جولتا بوش وساركوزي في الخليج.. هل ثمة تنافس أمريكي – فرنسي جديد في المنطقة؟
::cck::3412::/cck::
::introtext::
في تزامن لافت، بدا الرئيس الفرنسي وكأنه يتعقب نظيره الأمريكي في جولته في دول الخليج العربية، كما أن كلتا الجولتين تناولتا، وباستثناءات قليلة، الملفات نفسها، وبصرف النظر عن الأهداف المعلنة لهاتين الجولتين تبدو المقاربة السياسية بينهما أمراً ممكناً؛ فالعلاقات البينية أمر لافت إلا أن انعكاسات تطوير العلاقات تبدو مختلفة في تداعياتها على بعض ملفات المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
في تزامن لافت، بدا الرئيس الفرنسي وكأنه يتعقب نظيره الأمريكي في جولته في دول الخليج العربية، كما أن كلتا الجولتين تناولتا، وباستثناءات قليلة، الملفات نفسها، وبصرف النظر عن الأهداف المعلنة لهاتين الجولتين تبدو المقاربة السياسية بينهما أمراً ممكناً؛ فالعلاقات البينية أمر لافت إلا أن انعكاسات تطوير العلاقات تبدو مختلفة في تداعياتها على بعض ملفات المنطقة.
إن التنافس الأمريكي – الفرنسي أمر معتاد في سياسات الدولتين بصرف النظر عن حجمه وتداعياته، وما يعرف من قراءة العلاقات الفرنسية – الأمريكية تنافس الأولى مع الثانية مع عدم قدرتها على تنفيذ أهدافها في معظم الأحيان. فهل باتت منطقة الخليج العربي واحدة من ساحات التنافس والتدافع بين فرنسا والولايات المتحدة؟ وهل يريد الرئيس الفرنسي الجديد جزءاً من الكعكة الخليجية مما يضع باريس في خط تنافسي مع واشنطن؟ وهل يحاول ساركوزي أن تستعيد بلاده مكانتها في دول الخليج العربية التي كانت تعتبر (شيراك) صديقاً لحكامها، وذلك بعد فقدانها هذه الوضعية نتيجة لمخاوف دول المنطقة من اقتراب باريس في عهده بشكل كبير من السياسة الأمريكية؟
دور فرنسي قديم في المنطقة
ليس من شك في أن فرنسا دولة محورية في حركة السياسة الدولية، وقد كانت في عهد الرئيس السابق جاك شيراك رمزاً لما سماه رونالد رامسفيلد أوروبا القديمة، في إشارة إلى استقلالية القرار الفرنسي في الشؤون الدولية، بعيداً عن النفوذ الأمريكي. ولقد شرعت باريس بتصعيد وتيرة تنافسها مع واشنطن في منطقة الخليج العربي منذ العقد الأخير من القرن العشرين، وإذا كانت فرنسا لم تركز أولاً على توسيع نفوذها السياسي أو بناء التحالفات العسكرية، لأن قدراتها الذاتية لم تكن تتناسب مع احتياجات دول المنطقة التي تواجه تحديات ضخمة والتي ارتبطت في هذه المجالات مع الولايات المتحدة التي ورثت الجزء الأكبر من نفوذ بريطانيا القوة الاستعمارية السابقة، فإن باريس نجحت في فتح أسواق عديدة في منطقة الخليج الغنية بالنفط، خاصة ما يتعلق بمبيعات الأسلحة، والذي اعتبرته مدخلاً لنفوذ أوسع في كل المجالات الأخرى، كما أن باريس استفادت من الحذر المتصاعد تجاه واشنطن من جانب بعض حكومات المنطقة التي أصبحت تسعى إلى تنويع وموازنة علاقاتها الخارجية بحيث لا تبقى أسيرة السياسة الأمريكية.
جولتا جورج بوش ونيكولا ساركوزي: المصالح المشتركة
ثمة تقاطع وتنافس بين أهداف جولتي بوش وساركوزي، فهناك مصالح حيوية للدولتين في هذه المنطقة الاستراتيجية، والاهتمامات الأمريكية ـ الفرنسية في المنطقة تتعلق بشكل أساسي بالأوضاع الساخنة على الساحة اللبنانية والقضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني والتوازنات العسكرية في منطقة الخليج العربي، خاصة على ضوء المأزق الأمريكي في المستنقع العراقي، وزيادة نفوذ طهران، وما يعتبره البعض تهديداً من جانبها، ورغبة دول مجلس التعاون في تعزيز قدراتها العسكرية وكذلك النووية، والموقفان الأمريكي والفرنسي متطابقان حيال هذه القضايا، بل إن باريس تبدو أحياناً أكثر تشدداً حيال بعض هذه القضايا، وخاصة في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، حيث سبق أن أشار وزير خارجيتها إلى تحمس فرنسا لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.
أما التنافس الأمريكي – الفرنسي في منطقة الخليج، فهو يتعلق بحجم الصفقات الاقتصادية والعسكرية، ففي الجانب الاقتصادي لا خيارات أمام الدول غير العمل لتعزيز مصالحها، ولا يخضع التنافس في هذا الصدد للتحالفات السياسية، وهنا يلاحظ أن الرئيس الفرنسي مهتم بتسويق الخدمات النووية الفرنسية في المجال السلمي، وقد أبرم ساركوزي اتفاقاً مع دولة الإمارات حول التعاون النووي، ويعد هذا الاتفاق بمثابة تتويج لجهود فرنسية بدأت في الجزائر وتلتها ليبيا نهاية عام 2007 على يد الرئيس الفرنسي الجديد الذي يريد كذلك بهذه العقود الضخمة إخراج الاقتصاد الفرنسي من مرحلة الركود الحالية.
وفي المملكة العربية السعودية، وقعت الحكومتان السعودية والفرنسية أربع اتفاقيات للتعاون، إحداها في قطاعات النفط والغاز والثروات المعدنية، كما بحثتا مشاريع عقود تصل قيمتها إلى أربعين مليار دولار، فيما كانت إحدى نتائج زيارة بوش إلى المملكة صفقة أسلحة بحجم عشرين مليار دولار.
فرنسا والصفقات الكبرى
رغم أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت قد قررت في نهاية عام 2006 إطلاق برنامج مشترك للطاقة النووية السلمية، إلا أنه من الواضح أن هذا القرار لن يكون عائقاً أمام تحركات دول المجلس كلاً على حدة، في أن تتابع طموحاتها الخاصة بالتوازي مع المشروع الخليجي المشترك. وإذا كانت الإمارات هي الدولة الخليجية الوحيدة التي وقعت اتفاقاً للتعاون النووي مع فرنسا خلال جولة ساركوزي، إلا أن الموضوع قد طرح أيضاً من دون شك في الرياض والدوحة، إلا أنه لم يتم الإعلان عن ذلك بشكل رسمي.
ولعله من نافلة القول أن التعاون مع فرنسا في المجالات الأمنية والعلمية ومجالات الطاقة التقليدية والنووية يعد من أهم مجالات التعاون المثمر للجانبين، الذي يتكفل بملء مجالات للتعاون، تقف السياسة الداخلية الأمريكية حائلاً دون الاستمرار فيها. حيث تعد فرنسا من أكثر دول العالم تقدماً في تكنولوجيا إنشاء المفاعلات النووية للأغراض السلمية، وهي تبدي استعداداً وحماسة لتبادل خبرتها في هذا المجال مع دول مجلس التعاون. والحقيقة أن فرنسا تعد من أكثر الدول المتقدمة مرونة في تعامل الدول النامية، مع أقل قدرٍ من اعتبارات السياسة الداخلية، في مجال سياستها الخارجية، بالإضافة إلى أن قرب فرنسا الجغرافي والتاريخي من المنطقة العربية، يجعلها أكثر جاذبية للتعامل معها من أية دولة كبرى أخرى.
الوفاق الأمريكي – الفرنسي وأمن المنطقة
في الواقع أن جولة ساركوزي في المنطقة لا تبدو سابقة في تاريخ علاقات فرنسا مع دول تشكل عصب السياسات النفطية الدولية، وبالتالي فإن قراءة موضوعية بسيطة تشير إلى أن فرنسا تحاول قدر الإمكان أن تكون موجودة في منطقة مؤثرة جداً في بعض ملفاتها، وفي الواقع لم تكن فرنسا بعيدة يوماً عن محاولة رسم علاقات متميزة مع دول الخليج العربية للعديد من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والجيو- سياسية، إلا أن كل هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن المنطقة دخلت في مرحلة تنافس فرنس – أمريكي من جديد؛ إذ إن ساركوزي انتهج سياسة خارجية متناغمة مع سياسات بوش خلال جولته الخليجية، فلقد اختار الرئيس الفرنسي الجديد نهج التكامل مع سياسات الولايات المتحدة الخارجية، بدلاً من نهج التنافس معها، إلا أن هذا التقارب بين الغريمين قد لا يعني أنه شر بالنسبة للمنطقة في كل الأحوال، فالتقارب الفرنسي – الأمريكي على الجبهة اللبنانية، على سبيل المثال، من شأنه أن يخفف كثيراً من الاستقطاب الدولي للأزمة، وكذلك، فإن التقارب الفرنسي – الأمريكي، في ما يخص التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، من شأنه أن يدفع تجاه حل سلمي للأزمة بدلاً مما قد يسببه الاستقطاب الدولي لها، في حالة ما إن استمر النفور الأمريكي – الفرنسي التقليدي. والأهم، من ذلك كله ، فإنه في ما يخص أمن واستقرار منطقة الخليج العربي، تشير كل الأدلة التاريخية إلى أن فرنسا كانت شريكاً دائم الحضور في كل القضايا التي تمس أمن واستقرار المنطقة، ففي نهاية الثمانينات من القرن الماضي، تكاملت الجهود الفرنسية مع منافستها الولايات المتحدة في احتواء حرب الخليج الأولى، وفي حرب الخليج الثانية تكاتفت فرنسا مع الولايات المتحدة وأكثر من ثلاثين دولة أخرى لرد العدوان العراقي عن الكويت، كما أن فرنسا وقفت ضد الغزو الأمريكي للعراق، وحالت دون أن يستمد شرعيته من الأمم المتحدة.
وفي النهاية فإنه يجب الإشارة إلى أن موقف دول الخليج في ما يخص الملف الإيراني ثابت وواضح للجميع؛ إذ إن خيار التصعيد العسكري غير مقبول، فدول الخليج العربي ليست مهيأة لخوض حرب جديدة مع إيران، وإذ كان هناك إجماع دولي بشأن معارضة امتلاك إيران للقنبلة النووية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجميع متفق على التصعيد العسكري ضدها، وإذا كانت الدول العربية عامة، ودول الخليج العربية بشكل خاص، ترفض أن تتحول إيران إلى قوة نووية، إلا أنها عليها أن تدرك أنه في حال الحرب ضد إيران فإنها ستدفع لذلك ثمناً سياسياً واقتصادياً وبيئياً ضخماً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3412::/cck::
::introtext::
في تزامن لافت، بدا الرئيس الفرنسي وكأنه يتعقب نظيره الأمريكي في جولته في دول الخليج العربية، كما أن كلتا الجولتين تناولتا، وباستثناءات قليلة، الملفات نفسها، وبصرف النظر عن الأهداف المعلنة لهاتين الجولتين تبدو المقاربة السياسية بينهما أمراً ممكناً؛ فالعلاقات البينية أمر لافت إلا أن انعكاسات تطوير العلاقات تبدو مختلفة في تداعياتها على بعض ملفات المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
في تزامن لافت، بدا الرئيس الفرنسي وكأنه يتعقب نظيره الأمريكي في جولته في دول الخليج العربية، كما أن كلتا الجولتين تناولتا، وباستثناءات قليلة، الملفات نفسها، وبصرف النظر عن الأهداف المعلنة لهاتين الجولتين تبدو المقاربة السياسية بينهما أمراً ممكناً؛ فالعلاقات البينية أمر لافت إلا أن انعكاسات تطوير العلاقات تبدو مختلفة في تداعياتها على بعض ملفات المنطقة.
إن التنافس الأمريكي – الفرنسي أمر معتاد في سياسات الدولتين بصرف النظر عن حجمه وتداعياته، وما يعرف من قراءة العلاقات الفرنسية – الأمريكية تنافس الأولى مع الثانية مع عدم قدرتها على تنفيذ أهدافها في معظم الأحيان. فهل باتت منطقة الخليج العربي واحدة من ساحات التنافس والتدافع بين فرنسا والولايات المتحدة؟ وهل يريد الرئيس الفرنسي الجديد جزءاً من الكعكة الخليجية مما يضع باريس في خط تنافسي مع واشنطن؟ وهل يحاول ساركوزي أن تستعيد بلاده مكانتها في دول الخليج العربية التي كانت تعتبر (شيراك) صديقاً لحكامها، وذلك بعد فقدانها هذه الوضعية نتيجة لمخاوف دول المنطقة من اقتراب باريس في عهده بشكل كبير من السياسة الأمريكية؟
دور فرنسي قديم في المنطقة
ليس من شك في أن فرنسا دولة محورية في حركة السياسة الدولية، وقد كانت في عهد الرئيس السابق جاك شيراك رمزاً لما سماه رونالد رامسفيلد أوروبا القديمة، في إشارة إلى استقلالية القرار الفرنسي في الشؤون الدولية، بعيداً عن النفوذ الأمريكي. ولقد شرعت باريس بتصعيد وتيرة تنافسها مع واشنطن في منطقة الخليج العربي منذ العقد الأخير من القرن العشرين، وإذا كانت فرنسا لم تركز أولاً على توسيع نفوذها السياسي أو بناء التحالفات العسكرية، لأن قدراتها الذاتية لم تكن تتناسب مع احتياجات دول المنطقة التي تواجه تحديات ضخمة والتي ارتبطت في هذه المجالات مع الولايات المتحدة التي ورثت الجزء الأكبر من نفوذ بريطانيا القوة الاستعمارية السابقة، فإن باريس نجحت في فتح أسواق عديدة في منطقة الخليج الغنية بالنفط، خاصة ما يتعلق بمبيعات الأسلحة، والذي اعتبرته مدخلاً لنفوذ أوسع في كل المجالات الأخرى، كما أن باريس استفادت من الحذر المتصاعد تجاه واشنطن من جانب بعض حكومات المنطقة التي أصبحت تسعى إلى تنويع وموازنة علاقاتها الخارجية بحيث لا تبقى أسيرة السياسة الأمريكية.
جولتا جورج بوش ونيكولا ساركوزي: المصالح المشتركة
ثمة تقاطع وتنافس بين أهداف جولتي بوش وساركوزي، فهناك مصالح حيوية للدولتين في هذه المنطقة الاستراتيجية، والاهتمامات الأمريكية ـ الفرنسية في المنطقة تتعلق بشكل أساسي بالأوضاع الساخنة على الساحة اللبنانية والقضية الفلسطينية والملف النووي الإيراني والتوازنات العسكرية في منطقة الخليج العربي، خاصة على ضوء المأزق الأمريكي في المستنقع العراقي، وزيادة نفوذ طهران، وما يعتبره البعض تهديداً من جانبها، ورغبة دول مجلس التعاون في تعزيز قدراتها العسكرية وكذلك النووية، والموقفان الأمريكي والفرنسي متطابقان حيال هذه القضايا، بل إن باريس تبدو أحياناً أكثر تشدداً حيال بعض هذه القضايا، وخاصة في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني، حيث سبق أن أشار وزير خارجيتها إلى تحمس فرنسا لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية.
أما التنافس الأمريكي – الفرنسي في منطقة الخليج، فهو يتعلق بحجم الصفقات الاقتصادية والعسكرية، ففي الجانب الاقتصادي لا خيارات أمام الدول غير العمل لتعزيز مصالحها، ولا يخضع التنافس في هذا الصدد للتحالفات السياسية، وهنا يلاحظ أن الرئيس الفرنسي مهتم بتسويق الخدمات النووية الفرنسية في المجال السلمي، وقد أبرم ساركوزي اتفاقاً مع دولة الإمارات حول التعاون النووي، ويعد هذا الاتفاق بمثابة تتويج لجهود فرنسية بدأت في الجزائر وتلتها ليبيا نهاية عام 2007 على يد الرئيس الفرنسي الجديد الذي يريد كذلك بهذه العقود الضخمة إخراج الاقتصاد الفرنسي من مرحلة الركود الحالية.
وفي المملكة العربية السعودية، وقعت الحكومتان السعودية والفرنسية أربع اتفاقيات للتعاون، إحداها في قطاعات النفط والغاز والثروات المعدنية، كما بحثتا مشاريع عقود تصل قيمتها إلى أربعين مليار دولار، فيما كانت إحدى نتائج زيارة بوش إلى المملكة صفقة أسلحة بحجم عشرين مليار دولار.
فرنسا والصفقات الكبرى
رغم أن دول مجلس التعاون الخليجي كانت قد قررت في نهاية عام 2006 إطلاق برنامج مشترك للطاقة النووية السلمية، إلا أنه من الواضح أن هذا القرار لن يكون عائقاً أمام تحركات دول المجلس كلاً على حدة، في أن تتابع طموحاتها الخاصة بالتوازي مع المشروع الخليجي المشترك. وإذا كانت الإمارات هي الدولة الخليجية الوحيدة التي وقعت اتفاقاً للتعاون النووي مع فرنسا خلال جولة ساركوزي، إلا أن الموضوع قد طرح أيضاً من دون شك في الرياض والدوحة، إلا أنه لم يتم الإعلان عن ذلك بشكل رسمي.
ولعله من نافلة القول أن التعاون مع فرنسا في المجالات الأمنية والعلمية ومجالات الطاقة التقليدية والنووية يعد من أهم مجالات التعاون المثمر للجانبين، الذي يتكفل بملء مجالات للتعاون، تقف السياسة الداخلية الأمريكية حائلاً دون الاستمرار فيها. حيث تعد فرنسا من أكثر دول العالم تقدماً في تكنولوجيا إنشاء المفاعلات النووية للأغراض السلمية، وهي تبدي استعداداً وحماسة لتبادل خبرتها في هذا المجال مع دول مجلس التعاون. والحقيقة أن فرنسا تعد من أكثر الدول المتقدمة مرونة في تعامل الدول النامية، مع أقل قدرٍ من اعتبارات السياسة الداخلية، في مجال سياستها الخارجية، بالإضافة إلى أن قرب فرنسا الجغرافي والتاريخي من المنطقة العربية، يجعلها أكثر جاذبية للتعامل معها من أية دولة كبرى أخرى.
الوفاق الأمريكي – الفرنسي وأمن المنطقة
في الواقع أن جولة ساركوزي في المنطقة لا تبدو سابقة في تاريخ علاقات فرنسا مع دول تشكل عصب السياسات النفطية الدولية، وبالتالي فإن قراءة موضوعية بسيطة تشير إلى أن فرنسا تحاول قدر الإمكان أن تكون موجودة في منطقة مؤثرة جداً في بعض ملفاتها، وفي الواقع لم تكن فرنسا بعيدة يوماً عن محاولة رسم علاقات متميزة مع دول الخليج العربية للعديد من الاعتبارات الاقتصادية والسياسية والجيو- سياسية، إلا أن كل هذا لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن المنطقة دخلت في مرحلة تنافس فرنس – أمريكي من جديد؛ إذ إن ساركوزي انتهج سياسة خارجية متناغمة مع سياسات بوش خلال جولته الخليجية، فلقد اختار الرئيس الفرنسي الجديد نهج التكامل مع سياسات الولايات المتحدة الخارجية، بدلاً من نهج التنافس معها، إلا أن هذا التقارب بين الغريمين قد لا يعني أنه شر بالنسبة للمنطقة في كل الأحوال، فالتقارب الفرنسي – الأمريكي على الجبهة اللبنانية، على سبيل المثال، من شأنه أن يخفف كثيراً من الاستقطاب الدولي للأزمة، وكذلك، فإن التقارب الفرنسي – الأمريكي، في ما يخص التعامل مع أزمة البرنامج النووي الإيراني، من شأنه أن يدفع تجاه حل سلمي للأزمة بدلاً مما قد يسببه الاستقطاب الدولي لها، في حالة ما إن استمر النفور الأمريكي – الفرنسي التقليدي. والأهم، من ذلك كله ، فإنه في ما يخص أمن واستقرار منطقة الخليج العربي، تشير كل الأدلة التاريخية إلى أن فرنسا كانت شريكاً دائم الحضور في كل القضايا التي تمس أمن واستقرار المنطقة، ففي نهاية الثمانينات من القرن الماضي، تكاملت الجهود الفرنسية مع منافستها الولايات المتحدة في احتواء حرب الخليج الأولى، وفي حرب الخليج الثانية تكاتفت فرنسا مع الولايات المتحدة وأكثر من ثلاثين دولة أخرى لرد العدوان العراقي عن الكويت، كما أن فرنسا وقفت ضد الغزو الأمريكي للعراق، وحالت دون أن يستمد شرعيته من الأمم المتحدة.
وفي النهاية فإنه يجب الإشارة إلى أن موقف دول الخليج في ما يخص الملف الإيراني ثابت وواضح للجميع؛ إذ إن خيار التصعيد العسكري غير مقبول، فدول الخليج العربي ليست مهيأة لخوض حرب جديدة مع إيران، وإذ كان هناك إجماع دولي بشأن معارضة امتلاك إيران للقنبلة النووية، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن الجميع متفق على التصعيد العسكري ضدها، وإذا كانت الدول العربية عامة، ودول الخليج العربية بشكل خاص، ترفض أن تتحول إيران إلى قوة نووية، إلا أنها عليها أن تدرك أنه في حال الحرب ضد إيران فإنها ستدفع لذلك ثمناً سياسياً واقتصادياً وبيئياً ضخماً.
::/fulltext::
::cck::3412::/cck::
