الخيار التكنولوجي وتشرذم الوعي الزائف كيف عملت وسائل الاتصال الحديثة على إسقاط الفكر الأيديولوجي؟

::cck::2085::/cck::
::introtext::

تتباين نظرة المجتمعات بحسب درجة تطورها إلى المحدد التكنولوجي وعلاقته بالمجتمع والبيئة المحيطة، من كونه خياراً يفضي إلى عدد آخر من المفاهيم التي تتوافق مع منظور الإتاحة التكنولوجية كمسار مفتوح للتطور والتقدم والرقي الحضاري، أو حتمية تكنولوجية على الإنسان أن يضع أقدامه على الطريق لتدور به عجلاتها في إشارة إلى التكيف السلبي وغير التفاعلي في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا. 

::/introtext::
::fulltext::

تتباين نظرة المجتمعات بحسب درجة تطورها إلى المحدد التكنولوجي وعلاقته بالمجتمع والبيئة المحيطة، من كونه خياراً يفضي إلى عدد آخر من المفاهيم التي تتوافق مع منظور الإتاحة التكنولوجية كمسار مفتوح للتطور والتقدم والرقي الحضاري، أو حتمية تكنولوجية على الإنسان أن يضع أقدامه على الطريق لتدور به عجلاتها في إشارة إلى التكيف السلبي وغير التفاعلي في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا.

في ورطة الخروج من تلك الإشكالية بين المجتمع من جهة والمحدد التكنولوجي من جهة أخرى، وذلك في تبادل الأدوار بينهما، أيهما التابع وأيهما المتغير، المجتمع أم المعطى التكنولوجي؟ أجد أننا نتفق على حد تصوري على أن التكنولوجيا ذات طبيعة ثورية تقلب الأمور على أعقابها، وتجعل من يتخوفون منها في حالة من القلق الدائم، ويسعون إلى تشويه ثمارها تارة ومنع نموها أصلاً تارة أخرى، وهم في آخر المطاف يرضخون لتلك الطبيعة الثورية الاقتحامية للتكنولوجيا والتي تقف في الضد من كل ما هو ذات طبيعة متسلطة أو دكتاتورية، وكل ذلك بالطبع للحفاظ على مكاسبهم وعلى ما هم فيه من سلطة. إنه صراع غير متكافىء بين من يملك وبين من لا يملك، بين من يعرف ومن لا يعرف. ولكن أين ساحة ذلك الصراع؟ ومع مَنْ؟ وما أغراضه وما أدواته التطبيقية؟ تساؤلات كثيرة يمكن أن يجادل فيها من يمتلك الحجة في أن الظاهرة التكنولوجية ليست بيضاء دائماً، فهي أداة ووسيلة للفعل السياسي. والآن الظاهرة التكنولوجية هي بحد ذاتها سلطة وقوة بيد من يمتلك مفاتيح وشيفرات الدخول والنفاذ ليعمل بشكل غير منظور على تأكيد وفرض سلطته وثقافته وقيمه وسياساته وأيديولوجيته.

إن القرية الإلكترونية التي نظّر لها في فترة الستينات من القرن الماضي العالم الكندي مارشال ماكلوهان الذي يؤكد على أولوية الوسيط الاتصالي في التأثير في المجتمع من خلال تكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة، تجسدت فعلاً في منتصف التسعينات مع الإتاحة التكنولوجية للمعلومات بفضل الإنترنت والفضائيات التي جعلت العالم في دائرة إلكترونية من التواصل والتفاعل متخطين الحواجز والعوائق الكثيرة التي وضعتها أيديولوجيات عصر الزراعة التي أوجبت التوطين في مكان محدد وهو البيت والحقل والقبيلة وزمان محدد للزراعة وجني المحصول والسقي وتلقيح المزروعات وغيرها، وأيديولوجيا رئيس القبيلة أو رجل الدين الذي يفرض سلطة أبوية بدوافع المحافظة على ما هو قائم، ومتخطين أيضاً قوانين عصر الصناعة التي أنتجت جمهوراً معتلاً سلبياً يأخذ الحقنة الإعلامية كما يأخذ حبة الدواء، وذلك في عصر الاتصال الجماهيري، رسائل متشابهة في اتصال كمي وفي أوقات متقاربة لأناس غير معروفين لمن يقوم بإرسال تلك الرسائل وهم في الأعم الغالب ممن ينشدون الراحة بعد عناء يوم طويل من العمل الشاق والمتشابه في المصانع وضجيج عجلة الإنتاج، وقوانين العمل وأيديولوجيا الدولة التي وفرت فرص العمل لأولئك البشر، وبالتالي يتوجب عليهم تمثل الفكر الأيديولوجي للدولة وتقبل دوافعها في المحافظة على ما هو قائم.

نظام القيم لابد أن يتغير ويتلاءم تجاوباً مع المتغيرات الاجتماعية التي يحث عليها المتغير التكنولوجي 

وبالإشارة إلى نظرة الباحث جوزيف غابل الذي درس بعمق علاقة الأيديولوجيا بالوعي الزائف، والذي يعرّف الأيديولوجيا بأنها منظومة أفكار مرتبطة اجتماعياً بمجموعة اقتصادية أو عرقية أو غيرهما، تعبر من دون أن يكون العكس صحيحاً، عن المصالح الواعية بهذا القدر أو ذاك لهذه المجموعة على شكل نزعة مضادة للتاريخ ورافضة للتغيير ومفككة للكليات. إنها إذاً تشكل التبلور النظري لشكل من أشكال الوعي الزائف. في مقابل ذلك فإن عصر المعلومات والمعرفة والظاهرة التكنولوجية أوجد مجتمعاً افتراضياً أو (عالم الخيال) وهو مجتمع متحرر من أية سلطة يمكن أن تفرضها الدولة، وهو مجتمع إلكتروني يتعامل مع حكومة إلكترونية وغير قابل للتمثل الواقعي، ويتعامل فيه الناس بواسطة الإلكترونيات من دون ضرورة لأن يتقابلوا بشكل مباشر، فهم ينجزون أعمالهم وتجارتهم، ويحصلون على الخدمات الصحية والتعليم والعمل وخدمات التسوق والحجوزات وتسيير أمور الحياة الأخرى، وغير ذلك الكثير من التطبيقات العملية لتكنولوجيا المعلومات وكل ذلك عن بعد ومن دون ضرورة إلى معرفة شكل الآخر على الطرف الثاني أو لونه أو عرقه أو ديانته أو جنسه فهي أمور لا تعنيه كثيراً بقدر ما تعنيه قيمة المتحقق من تلك المعاملة الإلكترونية. وهذا يكشف أن فكرة التجنيس الاجتماعي المتسق انتهت في مجال التفاعل الإنساني بين البشر، فقد اختزلت الإلكترونيات المسافات والسلطات والحدود والأزمنة بشكل واقعي وعنوة، وحطمت الفواصل الجغرافية إلى الفضاء الأرحب وهو الإنسان الكوني.

 وإذا كانت الأيديولوجيا هي المعيار الذي يزن به الناس، ومن خلال نظام القيم التي تضعه الأيديولوجيا، نظرتهم إلى أنفسهم ومجتمعهم وبكونها أساساً لمشروعية الممارسة السياسية والاجتماعية فإن الظاهرة التكنولوجية أوجدت نظاماً آخر بديلاً عن القيم، وهو- أي هذا النظام- وإن كان غير واضح تماماً الآن بسبب الحركية الدائمة للمعطى التكنولوجي الذي هو في حالة من التوالد الدائم إلا أنه يمكن النظر إلى ما أحدثته التكنولوجيا من تغيرات قوية على الأقل في أنماط السلوك باعتبار أن التأثير يمكن أن يقاس علمياً باعتباره التغيير الواضح في السلوك، فضلاً عن أن نظام القيم لابد أن يتغير ويتحور ويتلاءم تجاوباً مع المتغيرات الاجتماعية التي يحث عليها المتغير التكنولوجي، وهكذا فإن القيم والمعايير والعلاقات التنظيمية بين أفراد المجتمع وثقافات عصر الزراعة وعصر الصناعة تكاد تكون إرثاً في التاريخ السلوكي للبشر فهي عرضة للتحول والتغير المستمر في عصر المعلومات والمعرفة.

فكرة التجنيس الاجتماعي المتسق انتهت في مجال التفاعل الإنساني بين البشر

وفي مقاربة أولية لما حدث لتجربة إنسانية قريبة في بعدها المجتمعي وهي لحظة انهيار العالم الشيوعي ممثلاً بالاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات من القرن الماضي فإن الصورة تبدو مجسدة لما تقدم، حيث تمكنت الإلكترونيات من اختراق الأثير لتداهم المخيلة الروسية، وتعصف بنسق المحتوى القيمي للأفراد الذين وجدوا أنفسهم في اندماج قسري مع العالم الجديد في الغرب بكل ما فيه من متغيرات مدهشة للروس وتوابعهم وظلالهم السياسية، حيث قدمت التكنولوجيا رؤية مخالفة أسقطت الوعي الزائف وألغت ما تمثله السوفييت طيلة العقود السبعة الحمراء ليسقطوا زيف السلطة والنفوذ الأيديولوجي.

