هل تنجح الأعلام (البرتقالية) في إيران؟

::cck::3413::/cck::
::introtext::

في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية مشكلة في التعاطي مع الأنظمة الممَانِعَة لها ولسياستها المرتكزة على تسويق النظام العالمي الجديد، سواء بالعقوبات الاقتصادية كما حدث مع كوريا الشمالية، أو بالأنشطة السرية الاستخباراتية كما حصل مع إيران، أو بالحلول العسكرية المباشرة كالذي جرى مع يوغسلافيا وأفغانستان والعراق.

::/introtext::
::fulltext::

في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية مشكلة في التعاطي مع الأنظمة الممَانِعَة لها ولسياستها المرتكزة على تسويق النظام العالمي الجديد، سواء بالعقوبات الاقتصادية كما حدث مع كوريا الشمالية، أو بالأنشطة السرية الاستخباراتية كما حصل مع إيران، أو بالحلول العسكرية المباشرة كالذي جرى مع يوغسلافيا وأفغانستان والعراق.
رغم أن هذه الدول الممانعة لا تتجانس ثيماتها من حيث القوة والنفوذ، فإن المعالجات الأمريكية لها كانت هي الأخرى متفاوتة طبقاً للأوراق المتوفرة والمؤثرة لهذه الدول، وفي أي الجبهات يتم توظيفها. وباعتبار أن منطقة الشرق الأوسط هي الزاوية الحادة في تحريك الأحداث السياسية في العالم بالإضافة إلى احتوائها على مخزون استراتيجي من النفط والغاز، فإن المعادلة أصبحت تعتمد على مدى قرب دول الممَانعة من منطقة المركز، وصيرورة ذلك معياراً أساسياً في تقييم منسوب النفوذ والقيمة الدولية، على اعتبار أن الواجهة الجغرافية للحدود والمصالح المتداخلة تشكل الممر الطبيعي للسياسات الخارجية ومدى تعاطيها المباشر وغير المباشر مع الملفات الساخنة سواء تلك المتعلقة بموازين القوى أو تسجيل حضور في قوس الأزمات المحتدمة، لذا فقد بقيت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية هي الرقم الصعب بين هذه الدول، والطرف غير الرخو الذي يتطلب تعاملاً استثنائياً، يكون الحسم والحذر أهم مقوماته، فهي قريبة من دولاب الصراع ولها أوراق نوعية ومفاتيح حل للكثير من العقد بدءاً من فلسطين وانتهاءً بالعراق، فواشنطن تدرك أن إيران كنظام سياسي يختلف في كنهه عن الأنظمة الأوتوقراطية الأخرى والتي يكون الزمن كفيلاً بتحجيمها وتصييرها عالة على نفسها كلما تقادمت الأزمات بفعل التعسر المزمن لدورة الإنتاج السياسي والاقتصادي والثقافي فيها. فنظام الحكم الديني في إيران يختلف تماماً عن النظام الديني الذي أقامته حركة طالبان في أفغانستان بين عامي (1996 – 2001) فهو نظام استَمْـلأ في سياسته، وأكْثَرَ من استجلاب الشرعية لكيانه طيلة عقود عمره الثلاثة، وتحويل المصدر المأزوم إلى قيمة أخرى من قِيَم الدورة الطبيعية للدولة، وفي مسيرة تكريس الوجود تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن الإيرانيين استطاعوا استثمار كل شيء في سبيل ذلك التكريس، فوظفوا الحصار من حالة مأزومة إلى حالة إنتاج البدائل؛ فزرعوا القمح الذي كانوا يستوردونه من أستراليا، وصنعوا السلاح الذي كانوا يشترونه بالابتزاز.
وإن تم افتراض السيناريو العسكري فإن القوات الأمريكية ستواجه احتلالاً إيرانياً فورياً لمضيق هرمز الذي يمر منه أكثر من أربعين في المائة من نفط العالم، وتوظيف الحدائق الخلفية لها وأهمها شمال العراق عبر توتير المنطقة الكردية، وبالتالي تمزيق الحزام النفطي الآمن الذي يمر منه النفط المتدفق من ثلاث دول، الأمر الذي يعني ارتفاع أسعار النفط إلى أرقام جنونية، وسيعمد الإيرانيون إلى تشغيل الوجود الاستخباراتي النوعي في داخل العراق والسيطرة على طريق الديوانية – القاسم في محافظة بابل ومحيط النجف ومناطق الجنوب لإرهاق القوات الأمريكية في تلك المناطق بحرب عصابات، بالإضافة إلى المسائل العسكرية المتعلقة بالقوة الإيرانية والقيمة الاقتصادية لطهران في موازين النفط والطاقة الأحفورية.
وأمام تلك المخاطر الحقيقية تبقى المعادلة المربكة للأمريكيين هي أن بقاء النظام الإيراني كلاعب قوي في المعادلات الإقليمية والدولية هو تهديد مباشر للأمن القومي الأمريكي، وربما غلّب بعض الساسة الأمريكان خيار الحسم العسكري لتفادي استفحال المشكلة الإيرانية في المستقبل المنظور، وأيضاً مستقبل التعامل مع التناقضات الحادة بالمنطقة التي تعتبر من أهم مناطق العالم من الناحية الجيوبولتيكية. حيث بدأ الأمريكيون يفاضلون ومنذ زمن بين خيارٍ عسكري يكلفهم فاتورة قد تقدرها مراكز أبحاث تابعة للبنتاغون أو وزارة الخارجية، وبين خيار يقبل بإيران كما هي أو كما يحددها الزمن الذي قد يحولها إلى دولة نووية أو دولة تقليدية، لكنها تلعب أدواراً أكثر تعقيداً من دول نووية، كما هي الحال بالنسبة إلى باكستان وكوريا الشمالية، وفي هذه الحال فعلى واشنطن أن تقبل بإيران كما هي لا أكثر ولا أقل، لكن الخيار العسكري ورغم أنه يطرح ضمن مفاضلة معقدة؛ لكنه يبدو غير وارد على الأقل في هذه المرحلة الراهنة، وهو الأمر ذاته الذي أشار إليه الأدميرال وليام فالون قائد القيادة الأمريكية الوسطى عندما صرح لصحيفة (فاينانشال تايمز) في الثالث عشر من شهر نوفمبر الماضي بأن الولايات المتحدة (ليست على وشك شن ضربات عسكرية وقائية ضد إيران رغم التوتر بين البلدين، وأن شن هجوم ضدهم لتحقيق هذا الهدف ليس هو الخيار الأول بالنسبة لي، وأن التصريحات التي تحمل تهديداً بشن عمل عسكري لا تساعد كثيراً). وأيضاً ما أكد عليه خافيير سولانا منسق السياسة الخارجية العليا للاتحاد الأوروبي.
وأمام هذه السياسة الرمادية والمترددة للولايات المتحدة الأمريكية في ما يتعلق بشن هجوم عسكري على إيران، تبقى الخيارات الأمريكية تتأرجح بين إجراءات اقتصادية عقابية بدأت بها عملياً بعد صدور القرارين 1737 و1747، وبين تضمينها نشاطاً استخباراتياً وتشكيل خلايا أزمة حكم حقيقية داخل أروقة النظام الإيراني قد تتحول إلى ثورة برتقالية بعد مدها بالحركة الشعبية، كما حصل بالضبط في أوكرانيا وجورجيا، خاصة أن الولايات المتحدة كانت لها بواكير مشروع مماثل بعد منتصف التسعينات، عندما شجعت الإصلاحيين المتطرفين من جبهة المشاركة ومجاهدي الثورة الإسلامية على لعب دور حساس ومباشر في الانقلاب على مؤسسات الدولة، وأهمها مركز المرشدية الأعلى وضرورة مراجعة الدستور وإعادة النظر في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والصراع العربي – الصهيوني. لقد كان الدعم الذي تلقته هذه القوى واضحاً وعلنياً في الفترة التي صعدت فيها قوى (الثاني من خرداد)، ووصول محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة لدورتين متتاليتين والمجاميع الرديفة له في دورتين نيابيتين ودورة بلدية واحدة، خلال الفترة (1997 – 2003)، فكان تكريم عدد من الإصلاحيين في سفارة الولايات المتحدة ببولندا، والانحياز الإعلامي الواضح للإدارة الأمريكية والقنوات الإذاعية والفضائية التي تبث من صحراء كاليفورنيا باللغة الفارسية، كلها مظاهر لمشروع تدجين قوى في داخل النسيج السياسي الإيراني بغرض تعزيز توجهات محددة في سدة الدولة الإيرانية قد تغير من تعاطيها مع قضايا المنطقة والعالم.
وفي الفترة التي كانت فيها اليد العليا للإصلاحيين من قوى الثاني من خرداد الذي يضم ثمانية عشر فصيلاً سياسياً، دأب الأمريكيون على تقوية هذه الفصائل في مواجهة القوى اليمينية المحافظة والمدماك الديني الداعم لها، وكان الخطأ الكبير الذي وقعت فيه قوى الثاني من خرداد هو أنها لم تقدّر حجم النفوذ والقوة اللذين يتمتع بهما المحافظون، واكتفت بالاستقواء عبر رافعة صناديق الانتخابات التي حملتها إلى السلطة في خمس عمليات اقتراع، فنجحت براديكالية فاقعة في مواجهة الخصوم، كاشفةً أوراق اللعبة السياسية إيماناً منها بقرب حسم المعركة، فدأب الإصلاحيون على تجيير مئات الصحف ضد القوى الدينية والمحافظة وضد مناطق محرمة من العقل المحافظ والتي تعتبر مقدسة بالنسبة إليهم، كما سعوا إلى تحريك الشارع الإيراني مستغلين الفتوة الكبيرة فيه (70 في المائة) فكانت مظاهرات عام 1999 في جامعة طهران من أهم التحركات التي قام بها الإصلاحيون في مواجهة السلطة الدينية ومراكز القوى في النظام، رافقتها دعوات صريحة من بعض القوى الإصلاحية تطلب العون من واشنطن، كما صرح بذلك علناً الأمين العام لتنظيم (تحكيم وحدت الطلابي) إبراهيم أصغر زادة، وتبين أن الميزانية التي أقرها الكونغرس الأمريكي في نهاية عقد التسعينات والتي بلغت قيمتها عشرين مليون دولار بغرض القيام بأنشطة استخباراتية ضد إيران (هكذا أعلن) تم تفعيلها وصرفها في توجيه تلك التحركـات من إحدى شقق العاصمة طهران. وبالتأكيد لم تكن هذه التحركات لتحدث من دون تنسيق وإعداد مسبقين، وربما كانت تهيئة حقيقية لثورة برتقالية ضد النظام الإيراني تقودها قوى معترف بها قانونياً في وزارة الداخلية وفي العرف السياسي الإيراني، لذا فإن القوى المحافظة استنفرت كامل النظام الإسلامي من بسيج وحرس ثوري ومنظمات خيرية وآلة إعلامية لمواجهة أي انقلاب أو تلوينات سياسية مشبوهة بنظرها، فكانت أزمة (الأهلية) التي احتدمت قبيل انتخابات المجلس النيابي السابع أكبر دليل على بدء الهجوم المحافظ المضاد عندما قام مجلس صيانة الدستور برفض أهلية 3600 شخص من أصل 8160 أي بنسبة 44.1 في المائة ممن تقدموا بطلبات ترشيح للانتخابات النيابية آنذاك، وكانت تلك الخطوة بمثابة العملية الجراحية في خريطة الأحزاب ومنتسبي الدولة. واتبع الإيرانيون بعد تلك الأحداث ومؤشرات الاختراق منزلة بين منزلتين وهي عدم ترك الأمور كما كانت في أوكرانيا وجورجيا، وغير الإجراءات التي قامت بها قيرغيزستان في مواجهة المظاهرات المطالبة باستقالة رئيسي الجمهورية والوزراء، أو كما حصل في وادي فيرغانا بأوزبكستان، أو في أذربيجان بالدعوة إلى إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية. وبدأت الحكومة الإيرانية بالتحرك للتعامل مع (الأنوية) الداعية أو المتماهية مع الدعوات ذاتها التي رفعت (الألوية البرتقالية) في دول القوقاز، وتعاملت بحسم مع الأمريكيين من أصل إيراني مع احتدام قضية (زهراء كاظمي)، ومروراً بالشخصيات الأمريكية التي توالت على زيارة إيران بهدف تنظيم فعاليات مدنية مشابهة للتي كانت تقيمها المعاهد الديمقراطية الأمريكية في الشرق الأوسط، فاعتقلت كيان تاجبخش من معهد جورج سوروس للمجتمع المفتوح، وهالة اسفندياري المشرفة على برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويسلون بواشنطن وبارناز أزيما من راديو فردا وغيرهم. ويتحسب القائمون على السياسة العليا في إيران مما ستفضي إليه الانتخابات النيابية التي ستجرى في مارس المقبل، ولأن الولاءات والتحالفات السياسية بدأت في التبدل بعد فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد وظهور الخلاف بين اليمين التقليدي واليمين الجديد المتمثل في رواد إعمار إيران الإسلامية، فإن زحف أطياف مهمة من اليمين التقليدي برئاسة ناطق نوري صوب الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني قد يدفع إلى قيام تحالف بين اليسار الديني الراديكالي واليمين التقليدي ويمين الوسط، مما قد يشكّل توازناً في جبهتي اليسار واليمين، وهو أمر إن تم فإنه يعني ضياع بوصلة أقصى اليمين وأقصى اليسار لصالح قوى أكثر اعتدالاً، وهي الفرصة ذاتها التي قد تضيع على مساعي الولايات المتحدة الأمريكية في تشكيل ثورة برتقالية تقودها المجاميع المتطرفة في قوى الثاني من خرداد .

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3413::/cck::
::introtext::

في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية مشكلة في التعاطي مع الأنظمة الممَانِعَة لها ولسياستها المرتكزة على تسويق النظام العالمي الجديد، سواء بالعقوبات الاقتصادية كما حدث مع كوريا الشمالية، أو بالأنشطة السرية الاستخباراتية كما حصل مع إيران، أو بالحلول العسكرية المباشرة كالذي جرى مع يوغسلافيا وأفغانستان والعراق.

::/introtext::
::fulltext::

في الفترة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك المنظومة الاشتراكية في بداية عقد التسعينات من القرن الماضي لم تواجه الولايات المتحدة الأمريكية مشكلة في التعاطي مع الأنظمة الممَانِعَة لها ولسياستها المرتكزة على تسويق النظام العالمي الجديد، سواء بالعقوبات الاقتصادية كما حدث مع كوريا الشمالية، أو بالأنشطة السرية الاستخباراتية كما حصل مع إيران، أو بالحلول العسكرية المباشرة كالذي جرى مع يوغسلافيا وأفغانستان والعراق.
رغم أن هذه الدول الممانعة لا تتجانس ثيماتها من حيث القوة والنفوذ، فإن المعالجات الأمريكية لها كانت هي الأخرى متفاوتة طبقاً للأوراق المتوفرة والمؤثرة لهذه الدول، وفي أي الجبهات يتم توظيفها. وباعتبار أن منطقة الشرق الأوسط هي الزاوية الحادة في تحريك الأحداث السياسية في العالم بالإضافة إلى احتوائها على مخزون استراتيجي من النفط والغاز، فإن المعادلة أصبحت تعتمد على مدى قرب دول الممَانعة من منطقة المركز، وصيرورة ذلك معياراً أساسياً في تقييم منسوب النفوذ والقيمة الدولية، على اعتبار أن الواجهة الجغرافية للحدود والمصالح المتداخلة تشكل الممر الطبيعي للسياسات الخارجية ومدى تعاطيها المباشر وغير المباشر مع الملفات الساخنة سواء تلك المتعلقة بموازين القوى أو تسجيل حضور في قوس الأزمات المحتدمة، لذا فقد بقيت الجمهورية الإسلامية الإيرانية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية هي الرقم الصعب بين هذه الدول، والطرف غير الرخو الذي يتطلب تعاملاً استثنائياً، يكون الحسم والحذر أهم مقوماته، فهي قريبة من دولاب الصراع ولها أوراق نوعية ومفاتيح حل للكثير من العقد بدءاً من فلسطين وانتهاءً بالعراق، فواشنطن تدرك أن إيران كنظام سياسي يختلف في كنهه عن الأنظمة الأوتوقراطية الأخرى والتي يكون الزمن كفيلاً بتحجيمها وتصييرها عالة على نفسها كلما تقادمت الأزمات بفعل التعسر المزمن لدورة الإنتاج السياسي والاقتصادي والثقافي فيها. فنظام الحكم الديني في إيران يختلف تماماً عن النظام الديني الذي أقامته حركة طالبان في أفغانستان بين عامي (1996 – 2001) فهو نظام استَمْـلأ في سياسته، وأكْثَرَ من استجلاب الشرعية لكيانه طيلة عقود عمره الثلاثة، وتحويل المصدر المأزوم إلى قيمة أخرى من قِيَم الدورة الطبيعية للدولة، وفي مسيرة تكريس الوجود تدرك الولايات المتحدة الأمريكية أن الإيرانيين استطاعوا استثمار كل شيء في سبيل ذلك التكريس، فوظفوا الحصار من حالة مأزومة إلى حالة إنتاج البدائل؛ فزرعوا القمح الذي كانوا يستوردونه من أستراليا، وصنعوا السلاح الذي كانوا يشترونه بالابتزاز.
وإن تم افتراض السيناريو العسكري فإن القوات الأمريكية ستواجه احتلالاً إيرانياً فورياً لمضيق هرمز الذي يمر منه أكثر من أربعين في المائة من نفط العالم، وتوظيف الحدائق الخلفية لها وأهمها شمال العراق عبر توتير المنطقة الكردية، وبالتالي تمزيق الحزام النفطي الآمن الذي يمر منه النفط المتدفق من ثلاث دول، الأمر الذي يعني ارتفاع أسعار النفط إلى أرقام جنونية، وسيعمد الإيرانيون إلى تشغيل الوجود الاستخباراتي النوعي في داخل العراق والسيطرة على طريق الديوانية – القاسم في محافظة بابل ومحيط النجف ومناطق الجنوب لإرهاق القوات الأمريكية في تلك المناطق بحرب عصابات، بالإضافة إلى المسائل العسكرية المتعلقة بالقوة الإيرانية والقيمة الاقتصادية لطهران في موازين النفط والطاقة الأحفورية.
وأمام تلك المخاطر الحقيقية تبقى المعادلة المربكة للأمريكيين هي أن بقاء النظام الإيراني كلاعب قوي في المعادلات الإقليمية والدولية هو تهديد مباشر للأمن القومي الأمريكي، وربما غلّب بعض الساسة الأمريكان خيار الحسم العسكري لتفادي استفحال المشكلة الإيرانية في المستقبل المنظور، وأيضاً مستقبل التعامل مع التناقضات الحادة بالمنطقة التي تعتبر من أهم مناطق العالم من الناحية الجيوبولتيكية. حيث بدأ الأمريكيون يفاضلون ومنذ زمن بين خيارٍ عسكري يكلفهم فاتورة قد تقدرها مراكز أبحاث تابعة للبنتاغون أو وزارة الخارجية، وبين خيار يقبل بإيران كما هي أو كما يحددها الزمن الذي قد يحولها إلى دولة نووية أو دولة تقليدية، لكنها تلعب أدواراً أكثر تعقيداً من دول نووية، كما هي الحال بالنسبة إلى باكستان وكوريا الشمالية، وفي هذه الحال فعلى واشنطن أن تقبل بإيران كما هي لا أكثر ولا أقل، لكن الخيار العسكري ورغم أنه يطرح ضمن مفاضلة معقدة؛ لكنه يبدو غير وارد على الأقل في هذه المرحلة الراهنة، وهو الأمر ذاته الذي أشار إليه الأدميرال وليام فالون قائد القيادة الأمريكية الوسطى عندما صرح لصحيفة (فاينانشال تايمز) في الثالث عشر من شهر نوفمبر الماضي بأن الولايات المتحدة (ليست على وشك شن ضربات عسكرية وقائية ضد إيران رغم التوتر بين البلدين، وأن شن هجوم ضدهم لتحقيق هذا الهدف ليس هو الخيار الأول بالنسبة لي، وأن التصريحات التي تحمل تهديداً بشن عمل عسكري لا تساعد كثيراً). وأيضاً ما أكد عليه خافيير سولانا منسق السياسة الخارجية العليا للاتحاد الأوروبي.
وأمام هذه السياسة الرمادية والمترددة للولايات المتحدة الأمريكية في ما يتعلق بشن هجوم عسكري على إيران، تبقى الخيارات الأمريكية تتأرجح بين إجراءات اقتصادية عقابية بدأت بها عملياً بعد صدور القرارين 1737 و1747، وبين تضمينها نشاطاً استخباراتياً وتشكيل خلايا أزمة حكم حقيقية داخل أروقة النظام الإيراني قد تتحول إلى ثورة برتقالية بعد مدها بالحركة الشعبية، كما حصل بالضبط في أوكرانيا وجورجيا، خاصة أن الولايات المتحدة كانت لها بواكير مشروع مماثل بعد منتصف التسعينات، عندما شجعت الإصلاحيين المتطرفين من جبهة المشاركة ومجاهدي الثورة الإسلامية على لعب دور حساس ومباشر في الانقلاب على مؤسسات الدولة، وأهمها مركز المرشدية الأعلى وضرورة مراجعة الدستور وإعادة النظر في العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية والصراع العربي – الصهيوني. لقد كان الدعم الذي تلقته هذه القوى واضحاً وعلنياً في الفترة التي صعدت فيها قوى (الثاني من خرداد)، ووصول محمد خاتمي إلى سدة الرئاسة لدورتين متتاليتين والمجاميع الرديفة له في دورتين نيابيتين ودورة بلدية واحدة، خلال الفترة (1997 – 2003)، فكان تكريم عدد من الإصلاحيين في سفارة الولايات المتحدة ببولندا، والانحياز الإعلامي الواضح للإدارة الأمريكية والقنوات الإذاعية والفضائية التي تبث من صحراء كاليفورنيا باللغة الفارسية، كلها مظاهر لمشروع تدجين قوى في داخل النسيج السياسي الإيراني بغرض تعزيز توجهات محددة في سدة الدولة الإيرانية قد تغير من تعاطيها مع قضايا المنطقة والعالم.
وفي الفترة التي كانت فيها اليد العليا للإصلاحيين من قوى الثاني من خرداد الذي يضم ثمانية عشر فصيلاً سياسياً، دأب الأمريكيون على تقوية هذه الفصائل في مواجهة القوى اليمينية المحافظة والمدماك الديني الداعم لها، وكان الخطأ الكبير الذي وقعت فيه قوى الثاني من خرداد هو أنها لم تقدّر حجم النفوذ والقوة اللذين يتمتع بهما المحافظون، واكتفت بالاستقواء عبر رافعة صناديق الانتخابات التي حملتها إلى السلطة في خمس عمليات اقتراع، فنجحت براديكالية فاقعة في مواجهة الخصوم، كاشفةً أوراق اللعبة السياسية إيماناً منها بقرب حسم المعركة، فدأب الإصلاحيون على تجيير مئات الصحف ضد القوى الدينية والمحافظة وضد مناطق محرمة من العقل المحافظ والتي تعتبر مقدسة بالنسبة إليهم، كما سعوا إلى تحريك الشارع الإيراني مستغلين الفتوة الكبيرة فيه (70 في المائة) فكانت مظاهرات عام 1999 في جامعة طهران من أهم التحركات التي قام بها الإصلاحيون في مواجهة السلطة الدينية ومراكز القوى في النظام، رافقتها دعوات صريحة من بعض القوى الإصلاحية تطلب العون من واشنطن، كما صرح بذلك علناً الأمين العام لتنظيم (تحكيم وحدت الطلابي) إبراهيم أصغر زادة، وتبين أن الميزانية التي أقرها الكونغرس الأمريكي في نهاية عقد التسعينات والتي بلغت قيمتها عشرين مليون دولار بغرض القيام بأنشطة استخباراتية ضد إيران (هكذا أعلن) تم تفعيلها وصرفها في توجيه تلك التحركـات من إحدى شقق العاصمة طهران. وبالتأكيد لم تكن هذه التحركات لتحدث من دون تنسيق وإعداد مسبقين، وربما كانت تهيئة حقيقية لثورة برتقالية ضد النظام الإيراني تقودها قوى معترف بها قانونياً في وزارة الداخلية وفي العرف السياسي الإيراني، لذا فإن القوى المحافظة استنفرت كامل النظام الإسلامي من بسيج وحرس ثوري ومنظمات خيرية وآلة إعلامية لمواجهة أي انقلاب أو تلوينات سياسية مشبوهة بنظرها، فكانت أزمة (الأهلية) التي احتدمت قبيل انتخابات المجلس النيابي السابع أكبر دليل على بدء الهجوم المحافظ المضاد عندما قام مجلس صيانة الدستور برفض أهلية 3600 شخص من أصل 8160 أي بنسبة 44.1 في المائة ممن تقدموا بطلبات ترشيح للانتخابات النيابية آنذاك، وكانت تلك الخطوة بمثابة العملية الجراحية في خريطة الأحزاب ومنتسبي الدولة. واتبع الإيرانيون بعد تلك الأحداث ومؤشرات الاختراق منزلة بين منزلتين وهي عدم ترك الأمور كما كانت في أوكرانيا وجورجيا، وغير الإجراءات التي قامت بها قيرغيزستان في مواجهة المظاهرات المطالبة باستقالة رئيسي الجمهورية والوزراء، أو كما حصل في وادي فيرغانا بأوزبكستان، أو في أذربيجان بالدعوة إلى إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية. وبدأت الحكومة الإيرانية بالتحرك للتعامل مع (الأنوية) الداعية أو المتماهية مع الدعوات ذاتها التي رفعت (الألوية البرتقالية) في دول القوقاز، وتعاملت بحسم مع الأمريكيين من أصل إيراني مع احتدام قضية (زهراء كاظمي)، ومروراً بالشخصيات الأمريكية التي توالت على زيارة إيران بهدف تنظيم فعاليات مدنية مشابهة للتي كانت تقيمها المعاهد الديمقراطية الأمريكية في الشرق الأوسط، فاعتقلت كيان تاجبخش من معهد جورج سوروس للمجتمع المفتوح، وهالة اسفندياري المشرفة على برنامج الشرق الأوسط في مركز وودرو ويسلون بواشنطن وبارناز أزيما من راديو فردا وغيرهم. ويتحسب القائمون على السياسة العليا في إيران مما ستفضي إليه الانتخابات النيابية التي ستجرى في مارس المقبل، ولأن الولاءات والتحالفات السياسية بدأت في التبدل بعد فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد وظهور الخلاف بين اليمين التقليدي واليمين الجديد المتمثل في رواد إعمار إيران الإسلامية، فإن زحف أطياف مهمة من اليمين التقليدي برئاسة ناطق نوري صوب الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني قد يدفع إلى قيام تحالف بين اليسار الديني الراديكالي واليمين التقليدي ويمين الوسط، مما قد يشكّل توازناً في جبهتي اليسار واليمين، وهو أمر إن تم فإنه يعني ضياع بوصلة أقصى اليمين وأقصى اليسار لصالح قوى أكثر اعتدالاً، وهي الفرصة ذاتها التي قد تضيع على مساعي الولايات المتحدة الأمريكية في تشكيل ثورة برتقالية تقودها المجاميع المتطرفة في قوى الثاني من خرداد .

::/fulltext::
::cck::3413::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *