ما قبل زيارة بوش وبعدها بين الأجندة الأمريكية واللا أجندة الإقليمية
::cck::2011::/cck::
::introtext::
مع أنني أحترم قيم العدالة والديمقراطية الحقيقية التي تعلي إرادة الشعوب على إرادات الساسة العدوانية وأصحاب المصالح (الرأسمالية الاحتكارية) في إشعال الحروب الدولية، وأحترم أيضاً قيم الحرية والحقوق الإنسانية التي يؤمن بها الشعب الأمريكي، فلا أستطيع احترام السياسة الأمريكية الحالية خاصة تجاه شعوبنا وقضايانا العربية والإسلامية لأنها تتناقض بسياساتها وحروبها العدوانية على حرية وحقوق الشعوب مع تلك القيم والمبادىء الأخلاقية النبيلة.
::/introtext::
::fulltext::
مع أنني أحترم قيم العدالة والديمقراطية الحقيقية التي تعلي إرادة الشعوب على إرادات الساسة العدوانية وأصحاب المصالح (الرأسمالية الاحتكارية) في إشعال الحروب الدولية، وأحترم أيضاً قيم الحرية والحقوق الإنسانية التي يؤمن بها الشعب الأمريكي، فلا أستطيع احترام السياسة الأمريكية الحالية خاصة تجاه شعوبنا وقضايانا العربية والإسلامية لأنها تتناقض بسياساتها وحروبها العدوانية على حرية وحقوق الشعوب مع تلك القيم والمبادىء الأخلاقية النبيلة.
لا أثق كثيراً بالوعود الأمريكية، ولا بالمزاعم والاتهامات الأمريكية، لأنني أشك كثيراً في المصداقية الأمريكية لثبوت كذب الاتهامات والمزاعم والادعاءات الأمريكية خاصة ضد الدول العربية والإسلامية، والعراق وما جرى لشعبه وما وقع فيه من احتلال وتدمير بدعاوى كاذبة مثال واضح.
ولهذا أيضاً وكما أتعاطف مع الشعوب العربية والإسلامية أتعاطف أيضاً مع الشعب الأمريكي الذي اعترض على حروب رئيسه العبثية، وعارض مغامراته العسكرية، وسحب ثقته بسياساته الدولية، ليس لخسارته العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية، بل لخسارته الأكبر للمسؤولية الأخلاقية للدولة العظمى الأولى بما أضر كثيراً بالمصداقية الأمريكية، وأساء أكثر للصورة الباهرة للولايات المتحدة لدى كل الشعوب.
وربما كانت الزيارة الأخيرة الشرق أوسطية عموماً والخليجية خاصة للرئيس الأمريكيجورج بوش قبل الإحالة إلى التقاعد والخروج الأخير من البيت الأبيض، في ظل محاولاته للخروج ببلاده من المآزق الصعبة التي ورطها فيها على المستوى الدولي أو الإقليمي الشرق أوسطي أو الأمريكي، مرآة عاكسة لما وراء الزيارة وما بعدها، وكاشفة للأهداف الأمريكية غير العادلة وغير الداعمة للحرية ولا للديمقراطية ولا للقيم التي يؤمن بها الشعب الأمريكي الرافض لهذه السياسات الفاشلة خاصة تجاه منطقتنا العربية والإسلامية، المتمثلة في تأمين النفط وبيع السلاح ودعم إسرائيل.

دولياً مأزقه مع روسيا الاتحادية ومع دول في أوروبا أو أمريكا اللاتينية، أو إقليمياً في الشرق الأوسط في ما يتعلق بقضايا الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان أو دعم إسرائيل في احتلالها العدواني لفلسطين أو بالاشتباك مع إيران حول المسألة النووية لحماية أمن إسرائيل، أو حتى على المستوى الأمريكي نفسه بوضع حزبه في مأزق صعب أفقده الشعبية في البرلمان بمجلسيه، وبالذات في عام الانتخابات الأمريكية.
ما وراء زيارته هو محاولة لتعويم السياسة الأمريكية الغارقة، وأيضاً محاولة لحشد الدول الخليجية العربية إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران بدعوى الخطر النووي المحتمل لإبعاد الأنظار العربية والإسلامية عن الخطر النووي الإسرائيلي القائم على كل دول المنطقة، وكذلك محاولة لفرض تسوية للقضية الفلسطينية لتنعم إسرائيل بالأمن والسلام الدائم على حساب الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وبعيداً عن قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية، ومحاولة لدور خليجي لدعم التوجهات الأمريكية في العراق، ودعم حلفاء أمريكا في فلسطين ولبنان ضد المقاومة الوطنية في البلدين، ثم محاولة للضغط باتجاه زيادة إنتاج النفط لخفض سعره، وزيادة مبيعات السلاح لإنقاذ اقتصاد بلاده من الركود.
وسبق زيارته بعملية علاقات عامة واسعة انطلقت من فكرة عمل شيء ما في حشد عربي ودولي ما لإيهام الرأي العام الأمريكي والدولي بالتحرك بصورة ما في اتجاه إيجاد تسوية ما للقضية الفلسطينية، ولو لحساب الاحتلال الإسرائيلي، وعلى حساب الحق العربي والفلسطيني، بناء على نصيحة مستشاريه لإنقاذ الصورة الأمريكية المشوهة لدى الرأي العام العربي والإسلامي، وتبلورت هذه الفكرة في عقد مؤتمر احتفالي في (أنابوليس) لم يتمخض عن شيء سوى عن طي صفحة المبادرة العربية للسلام، وإعادة فتح صفحة خريطة الطريق الأمريكية، وبضعة خطابات شملت الكثير من العبارات الإنشائية المتفاءلة بالوصول إلى تسوية لحل الدولتين خلال عام 2008 بشروط السلام الإسرائيلي-الأمريكي وليس بشروط القرارات الأممية، لكن سرعان ما أجهضته التصريحات الإسرائيلية والأمريكية العكسية بأن لا سلام يبدو في الأفق، وبدا ذلك أوضح بعد فشل المفاوضات بين أولمرت وعباس، ومع زيادة الاستيطان في القدس والغارات العدوانية على غزة والضفة الغربية.
وهكذا كان مؤتمر أنابوليس احتفالية خطابية ليخدم ذلك الإيهام الخادع للعرب الطيبين، وكذلك زيارة بوش إلى الشرق الأوسط كانت لتسويق صورته الشخصية كصانع سلام، ولإقناع الدول العربية والخليجية بأن إسرائيل سائرة فيما يسمى عملية سلام، والمفاوضات ستستأنف للتوصل إلى حل للمسائل الأساسية، بينما أجهض بنفسه كل ذلك باستبعاد مرجعية الشرعية الدولية، وإسقاط حق العودة للاجئين، وبزيارته إلى القدس تمهيداً للاعتراف الأمريكي المتوقع بالقدس كعاصمة لإسرائيل في زيارته المقبلة المتوقعة للاحتفال في إسرائيل بالذكرى الستين لتأسيس (الدولة اليهودية الصهيونية). وفي ظل هذه الظروف وهذه الأهداف قام بوش بجولته المحرضة على المواجهات الإقليمية والحروب الأهلية، وزيارته المتلاعبة بأماني الشعوب العربية والإسلامية، في مهمة وهمية للتسوية الفلسطينية-الإسرائيلية، وحاملاً رسالة غير منطقية للشعوب العربية، بدأها بزيارة (الدولة العبرية اليهودية) التي أكد قبل (أنابوليس) أنه مستعد بما يملك، وبما تملك حليفته الاستراتيجية إسرائيل من أسلحة نووية، لإشعال الحرب العالمية الثالثة إذا تعرض أمنها للتهديد! ومكرساً الانقسام بين ما يسميه الاعتدال وما يسميه التطرف، مرسلاً رسالة إلى بعض الدول العربية التي يسميها بالمعتدلة حين تتوافق مع بعض سياساته، وبالمتطرفة حين لا تتوافق مع السياسات العدوانية التوسعية الإسرائيلية، ليقنع قادتها بغض الطرف عن المخاطر النووية العسكرية الصهيونية القائمة وبفتح العيون على المخاطر النووية الإيرانية السلمية المحتملة، وليقول لهم بعد أن أصبح الملف في يده الأمريكية الضامنة الاستراتيجية للدولة الصهيونية، إن الاحتلال غير المشروع كفعل ليس إرهاباً إنما المقاومة المشروعة كرد فعل هي الإرهاب بعينه!
وهكذا بدت الصورة العربية العامة بالأقمار الصناعية الأمريكية أشبه بصورة من الجو بطائرات الاستطلاع الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية، حيث تختلط في الصورة العربية مساحات الضوء المحدودة والظل الممدودة، مثلما تختلط الصورة الفلسطينية المنقسمة بمستعمرات الاستيطان الصهيونية، وبتوسعات الجدران العنصرية، وبمجازر العدوان اليومية تنفيذاً لخطة (دايتون) الأمريكية ضد المقاومة الفلسطينية لفرض الأمر الواقع بالقوة على الدول العربية.
الترابط في أمن المنطقة
إن الأمن الخليجي العربي يرتبط بالأمن القومي العربي والأمن الإقليمي، كما أن الأمن القومي العربي ترتبط حلقاته بأمن الخليج وأمن البحر الأحمر وأمن البحر المتوسط التي يطل الوطن العربي على شواطئها، سواء كان هذا الأمن سياسياً بالاستقلال السيادي والتحرر من الاحتلال الأجنبي والقواعد العسكرية بما يمنع كل أشكال الهيمنة أو الوصاية أو التدخلات الأجنبية، ويزيل أي ضغوط على حرية خيارات الإرادة الوطنية، ويضع الأسس لعلاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك لتحقيق المصالح المشتركة، أو أمناً اقتصادياً من محاولات الطامعين دولاً أو شركات متعددة الجنسيات بما يحفظ الثروات الوطنية من النهب أو الاستغلال أو السيطرة ويساعد على دفع حركة ورفع معدلات التنمية الشاملة، أو حتى أمناً ثقافياً بما يحفظ الهوية الثقافية والشخصية الحضارية باسم العولمة، ويدفع إلى الحوار لا الشجار بما يحترم العقائد الدينية والثقافات الوطنية للشعوب المتشاطئة على هذه البحارالثلاثة.
ويبدو للمراقبين للشؤون الخليجية هنا بشكل خاص والشؤون العربية بشكل عام أن الحروب التي جرت والتوترات الحالية التي تريد أن تشعل الحرائق في منطقة الخليج العربي ومنطقة البحر المتوسط والبحر الأحمر إنما ترجع في خلفياتها الحقيقية إلى مسألتين أساسيتين هما: أمن الخليج بمناظيره المختلفة الأمريكية والإيرانية والعربية والغربية، واللا انحياز الأمريكي على حساب العرب والمسلمين لضمان أمن إسرائيل.
الولايات المتحدة تحاول فرض تسوية للقضية الفلسطينية لتنعم إسرائيل بالأمن والسلام الدائم
وإذا كان من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أمريكا وأوروبا وليس لدوله فقط لكونه مصدراً لستين في المائة من الاحتياطيات العالمية، ومصدراً لما يزيد على الأربعين في المائة من الواردات العالمية للنفط، وكذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، فإنه من غير الطبيعي ألا يمثل أمن الخليج (الأمن الخليجي العربي الإسلامي) قبل (الغربي الأوروبي والأمريكي)، ومن غير الطبيعي أيضاً أن تتمركز الأساطيل الأمريكية وأساطيل الناتو العسكرية فيه، فضلاً عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه، وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضماناً لتأمين السيطرة على مصادر النفط ولضمان أمن (الدولة اليهودية) على حساب الأمن الإقليمي العربي الإسلامي وعلى حساب الأمن القومي العربي.
فالصورة الإسرائيلية تبدو إجرامية باحتلالها للأرض العربية وبمجازرها اليومية ضد المدن والمخيمات الفلسطينية، وحصارها اللا إنساني لمليون ونصف المليون فلسطيني في غزة واعتداءاتها على المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، ورفضها لأبسط شروط السلام، واستمرارها في سفك المزيد من دماء النساء والشيوخ والأطفال.
ومن جانبها الصورة الفلسطينية تبدو مزعجة بانقساماتها المرسومة بين (فتح) و(حماس)، وبين حكومة غزة وسلطة رام الله دون إرادة وطنية مقاومة واحدة يبنيها حوار وطني فلسطيني شامل بين جميع القوى والفصائل لإعادة بناء منظمة التحرير، وبقبولها طرفاً فيها للحوار مع الأعداء من دون شروط ورفضها للحوار مع الأشقاء إلا بشروط. كما تبدوالصورة العربية مقلقة باختلافاتها الموهومة بين الاعتدال والتطرف، وبسماحها بتسليم ملفات قضيتها في (أنابوليس) للرئاسة الأمريكية لا الدولية، وطي مبادرة السلام العربية والقبول بأولوية خريطة الطريق الأمريكية، وبفشلها في ملء فراغ منطقتها أو تدعيم الجسور مع جوارها، والامتناع عن معاقبة أعدائها وحلفاء أعدائها، وتخوفها من الانتصار لأشقائها لحساب غيرها، وترددها في مكافأة أصدقائها.
أما الصورة الأمريكية فتبدو متواطئة وفاقدة للمصداقية والأهلية للإشراف على إقامة سلام أو تسوية سياسية عادلة، بانحيازها المكشوف لمشروع الاحتلال الصهيوني في فلسطين ولبنان والجولان، وباحتلالها غير المشروع للعراق، وبأطماعها وتدخلاتها في السودان وعدوانها الصليبي في الصومال، ومخططاتها الشرق أوسطية التقسيمية، وخداعها المفضوح للعرب والمسلمين بصمتها عن الخطر النووي الإسرائيلي ومحاولاتها الفاشلة بالترويج لمخاطر افتراضية عربية أو إسلامية، بينما الصورة الدولية تبدو متخاذلة بتجاهلها لتطبيق قرارات الشرعية الدولية المتصلة باعتبارها المرجعية الوحيدة لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي، وصمتها عن إدانة العدوان الإسرائيلي وعدم الضغط على إسرائيل لنزع أسلحتها النووية ووقف اعتداءاتها اليومية ومجافاتها لمبادىء حقوق الإنسان.
هذه الصور كلها التي جاءت زيارة الرئيس جورج بوش في محاولة لتكريسها وحصاد نتائجها لحساب المشروع الشرق أوسطي الصهيو-أمريكي على حساب حقوقنا وقضايانا، تحتاج منا إلى إعادة قراءة وإلى موقف عربي أكثر وحدة وأكثر قوة وأكثر وضوحاً، خاصة بعد أن رأينا بأم أعيننا الحصاد المشؤوم لزيارة الرئيس الأمريكي.
وما لم ننتصر نحن لقضايانا فلن ينتصر لها أحد، وما لم نحترم أنفسنا فلن يحترمنا أحد، وما لم نتضامن عربياً وإسلامياً لحماية أنفسنا بأنفسنا فلن تحمينا لا الأساطيل الغربية ولا الأوهام بالسلام أو الديمقراطية على الطريقة الأمريكية. كما لن يحمينا القبول بشروط الأعداء على حساب الأشقاء، ولا معاداة الجيران والأصدقاء ومسالمة الأعداء في الدولة اليهودية العبرية، ولا الانخراط في المشاريع الصهيو-أمريكية، سواء للحرب غير المشروعة ضد إيران الإسلامية أو ضد المقاومة الوطنية في فلسطين أو لبنان العربية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2011::/cck::
::introtext::
مع أنني أحترم قيم العدالة والديمقراطية الحقيقية التي تعلي إرادة الشعوب على إرادات الساسة العدوانية وأصحاب المصالح (الرأسمالية الاحتكارية) في إشعال الحروب الدولية، وأحترم أيضاً قيم الحرية والحقوق الإنسانية التي يؤمن بها الشعب الأمريكي، فلا أستطيع احترام السياسة الأمريكية الحالية خاصة تجاه شعوبنا وقضايانا العربية والإسلامية لأنها تتناقض بسياساتها وحروبها العدوانية على حرية وحقوق الشعوب مع تلك القيم والمبادىء الأخلاقية النبيلة.
::/introtext::
::fulltext::
مع أنني أحترم قيم العدالة والديمقراطية الحقيقية التي تعلي إرادة الشعوب على إرادات الساسة العدوانية وأصحاب المصالح (الرأسمالية الاحتكارية) في إشعال الحروب الدولية، وأحترم أيضاً قيم الحرية والحقوق الإنسانية التي يؤمن بها الشعب الأمريكي، فلا أستطيع احترام السياسة الأمريكية الحالية خاصة تجاه شعوبنا وقضايانا العربية والإسلامية لأنها تتناقض بسياساتها وحروبها العدوانية على حرية وحقوق الشعوب مع تلك القيم والمبادىء الأخلاقية النبيلة.
لا أثق كثيراً بالوعود الأمريكية، ولا بالمزاعم والاتهامات الأمريكية، لأنني أشك كثيراً في المصداقية الأمريكية لثبوت كذب الاتهامات والمزاعم والادعاءات الأمريكية خاصة ضد الدول العربية والإسلامية، والعراق وما جرى لشعبه وما وقع فيه من احتلال وتدمير بدعاوى كاذبة مثال واضح.
ولهذا أيضاً وكما أتعاطف مع الشعوب العربية والإسلامية أتعاطف أيضاً مع الشعب الأمريكي الذي اعترض على حروب رئيسه العبثية، وعارض مغامراته العسكرية، وسحب ثقته بسياساته الدولية، ليس لخسارته العسكرية أو السياسية أو الاقتصادية، بل لخسارته الأكبر للمسؤولية الأخلاقية للدولة العظمى الأولى بما أضر كثيراً بالمصداقية الأمريكية، وأساء أكثر للصورة الباهرة للولايات المتحدة لدى كل الشعوب.
وربما كانت الزيارة الأخيرة الشرق أوسطية عموماً والخليجية خاصة للرئيس الأمريكيجورج بوش قبل الإحالة إلى التقاعد والخروج الأخير من البيت الأبيض، في ظل محاولاته للخروج ببلاده من المآزق الصعبة التي ورطها فيها على المستوى الدولي أو الإقليمي الشرق أوسطي أو الأمريكي، مرآة عاكسة لما وراء الزيارة وما بعدها، وكاشفة للأهداف الأمريكية غير العادلة وغير الداعمة للحرية ولا للديمقراطية ولا للقيم التي يؤمن بها الشعب الأمريكي الرافض لهذه السياسات الفاشلة خاصة تجاه منطقتنا العربية والإسلامية، المتمثلة في تأمين النفط وبيع السلاح ودعم إسرائيل.

دولياً مأزقه مع روسيا الاتحادية ومع دول في أوروبا أو أمريكا اللاتينية، أو إقليمياً في الشرق الأوسط في ما يتعلق بقضايا الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان أو دعم إسرائيل في احتلالها العدواني لفلسطين أو بالاشتباك مع إيران حول المسألة النووية لحماية أمن إسرائيل، أو حتى على المستوى الأمريكي نفسه بوضع حزبه في مأزق صعب أفقده الشعبية في البرلمان بمجلسيه، وبالذات في عام الانتخابات الأمريكية.
ما وراء زيارته هو محاولة لتعويم السياسة الأمريكية الغارقة، وأيضاً محاولة لحشد الدول الخليجية العربية إلى جانب الولايات المتحدة ضد إيران بدعوى الخطر النووي المحتمل لإبعاد الأنظار العربية والإسلامية عن الخطر النووي الإسرائيلي القائم على كل دول المنطقة، وكذلك محاولة لفرض تسوية للقضية الفلسطينية لتنعم إسرائيل بالأمن والسلام الدائم على حساب الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وبعيداً عن قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية، ومحاولة لدور خليجي لدعم التوجهات الأمريكية في العراق، ودعم حلفاء أمريكا في فلسطين ولبنان ضد المقاومة الوطنية في البلدين، ثم محاولة للضغط باتجاه زيادة إنتاج النفط لخفض سعره، وزيادة مبيعات السلاح لإنقاذ اقتصاد بلاده من الركود.
وسبق زيارته بعملية علاقات عامة واسعة انطلقت من فكرة عمل شيء ما في حشد عربي ودولي ما لإيهام الرأي العام الأمريكي والدولي بالتحرك بصورة ما في اتجاه إيجاد تسوية ما للقضية الفلسطينية، ولو لحساب الاحتلال الإسرائيلي، وعلى حساب الحق العربي والفلسطيني، بناء على نصيحة مستشاريه لإنقاذ الصورة الأمريكية المشوهة لدى الرأي العام العربي والإسلامي، وتبلورت هذه الفكرة في عقد مؤتمر احتفالي في (أنابوليس) لم يتمخض عن شيء سوى عن طي صفحة المبادرة العربية للسلام، وإعادة فتح صفحة خريطة الطريق الأمريكية، وبضعة خطابات شملت الكثير من العبارات الإنشائية المتفاءلة بالوصول إلى تسوية لحل الدولتين خلال عام 2008 بشروط السلام الإسرائيلي-الأمريكي وليس بشروط القرارات الأممية، لكن سرعان ما أجهضته التصريحات الإسرائيلية والأمريكية العكسية بأن لا سلام يبدو في الأفق، وبدا ذلك أوضح بعد فشل المفاوضات بين أولمرت وعباس، ومع زيادة الاستيطان في القدس والغارات العدوانية على غزة والضفة الغربية.
وهكذا كان مؤتمر أنابوليس احتفالية خطابية ليخدم ذلك الإيهام الخادع للعرب الطيبين، وكذلك زيارة بوش إلى الشرق الأوسط كانت لتسويق صورته الشخصية كصانع سلام، ولإقناع الدول العربية والخليجية بأن إسرائيل سائرة فيما يسمى عملية سلام، والمفاوضات ستستأنف للتوصل إلى حل للمسائل الأساسية، بينما أجهض بنفسه كل ذلك باستبعاد مرجعية الشرعية الدولية، وإسقاط حق العودة للاجئين، وبزيارته إلى القدس تمهيداً للاعتراف الأمريكي المتوقع بالقدس كعاصمة لإسرائيل في زيارته المقبلة المتوقعة للاحتفال في إسرائيل بالذكرى الستين لتأسيس (الدولة اليهودية الصهيونية). وفي ظل هذه الظروف وهذه الأهداف قام بوش بجولته المحرضة على المواجهات الإقليمية والحروب الأهلية، وزيارته المتلاعبة بأماني الشعوب العربية والإسلامية، في مهمة وهمية للتسوية الفلسطينية-الإسرائيلية، وحاملاً رسالة غير منطقية للشعوب العربية، بدأها بزيارة (الدولة العبرية اليهودية) التي أكد قبل (أنابوليس) أنه مستعد بما يملك، وبما تملك حليفته الاستراتيجية إسرائيل من أسلحة نووية، لإشعال الحرب العالمية الثالثة إذا تعرض أمنها للتهديد! ومكرساً الانقسام بين ما يسميه الاعتدال وما يسميه التطرف، مرسلاً رسالة إلى بعض الدول العربية التي يسميها بالمعتدلة حين تتوافق مع بعض سياساته، وبالمتطرفة حين لا تتوافق مع السياسات العدوانية التوسعية الإسرائيلية، ليقنع قادتها بغض الطرف عن المخاطر النووية العسكرية الصهيونية القائمة وبفتح العيون على المخاطر النووية الإيرانية السلمية المحتملة، وليقول لهم بعد أن أصبح الملف في يده الأمريكية الضامنة الاستراتيجية للدولة الصهيونية، إن الاحتلال غير المشروع كفعل ليس إرهاباً إنما المقاومة المشروعة كرد فعل هي الإرهاب بعينه!
وهكذا بدت الصورة العربية العامة بالأقمار الصناعية الأمريكية أشبه بصورة من الجو بطائرات الاستطلاع الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية، حيث تختلط في الصورة العربية مساحات الضوء المحدودة والظل الممدودة، مثلما تختلط الصورة الفلسطينية المنقسمة بمستعمرات الاستيطان الصهيونية، وبتوسعات الجدران العنصرية، وبمجازر العدوان اليومية تنفيذاً لخطة (دايتون) الأمريكية ضد المقاومة الفلسطينية لفرض الأمر الواقع بالقوة على الدول العربية.
الترابط في أمن المنطقة
إن الأمن الخليجي العربي يرتبط بالأمن القومي العربي والأمن الإقليمي، كما أن الأمن القومي العربي ترتبط حلقاته بأمن الخليج وأمن البحر الأحمر وأمن البحر المتوسط التي يطل الوطن العربي على شواطئها، سواء كان هذا الأمن سياسياً بالاستقلال السيادي والتحرر من الاحتلال الأجنبي والقواعد العسكرية بما يمنع كل أشكال الهيمنة أو الوصاية أو التدخلات الأجنبية، ويزيل أي ضغوط على حرية خيارات الإرادة الوطنية، ويضع الأسس لعلاقات متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك لتحقيق المصالح المشتركة، أو أمناً اقتصادياً من محاولات الطامعين دولاً أو شركات متعددة الجنسيات بما يحفظ الثروات الوطنية من النهب أو الاستغلال أو السيطرة ويساعد على دفع حركة ورفع معدلات التنمية الشاملة، أو حتى أمناً ثقافياً بما يحفظ الهوية الثقافية والشخصية الحضارية باسم العولمة، ويدفع إلى الحوار لا الشجار بما يحترم العقائد الدينية والثقافات الوطنية للشعوب المتشاطئة على هذه البحارالثلاثة.
ويبدو للمراقبين للشؤون الخليجية هنا بشكل خاص والشؤون العربية بشكل عام أن الحروب التي جرت والتوترات الحالية التي تريد أن تشعل الحرائق في منطقة الخليج العربي ومنطقة البحر المتوسط والبحر الأحمر إنما ترجع في خلفياتها الحقيقية إلى مسألتين أساسيتين هما: أمن الخليج بمناظيره المختلفة الأمريكية والإيرانية والعربية والغربية، واللا انحياز الأمريكي على حساب العرب والمسلمين لضمان أمن إسرائيل.
الولايات المتحدة تحاول فرض تسوية للقضية الفلسطينية لتنعم إسرائيل بالأمن والسلام الدائم
وإذا كان من الطبيعي أن يمثل أمن الخليج أهمية لدول العالم كله ومن بينها أمريكا وأوروبا وليس لدوله فقط لكونه مصدراً لستين في المائة من الاحتياطيات العالمية، ومصدراً لما يزيد على الأربعين في المائة من الواردات العالمية للنفط، وكذلك لما يتمتع به من موقع استراتيجي متوسط في قلب العالم، فإنه من غير الطبيعي ألا يمثل أمن الخليج (الأمن الخليجي العربي الإسلامي) قبل (الغربي الأوروبي والأمريكي)، ومن غير الطبيعي أيضاً أن تتمركز الأساطيل الأمريكية وأساطيل الناتو العسكرية فيه، فضلاً عن الغزو الأطلسي لإحدى أبرز دوله وهي العراق بهدف تأمين سيطرتها على نفطه، وتهديد إحدى أبرز دوله وهي إيران ضماناً لتأمين السيطرة على مصادر النفط ولضمان أمن (الدولة اليهودية) على حساب الأمن الإقليمي العربي الإسلامي وعلى حساب الأمن القومي العربي.
فالصورة الإسرائيلية تبدو إجرامية باحتلالها للأرض العربية وبمجازرها اليومية ضد المدن والمخيمات الفلسطينية، وحصارها اللا إنساني لمليون ونصف المليون فلسطيني في غزة واعتداءاتها على المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة، ورفضها لأبسط شروط السلام، واستمرارها في سفك المزيد من دماء النساء والشيوخ والأطفال.
ومن جانبها الصورة الفلسطينية تبدو مزعجة بانقساماتها المرسومة بين (فتح) و(حماس)، وبين حكومة غزة وسلطة رام الله دون إرادة وطنية مقاومة واحدة يبنيها حوار وطني فلسطيني شامل بين جميع القوى والفصائل لإعادة بناء منظمة التحرير، وبقبولها طرفاً فيها للحوار مع الأعداء من دون شروط ورفضها للحوار مع الأشقاء إلا بشروط. كما تبدوالصورة العربية مقلقة باختلافاتها الموهومة بين الاعتدال والتطرف، وبسماحها بتسليم ملفات قضيتها في (أنابوليس) للرئاسة الأمريكية لا الدولية، وطي مبادرة السلام العربية والقبول بأولوية خريطة الطريق الأمريكية، وبفشلها في ملء فراغ منطقتها أو تدعيم الجسور مع جوارها، والامتناع عن معاقبة أعدائها وحلفاء أعدائها، وتخوفها من الانتصار لأشقائها لحساب غيرها، وترددها في مكافأة أصدقائها.
أما الصورة الأمريكية فتبدو متواطئة وفاقدة للمصداقية والأهلية للإشراف على إقامة سلام أو تسوية سياسية عادلة، بانحيازها المكشوف لمشروع الاحتلال الصهيوني في فلسطين ولبنان والجولان، وباحتلالها غير المشروع للعراق، وبأطماعها وتدخلاتها في السودان وعدوانها الصليبي في الصومال، ومخططاتها الشرق أوسطية التقسيمية، وخداعها المفضوح للعرب والمسلمين بصمتها عن الخطر النووي الإسرائيلي ومحاولاتها الفاشلة بالترويج لمخاطر افتراضية عربية أو إسلامية، بينما الصورة الدولية تبدو متخاذلة بتجاهلها لتطبيق قرارات الشرعية الدولية المتصلة باعتبارها المرجعية الوحيدة لإنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي، وصمتها عن إدانة العدوان الإسرائيلي وعدم الضغط على إسرائيل لنزع أسلحتها النووية ووقف اعتداءاتها اليومية ومجافاتها لمبادىء حقوق الإنسان.
هذه الصور كلها التي جاءت زيارة الرئيس جورج بوش في محاولة لتكريسها وحصاد نتائجها لحساب المشروع الشرق أوسطي الصهيو-أمريكي على حساب حقوقنا وقضايانا، تحتاج منا إلى إعادة قراءة وإلى موقف عربي أكثر وحدة وأكثر قوة وأكثر وضوحاً، خاصة بعد أن رأينا بأم أعيننا الحصاد المشؤوم لزيارة الرئيس الأمريكي.
وما لم ننتصر نحن لقضايانا فلن ينتصر لها أحد، وما لم نحترم أنفسنا فلن يحترمنا أحد، وما لم نتضامن عربياً وإسلامياً لحماية أنفسنا بأنفسنا فلن تحمينا لا الأساطيل الغربية ولا الأوهام بالسلام أو الديمقراطية على الطريقة الأمريكية. كما لن يحمينا القبول بشروط الأعداء على حساب الأشقاء، ولا معاداة الجيران والأصدقاء ومسالمة الأعداء في الدولة اليهودية العبرية، ولا الانخراط في المشاريع الصهيو-أمريكية، سواء للحرب غير المشروعة ضد إيران الإسلامية أو ضد المقاومة الوطنية في فلسطين أو لبنان العربية.
::/fulltext::
::cck::2011::/cck::