إن ما قاله ترومان عقب الحرب العالمية الثانية قد تحقق لحظة انهيار الخصم الأحمر حين أورد أن معادلة الصراع بين الغرب والسوفييت هي قدرة الموازنة بين رغيف الخبز والمدفع، وها هو رغيف الخبز الأسمر المفقود في الدولة النووية الحمراء يفرض شروطه على المجتمع المتنافس مع العالم الغربي، وليحقق نظرية لطالما تخوف منها وحذر علماء السياسة الروس وهي سيطرة رجل الشارع على رجل السياسة. فلا مناص من المكاشفة التي آمن بها غورباشوف باعتماد (البيروسترويكا) كمنهج للمكاشفة مع المجتمع الذي خلع عنة الستار الحديدي بأسرع مما يتخيله منظرو الأيديولوجيا الشيوعية وعلى رأسهم ستالين، فلم تعد قبضة الروس قادرة على إخفاء الحقائق عن الناس التي باتت تتحدث عن نفسها.

وتتكرر الصورة نفسها بعد عشر سنوات مع المشهد العراقي حين وقفت آليات الغرب فوق جسر الجمهورية وسط بغداد قبالة القصر الجمهوري لتعلن عن عهد جديد ولتسقط أيديولوجيا الأقفال على الهدف والتعبئة الزائفة التي لم تراع حاجات المجتمع الجديد، وليخرج رجل الشارع لينتقم من كل ظواهر الحشد التي مر عليها أكثر من ثلاثين سنة في مشهد مأساوي من النهب والسلب لكل ممتلكات الدولة الأيديولوجية ليقدم أنموذجاً آخر للوعي الزائف. وأخيراً لقد أضحت التكنولوجيا في بعدها الاتصالي قوة بالغة التأثير، بل هي القوة المهددة للوعي الزائف والتي أمكنها أن تعلن عن دق آخر مسمار في نعش الأيديولوجيا ولتعمق شعار التكنولوجيا بديلاً عن الأيديولوجيا.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2085::/cck::
::introtext::

تتباين نظرة المجتمعات بحسب درجة تطورها إلى المحدد التكنولوجي وعلاقته بالمجتمع والبيئة المحيطة، من كونه خياراً يفضي إلى عدد آخر من المفاهيم التي تتوافق مع منظور الإتاحة التكنولوجية كمسار مفتوح للتطور والتقدم والرقي الحضاري، أو حتمية تكنولوجية على الإنسان أن يضع أقدامه على الطريق لتدور به عجلاتها في إشارة إلى التكيف السلبي وغير التفاعلي في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا. 

::/introtext::
::fulltext::

تتباين نظرة المجتمعات بحسب درجة تطورها إلى المحدد التكنولوجي وعلاقته بالمجتمع والبيئة المحيطة، من كونه خياراً يفضي إلى عدد آخر من المفاهيم التي تتوافق مع منظور الإتاحة التكنولوجية كمسار مفتوح للتطور والتقدم والرقي الحضاري، أو حتمية تكنولوجية على الإنسان أن يضع أقدامه على الطريق لتدور به عجلاتها في إشارة إلى التكيف السلبي وغير التفاعلي في علاقة الإنسان بالتكنولوجيا.

في ورطة الخروج من تلك الإشكالية بين المجتمع من جهة والمحدد التكنولوجي من جهة أخرى، وذلك في تبادل الأدوار بينهما، أيهما التابع وأيهما المتغير، المجتمع أم المعطى التكنولوجي؟ أجد أننا نتفق على حد تصوري على أن التكنولوجيا ذات طبيعة ثورية تقلب الأمور على أعقابها، وتجعل من يتخوفون منها في حالة من القلق الدائم، ويسعون إلى تشويه ثمارها تارة ومنع نموها أصلاً تارة أخرى، وهم في آخر المطاف يرضخون لتلك الطبيعة الثورية الاقتحامية للتكنولوجيا والتي تقف في الضد من كل ما هو ذات طبيعة متسلطة أو دكتاتورية، وكل ذلك بالطبع للحفاظ على مكاسبهم وعلى ما هم فيه من سلطة. إنه صراع غير متكافىء بين من يملك وبين من لا يملك، بين من يعرف ومن لا يعرف. ولكن أين ساحة ذلك الصراع؟ ومع مَنْ؟ وما أغراضه وما أدواته التطبيقية؟ تساؤلات كثيرة يمكن أن يجادل فيها من يمتلك الحجة في أن الظاهرة التكنولوجية ليست بيضاء دائماً، فهي أداة ووسيلة للفعل السياسي. والآن الظاهرة التكنولوجية هي بحد ذاتها سلطة وقوة بيد من يمتلك مفاتيح وشيفرات الدخول والنفاذ ليعمل بشكل غير منظور على تأكيد وفرض سلطته وثقافته وقيمه وسياساته وأيديولوجيته.

إن القرية الإلكترونية التي نظّر لها في فترة الستينات من القرن الماضي العالم الكندي مارشال ماكلوهان الذي يؤكد على أولوية الوسيط الاتصالي في التأثير في المجتمع من خلال تكنولوجيا وسائل الاتصال الحديثة، تجسدت فعلاً في منتصف التسعينات مع الإتاحة التكنولوجية للمعلومات بفضل الإنترنت والفضائيات التي جعلت العالم في دائرة إلكترونية من التواصل والتفاعل متخطين الحواجز والعوائق الكثيرة التي وضعتها أيديولوجيات عصر الزراعة التي أوجبت التوطين في مكان محدد وهو البيت والحقل والقبيلة وزمان محدد للزراعة وجني المحصول والسقي وتلقيح المزروعات وغيرها، وأيديولوجيا رئيس القبيلة أو رجل الدين الذي يفرض سلطة أبوية بدوافع المحافظة على ما هو قائم، ومتخطين أيضاً قوانين عصر الصناعة التي أنتجت جمهوراً معتلاً سلبياً يأخذ الحقنة الإعلامية كما يأخذ حبة الدواء، وذلك في عصر الاتصال الجماهيري، رسائل متشابهة في اتصال كمي وفي أوقات متقاربة لأناس غير معروفين لمن يقوم بإرسال تلك الرسائل وهم في الأعم الغالب ممن ينشدون الراحة بعد عناء يوم طويل من العمل الشاق والمتشابه في المصانع وضجيج عجلة الإنتاج، وقوانين العمل وأيديولوجيا الدولة التي وفرت فرص العمل لأولئك البشر، وبالتالي يتوجب عليهم تمثل الفكر الأيديولوجي للدولة وتقبل دوافعها في المحافظة على ما هو قائم.

نظام القيم لابد أن يتغير ويتلاءم تجاوباً مع المتغيرات الاجتماعية التي يحث عليها المتغير التكنولوجي 

وبالإشارة إلى نظرة الباحث جوزيف غابل الذي درس بعمق علاقة الأيديولوجيا بالوعي الزائف، والذي يعرّف الأيديولوجيا بأنها منظومة أفكار مرتبطة اجتماعياً بمجموعة اقتصادية أو عرقية أو غيرهما، تعبر من دون أن يكون العكس صحيحاً، عن المصالح الواعية بهذا القدر أو ذاك لهذه المجموعة على شكل نزعة مضادة للتاريخ ورافضة للتغيير ومفككة للكليات. إنها إذاً تشكل التبلور النظري لشكل من أشكال الوعي الزائف. في مقابل ذلك فإن عصر المعلومات والمعرفة والظاهرة التكنولوجية أوجد مجتمعاً افتراضياً أو (عالم الخيال) وهو مجتمع متحرر من أية سلطة يمكن أن تفرضها الدولة، وهو مجتمع إلكتروني يتعامل مع حكومة إلكترونية وغير قابل للتمثل الواقعي، ويتعامل فيه الناس بواسطة الإلكترونيات من دون ضرورة لأن يتقابلوا بشكل مباشر، فهم ينجزون أعمالهم وتجارتهم، ويحصلون على الخدمات الصحية والتعليم والعمل وخدمات التسوق والحجوزات وتسيير أمور الحياة الأخرى، وغير ذلك الكثير من التطبيقات العملية لتكنولوجيا المعلومات وكل ذلك عن بعد ومن دون ضرورة إلى معرفة شكل الآخر على الطرف الثاني أو لونه أو عرقه أو ديانته أو جنسه فهي أمور لا تعنيه كثيراً بقدر ما تعنيه قيمة المتحقق من تلك المعاملة الإلكترونية. وهذا يكشف أن فكرة التجنيس الاجتماعي المتسق انتهت في مجال التفاعل الإنساني بين البشر، فقد اختزلت الإلكترونيات المسافات والسلطات والحدود والأزمنة بشكل واقعي وعنوة، وحطمت الفواصل الجغرافية إلى الفضاء الأرحب وهو الإنسان الكوني.

 وإذا كانت الأيديولوجيا هي المعيار الذي يزن به الناس، ومن خلال نظام القيم التي تضعه الأيديولوجيا، نظرتهم إلى أنفسهم ومجتمعهم وبكونها أساساً لمشروعية الممارسة السياسية والاجتماعية فإن الظاهرة التكنولوجية أوجدت نظاماً آخر بديلاً عن القيم، وهو- أي هذا النظام- وإن كان غير واضح تماماً الآن بسبب الحركية الدائمة للمعطى التكنولوجي الذي هو في حالة من التوالد الدائم إلا أنه يمكن النظر إلى ما أحدثته التكنولوجيا من تغيرات قوية على الأقل في أنماط السلوك باعتبار أن التأثير يمكن أن يقاس علمياً باعتباره التغيير الواضح في السلوك، فضلاً عن أن نظام القيم لابد أن يتغير ويتحور ويتلاءم تجاوباً مع المتغيرات الاجتماعية التي يحث عليها المتغير التكنولوجي، وهكذا فإن القيم والمعايير والعلاقات التنظيمية بين أفراد المجتمع وثقافات عصر الزراعة وعصر الصناعة تكاد تكون إرثاً في التاريخ السلوكي للبشر فهي عرضة للتحول والتغير المستمر في عصر المعلومات والمعرفة.

فكرة التجنيس الاجتماعي المتسق انتهت في مجال التفاعل الإنساني بين البشر

وفي مقاربة أولية لما حدث لتجربة إنسانية قريبة في بعدها المجتمعي وهي لحظة انهيار العالم الشيوعي ممثلاً بالاتحاد السوفييتي مطلع التسعينات من القرن الماضي فإن الصورة تبدو مجسدة لما تقدم، حيث تمكنت الإلكترونيات من اختراق الأثير لتداهم المخيلة الروسية، وتعصف بنسق المحتوى القيمي للأفراد الذين وجدوا أنفسهم في اندماج قسري مع العالم الجديد في الغرب بكل ما فيه من متغيرات مدهشة للروس وتوابعهم وظلالهم السياسية، حيث قدمت التكنولوجيا رؤية مخالفة أسقطت الوعي الزائف وألغت ما تمثله السوفييت طيلة العقود السبعة الحمراء ليسقطوا زيف السلطة والنفوذ الأيديولوجي.

إن ما قاله ترومان عقب الحرب العالمية الثانية قد تحقق لحظة انهيار الخصم الأحمر حين أورد أن معادلة الصراع بين الغرب والسوفييت هي قدرة الموازنة بين رغيف الخبز والمدفع، وها هو رغيف الخبز الأسمر المفقود في الدولة النووية الحمراء يفرض شروطه على المجتمع المتنافس مع العالم الغربي، وليحقق نظرية لطالما تخوف منها وحذر علماء السياسة الروس وهي سيطرة رجل الشارع على رجل السياسة. فلا مناص من المكاشفة التي آمن بها غورباشوف باعتماد (البيروسترويكا) كمنهج للمكاشفة مع المجتمع الذي خلع عنة الستار الحديدي بأسرع مما يتخيله منظرو الأيديولوجيا الشيوعية وعلى رأسهم ستالين، فلم تعد قبضة الروس قادرة على إخفاء الحقائق عن الناس التي باتت تتحدث عن نفسها.

وتتكرر الصورة نفسها بعد عشر سنوات مع المشهد العراقي حين وقفت آليات الغرب فوق جسر الجمهورية وسط بغداد قبالة القصر الجمهوري لتعلن عن عهد جديد ولتسقط أيديولوجيا الأقفال على الهدف والتعبئة الزائفة التي لم تراع حاجات المجتمع الجديد، وليخرج رجل الشارع لينتقم من كل ظواهر الحشد التي مر عليها أكثر من ثلاثين سنة في مشهد مأساوي من النهب والسلب لكل ممتلكات الدولة الأيديولوجية ليقدم أنموذجاً آخر للوعي الزائف. وأخيراً لقد أضحت التكنولوجيا في بعدها الاتصالي قوة بالغة التأثير، بل هي القوة المهددة للوعي الزائف والتي أمكنها أن تعلن عن دق آخر مسمار في نعش الأيديولوجيا ولتعمق شعار التكنولوجيا بديلاً عن الأيديولوجيا.

::/fulltext::
::cck::2085::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *