، إلى حث الوزارات واللجان المسؤولة على بذل المزيد، إلى استشعار الخطر أو التلميح بالطمأنة وغير ذلك من العبارات المعتدلة والمتحفظة. وفي أحيان كثيرة تظهر البيانات الختامية للقمم الخليجية تفوّق القادة في طموحهم على آليات التنفيذ البيروقراطية في دول المجلس مما أعاق تنفيذ عدد من الاتفاقيات التي أقرتها مؤسسة القمة.

وقد سيطر الهاجس الأمني والنأي بالخليج عن الصراعات الدولية وعدم تحويله إلى منطقة نفوذ والحرب الإيرانية-العراقية والقضية الفلسطينية والتضامن العربي، ومبادئ السلام التي أعلنتها المملكة العربية السعودية في (فاس) ثم لاحقاً مبادرة السلام السعودية التي تحولت إلى مبادرة عربية في قمة بيروت 2002م على معظم القمم الخليجية، ولم تغب القضية الفلسطينية عن بيانات القمم الخليجية مطلقاً.

التقدم الذي تم باتجاه الاتحاد الأوروبي الكامل لم يجد قبولاً في الاستفتاءات الشعبية 

الاقتصاد .. محور الارتكاز

أما على صعيد التعاون والتنسيق المشترك، فقد كانت القمم الخليجية تبارك المتحقق من بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة في كل قمة على أمل أن يكون ذلك دافعاً لأن (يلمس المواطن بداية التكامل الاقتصادي الذي ترمي الاتفاقية الاقتصادية إلى تحقيقه). وفي كل دورة تقريباً كان المجلس الأعلى ينص على استعراض (ما تحقق في تنفيذ الاتفاقية الاقتصادية الموحدة (ويقرر) توسيع دائرة النشاطات الاقتصادية التي يسمح لمواطني دولة عضو بممارستها في الدول الأعضاء الأخرى) إلى أن وصلنا في القمة الخليجية الأخيرة إلى إقرار السوق الخليجية المشتركة، وليخرج المجلس الأعلى بلغة مختلفة إلى حد ما فيها تأكيد على (تنفيذ الدول الأعضاء لما صدر من قرارات من شأنها زيادة استفادة مواطني دول المجلس من قيام هذه السوق، وتعميق المواطنة الخليجية وتحقيق المساواة التامة في المعاملة بين مواطني دول المجلس في ممارسة المهن والحرف والأنشطة الاقتصادية والاستثمارية).

وعلى الرغم من إقرار هذه السوق المشتركة بما تنص عليه من مميزات تهم المواطن العادي خاصة في مجال التنقل والعمل فإن التطبيق على الأرض بما يعكس وجودها على حياة المواطن الخليجي سيكون مرهوناً بسرعة تنفيذ الدول لالتزاماتها. ولا يخفي أي من المراقبين المتابعين للشأن الخليجي الخوف من حيلولة الأنظمة البيروقراطية من دون تنفيذ أهم بند لهذه الاتفاقية وهو ما يخص المواطن العادي في دول مجلس التعاون الخليجي.

بين القلق والأمل

إن المتابعة الشعبية لقمم الخليج لم تعد بتلك الحماسة التي كانت عليها قبل الثورة الفضائية في البث التلفزيوني، فقد كان المشاهد الخليجي إلى حد ما لا يمتلك خياراً سوى متابعة أحداث القمم على شاشة تلفزيونه الوطني إلى ما قبل 1991م، لكنه ومنذ ذلك التاريخ لم يعد هناك عامل يجذب انتباه المواطن الخليجي إلى حدث القمة سوى أهمية قراراتها بالنسبة له.

وحقيقة لا بد من التسليمبأن مواطني مجلس التعاون لا ينظرون من مسافة واحدة  نحو المجلس؛ إذ هناك حماسة في دول وتحفظ في دول أخرى، وليس جميع  المواطنين على الاستعداد نفسه للتضحية من أجل قيام اتحاد خليجي متكافئ. وهذه الحقيقة تنعكس سلباً على الالتزام بقرارات القمم الخليجية عندما تتحول إلى لجان وزارية وفنية.

كما أن المتنفذين من خارج الخليج الذين يعملون ويستثمرون فيه، وتلك الدول ذات المصالح المباشرة فيه، ودول عربية رئيسية  قد لعبت وتلعب أدواراً محورية في توجيه الموالين لها في الخليج على مستويات عديدة لممارسة تثبيط الخليجيين وإثارة الكثير من الغبار حول المجلس ونواياه المستقبلية، وعملت على التشكيك في آثاره الإيجابية على شعوب المنطقة. كما أن دولاً عظمى تعارض تحقيق الوحدة الخليجية على اعتبار أن ذلك سيكون أكبر خطر استراتيجي على تحالفاتها الثنائية مع دول الخليج. ولذلك فإن بعض المراقبين يعتقدون أن تحقيق الوحدة الخليجية التي نصّ عليها النظام الأساسي للمجلس قد يستغرق أكثر من خمسين عاماً شريطة جدية العمل وإلزامية قرارات القمم الخليجية.  لكن الواقع يؤكد أنه مع كل أزمة تعصف بالخليج ينحسرالغبار شيئاً فشيئاً، ويؤمن الخليجيون بأهمية المجلس، وأنه الخيار الأفضل لمستقبل المنطقة، وتزداد بين الخليجيين الرغبة في التضحية لصالح خليج موحد. 

::/fulltext::
::cck::2143::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *