الاتحاد الأوروبي وأمن الخليج: تصاعد في التحديات وتراجع في الأدوار
::cck::3407::/cck::
::introtext::
لا تزال منطقة الخليج التي تتركز فيها حالياً مشكلات أساسية مثيرة وحيوية للاهتمام الدولي كأمن الطاقة وانتشار أسلحة الدمار الشامل ومقاومة الإرهاب. ونتائج الغزو الأمريكي القائم للعراق فضلاً عن جدليات الإصلاح السياسي المأمول، هذه المنطقة، تفتقد سياسة خارجية أوروبية جماعية منسقة واهتماماً إذا ما قورنت بمناطق أخرى في العالم على غرار مجموعة دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط الموجودة في إطـار الشراكـة الأوروبيـة – المتوسطية التي تتوافر لها مبادرة أوروبية متكاملة ومتناسقة لجنوب المتوسط لم تمتد لتشمل دول منطقة الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
لا تزال منطقة الخليج التي تتركز فيها حالياً مشكلات أساسية مثيرة وحيوية للاهتمام الدولي كأمن الطاقة وانتشار أسلحة الدمار الشامل ومقاومة الإرهاب. ونتائج الغزو الأمريكي القائم للعراق فضلاً عن جدليات الإصلاح السياسي المأمول، هذه المنطقة، تفتقد سياسة خارجية أوروبية جماعية منسقة واهتماماً إذا ما قورنت بمناطق أخرى في العالم على غرار مجموعة دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط الموجودة في إطـار الشراكـة الأوروبيـة – المتوسطية التي تتوافر لها مبادرة أوروبية متكاملة ومتناسقة لجنوب المتوسط لم تمتد لتشمل دول منطقة الخليج.
لكن الأمر الذي يثير الدهشة أكثر أن دول المنطقة وتحديداً دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (GCC) تمثل وزناً اقتصادياً ضخماً لكتلة دول الاتحاد الأوروبي (EU) التي تعتبر الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون بحجم تبادل تجاري بلغ في عام 2005 حوالي 87 مليار يورو كأكبر مصدر لوارداتها (حوالي50.4 مليار يورو) وثاني سوق لصادراتها (حوالي 37.3 مليار يورو)، وإذا ما أضفنا إلى ذلك الوزن النسبي الحالي والمستقبلي لواردات الاتحاد الأوروبي من النفط والغاز من المنطقة (تعتمد دول الاتحاد الأوروبي على دول الخليج حالياً في 23 في المائة من وارداتها النفطية و11 في المائة من وارداتها من الغاز الطبيعي)، فإننا نكون أمام تراجع لدور أوروبي جماعي – وليس على المستويات الثنائية – يصعب تبريره. وإن كان هناك من يفسر هذا التراجع لأسباب عدة منها أن الخليج لا يمثل درجة عاجلية (جيوبولتيكية) حادة تستحق في نظر الاتحاد الأوروبي دفع التكاليف المصاحبة لمزيد من الانغماس في شؤون المنطقة، أو كون التدخل الأوروبي قد أعيق تاريخياً بإدراك أن المنطقة في دائرة النفوذ الأمريكي، حيث إن بريطانيا تكاد تكون الدولة الوحيدة بين كل الدول الأوروبية التي تملك تاريخاً معتبراً فيها، ومن ثم كان عدم الاهتمام بالخليج مسألة تبدو منطقية حتى جاءت أزمة النفط الأولي في عام 1973 التي كشفت عن تعرض أوروبا الشديد سواء في درجة اعتمادها العالية على نفط الخليج، أو تعرضها الجيوبولتيكي للآثار السلبية لصراع الشرق الأوسط الذي طرق أبوابها بعنف.
وكانت الولايات المتحدة التي هيمنت منذ مطلع سبعينات القرن الماضي على طابع التدخل الدولي في الخليج مدفوعة بمصالحها القومية في الأساس ومصالح حلفائها الغربيين في تأمين إمدادات النفط واحتواء غريمها الاتحاد السوفييتي آنذاك عبر حدوده الجنوبية، ومن ثم لعبت دور الضامن لأمن دول المنطقة في البدء عبر وجود قواتها على مشارف المنطقة أو ما يعبر عنه بالجانب الآخر من الأفق ((Over the horizon لمنع حساسيات شعبية داخلية في دول المنطقة واعتماد سياسة توازن القوى الإقليمي بالاستناد إلى دعم قوة إقليمية كبرى كإيران طوال فترة السبعينات والعراق – إلى حد ما خلال الثمانينات – إلا أن الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990 أشر إلى تحول دراماتيكي في السياسة الأمريكية نحو المنطقة مستغلة الدور الذي لعبته العسكرية الأمريكية في تحرير الكويت والمخاوف الأمنية المطلقة لدول الخليج العربية التي عقدت ترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة أتاحت لها قواعد وتسهيلات عسكرية ووفرت لها نشراً عسكرياً أمامياً مباشراً في المنطقة وعلاقات عسكرية تتصاعد في بعض الأحيان إلى نشر عسكري على حجم واسع، وتطورت هذه الترتيبات الأمنية إلى اتفاقيات دفاعية ثنائية رسمية – عدا حالة السعودية – لترسخ من بقاء قوة عسكرية أمريكية كبيرة في المنطقة تضمن أمن هذه الدول، وتصبح معها الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي لها قواعد عسكرية في المنطقة، إلا أن الغزو الأمريكي للعراق في 2003 وما تلاه من تبعات أفرز بيئة أمنية غير مستقرة جلبت معها على المنطقة تحديات جديدة تجاوزتها ربما لتشمل العالم أجمع.
التحديات الأمنية في الخليج بعد غزو العراق
بيئة التهديد الأمني في الخليج تحولت – وليس بالضرورة انخفضت – بسقوط النظام الحاكم في العراق، والذي ربما تقبلته الدول الخليجية العربية – وبالتأكيد الطرف الإيراني – بشعور من الارتياح بسبب اختفاء التهديد التقليدي وغير التقليدي الذي فرضة العراق على المنطقة طوال عقدين سابقين، لكن هذا الشعور لم يترجم إلى حقائق مستقرة على الأرض، حيث بدا أن الولايات المتحدة لا تملك تصوراً لبناء أمني مستقر في المنطقة، ولا تملك أيضاً قدرة على ضبط الأوضاع غير المستقرة في البلد الذي قامت بغزوه بفضل أخطاء استراتيجية مارستها – ولا تزال – منذ اللحظات الأولى لانتصارها السريع الأسطوري على الآلة العسكرية العراقية – المتهالكة أصلاً – وتوليها الشأن العراقي داخلياً.
وهناك الآن حقائق ثلاث تفرزها البيئة الأمنية الحالية وتطرحها بعنف كتحديات تواجه أمن دول الخليج العربية على نحو خاص.
أولاً: التفوق الاستراتيجي الإيراني
يسود دول الخليج شعور بثقة إيران الحالية بتولي دور أكثر فاعلية في أمن الخليج، بل وسعيها إلى طرح بناء أمني خليجي جديد لقيادتها استناداً إلى اختفاء التهديد العراقي لها والإجهاد المستنزف للعسكرية الأمريكية في الداخل العراقي غربها والداخل الأفغاني شرقها، إضافة إلى برامج التسليح والتصنيع العسكري الذاتية فضلاً عن البرنامج النووي والهواجس المحيطة بإمكانية توافرها على برنامج للأسلحة النووية.
إن هذا الخلل في التوازن العسكري في المنطقة لصالح إيران في مواجهة دول الشاطئ الآخر العربي لا يتيح للأخيرة سوى الاستمرار في استبقاء الضمانات الأمنية الأمريكية من نشر أمامي ووجود كثيف للقوات العسكرية على أراضيها، ويصبح الحديث في دهاليز واشنطن السياسية عن شكوى إجهاد القوة العسكرية الأمريكية في العراق، وعن خيارات مطروحة لعودة التمركز مرة أخرى إلى الجانب الآخر من الأفق، أو حتى مشاركة العبء مع فاعلين آخرين مصدر قلق بالغاً لدى هذه الدول لعدم توافر بديل فاعل وممكن عن ضمانات الأمن الأمريكية.
على جانب آخر هناك من يقلل من القدرة العسكرية الإيرانية في التحرك عسكرياً عبر الخليج للتدخل في أية دولة خليجية حتى لو لم توجود القوة العسكرية الأمريكية هناك بشكل مباشر، حيث يمكن للأخيرة حتى في وجودها على الجانب الآخر من الأفق إحباط أي محاولة إيرانية كهذه أو حتى لإغلاق مضيق هرمز ( يشير هؤلاء إلى المواجهة البحرية بين الولايات المتحدة وإيران إبان حرب الخليج الأولى التي أطلق عليها عملية (Praying Mantis) استمرت يوماً واحداً فقط في 18 إبريل 1988، ودمرت فيها البحرية الأمريكية نصف السفن البحرية الكبيرة للأسطول الإيراني).
ثانياً: تشجيع المجتمعات الشيعية في الخليج
زاد من هذا الإدراك تصاعد أدوار رجال الدين الشيعة في العراق والتنظيمات الشيعية الطائفية الأساسية كالمجلس الأعلى للثورة الأسلامية في العراق (SCIRI) وجناحه العسكري (فيلق بدر) المدعوم إيرانياً، وحزب الدعوة، وجماعة الصدر وجناحة العسكري جيش المهدي. وقد هيمنت هذه الجماعات على الانتخابات البرلمانية التي جرت مرتين في يناير وديسمبر من عام 2005. ويبدو تصاعد هذا المد الطائفي في العراق مصدر قلق لدول الخليج العربية يشجع هذه الطائفة على المطالبة باستحقاقات سياسية واجتماعية واقتصادية في الداخل القطري لهذه الدول، وهي مطالب تلقى تأييداً ودعماً من الطرف الإيراني فضلاً عن الضغوط الدولية لتسريع وتيرة الإصلاح السياسي الداخلي ومطالبات منظمات حقوق الإنسان الدولية بحقوق الأقليات.
ثالثاً: ارتدادات الأوضاع الميدانية في العراق
عارضت دول الخليج في غالبيتها – عدا الكويت – غزو العراق، وتنبأت بأن سقوط النظام في بغداد لن ينتج بالضرورة استقراراً في العراق، لذا فإن معظم هذه الدول لم تمارس العلنية في دعمها للعمليات العسكرية الأمريكية ضد العراق عدا الكويت وقطر اللذين دعما علناً العمل العسكري واستقبلا الجزء الأكبر من الحشد العسكري الأمريكي. وتبدو الارتدادات الميدانية للأوضاع في العراق تلقي بظلالها على دول الجوار الخليجية حيث تبدو التقارير الأمريكية عن الأوضاع الأمنية في العراق محملة باتهامات حول تسلل جماعات من أبناء الدول الخليجية للقتال إلى جوار التمرد السني وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين (تذكر التقارير أن أكثر من نصف أفراد القاعدة في العراق هم من الشباب السعودي)، فضلاً عن محاولات تسلل معاكسة يعلن عنها بشكل دوري لبعض المتمردين السنة إلى داخل دول الخليج – خاصة الكويت – لتنفيذ عمليات انتقامية ضد الحكومات الخليجية بزعم دعمها غزو العراق، وتطرح مسألة احتمال مغادرة مفاجئة للقوات الأمريكية من العراق تحت ضغط خسائرها هناك أو ربما لمطالبات سياسية داخلية في واشنطن هاجس تحول جزء من العراق إلى ملاذ آمن لميليشيات إسلامية جهادية سيكون هدفها الآني نظم الحكم الخليجية (ربما هذا ما يفسر الدور السعودي المتصاعد مادياً ومعنوياً تجاه الأطراف السنية في العراق آخيراً في محاولة لتوفيق الأوضاع الداخلية في هذا البلد).
ويبدو وعي مؤسسة الاتحاد الأوروبي لهذه التحديات الأمنية في الخليج أمراً واقعياً بقدر إدراكها أيضاً لعدم قدرتها على توفير ضمانات أمنية على غرار ما تفعله الولايات المتحدة على الأرض هناك حالياً، وأن أقصى ما يمكن عمله في مجال الأمن هو إجراءات لبناء الثقة خاصة مع إيران، وتوفير أطر للحوار الأمني خاصة أن الأطراف الأوروبية المؤسسة للاتحاد الأوروبي لا تزال تتمتع بمصداقية (القوة الناعمة) التي أصبحت تفتقدها بشـدة الولايات المتحدة.
أحداث 11 سبتمبر وحراك أمني أوروبي جديد
ويمكن القول إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتوابعها المضطربة التي أوصلت إلى الغزو الأمريكي للعراق في ربيع عام 2003 قد أحدثت حراكاً في النهج الأمني للاتحاد الأوروبي تجاه الخليج من أبرز معالمه مبادرتان أساسيتان:
1- استراتيجية الأمن الأوروبية الجديدة التي أعلنت في ديسمبر من عام 2003 والتي أشارت في جزء منها إلى الحاجة الملحة لتوسيع العلاقات مع العالم العربي التي أفرزت في يونيو 2004 تبني الاتحاد الأوروبي للشراكة الاستراتيجية مع المتوسط والشرق الأوسط) التي ألزمت فيها الاتحاد الأوروبي بتطوير شراكه استراتيجية مع دول الخليج على نحو خاص.
2- مبادرة تعاون اسطنبول التي أعلنت في قمة دول (الناتو) التي عقدت في يونيو 2004 في مدينة اسطنبول بتركيا والتي دعت إلى التعاون مع دول الخليج العربية في 12 مجالاً على رأسها مقاومة الإرهاب وأمن الحدود والتخطيط للكوارث المدنية.
ويبدو بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة على إعلان هاتين المبادرتين أن النتائج لا تزال متواضعة مقارنة بالأهداف والطموحات التي واكبت إعلانهما، حيث لا تزال المبادرات الثنائية للدول الأوروبية (أي على المستوى القطري) هي الطاغية على حساب العمل الأوروبي الجماعي (أي على مستوى الاتحاد الأوروبي)، وهو ما دفع أحد الدبلوماسيين الأوروبيين للقول إنه (رغم جهود ما بعد 11 سبتمبر 2001 فإنه لا تزال لا توجد سياسة للاتحاد الأوروبي في الخليج)، وتالياً سنعرض لبعض من أسباب التعثر التي صاحبت كلا المبادرتين.
الشراكة الأوروبية الاستراتيجية مع دول الخليج (يونيو 2004)
جاءت في الإطار عام لوثيقة الشراكة الاستراتيجية مع المتوسط والشرق الأوسط التي أعلنت عنها المفوضية الأوروبية في يونيو 2004 على نحو ما ذكرنا آنفاً، واعترفت الوثيقة بخطأ إهمال الاتحاد الأوروبي لتطوير العلاقات مع الدول الخليجية، وكيف أن خصائص هذه الدول الاقتصادية والاجتماعية تتطلب آليات مختلفة عن تلك التي تدار بها العلاقات مع دول عملية برشلونة (الدول المتوسطية)، واقترحت الوثيقة ضرورة دراسة الاتحاد الأوروبي لإمكانية تنفيذ سياسات ثنائية (Bilateral Political Engagement ( بين الدول الراغبة في التعاون في المسائل الإصلاحية (وهو تحول جوهري عن الأسس الإقليمية التي سعى الاتحاد الأوروبي إلى ممارستها منذ البدء على نحو جماعي ولم تفرز نتائج آنذاك).
هذه المبادرة ربما جاء تفسير إعلانها كإجراء للتغلب على ما اعتبر من قبل بعض الدول الأوروبية الأعضاء نهجاً غير فعال وضعيفاً وذا صبغة فنية قادته المفوضية في إدارة علاقاتها مع الخليج حتى الآن، وهناك من يفسر المبادرة أيضاً وبإعتبار تأسيسها على مقترح فرنسي – ألماني أنها رد أوروبي جماعي على مبادرة (الشرق الأوسط الكبير) التي أعلنت عنها آنذاك الولايات المتحدة.
ورغم الزخم الإعلامي والتصريحات السياسية التي واكبت صدور المبادرة إلا أنها لم تحقق إلا القليل في مسار العلاقات الأوروبية الجماعية مع دول الخليج، ويفسر هذا الإخفاق القائم للمبادرة لأسباب عدة أبرزها:
* عدم وجود إجماع داخل الاتحاد الأوروبي على ما الذي يجب أن تسعى إليه هذه الشراكة الاستراتيجية في الممارسة العملية، حيث هناك أعضاء يرفضون تبني أي استراتيجية يمكن أن ترتبط في النهاية برؤية أمريكية لإطار أمن إقليمي محدد، كما أن هناك دول أعضاء مهتمة بأولوية الشراكة الأوروبية المتوسطية (EMP)، وترى عدم تحميل الاتحاد الأوروبي تعقيدات وتكاليف الأوضاع الأمنية المعقدة في هذه المنطقة من العالم.
* الانقسام القائم داخل الاتحاد الأوروبي حول أولويات السياسات الأوروبية الجماعية نحو الخليج، فهناك دول أعضاء كبريطانيا والدنمارك وهولندا ترى الأولوية للعلاقات التجارية على حساب العلاقات السياسية، وتطالب بسرعة توقيع اتفاقيـة التجـارة الحرة(FTA) مع دول الخليج، بل تتهم المفوضية ذاتها بعدم القدرة والكفاءة على إنجازها، بينما ترى دول أخرى أولوية العلاقات السياسية كأساس لوجود جيبوبوليتكي أعمق في هذه المنطقة الحيوية في العالم، وأن ارتباطاً سياسياً أكبر يجب السعي إليه عبر المجلس الأوروبي بديلاً عن المفوضية الأوربية.
* الحساسية الملازمة لسياسات الاتحاد الأوروبي في محاولته غير الناجحة في التوفيق بين متطلبات التعاون الأطلسي عبر مؤسسة (الناتو) وبين السعي إلى نهج مختلف عن الولايات المتحدة تجاه الخليج يركز على المشاركة والتعاون والتشاور مع دوله المعنية في بيئه تبدو فيها الهيمنة الأمريكية مصحوبة بسبق وجود تاريخي وإرادة سياسية قائمة تفتقدها مؤسسات الاتحاد الأوروبي نفسها قبل دولها الأعضاء.
مبادرة تعاون اسطنبول (ICI) (يونيو2004)
جاءت بمثابة مسار مواز تعمل فيه دول الاتحاد الأوروبي في إطار المؤسسة الأمنية الأطلسية حلف شمال الأطلنطي الناتو (NATO)، وهي في الواقع مؤشر عملي أبرز لأول مرة على الصعيد الأمني الوضع الخاص لمنطقة الخليج، حيث استبعدت المنطقة من الحوار المتوسطي للناتو، وقدمت مبادرة أمنية منفصلة لدول مجلس التعاون الخليجي العربية شملت على نحو ما ذكرنا آنفاً دعوة للتعاون في 12 مجالاً تأتي في مقدمتها مقاومة الإرهاب، والأهم أن المبادرة تضمنت التزاماً بتحسين (التحكم الأمني) في هذه الدول والذي يتضمن تعاوناً في الإصلاح الدفاعي، وكذلك دعم الإشراف المدني على القوى الأمنية في هذه الدول.
ويبدو أن مصير هذه المبادرة التي صدرت متزامنة مع مبادرة الشراكة الاستراتيجية التي عرضنا لها لم يختلف كثيراً عن الأخيرة، ويأتي هذا الإخفاق الذي صاحب هذه المبادرة لأسباب عدة نذكر منها:
* الانقسامات داخل (الناتو) نفسه حول دوره في الخليج، فبينما تتزعم بريطانيا الدول المؤيدة لدور أكبر، تأتي دول الجنوب الأوروبية لترى الأولوية لدور الناتو في الحوار المتوسطي على حساب الحوار الخليجي، بل إن فرنسا وإسبانيا على نحو خاص تبدوان نافرتين لدور للناتو في الخليج خاصة في أعقاب تردي الوضع القائم هناك على خلفية الغزو الأمريكي للعراق.
* الحذر المفروض على دور الناتو في المنطقة كمؤسسة أمنية في الدرجة الأولى، حيث يستشعر كثير من النخبة المثقفة الخليجية تلازماً بين (الناتو) والولايات المتحدة التي لها انطباعات سلبية عديدة لديهم، الأمر الذي يطرح أيضاً احتمال تسريع المبادرة لتوترات داخلية – هي موجودة بالأساس – إذا ما تحركت المعارضة الإسلامية في مواجهتها لاستغلال الوضع.
* اختلافات الرؤي حول إصلاحات القطاع الأمني الذي تهدف إليه مبادرة تعاون اسطنبول عن رؤى النظم الحاكمة في الخليج، حيث صممت المبـادرة على نمـط (المشاركة من أجل السلام) الناجحة التي نفذت في دول أوروبا الشرقية (الأعضاء السابقين في حلف وارسو) خلال فترة التسعينات والتي تأسست على مبدأ السيطرة الديمقراطية على القوات المسلحة الأمر، الذي يفرض شكوكاً كثيرة حول تكرار هذا النجاح في بيئة سياسية واجتماعية وأمنية مختلفة على نحو هائل كما هي الحال في منطقة الخليج التي تفضل نظمها الحاكمة نمط إصلاح أمناً بطيئاً ومتدرجاً يدار بمعرفتها وتحت سيطرتها وليس من الخارج باعتبار رؤيتها لمسألة تأمين السيطرة على العسكريات النظامية مقدماً على مسائل الفاعلية والكفاءة العسكرية، وباعتبار أيضاً نجاحها الفريد في تحييد وتقييد دور المؤسسات الأمنية لديها عبر إدارة واعية لقطاع الأمن على مدى العقود الماضية وهو ما لم يتحقق في دول عربية وإسلامية أخرى مجاورة.
* الاختلاف في توقعات طرفي مبادرة تعاون اسطنبول، فبينما ترى الدول الخليجية العربية ضرورة وجود دور مركزي أكبر للناتو في عودة الاستقرار إلى العراق على حساب الضغوط المطالبة بإصلاحات سياسية مهمة، يرى (الناتو) في المطالبة بإصلاحات سياسية أكبر وإصلاحات أمنية مؤسسية أعمق أولويات ملحة على حساب دور عسكري مباشر في العراق أو المنطقة ككل.
أخيراً إن قراءة متأنية لما طرحناه تفرض الإقرار بأنه على النقيض من القوى الدولية الجديدة البازغة مثل الصين والهند، يبدو تركيز الاتحاد الأوروبي على منطقة الخليج أقل مما يفترض، حيث تعتبر المنطقة المجال الجيو- اقتصادي المهم الذي يوجود فيه الاتحاد الأوروبي بصعوبة كلاعب جماعي، وتبقى هذه المؤسسة الأوروبية الجماعية (الاتحاد الأوروبي) وحتى دولها الأعضاء على نحو منفرد تحمل شكوكاً كبيرة حول إرادتها السياسية في استثمار جهد أكبر في الخليج، وفي ضوء التطورات العنيفة التي شهدتها المنطقة بعد 11 سبتمبر 2001 والتطورات الأعنف فيما بعد غزو العراق في عام 2003 مصحوبة بأزمة الطاقة التي تعانيها الدول الأوروبية وتصاعد تنافس دول صاعدة جديدة على موارد وأسواق المنطقة فإن دور الاتحاد الأوروبي في مسائل أمن الخليج لا يزال يبدو متواضعاً، ويبدو أيضاً أن ذلك يعود إلى الحقائق ترتبط بعوائق مؤسسية داخل الاتحاد الأوروبي في ذاته، وبطبيعة النهج الإقليمي – الإقليمي الذي يفضلة الاتحاد الأوروبي، ثم والأهم رؤيته النفعية التي ترى في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الإقليمين الأوروبي والخليجي وفي التكامل الاقتصادي داخل منطقة الخليج نفسها الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق الأمن والاستقرار في الخليج من دون التورط في سياق تدخلات أمنية ترى فيها تكلفة لا تملك ترفها سواء في شقها المادي والبشري أو حتى في شقها المعنوي، كما يحدث حالياً بالنسبة للولايات المتحدة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3407::/cck::
::introtext::
لا تزال منطقة الخليج التي تتركز فيها حالياً مشكلات أساسية مثيرة وحيوية للاهتمام الدولي كأمن الطاقة وانتشار أسلحة الدمار الشامل ومقاومة الإرهاب. ونتائج الغزو الأمريكي القائم للعراق فضلاً عن جدليات الإصلاح السياسي المأمول، هذه المنطقة، تفتقد سياسة خارجية أوروبية جماعية منسقة واهتماماً إذا ما قورنت بمناطق أخرى في العالم على غرار مجموعة دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط الموجودة في إطـار الشراكـة الأوروبيـة – المتوسطية التي تتوافر لها مبادرة أوروبية متكاملة ومتناسقة لجنوب المتوسط لم تمتد لتشمل دول منطقة الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
لا تزال منطقة الخليج التي تتركز فيها حالياً مشكلات أساسية مثيرة وحيوية للاهتمام الدولي كأمن الطاقة وانتشار أسلحة الدمار الشامل ومقاومة الإرهاب. ونتائج الغزو الأمريكي القائم للعراق فضلاً عن جدليات الإصلاح السياسي المأمول، هذه المنطقة، تفتقد سياسة خارجية أوروبية جماعية منسقة واهتماماً إذا ما قورنت بمناطق أخرى في العالم على غرار مجموعة دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط الموجودة في إطـار الشراكـة الأوروبيـة – المتوسطية التي تتوافر لها مبادرة أوروبية متكاملة ومتناسقة لجنوب المتوسط لم تمتد لتشمل دول منطقة الخليج.
لكن الأمر الذي يثير الدهشة أكثر أن دول المنطقة وتحديداً دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية (GCC) تمثل وزناً اقتصادياً ضخماً لكتلة دول الاتحاد الأوروبي (EU) التي تعتبر الشريك التجاري الأول لدول مجلس التعاون بحجم تبادل تجاري بلغ في عام 2005 حوالي 87 مليار يورو كأكبر مصدر لوارداتها (حوالي50.4 مليار يورو) وثاني سوق لصادراتها (حوالي 37.3 مليار يورو)، وإذا ما أضفنا إلى ذلك الوزن النسبي الحالي والمستقبلي لواردات الاتحاد الأوروبي من النفط والغاز من المنطقة (تعتمد دول الاتحاد الأوروبي على دول الخليج حالياً في 23 في المائة من وارداتها النفطية و11 في المائة من وارداتها من الغاز الطبيعي)، فإننا نكون أمام تراجع لدور أوروبي جماعي – وليس على المستويات الثنائية – يصعب تبريره. وإن كان هناك من يفسر هذا التراجع لأسباب عدة منها أن الخليج لا يمثل درجة عاجلية (جيوبولتيكية) حادة تستحق في نظر الاتحاد الأوروبي دفع التكاليف المصاحبة لمزيد من الانغماس في شؤون المنطقة، أو كون التدخل الأوروبي قد أعيق تاريخياً بإدراك أن المنطقة في دائرة النفوذ الأمريكي، حيث إن بريطانيا تكاد تكون الدولة الوحيدة بين كل الدول الأوروبية التي تملك تاريخاً معتبراً فيها، ومن ثم كان عدم الاهتمام بالخليج مسألة تبدو منطقية حتى جاءت أزمة النفط الأولي في عام 1973 التي كشفت عن تعرض أوروبا الشديد سواء في درجة اعتمادها العالية على نفط الخليج، أو تعرضها الجيوبولتيكي للآثار السلبية لصراع الشرق الأوسط الذي طرق أبوابها بعنف.
وكانت الولايات المتحدة التي هيمنت منذ مطلع سبعينات القرن الماضي على طابع التدخل الدولي في الخليج مدفوعة بمصالحها القومية في الأساس ومصالح حلفائها الغربيين في تأمين إمدادات النفط واحتواء غريمها الاتحاد السوفييتي آنذاك عبر حدوده الجنوبية، ومن ثم لعبت دور الضامن لأمن دول المنطقة في البدء عبر وجود قواتها على مشارف المنطقة أو ما يعبر عنه بالجانب الآخر من الأفق ((Over the horizon لمنع حساسيات شعبية داخلية في دول المنطقة واعتماد سياسة توازن القوى الإقليمي بالاستناد إلى دعم قوة إقليمية كبرى كإيران طوال فترة السبعينات والعراق – إلى حد ما خلال الثمانينات – إلا أن الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990 أشر إلى تحول دراماتيكي في السياسة الأمريكية نحو المنطقة مستغلة الدور الذي لعبته العسكرية الأمريكية في تحرير الكويت والمخاوف الأمنية المطلقة لدول الخليج العربية التي عقدت ترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة أتاحت لها قواعد وتسهيلات عسكرية ووفرت لها نشراً عسكرياً أمامياً مباشراً في المنطقة وعلاقات عسكرية تتصاعد في بعض الأحيان إلى نشر عسكري على حجم واسع، وتطورت هذه الترتيبات الأمنية إلى اتفاقيات دفاعية ثنائية رسمية – عدا حالة السعودية – لترسخ من بقاء قوة عسكرية أمريكية كبيرة في المنطقة تضمن أمن هذه الدول، وتصبح معها الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي لها قواعد عسكرية في المنطقة، إلا أن الغزو الأمريكي للعراق في 2003 وما تلاه من تبعات أفرز بيئة أمنية غير مستقرة جلبت معها على المنطقة تحديات جديدة تجاوزتها ربما لتشمل العالم أجمع.
التحديات الأمنية في الخليج بعد غزو العراق
بيئة التهديد الأمني في الخليج تحولت – وليس بالضرورة انخفضت – بسقوط النظام الحاكم في العراق، والذي ربما تقبلته الدول الخليجية العربية – وبالتأكيد الطرف الإيراني – بشعور من الارتياح بسبب اختفاء التهديد التقليدي وغير التقليدي الذي فرضة العراق على المنطقة طوال عقدين سابقين، لكن هذا الشعور لم يترجم إلى حقائق مستقرة على الأرض، حيث بدا أن الولايات المتحدة لا تملك تصوراً لبناء أمني مستقر في المنطقة، ولا تملك أيضاً قدرة على ضبط الأوضاع غير المستقرة في البلد الذي قامت بغزوه بفضل أخطاء استراتيجية مارستها – ولا تزال – منذ اللحظات الأولى لانتصارها السريع الأسطوري على الآلة العسكرية العراقية – المتهالكة أصلاً – وتوليها الشأن العراقي داخلياً.
وهناك الآن حقائق ثلاث تفرزها البيئة الأمنية الحالية وتطرحها بعنف كتحديات تواجه أمن دول الخليج العربية على نحو خاص.
أولاً: التفوق الاستراتيجي الإيراني
يسود دول الخليج شعور بثقة إيران الحالية بتولي دور أكثر فاعلية في أمن الخليج، بل وسعيها إلى طرح بناء أمني خليجي جديد لقيادتها استناداً إلى اختفاء التهديد العراقي لها والإجهاد المستنزف للعسكرية الأمريكية في الداخل العراقي غربها والداخل الأفغاني شرقها، إضافة إلى برامج التسليح والتصنيع العسكري الذاتية فضلاً عن البرنامج النووي والهواجس المحيطة بإمكانية توافرها على برنامج للأسلحة النووية.
إن هذا الخلل في التوازن العسكري في المنطقة لصالح إيران في مواجهة دول الشاطئ الآخر العربي لا يتيح للأخيرة سوى الاستمرار في استبقاء الضمانات الأمنية الأمريكية من نشر أمامي ووجود كثيف للقوات العسكرية على أراضيها، ويصبح الحديث في دهاليز واشنطن السياسية عن شكوى إجهاد القوة العسكرية الأمريكية في العراق، وعن خيارات مطروحة لعودة التمركز مرة أخرى إلى الجانب الآخر من الأفق، أو حتى مشاركة العبء مع فاعلين آخرين مصدر قلق بالغاً لدى هذه الدول لعدم توافر بديل فاعل وممكن عن ضمانات الأمن الأمريكية.
على جانب آخر هناك من يقلل من القدرة العسكرية الإيرانية في التحرك عسكرياً عبر الخليج للتدخل في أية دولة خليجية حتى لو لم توجود القوة العسكرية الأمريكية هناك بشكل مباشر، حيث يمكن للأخيرة حتى في وجودها على الجانب الآخر من الأفق إحباط أي محاولة إيرانية كهذه أو حتى لإغلاق مضيق هرمز ( يشير هؤلاء إلى المواجهة البحرية بين الولايات المتحدة وإيران إبان حرب الخليج الأولى التي أطلق عليها عملية (Praying Mantis) استمرت يوماً واحداً فقط في 18 إبريل 1988، ودمرت فيها البحرية الأمريكية نصف السفن البحرية الكبيرة للأسطول الإيراني).
ثانياً: تشجيع المجتمعات الشيعية في الخليج
زاد من هذا الإدراك تصاعد أدوار رجال الدين الشيعة في العراق والتنظيمات الشيعية الطائفية الأساسية كالمجلس الأعلى للثورة الأسلامية في العراق (SCIRI) وجناحه العسكري (فيلق بدر) المدعوم إيرانياً، وحزب الدعوة، وجماعة الصدر وجناحة العسكري جيش المهدي. وقد هيمنت هذه الجماعات على الانتخابات البرلمانية التي جرت مرتين في يناير وديسمبر من عام 2005. ويبدو تصاعد هذا المد الطائفي في العراق مصدر قلق لدول الخليج العربية يشجع هذه الطائفة على المطالبة باستحقاقات سياسية واجتماعية واقتصادية في الداخل القطري لهذه الدول، وهي مطالب تلقى تأييداً ودعماً من الطرف الإيراني فضلاً عن الضغوط الدولية لتسريع وتيرة الإصلاح السياسي الداخلي ومطالبات منظمات حقوق الإنسان الدولية بحقوق الأقليات.
ثالثاً: ارتدادات الأوضاع الميدانية في العراق
عارضت دول الخليج في غالبيتها – عدا الكويت – غزو العراق، وتنبأت بأن سقوط النظام في بغداد لن ينتج بالضرورة استقراراً في العراق، لذا فإن معظم هذه الدول لم تمارس العلنية في دعمها للعمليات العسكرية الأمريكية ضد العراق عدا الكويت وقطر اللذين دعما علناً العمل العسكري واستقبلا الجزء الأكبر من الحشد العسكري الأمريكي. وتبدو الارتدادات الميدانية للأوضاع في العراق تلقي بظلالها على دول الجوار الخليجية حيث تبدو التقارير الأمريكية عن الأوضاع الأمنية في العراق محملة باتهامات حول تسلل جماعات من أبناء الدول الخليجية للقتال إلى جوار التمرد السني وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين (تذكر التقارير أن أكثر من نصف أفراد القاعدة في العراق هم من الشباب السعودي)، فضلاً عن محاولات تسلل معاكسة يعلن عنها بشكل دوري لبعض المتمردين السنة إلى داخل دول الخليج – خاصة الكويت – لتنفيذ عمليات انتقامية ضد الحكومات الخليجية بزعم دعمها غزو العراق، وتطرح مسألة احتمال مغادرة مفاجئة للقوات الأمريكية من العراق تحت ضغط خسائرها هناك أو ربما لمطالبات سياسية داخلية في واشنطن هاجس تحول جزء من العراق إلى ملاذ آمن لميليشيات إسلامية جهادية سيكون هدفها الآني نظم الحكم الخليجية (ربما هذا ما يفسر الدور السعودي المتصاعد مادياً ومعنوياً تجاه الأطراف السنية في العراق آخيراً في محاولة لتوفيق الأوضاع الداخلية في هذا البلد).
ويبدو وعي مؤسسة الاتحاد الأوروبي لهذه التحديات الأمنية في الخليج أمراً واقعياً بقدر إدراكها أيضاً لعدم قدرتها على توفير ضمانات أمنية على غرار ما تفعله الولايات المتحدة على الأرض هناك حالياً، وأن أقصى ما يمكن عمله في مجال الأمن هو إجراءات لبناء الثقة خاصة مع إيران، وتوفير أطر للحوار الأمني خاصة أن الأطراف الأوروبية المؤسسة للاتحاد الأوروبي لا تزال تتمتع بمصداقية (القوة الناعمة) التي أصبحت تفتقدها بشـدة الولايات المتحدة.
أحداث 11 سبتمبر وحراك أمني أوروبي جديد
ويمكن القول إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتوابعها المضطربة التي أوصلت إلى الغزو الأمريكي للعراق في ربيع عام 2003 قد أحدثت حراكاً في النهج الأمني للاتحاد الأوروبي تجاه الخليج من أبرز معالمه مبادرتان أساسيتان:
1- استراتيجية الأمن الأوروبية الجديدة التي أعلنت في ديسمبر من عام 2003 والتي أشارت في جزء منها إلى الحاجة الملحة لتوسيع العلاقات مع العالم العربي التي أفرزت في يونيو 2004 تبني الاتحاد الأوروبي للشراكة الاستراتيجية مع المتوسط والشرق الأوسط) التي ألزمت فيها الاتحاد الأوروبي بتطوير شراكه استراتيجية مع دول الخليج على نحو خاص.
2- مبادرة تعاون اسطنبول التي أعلنت في قمة دول (الناتو) التي عقدت في يونيو 2004 في مدينة اسطنبول بتركيا والتي دعت إلى التعاون مع دول الخليج العربية في 12 مجالاً على رأسها مقاومة الإرهاب وأمن الحدود والتخطيط للكوارث المدنية.
ويبدو بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة على إعلان هاتين المبادرتين أن النتائج لا تزال متواضعة مقارنة بالأهداف والطموحات التي واكبت إعلانهما، حيث لا تزال المبادرات الثنائية للدول الأوروبية (أي على المستوى القطري) هي الطاغية على حساب العمل الأوروبي الجماعي (أي على مستوى الاتحاد الأوروبي)، وهو ما دفع أحد الدبلوماسيين الأوروبيين للقول إنه (رغم جهود ما بعد 11 سبتمبر 2001 فإنه لا تزال لا توجد سياسة للاتحاد الأوروبي في الخليج)، وتالياً سنعرض لبعض من أسباب التعثر التي صاحبت كلا المبادرتين.
الشراكة الأوروبية الاستراتيجية مع دول الخليج (يونيو 2004)
جاءت في الإطار عام لوثيقة الشراكة الاستراتيجية مع المتوسط والشرق الأوسط التي أعلنت عنها المفوضية الأوروبية في يونيو 2004 على نحو ما ذكرنا آنفاً، واعترفت الوثيقة بخطأ إهمال الاتحاد الأوروبي لتطوير العلاقات مع الدول الخليجية، وكيف أن خصائص هذه الدول الاقتصادية والاجتماعية تتطلب آليات مختلفة عن تلك التي تدار بها العلاقات مع دول عملية برشلونة (الدول المتوسطية)، واقترحت الوثيقة ضرورة دراسة الاتحاد الأوروبي لإمكانية تنفيذ سياسات ثنائية (Bilateral Political Engagement ( بين الدول الراغبة في التعاون في المسائل الإصلاحية (وهو تحول جوهري عن الأسس الإقليمية التي سعى الاتحاد الأوروبي إلى ممارستها منذ البدء على نحو جماعي ولم تفرز نتائج آنذاك).
هذه المبادرة ربما جاء تفسير إعلانها كإجراء للتغلب على ما اعتبر من قبل بعض الدول الأوروبية الأعضاء نهجاً غير فعال وضعيفاً وذا صبغة فنية قادته المفوضية في إدارة علاقاتها مع الخليج حتى الآن، وهناك من يفسر المبادرة أيضاً وبإعتبار تأسيسها على مقترح فرنسي – ألماني أنها رد أوروبي جماعي على مبادرة (الشرق الأوسط الكبير) التي أعلنت عنها آنذاك الولايات المتحدة.
ورغم الزخم الإعلامي والتصريحات السياسية التي واكبت صدور المبادرة إلا أنها لم تحقق إلا القليل في مسار العلاقات الأوروبية الجماعية مع دول الخليج، ويفسر هذا الإخفاق القائم للمبادرة لأسباب عدة أبرزها:
* عدم وجود إجماع داخل الاتحاد الأوروبي على ما الذي يجب أن تسعى إليه هذه الشراكة الاستراتيجية في الممارسة العملية، حيث هناك أعضاء يرفضون تبني أي استراتيجية يمكن أن ترتبط في النهاية برؤية أمريكية لإطار أمن إقليمي محدد، كما أن هناك دول أعضاء مهتمة بأولوية الشراكة الأوروبية المتوسطية (EMP)، وترى عدم تحميل الاتحاد الأوروبي تعقيدات وتكاليف الأوضاع الأمنية المعقدة في هذه المنطقة من العالم.
* الانقسام القائم داخل الاتحاد الأوروبي حول أولويات السياسات الأوروبية الجماعية نحو الخليج، فهناك دول أعضاء كبريطانيا والدنمارك وهولندا ترى الأولوية للعلاقات التجارية على حساب العلاقات السياسية، وتطالب بسرعة توقيع اتفاقيـة التجـارة الحرة(FTA) مع دول الخليج، بل تتهم المفوضية ذاتها بعدم القدرة والكفاءة على إنجازها، بينما ترى دول أخرى أولوية العلاقات السياسية كأساس لوجود جيبوبوليتكي أعمق في هذه المنطقة الحيوية في العالم، وأن ارتباطاً سياسياً أكبر يجب السعي إليه عبر المجلس الأوروبي بديلاً عن المفوضية الأوربية.
* الحساسية الملازمة لسياسات الاتحاد الأوروبي في محاولته غير الناجحة في التوفيق بين متطلبات التعاون الأطلسي عبر مؤسسة (الناتو) وبين السعي إلى نهج مختلف عن الولايات المتحدة تجاه الخليج يركز على المشاركة والتعاون والتشاور مع دوله المعنية في بيئه تبدو فيها الهيمنة الأمريكية مصحوبة بسبق وجود تاريخي وإرادة سياسية قائمة تفتقدها مؤسسات الاتحاد الأوروبي نفسها قبل دولها الأعضاء.
مبادرة تعاون اسطنبول (ICI) (يونيو2004)
جاءت بمثابة مسار مواز تعمل فيه دول الاتحاد الأوروبي في إطار المؤسسة الأمنية الأطلسية حلف شمال الأطلنطي الناتو (NATO)، وهي في الواقع مؤشر عملي أبرز لأول مرة على الصعيد الأمني الوضع الخاص لمنطقة الخليج، حيث استبعدت المنطقة من الحوار المتوسطي للناتو، وقدمت مبادرة أمنية منفصلة لدول مجلس التعاون الخليجي العربية شملت على نحو ما ذكرنا آنفاً دعوة للتعاون في 12 مجالاً تأتي في مقدمتها مقاومة الإرهاب، والأهم أن المبادرة تضمنت التزاماً بتحسين (التحكم الأمني) في هذه الدول والذي يتضمن تعاوناً في الإصلاح الدفاعي، وكذلك دعم الإشراف المدني على القوى الأمنية في هذه الدول.
ويبدو أن مصير هذه المبادرة التي صدرت متزامنة مع مبادرة الشراكة الاستراتيجية التي عرضنا لها لم يختلف كثيراً عن الأخيرة، ويأتي هذا الإخفاق الذي صاحب هذه المبادرة لأسباب عدة نذكر منها:
* الانقسامات داخل (الناتو) نفسه حول دوره في الخليج، فبينما تتزعم بريطانيا الدول المؤيدة لدور أكبر، تأتي دول الجنوب الأوروبية لترى الأولوية لدور الناتو في الحوار المتوسطي على حساب الحوار الخليجي، بل إن فرنسا وإسبانيا على نحو خاص تبدوان نافرتين لدور للناتو في الخليج خاصة في أعقاب تردي الوضع القائم هناك على خلفية الغزو الأمريكي للعراق.
* الحذر المفروض على دور الناتو في المنطقة كمؤسسة أمنية في الدرجة الأولى، حيث يستشعر كثير من النخبة المثقفة الخليجية تلازماً بين (الناتو) والولايات المتحدة التي لها انطباعات سلبية عديدة لديهم، الأمر الذي يطرح أيضاً احتمال تسريع المبادرة لتوترات داخلية – هي موجودة بالأساس – إذا ما تحركت المعارضة الإسلامية في مواجهتها لاستغلال الوضع.
* اختلافات الرؤي حول إصلاحات القطاع الأمني الذي تهدف إليه مبادرة تعاون اسطنبول عن رؤى النظم الحاكمة في الخليج، حيث صممت المبـادرة على نمـط (المشاركة من أجل السلام) الناجحة التي نفذت في دول أوروبا الشرقية (الأعضاء السابقين في حلف وارسو) خلال فترة التسعينات والتي تأسست على مبدأ السيطرة الديمقراطية على القوات المسلحة الأمر، الذي يفرض شكوكاً كثيرة حول تكرار هذا النجاح في بيئة سياسية واجتماعية وأمنية مختلفة على نحو هائل كما هي الحال في منطقة الخليج التي تفضل نظمها الحاكمة نمط إصلاح أمناً بطيئاً ومتدرجاً يدار بمعرفتها وتحت سيطرتها وليس من الخارج باعتبار رؤيتها لمسألة تأمين السيطرة على العسكريات النظامية مقدماً على مسائل الفاعلية والكفاءة العسكرية، وباعتبار أيضاً نجاحها الفريد في تحييد وتقييد دور المؤسسات الأمنية لديها عبر إدارة واعية لقطاع الأمن على مدى العقود الماضية وهو ما لم يتحقق في دول عربية وإسلامية أخرى مجاورة.
* الاختلاف في توقعات طرفي مبادرة تعاون اسطنبول، فبينما ترى الدول الخليجية العربية ضرورة وجود دور مركزي أكبر للناتو في عودة الاستقرار إلى العراق على حساب الضغوط المطالبة بإصلاحات سياسية مهمة، يرى (الناتو) في المطالبة بإصلاحات سياسية أكبر وإصلاحات أمنية مؤسسية أعمق أولويات ملحة على حساب دور عسكري مباشر في العراق أو المنطقة ككل.
أخيراً إن قراءة متأنية لما طرحناه تفرض الإقرار بأنه على النقيض من القوى الدولية الجديدة البازغة مثل الصين والهند، يبدو تركيز الاتحاد الأوروبي على منطقة الخليج أقل مما يفترض، حيث تعتبر المنطقة المجال الجيو- اقتصادي المهم الذي يوجود فيه الاتحاد الأوروبي بصعوبة كلاعب جماعي، وتبقى هذه المؤسسة الأوروبية الجماعية (الاتحاد الأوروبي) وحتى دولها الأعضاء على نحو منفرد تحمل شكوكاً كبيرة حول إرادتها السياسية في استثمار جهد أكبر في الخليج، وفي ضوء التطورات العنيفة التي شهدتها المنطقة بعد 11 سبتمبر 2001 والتطورات الأعنف فيما بعد غزو العراق في عام 2003 مصحوبة بأزمة الطاقة التي تعانيها الدول الأوروبية وتصاعد تنافس دول صاعدة جديدة على موارد وأسواق المنطقة فإن دور الاتحاد الأوروبي في مسائل أمن الخليج لا يزال يبدو متواضعاً، ويبدو أيضاً أن ذلك يعود إلى الحقائق ترتبط بعوائق مؤسسية داخل الاتحاد الأوروبي في ذاته، وبطبيعة النهج الإقليمي – الإقليمي الذي يفضلة الاتحاد الأوروبي، ثم والأهم رؤيته النفعية التي ترى في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الإقليمين الأوروبي والخليجي وفي التكامل الاقتصادي داخل منطقة الخليج نفسها الأداة الأكثر فاعلية لتحقيق الأمن والاستقرار في الخليج من دون التورط في سياق تدخلات أمنية ترى فيها تكلفة لا تملك ترفها سواء في شقها المادي والبشري أو حتى في شقها المعنوي، كما يحدث حالياً بالنسبة للولايات المتحدة.
::/fulltext::
::cck::3407::/cck::
