الرؤية الأمريكية لأمن الخليج

::cck::3379::/cck::
::introtext::

رغم أن إدارة الرئيس الأمريكي بوش أعلنت في فبراير 2007 أنها لا ترغب في شن حرب على إيران إلا أن اجتماعات في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تمت وتبنت خطة حربية لضرب إيران خلال أربع وعشرين ساعة من تسلم أمر رئاسي بضرب إيران وبمساعدة من إسرائيل عبر ممرات طيران آمنة فوق الخليج وتحديداً المسار الملاحي للطائرت العسكرية الأمريكية والذي يمر فوق الأراضي العراقية، وهذا حسب ما نشر في مجلة (النيو يوركر) في عددها الصادر في الرابع من شهر مارس 2007.

::/introtext::
::fulltext::

رغم أن إدارة الرئيس الأمريكي بوش أعلنت في فبراير 2007 أنها لا ترغب في شن حرب على إيران إلا أن اجتماعات في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تمت وتبنت خطة حربية لضرب إيران خلال أربع وعشرين ساعة من تسلم أمر رئاسي بضرب إيران وبمساعدة من إسرائيل عبر ممرات طيران آمنة فوق الخليج وتحديداً المسار الملاحي للطائرت العسكرية الأمريكية والذي يمر فوق الأراضي العراقية، وهذا حسب ما نشر في مجلة (النيو يوركر) في عددها الصادر في الرابع من شهر مارس 2007.
فريق الاستطلاع والاستخبارات الأمريكي تشكل واجتمع وحدد أهداف الضربة المباغتة والتي تتمثل في تدمير المفاعل النووي الإيراني وقطع الإمدادات الإيرانية وأوصال النظام الإيراني المساند (من وجهة نظر إيرانية مقاومة ومن وجهة نظر أمريكا إرهاب) لكل من العراق و(حزب الله) في لبنان و(حماس) في الأراضي الفلسطينية. وقامت لجان عسكرية أمريكية خاصة، غير تلك القوات الموجودة في المنطقة، بالدخول إلى المواقع العراقية واللبنانية والأراضي المحتلة، وأعدت دراسة مسحية عن الحدود مع الدول المجاورة وتوصلت إلى معلومات استخبارية من شأنها أن تلعب دوراً في أي حرب قادمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والحلفاء في المنطقة.
وعلى الرغم من التصريحات المتكررة من الجانب الأمريكي بأن أمريكا تريد حلاً لملف إيران النووي عبر الطرق الدبلوماسية من خلال حلفاء لها في الخليج إلا أن النوايا الأمريكية بدت تختلف وتظهر إلى العلن مع زيارة الرئيس جورج بوش الأخيرة إلى منطقة الخليج وبعض الحلفاء الرئيسيين لأمريكا في المنطقة، حيث تتواجد القوات العسكرية وساحات التدريب المشتركة التي نتجت وازدادت بعد معاهدات السلام الإسرائيلية – العربية. وليس سراً أن قوات الدلتا الأمريكية كثفت تدريباتها في بعض من دول الخليج، وزاد تعدادها باستقدام 35 ألف مقاتل أمريكي، وأن حاملة الطائرت الأمريكية تقبع في مياه الخليج بانتظار إشارة الرئيس الأمريكي لشن الحرب أو إطلاق التحذيرات أو مجرد استعراض القوة والترهيب.
إن الرؤية الأمريكية ترى في الخليج حليفاً قوياً لها، وترى أيضاً أن أمن الخليج من أولويات سياستها في المنطقة، فهي لا تريد أي امتداد للإرهاب الأصولي الذي تدعمه إيران من وجهة النظر الأمريكية، وتريد أن توقف عمليات الإمداد الإيراني للعراق، وتريد أيضاً أن توقف أي تهديد نووي قد يعرض إسرائيل للخطر المستقبلي خاصة أن لدى إيران صواريخ يصل مداها إلى تل أبيب، كما يطال بعض العواصم الأوروبية. ولقد قدم (الموساد) تقريراً إلى البنتاغون يوضح فاعلية الصواريخ الإيرانية متعددة الرؤوس ومداها وهو ما درسته اللجان الخاصة الأمريكية، ولكنها لم تصل إلى نتيجة مؤكدة عن الفاعلية القتالية والجاهزية العسكرية لمثل هذه الصواريخ.
ولا تريد الرؤية الأمريكية أن تسلم العراق إلى إيران الطامحة في (خليج فارسي تابع لها) وسيطرة على العراق، حيث بات ذلك واضحاً منذ تصريح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في هذا السياق معلناً (أن بلاده على استعداد لملء الفراغ الأمني في العراق في حال انسحاب القوات الأمريكية منه) وهو ما أعاد تأكيده الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني بقوله (إن إيران على استعداد لضمان الأمن والاستقرار في العراق في حال ما إذا انسحبت أمريكا منه).
وهذا يعني ضمنياً موافقة إيران على لعب دورٍ ما لصالح الولايات المتحدة في العراق، إذ لا يعقل أن تترك أمريكا العراق لإيران غنيمة سهلة تصول وتجول فيه هكذا بعد أن أنفقت مئات المليارات وضّحت بالآلاف من جنودها، فضلاً عن أن هيبتها كدولة عظمى معرضة للمساءلة.
وفي الجانب الآخر من السياسة وفي الوقت الذي تُشبع فيه أمريكا إيران بالنقد اللاذع، فإن أمريكا قدمت أكبر خدمة لإيران عملياً وحققت لها ما عجزت إيران بنفسها عن تحقيقه لنفسها، وأزاحت مناوئيها وخصومها الألداء في المنطقة كنظام طالبان في أفغانستان ونظام البعث في العراق، لتجد إيران نفسها بعد ذلك القوة الفاعلة الأبرز في المنطقة والتي تهدد أمن الخليج من وجهة النظر الأمريكية.
ومن الصعب قبول وقوع مثل ذلك عبثاً أو ارتجالاً أو مصادفة من قبل الدولة الأولى في العالم، لا سيما أن (لجنة بيكر – هاملتون) أوصت بالاستعانة بإيران لإنقاذ الولايات المتحدة من مأزقها الخانق في العراق. وهذه اللجنة مختصة بدراسة الملف العراقي في أمريكا. وهذا ما يؤكد ضرورة وضع علامة استفهام كبيرة حول حقيقة العلاقة بين الطرفين، إذ لا يخطر ببال عاقل قط أن يستعين بألد خصومه، الذي يتمنى هلاكه في أحرج أوقاته، وهو ما يطرح سؤالاً لماذا تريد أمريكا إظهار إيران بصورة (الوحش المفترس) لدول الخليج؟
وعلى الرغم من قيام علاقات اقتصادية قوية بين دول الخليج وإيران ووجود ميزان مدفوعات متوازن بمليارات الدولارات بينهما، وعلى الرغم أيضاً من وجود علاقات دبلوماسية متميزة بينهما، وعلى الرغم من نوايا دول الخليج السلمية ورسوخ سياستها النافرة لأي حروب جديدة في المنطقة ودفعها الدائم لاستقرار المنطقة بشتى الطرق السلمية، إلا أن الرؤية الأمريكية تسير في الاتجاه المعاكس حاملة مشاعل (نيرون) الذي حرق روما.
إن الخطر النووي الإيراني لا يمكن نفيه أو تجاوزه، ولا يمكن أيضاً العودة إلى الوراء في المنطقة، فحرب العراق لا تزال مستعرة وتهدد باهتزاز مرحلي في المنطقة، وفتح أي بقعة حربية جديدة يهدد الخليج والمنطقة، ويعيدها سنوات إلى الخلف، ويقضي على آمال الأجيال في الاستقرار والاطمئنان، وهو ما سقط من أجندة الرئيس بوش الذي واجه شارعاً يقف ضد توجهاته التي تنذر بإثارة حرب جديدة مدمرة للاقتصاد والإنسانية في المنطقة، ولكن حتى هذه اللحظة فإن إيران تبدو غير عابئة بالاستقرار في المنطقة، وتحاول أن تلعب دور الشرطي الأصولي في مواجهة أمريكا العنيدة، حسب الرؤية الإيرانية للشيطان الأكبر الذي يختلف تماماً مع رؤية أمريكا التي ترى في إيران محوراً جديداً للشر يجب إزالته.
فأمريكا ترى أن أمن الخليج وحمايته من الخطر يقعان ضمن محاصرة إيران وعزلها عن المنطقة وإيقاف التعامل معها، كما أن المساعدات الأمريكية لدول الخليج في التشريعات والتعاليم الديمقراطية والحماية العسكرية، كما حدث مع بعض دول آسيا بعد الحرب العالمية الثانية، هي المدخل السليم من وجهة النظر الأمريكية لخليج آمن ومستقر وخال من التهديدات. كما أن الرؤية الأمريكية ترى أن مملكة البحرين مركز تجمع لواء البحرية الخامس وسلطنة عمان مركز قوات الدلتا وقطر مركز قاعدة القوات الجوية التي تسيطر على سماء العراق وغيرها من المناطق والدول الحليفة في منطقة الشرق الأوسط هي نوع من الدعم لدول الخليج لجعلها آمنة من أي هجوم إيراني، بل إن الرؤية الأمريكية تطالب بزيادة عدد القوات والقواعد وتقديم كل أشكال الدعم اللوجستي لإدامة الجاهزية العسكرية للقوات الأمريكية في المنطقة. ولا تكتفي الرؤية الأمريكية بذلك بل إنها ترى أن ما تقوم به هو دفاع عن الخليج الذي عليه أن يتحمل التكاليف أو جزءاً منها، وأن يشتري المزيد من الأسلحة الأمريكية المتطورة، وأن يشارك في التدريبات الأمريكية، ويسمح لها باستخدام ما تتطلبه أي حرب قادمة لها ولإسرائيل.
في مقابل هذا فإن دول الخليج العربية تنتهج سياسة الاعتدال والسلم في المنطقة، وتجتهد في إبعاد شبح الحرب وتداعياتها بكل وسائلها الدبلوماسية وعلاقاتها مع أوروبا وحتى مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولقد بدا واضحاً في مقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لجريدة (البيان) الإماراتية والذي نشر يوم وصول الرئيس بوش إلى أبو ظبي مدى الحرص على المنطقة والاهتمام بمستقبل الأجيال وبناء منطقة مستقرة اقتصادياً وسياسياً، وحمل المقال عنوان (طموحات الشرق الأوسط)، ولكن يبدو أن الرؤية الأمريكية تريد شرق أوسط بلا طموحات، وأن كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد سقطت من أجندة بوش في خطابه الذي ألقاه في أبوظبي وحمل تهديدات ضمنية لإيران.
ولا تقف الرؤية الأمريكية عند هذا الحد، بل ترى أن أمن الخليج مرتبط بإقامة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويفهم ضمنياً بأن تتحمل دول الخليج تكلفة إقامة سلام يتمثل في دفع التعويضات المقترحة للأطراف المتنازعة، وإقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية، ومن ضمنها دول الخليج، بما ينعكس إيجابياً من وجهة النظر الأمريكية على استقرار الخليج واقتصاده حسب ما ورد في خطاب الرئيس بوش في أبوظبي.
إن أمريكا تعلم تماماً أن تكاليف الحرب على إيران تزيد الضعفين على ما سبق في حرب العراق الأخيرة، وتقدر أن تكلفتها أكثر مما صرف في حربها لتحرير الكويت التي التهمت 60 مليار دولار من صندوق الأجيال الكويتي بالإضافة إلى ما قدمته دول الخليج من استعدادات ومساهمات أخرى، ولكن من يتحمل فاتورة الحرب على إيران فهذا هو فحوى الرؤية الأمريكية التي اجتهد الرئيس بوش في إيضاحها ضمن زيارته إلى دول الخليج أكثر من اهتمامه بـتأمين الساحة التي سينطلق منها، إن سمح له الزمن.
أما الرؤية الخليجية لأمن أمريكا فتتمثل في الابتعاد عن الحرب والتهديدات واللجوء إلى التعقل والسلم والدبلوماسية الهادئة عبر الأطر الشرعية بما يضمن سلامة الخليج وأيضاً سلامة الولايات المتحدة الأمريكية في آن واحد، وبين الرؤيتين مسافة تحاول أمريكا اختزالها بكل الطرق مستغلة تصريحات إيران النارية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3379::/cck::
::introtext::

رغم أن إدارة الرئيس الأمريكي بوش أعلنت في فبراير 2007 أنها لا ترغب في شن حرب على إيران إلا أن اجتماعات في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تمت وتبنت خطة حربية لضرب إيران خلال أربع وعشرين ساعة من تسلم أمر رئاسي بضرب إيران وبمساعدة من إسرائيل عبر ممرات طيران آمنة فوق الخليج وتحديداً المسار الملاحي للطائرت العسكرية الأمريكية والذي يمر فوق الأراضي العراقية، وهذا حسب ما نشر في مجلة (النيو يوركر) في عددها الصادر في الرابع من شهر مارس 2007.

::/introtext::
::fulltext::

رغم أن إدارة الرئيس الأمريكي بوش أعلنت في فبراير 2007 أنها لا ترغب في شن حرب على إيران إلا أن اجتماعات في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تمت وتبنت خطة حربية لضرب إيران خلال أربع وعشرين ساعة من تسلم أمر رئاسي بضرب إيران وبمساعدة من إسرائيل عبر ممرات طيران آمنة فوق الخليج وتحديداً المسار الملاحي للطائرت العسكرية الأمريكية والذي يمر فوق الأراضي العراقية، وهذا حسب ما نشر في مجلة (النيو يوركر) في عددها الصادر في الرابع من شهر مارس 2007.
فريق الاستطلاع والاستخبارات الأمريكي تشكل واجتمع وحدد أهداف الضربة المباغتة والتي تتمثل في تدمير المفاعل النووي الإيراني وقطع الإمدادات الإيرانية وأوصال النظام الإيراني المساند (من وجهة نظر إيرانية مقاومة ومن وجهة نظر أمريكا إرهاب) لكل من العراق و(حزب الله) في لبنان و(حماس) في الأراضي الفلسطينية. وقامت لجان عسكرية أمريكية خاصة، غير تلك القوات الموجودة في المنطقة، بالدخول إلى المواقع العراقية واللبنانية والأراضي المحتلة، وأعدت دراسة مسحية عن الحدود مع الدول المجاورة وتوصلت إلى معلومات استخبارية من شأنها أن تلعب دوراً في أي حرب قادمة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والحلفاء في المنطقة.
وعلى الرغم من التصريحات المتكررة من الجانب الأمريكي بأن أمريكا تريد حلاً لملف إيران النووي عبر الطرق الدبلوماسية من خلال حلفاء لها في الخليج إلا أن النوايا الأمريكية بدت تختلف وتظهر إلى العلن مع زيارة الرئيس جورج بوش الأخيرة إلى منطقة الخليج وبعض الحلفاء الرئيسيين لأمريكا في المنطقة، حيث تتواجد القوات العسكرية وساحات التدريب المشتركة التي نتجت وازدادت بعد معاهدات السلام الإسرائيلية – العربية. وليس سراً أن قوات الدلتا الأمريكية كثفت تدريباتها في بعض من دول الخليج، وزاد تعدادها باستقدام 35 ألف مقاتل أمريكي، وأن حاملة الطائرت الأمريكية تقبع في مياه الخليج بانتظار إشارة الرئيس الأمريكي لشن الحرب أو إطلاق التحذيرات أو مجرد استعراض القوة والترهيب.
إن الرؤية الأمريكية ترى في الخليج حليفاً قوياً لها، وترى أيضاً أن أمن الخليج من أولويات سياستها في المنطقة، فهي لا تريد أي امتداد للإرهاب الأصولي الذي تدعمه إيران من وجهة النظر الأمريكية، وتريد أن توقف عمليات الإمداد الإيراني للعراق، وتريد أيضاً أن توقف أي تهديد نووي قد يعرض إسرائيل للخطر المستقبلي خاصة أن لدى إيران صواريخ يصل مداها إلى تل أبيب، كما يطال بعض العواصم الأوروبية. ولقد قدم (الموساد) تقريراً إلى البنتاغون يوضح فاعلية الصواريخ الإيرانية متعددة الرؤوس ومداها وهو ما درسته اللجان الخاصة الأمريكية، ولكنها لم تصل إلى نتيجة مؤكدة عن الفاعلية القتالية والجاهزية العسكرية لمثل هذه الصواريخ.
ولا تريد الرؤية الأمريكية أن تسلم العراق إلى إيران الطامحة في (خليج فارسي تابع لها) وسيطرة على العراق، حيث بات ذلك واضحاً منذ تصريح الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد في هذا السياق معلناً (أن بلاده على استعداد لملء الفراغ الأمني في العراق في حال انسحاب القوات الأمريكية منه) وهو ما أعاد تأكيده الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني بقوله (إن إيران على استعداد لضمان الأمن والاستقرار في العراق في حال ما إذا انسحبت أمريكا منه).
وهذا يعني ضمنياً موافقة إيران على لعب دورٍ ما لصالح الولايات المتحدة في العراق، إذ لا يعقل أن تترك أمريكا العراق لإيران غنيمة سهلة تصول وتجول فيه هكذا بعد أن أنفقت مئات المليارات وضّحت بالآلاف من جنودها، فضلاً عن أن هيبتها كدولة عظمى معرضة للمساءلة.
وفي الجانب الآخر من السياسة وفي الوقت الذي تُشبع فيه أمريكا إيران بالنقد اللاذع، فإن أمريكا قدمت أكبر خدمة لإيران عملياً وحققت لها ما عجزت إيران بنفسها عن تحقيقه لنفسها، وأزاحت مناوئيها وخصومها الألداء في المنطقة كنظام طالبان في أفغانستان ونظام البعث في العراق، لتجد إيران نفسها بعد ذلك القوة الفاعلة الأبرز في المنطقة والتي تهدد أمن الخليج من وجهة النظر الأمريكية.
ومن الصعب قبول وقوع مثل ذلك عبثاً أو ارتجالاً أو مصادفة من قبل الدولة الأولى في العالم، لا سيما أن (لجنة بيكر – هاملتون) أوصت بالاستعانة بإيران لإنقاذ الولايات المتحدة من مأزقها الخانق في العراق. وهذه اللجنة مختصة بدراسة الملف العراقي في أمريكا. وهذا ما يؤكد ضرورة وضع علامة استفهام كبيرة حول حقيقة العلاقة بين الطرفين، إذ لا يخطر ببال عاقل قط أن يستعين بألد خصومه، الذي يتمنى هلاكه في أحرج أوقاته، وهو ما يطرح سؤالاً لماذا تريد أمريكا إظهار إيران بصورة (الوحش المفترس) لدول الخليج؟
وعلى الرغم من قيام علاقات اقتصادية قوية بين دول الخليج وإيران ووجود ميزان مدفوعات متوازن بمليارات الدولارات بينهما، وعلى الرغم أيضاً من وجود علاقات دبلوماسية متميزة بينهما، وعلى الرغم من نوايا دول الخليج السلمية ورسوخ سياستها النافرة لأي حروب جديدة في المنطقة ودفعها الدائم لاستقرار المنطقة بشتى الطرق السلمية، إلا أن الرؤية الأمريكية تسير في الاتجاه المعاكس حاملة مشاعل (نيرون) الذي حرق روما.
إن الخطر النووي الإيراني لا يمكن نفيه أو تجاوزه، ولا يمكن أيضاً العودة إلى الوراء في المنطقة، فحرب العراق لا تزال مستعرة وتهدد باهتزاز مرحلي في المنطقة، وفتح أي بقعة حربية جديدة يهدد الخليج والمنطقة، ويعيدها سنوات إلى الخلف، ويقضي على آمال الأجيال في الاستقرار والاطمئنان، وهو ما سقط من أجندة الرئيس بوش الذي واجه شارعاً يقف ضد توجهاته التي تنذر بإثارة حرب جديدة مدمرة للاقتصاد والإنسانية في المنطقة، ولكن حتى هذه اللحظة فإن إيران تبدو غير عابئة بالاستقرار في المنطقة، وتحاول أن تلعب دور الشرطي الأصولي في مواجهة أمريكا العنيدة، حسب الرؤية الإيرانية للشيطان الأكبر الذي يختلف تماماً مع رؤية أمريكا التي ترى في إيران محوراً جديداً للشر يجب إزالته.
فأمريكا ترى أن أمن الخليج وحمايته من الخطر يقعان ضمن محاصرة إيران وعزلها عن المنطقة وإيقاف التعامل معها، كما أن المساعدات الأمريكية لدول الخليج في التشريعات والتعاليم الديمقراطية والحماية العسكرية، كما حدث مع بعض دول آسيا بعد الحرب العالمية الثانية، هي المدخل السليم من وجهة النظر الأمريكية لخليج آمن ومستقر وخال من التهديدات. كما أن الرؤية الأمريكية ترى أن مملكة البحرين مركز تجمع لواء البحرية الخامس وسلطنة عمان مركز قوات الدلتا وقطر مركز قاعدة القوات الجوية التي تسيطر على سماء العراق وغيرها من المناطق والدول الحليفة في منطقة الشرق الأوسط هي نوع من الدعم لدول الخليج لجعلها آمنة من أي هجوم إيراني، بل إن الرؤية الأمريكية تطالب بزيادة عدد القوات والقواعد وتقديم كل أشكال الدعم اللوجستي لإدامة الجاهزية العسكرية للقوات الأمريكية في المنطقة. ولا تكتفي الرؤية الأمريكية بذلك بل إنها ترى أن ما تقوم به هو دفاع عن الخليج الذي عليه أن يتحمل التكاليف أو جزءاً منها، وأن يشتري المزيد من الأسلحة الأمريكية المتطورة، وأن يشارك في التدريبات الأمريكية، ويسمح لها باستخدام ما تتطلبه أي حرب قادمة لها ولإسرائيل.
في مقابل هذا فإن دول الخليج العربية تنتهج سياسة الاعتدال والسلم في المنطقة، وتجتهد في إبعاد شبح الحرب وتداعياتها بكل وسائلها الدبلوماسية وعلاقاتها مع أوروبا وحتى مع الولايات المتحدة الأمريكية، ولقد بدا واضحاً في مقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي لجريدة (البيان) الإماراتية والذي نشر يوم وصول الرئيس بوش إلى أبو ظبي مدى الحرص على المنطقة والاهتمام بمستقبل الأجيال وبناء منطقة مستقرة اقتصادياً وسياسياً، وحمل المقال عنوان (طموحات الشرق الأوسط)، ولكن يبدو أن الرؤية الأمريكية تريد شرق أوسط بلا طموحات، وأن كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد سقطت من أجندة بوش في خطابه الذي ألقاه في أبوظبي وحمل تهديدات ضمنية لإيران.
ولا تقف الرؤية الأمريكية عند هذا الحد، بل ترى أن أمن الخليج مرتبط بإقامة سلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ويفهم ضمنياً بأن تتحمل دول الخليج تكلفة إقامة سلام يتمثل في دفع التعويضات المقترحة للأطراف المتنازعة، وإقامة علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والدول العربية، ومن ضمنها دول الخليج، بما ينعكس إيجابياً من وجهة النظر الأمريكية على استقرار الخليج واقتصاده حسب ما ورد في خطاب الرئيس بوش في أبوظبي.
إن أمريكا تعلم تماماً أن تكاليف الحرب على إيران تزيد الضعفين على ما سبق في حرب العراق الأخيرة، وتقدر أن تكلفتها أكثر مما صرف في حربها لتحرير الكويت التي التهمت 60 مليار دولار من صندوق الأجيال الكويتي بالإضافة إلى ما قدمته دول الخليج من استعدادات ومساهمات أخرى، ولكن من يتحمل فاتورة الحرب على إيران فهذا هو فحوى الرؤية الأمريكية التي اجتهد الرئيس بوش في إيضاحها ضمن زيارته إلى دول الخليج أكثر من اهتمامه بـتأمين الساحة التي سينطلق منها، إن سمح له الزمن.
أما الرؤية الخليجية لأمن أمريكا فتتمثل في الابتعاد عن الحرب والتهديدات واللجوء إلى التعقل والسلم والدبلوماسية الهادئة عبر الأطر الشرعية بما يضمن سلامة الخليج وأيضاً سلامة الولايات المتحدة الأمريكية في آن واحد، وبين الرؤيتين مسافة تحاول أمريكا اختزالها بكل الطرق مستغلة تصريحات إيران النارية.

::/fulltext::
::cck::3379::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *