هل مِن صفقة جديدة؟ الاستراتيجية الأمريكية تجاه الخليج في القرن 21
::cck::1987::/cck::
::introtext::
في نوفمبر 2003 أعلن الرئيس جورج بوش بنبرة واثقة عن اتجاه جديد في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إنه الاتجاه الذي يقوم على نشر الديمقراطية والشفافية في منطقة تحكمها بالكامل دولطالما حافظت على سلطتها بفضل ما قدمته لها الولايات المتحدة من مال وسلاح ودعم سياسي.
::/introtext::
::fulltext::
في نوفمبر 2003 أعلن الرئيس جورج بوش بنبرة واثقة عن اتجاه جديد في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إنه الاتجاه الذي يقوم على نشر الديمقراطية والشفافية في منطقة تحكمها بالكامل دولطالما حافظت على سلطتها بفضل ما قدمته لها الولايات المتحدة من مال وسلاح ودعم سياسي.
قال الرئيس بوش في معرض إعلانه عن السياسة الجديدة: (إن ستين عاماً من تساهل الدول الغربية مع غياب الحرية في الشرق الأوسط وتغاضيها عنه لم تحقق لنا الأمن، لأنه على المدى البعيد لا يمكن تحقيق الاستقرار على حساب الحرية. وطالما ظل الشرق الأوسط مكاناً لا تزدهر فيه الحرية، فإنه سيبقى مكاناً للركود والاستياء والعنف الجاهز للتصدير).
من المؤكد أن هذا الخطاب السياسي الساخن ساعد على حدوث العديد من التطورات الإيجابية في أنظمة الحكم الإقليمية. فقد حققت البحرين وقطر تقدماً ولو محدوداً نحو المشاركة في الحكم الذي لم يكن موجوداً في السابق. وحتى المملكة العربية السعودية أبدت شيئاً من الاستجابة لهذا التوجه وأجرت انتخابات بلدية في ربيع عام 2003. وفي الكويت، واصل البرلمان تأكيد دوره المتنامي والمهم في السياسة الوطنية. أما في أماكن أخرى مثل مصر ولبنان وغزة، فقد استغلت الأحزاب الإسلامية التحرك باتجاه نشر الديمقراطية للاضطلاع بأدوار رسمية أكبر وأهم في العملية السياسية. وهكذا، وصلت حركة حماس وحزب الله إلى السلطة السياسية عبر صناديق الاقتراع، وهو ما قوبل بفتور من جانب واشنطن وعواصم دول المنطقة.
وبعد خمس سنوات تقريباً، اختفى التشديد الأمريكي على نشر الديمقراطية في كل أرجاء المنطقة كاستراتيجية لمواجهة الإرهاب الذي يُغذيه التطرف. ففي زيارته الأخيرة للشرق الأوسط والخليج العربي في يناير 2008، لم يأت الرئيس بوش إلى المنطقتين ليوزع نسخاً عن الدستور والقانون الأمريكيين، وإنما جاء حاملاً معه لدول الخليج العربية صفقة سلاح جديدة قيمتها عشرون مليار دولار وساعياً للحصول على تعهدات من تلك الدول باحتواء إيران. أما (ثمن) صفقة الأسلحة الأمريكية فهو الالتزام بمنح إسرائيل خلال نفس فترة تسليم الصفقة الخليجية مساعدةً عسكرية يُمولها دافعو الضرائب الأمريكيون، قيل إن قيمتها تبلغ ثلاثين مليار دولار. وتشتمل صفقة الأسلحة الخليجية على المكونات التالية:
* الإمارات العربية المتحدة: نظام صواريخ أرض ـ جو من الجيل الثالث من طراز باتريوت (PAC) بـ 9 مليارات دولار، وطائرة من طراز هوك (آي ـ 2سي Hawkeye E-2C) للاستطلاع البحري، ثمنها 437 مليون دولار.
* الكويت: نظام صواريخ أرض ـ جو من الجيل الثالث من طراز باتريوت (PAC) تبلغ تكلفته 1.4 مليار دولار.
* المملكة العربية السعودية: 310 ملايين دولار لتحديث نظام المراقبة والإنذار المبكر، أواكس (AWACS)، و220 مليون دولار لتحديث أنظمة التسديد في طائرات المملكة من طراز (إف ـ 15) و123 مليون دولار مقابل العتاد الهجومي الدفاعي المشترك الموجه بدقة عالية، وتتضمن الصفقة أيضاً بنوداً تتعلق بتعزيز القدرات البحرية السعودية، بما فيها الالتزام بشراء سفينة حربية تستخدمها البحرية الأمريكية لحماية السواحل.
وتزامنت زيارة الرئيس بوش إلى المنطقة والإعلان عن الصفقة الخليجية الجديدة للأسلحة مع ظهور مجموعة من التقارير التي أفادت بأن الولايات المتحدة والعراق يمهدان الطريق لبدء مفاوضات غايتها إبرام اتفاقية للتعاون الدفاعي بين البلدين. وسوف تضع هذه المفاوضات الإطار الرسمي للشراكة الأمنية الأمريكية ـ العراقية، وستدرس الضمانات الأمنية ومبيعات الأسلحة والتدريب العسكري والبنود المتعلقة بوضع القوات الأمريكية في العراق، التي وفرت إطاراً قانونياً للوجود العسكري الأمريكي الطويل الأمد هناك والذي يُفترض أنه يتركز الآن في شبكة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في كل أرجاء العراق.
ويبدو أن مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط قد أُلغي، وأن السياسة الواقعية عادت إلى واشنطن. ويؤكد مثل هذا التوجه على عودة مقاربة الأمن الإقليمي المجربة والصحيحة التي طُبقت في الخليج منذ أوائل القرن التاسع عشر، حيث كانت بريطانيا أول دولة تضطلع بدور الحامي الخارجي لدول الخليج العربية وتعهدت بعدم التدخل في سياساتها الداخلية. وبعد الانسحاب البريطاني من الخليج في عام 1971، اضطلعت الولايات المتحدة رسمياً بالدور الحمائي نفسه.
يبدو أن البدء بالانسحاب الأمريكي على مراحل من العراق خلال السنوات القليلة المقبلة أمر حتمي
لقد ثبت نجاح الخطوط العامة للترتيب الأمني الخليجي لدى جميع أطرافه. ويقوم هذا الترتيب على أساس إسناد دول الخليج مهمة حماية أمنها الاستراتيجي إلى طرف خارجي، في مقابل تعهده بعدم التدخل في شؤونها السياسية. وفي السنوات الخمس الماضية، ساهمت الحماية العسكرية الأمريكية للخليج في تمكين أسواق الطاقة العالمية، التي عملت بانتظام، من إدخال تريليوني دولار إلى الخزائن الخليجية؛ بحسب التقديرات.
هل مِن عودة إلى المستقبل؟
في الماضي، مثل الوجود العسكري الأمريكي المتقدم في منطقة الخليج أداةً مهمة لحفظ أمن واستقرار المنطقة. ومع نهاية حرب الخليج الأولى، أخذت الولايات المتحدة المفهوم البريطاني للمرافق العسكرية المترابطة، وأضافت إليه عناصر مقرات القيادة والتجهيزات العسكرية الموجودة مسبقاً في مختلف مرافقها العسكرية الموجودة في الخليج. وبفضل سلسلة اتفاقيات التعاون الدفاعي الثنائية المبرمة بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، ظهر إطار سياسي وعسكري واسع أفضى إلى بروز مظلة أمنية أمريكية غطت كل أنحاء شبه الجزيرة العربية.
وفي منتصف التسعينات، كانت الولايات المتحدة قد نجحت في إنجاز النشر المسبق لتجهيزات ثلاثة ألوية مدرعة في المنطقة شكلت المرحلة الأكثر تقدماً للعنصر البري، الذي يُمكن إسناده بقدرات جوية موجودة في المنطقة لمواجهة التهديدات العسكرية التقليدية، التي قد تتعرض لها منطقة شبه الجزيرة. وفي التسعينات، مكنت شبكة المرافق العسكرية الأمريكية الموجودة في كل من الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، مكنت الولايات المتحدة من تنفيذ مهمات تطبيق العقوبات التي فُرضت على العراق آنذاك. ومثلت هذه البنية التحتية العسكرية أيضاً ركيزة المظلة الأمنية التي نشرتها الولايات المتحدة لحماية الأنظمة في شبه الجزيرة العربية، وتشتمل هذه البنية على:
* مقر القيادة المشتركة للقوات العاملة في أفغانستان، ويقع في كابول ويتعاون مع قوات (إيساف) التابعة لحلف شمال الأطلسي.
* أيضاً في أفغانستان، هناك القيادة الخاصة المشتركة 76، التي تشرف على العمليات القتالية في كل أنحاء البلاد.
* القوة الخاصة المشتركة للقرن الإفريقي، تتمركز في جيبوتي وتساعد دول المنطقة على بناء قدراتها الوطنية لمكافحة الإرهاب.
* القوة الخاصة المشتركة 150 ـ وهي عملية بحرية ائتلافية يتولى قيادتها بشكل دوري سلسلة من الضباط المتعددي الجنسيات من مقر القيادة في المنامة، عاصمة البحرين، وتشتمل على تسع سفن حربية من سبع دول تقوم بمهمة توفير أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
* قيادة سلاح الجو التابع للقوات المشتركة ومركز العمليات الجوية في قاعدة العيديد في قطر. وتُمثل هذه القاعدة القيادة المركزية الوسطى للقوة الجوية التكتيكية المتقدمة.
* مقر القيادة المركزية الوسطى المتقدمة في معسكر الصالحية في قطر، ويُعد النقطة المتقدمة لعناصر مقر القيادة المركزية الوسطى في قاعدة ماك ديل (MacDill) الجوية ـ فلوريدا.
* مقر القيادة المركزية الوسطى للعمليات الخاصة في قطر، وينسق العمليات الخاصة في كل المنطقة.
* قيادة القوات المتعددة الجنسيات في العراق، وتشرف على كل العمليات القتالية في العراق.
* القيادة الدولية للتدريب الأمني في العراق، وتنسق برنامج تدريب وتجهيز القوات العراقية.
* مهمة الناتو التدريبية في العراق، وتركز على تطوير أفواج الضباط العراقيين.
* قيادة العنصر البري لقوات التحالف ومقرها في الكويت، وتُشكل القيادة العسكرية المركزية التي تنسق نشاطات القوات العسكرية في كل المنطقة والتي تخضع لمسؤولية القيادة المركزية الوسطى، وتحتفظ قيادة العنصر البري لقوات التحالف أيضاً بقوة إسناد لمنطقة عملياتها في معسكر الصالحية في قطر.
* مركز القيادة المركزية الوسطى لنشر وتوزيع القوات، ويقع في الكويت ويدعم لوجستيات مسرح العمليات وآليات توزيع المعلومات على مرافقه.
* مركز المعلومات والمراقبة والاستطلاع وإطلاق الطائرات غير المأهولة واسترجاعها في قاعدة الظفرة الجوية في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويوفر هذا المركز القوة الجوية للقيادة المركزية الوسطى ومرفقاً عملانياً ولوجستياً لدعم مراقبة وجمع المعلومات على امتداد مسرح العمليات.
* في أكتوبر 2004، وكجزء من الاعتمادات الإضافية لتمويل العمليات الجارية في العراق وأفغانستان، أصدر الكونغرس قانوناً خصص بموجبه ثلاثة وستين مليون دولار لتمويل تحسينات للإنشاءات العسكرية في مطار قاعدة الظفرة الإماراتية، التي كانت في التسعينات مقراً لإحدى طائرات سلاح الجو الأمريكي للتزود بالوقود في الجو، والتي يوجد فيها الآن مركز للمعلومات والمراقبة والاستطلاع وإطلاق الطائرات غير المأهولة واسترجاعها. ونص القانون نفسه أيضاً على تخصيص ستين مليون دولار لتمويل تعزيزات إضافية لمطار العيديد في قطر.
* في أفغانستان، ستنفق الولايات المتحدة ثلاثة وثمانين مليون دولار لتحديث قاعدتيها الرئيسيتين الواقعتين في قاعدة باغرام الجوية (شمال كابول) ومطار قندهار (جنوب كابول). وستُنفق هذه الأموال لتوسيع مدارج الطائرات وإجراء تحسينات أخرى لتوفير مهاجع جديدة للقوات الأمريكية هناك.
* جاء توسيع البنى التحتية للمنشآت العسكرية في أفغانستان بالتزامن مع تطوير المنشآت العسكرية الأمريكية في أوزبكستان وقرغيزيا وكازاخستان، نتيجةً لترسخ الشراكات السياسية ـ العسكرية الأمريكية مع هذه الدول.
* في مطلع عام 2006، أقر الكونغرس قانوناً خصص بموجبه 413.4 مليون دولار لتمويل مشاريع إنشائية عسكرية للجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان حتى عام 2010. وبموجب القانون نفسه خُصص مبلغ ستة وثلاثين مليون دولار لتمويل مشاريع إنشائية لسلاح الجو الأمريكي في هذين البلدين.
يبدو أن مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط أُلغي وأن السياسة الواقعية عادت إلى واشنطن
* في العراق، تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة أنفقت حتى الآن 240 مليون دولار على مشاريع إنشائية في قاعدة بلد (شمال بغداد)، المرفق الرئيسي للنقل الجوي والإمدادات؛ و 46.3 مليون دولار في قاعدة الأسد، أكبر مركز جوي عسكري وقاعدة رئيسية لإمدادات القوات العاملة في الأنبار؛ و121 مليون دولار في قاعدة الطليل الجوية (جنوب العراق)؛ ومن بين المشاريع الأخرى إنفاق 49.6 مليون دولار على معسكر التاجي الذي يقع على بعد عشرين ميلاً فقط شمال غرب بغداد؛ و165 مليون دولار لبناء قاعدة للجيش العراقية قرب بلدة نوماي (Numaiy)الجنوبية؛ و150 مليون دولار لقاعدة الكاسيك (Al-Kssic) التابعة للجيش العراقي والواقعة شمال الموصل.
… أم إلى النار؟
إن القضية التي يواجهها المخططون العسكريون في وزارة الدفاع الأمريكية حالياً، وكذلك الدول الخليجية هي صلة شبكة المرافق العسكرية بالبيئة الأمنية الإقليمية، فقد تم تأسيس هذه البنية التحتية العسكرية الواسعة انطلاقاً من التسليم بأن الولايات المتحدة بحاجة لإنجاز مجموعة من المهمات السياسية والعسكرية: (1) ضمان تدفق أعداد كبيرة من القوات التقليدية إلى المنطقة لحمايتها من التهديدات الخارجية. (2) معالجة الحالات الطارئة الإقليمية مع نشر قوات متقدمة بسرعة وامتلاك منشآت للأسلحة وقوات خاصة قادرة على توجيه ضربات دقيقة. (3) ردع القوى الخارجية عن تهديد المنطقة بالقوات العسكرية أو استخدام تلك القوات لإيجاد بيئة سياسية قسرية قادرة على زعزعة استقرار المنطقة. أما بالنسبة إلى الدول الخليجية، فإن هذه المرافق العسكرية ترمي إلى حماية هذه الدول من التهديدات الخارجية القسرية، وتذكير المعارضين الداخليين بأن أصدقاء الأنظمة أقوياء.
ولطالما كانت ديناميات هذه المهمات المتوقعة متناقضة إلى حد ما، فإن تطورات ما بعد غزو العراق خلقت بيئة سياسية بات من الخطر في ظلها أن يُنظر إلى الدول الخليجيةعلى أنها مرتبطة علناً بالولايات المتحدة، وتثير هذه البيئة شكوكاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتوقع فعلاً أنها تستطيع استخدام البنية التحتية العسكرية الإقليمية لإنجاز مهمتيها الأساسيتين في المستقبل المنظور. ففي مطلع عام 2007، برزت قضية مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة إثر تفاقم أزمة برنامج إيران النووي وظهور شائعات حول وجود خطط عسكرية أمريكية، لقصف كل المنشآت النووية الإيرانية. فالبنية التحتية العسكرية في الخليج تمثل عاملاً حاسماً بالنسبة إلى إمكانية تنفيذ عمليات متواصلة حتى تدمير كل المنشآت النووية الإيرانية، التي يُقال إنها منتشرة في شتى أرجاء البلاد، وأن المسافات الفاصلة بينها كبيرة. وفي أوائل 2007، كان لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت دول الخليج العربية ستسمح باستخدام المرافق العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها لدعم الهجمات العسكرية الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية. فالنائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، قال للمراسلين في مارس 2007 (نحن لن نشارك في أي وسيلة في إيذاء إيران من قطر)؛ ولكنه رفض نفي أو تأكيد ما إذا كانت دولة قطر قد وضعت بالفعل (فيتو) على استخدام قاعدة العيديد الجوية أو مقر القيادة المركزية الوسطى في أية عمليات ضد إيران.
ساهمت الحماية العسكرية الأمريكية للخليج في تمكين أسواق الطاقة العالمية من العمل بانتظام طيلة السنوات
السياسات الداخلية والوجود العسكري الأجنبي
لا يزال من غير الواضح كيف ستتعامل دول الخليج مع ازدواجية الارتباطبالوجود العسكري الأمريكي. فهذه الدولقلقة بالتأكيد من نفوذ طهران السياسي المتنامي واحتمال تحول إيران إلى قوة نووية، وتنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي كأداة قوية لمقاومة محاولات إيران لإيجاد إطار سياسي قسري في كل أرجاء المنطقة.
في الوقت نفسه، تتوجسالدول الخليجية أيضاً من التفاعلات السياسية الداخلية غير المؤاتية التي تتسم بالعداء المتزايد للولايات المتحدة، والتي ترغمها على النأي بأنفسها علناً عن حاميها السابق. ولكن بعض الدول الخليجية أقدَر على مقاومة الضغوط السياسية الداخلية من بعضها الآخر. فعلى سبيل المثال، لا تواجه دولة الإمارات العربية المتحدة أي معارضة جدية أو ضغط سياسي داخلي يدفعها إلى تقليص علاقاتها مع الولايات المتحدة. لذا يبدو أن استمرارية العمليات الأمريكية في قاعدة الظفرة الجوية مضمونة في الوقت الراهن. لكن في دول الخليج العربية الأخرى، كالبحرين والكويت، قد يرغمهاالتغيير الذي طرأ على التفاعلات السياسية الداخلية على البدء بالضغط على الولايات المتحدة، لكي تقلص حجم وجودها العسكري فيها.
وهناك فرصة على المحك وركيزة أساسية للقواعد العسكرية الأمريكية الإقليمية في العراق، حيث أنفقت الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات على تطوير منشآت عسكرية جديدة. فنظراً لانعدام إمكانية الدفاع عن الوضع العسكري الحالي في العراق على المدى البعيد، يبدو أن البدء بالانسحاب الأمريكي على مراحل من العراق خلال السنوات القليلة المقبلة أمر حتمي، وذلك بسبب الضغط الذي يمارسه العراقيون والرأي العام الأمريكي في هذا الاتجاه. وستمثل نتائج المفاوضات المعلن عنها بين العراق والولايات المتحدة معياراً عاماً ومهماً لمدى شعور دولالخليج العربية بأنها قادرة على القبول بالضغط السياسي الداخلي الناجم عن الوجود العسكري الأمريكي البعيد المدى على أراضيها.
وهنا، لا بد من القول إن الولايات المتحدة تمر حالياً بمنعطف سياسي ـ عسكري حاد. فالبيئة السياسية الداخلية الهادئة التي سادت الولايات المتحدة خلال التسعينات وسمحت لها بتطوير بنيتها التحتية العسكرية الإقليمية بهدوء، تغيرت بسبب حرب العراق وما يسمى الحرب على الإرهاب. كما أن العلاقات السياسية الأمريكية مع دول الخليج العربية التي طُورت بهدوء وصمت كامل تقريباً خلال التسعينات، تخضع اليوم لتدقيق جديد من قبل وسائل الإعلام والكونغرس.
وأخيراً إثر استبدال صفقة الديمقراطية لعام 2003 بالعودة إلى السياسة الواقعية في واشنطن والخليج، أصبحت القضية المركزية التي تواجهها الإدارة الأمريكية والدول الخليجيةتتمثل في درجة دعم مناخاتهما السياسية الداخلية للعودة إلى هذه الترتيبات. وفي الولايات المتحدة، سيصل رئيس جديد إلى واشنطن في يناير 2009. وتُعد معالجة حرب العراق وحيثيات التخفيض الحتمي للقوات الأمريكية هناك من أولى القضايا التي تنتظر الإدارة الجديدة. كما أن الرأي العام والسياسات الداخلية الأمريكيين سوف يشكلان عنصراً مهماً في تأطير المسار الذي ستختاره الإدارة الأمريكية الجديدة حيال هذه القضية. وفي الخليج، سيكون من الصعب على الدولالخليجيةالاستمرار في ارتباطها بالولايات المتحدة في ظل غياب أي خطوات ملموسة من قبل واشنطن لإصلاح وترميم صورتها في العالم العربي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1987::/cck::
::introtext::
في نوفمبر 2003 أعلن الرئيس جورج بوش بنبرة واثقة عن اتجاه جديد في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إنه الاتجاه الذي يقوم على نشر الديمقراطية والشفافية في منطقة تحكمها بالكامل دولطالما حافظت على سلطتها بفضل ما قدمته لها الولايات المتحدة من مال وسلاح ودعم سياسي.
::/introtext::
::fulltext::
في نوفمبر 2003 أعلن الرئيس جورج بوش بنبرة واثقة عن اتجاه جديد في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، إنه الاتجاه الذي يقوم على نشر الديمقراطية والشفافية في منطقة تحكمها بالكامل دولطالما حافظت على سلطتها بفضل ما قدمته لها الولايات المتحدة من مال وسلاح ودعم سياسي.
قال الرئيس بوش في معرض إعلانه عن السياسة الجديدة: (إن ستين عاماً من تساهل الدول الغربية مع غياب الحرية في الشرق الأوسط وتغاضيها عنه لم تحقق لنا الأمن، لأنه على المدى البعيد لا يمكن تحقيق الاستقرار على حساب الحرية. وطالما ظل الشرق الأوسط مكاناً لا تزدهر فيه الحرية، فإنه سيبقى مكاناً للركود والاستياء والعنف الجاهز للتصدير).
من المؤكد أن هذا الخطاب السياسي الساخن ساعد على حدوث العديد من التطورات الإيجابية في أنظمة الحكم الإقليمية. فقد حققت البحرين وقطر تقدماً ولو محدوداً نحو المشاركة في الحكم الذي لم يكن موجوداً في السابق. وحتى المملكة العربية السعودية أبدت شيئاً من الاستجابة لهذا التوجه وأجرت انتخابات بلدية في ربيع عام 2003. وفي الكويت، واصل البرلمان تأكيد دوره المتنامي والمهم في السياسة الوطنية. أما في أماكن أخرى مثل مصر ولبنان وغزة، فقد استغلت الأحزاب الإسلامية التحرك باتجاه نشر الديمقراطية للاضطلاع بأدوار رسمية أكبر وأهم في العملية السياسية. وهكذا، وصلت حركة حماس وحزب الله إلى السلطة السياسية عبر صناديق الاقتراع، وهو ما قوبل بفتور من جانب واشنطن وعواصم دول المنطقة.
وبعد خمس سنوات تقريباً، اختفى التشديد الأمريكي على نشر الديمقراطية في كل أرجاء المنطقة كاستراتيجية لمواجهة الإرهاب الذي يُغذيه التطرف. ففي زيارته الأخيرة للشرق الأوسط والخليج العربي في يناير 2008، لم يأت الرئيس بوش إلى المنطقتين ليوزع نسخاً عن الدستور والقانون الأمريكيين، وإنما جاء حاملاً معه لدول الخليج العربية صفقة سلاح جديدة قيمتها عشرون مليار دولار وساعياً للحصول على تعهدات من تلك الدول باحتواء إيران. أما (ثمن) صفقة الأسلحة الأمريكية فهو الالتزام بمنح إسرائيل خلال نفس فترة تسليم الصفقة الخليجية مساعدةً عسكرية يُمولها دافعو الضرائب الأمريكيون، قيل إن قيمتها تبلغ ثلاثين مليار دولار. وتشتمل صفقة الأسلحة الخليجية على المكونات التالية:
* الإمارات العربية المتحدة: نظام صواريخ أرض ـ جو من الجيل الثالث من طراز باتريوت (PAC) بـ 9 مليارات دولار، وطائرة من طراز هوك (آي ـ 2سي Hawkeye E-2C) للاستطلاع البحري، ثمنها 437 مليون دولار.
* الكويت: نظام صواريخ أرض ـ جو من الجيل الثالث من طراز باتريوت (PAC) تبلغ تكلفته 1.4 مليار دولار.
* المملكة العربية السعودية: 310 ملايين دولار لتحديث نظام المراقبة والإنذار المبكر، أواكس (AWACS)، و220 مليون دولار لتحديث أنظمة التسديد في طائرات المملكة من طراز (إف ـ 15) و123 مليون دولار مقابل العتاد الهجومي الدفاعي المشترك الموجه بدقة عالية، وتتضمن الصفقة أيضاً بنوداً تتعلق بتعزيز القدرات البحرية السعودية، بما فيها الالتزام بشراء سفينة حربية تستخدمها البحرية الأمريكية لحماية السواحل.
وتزامنت زيارة الرئيس بوش إلى المنطقة والإعلان عن الصفقة الخليجية الجديدة للأسلحة مع ظهور مجموعة من التقارير التي أفادت بأن الولايات المتحدة والعراق يمهدان الطريق لبدء مفاوضات غايتها إبرام اتفاقية للتعاون الدفاعي بين البلدين. وسوف تضع هذه المفاوضات الإطار الرسمي للشراكة الأمنية الأمريكية ـ العراقية، وستدرس الضمانات الأمنية ومبيعات الأسلحة والتدريب العسكري والبنود المتعلقة بوضع القوات الأمريكية في العراق، التي وفرت إطاراً قانونياً للوجود العسكري الأمريكي الطويل الأمد هناك والذي يُفترض أنه يتركز الآن في شبكة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في كل أرجاء العراق.
ويبدو أن مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط قد أُلغي، وأن السياسة الواقعية عادت إلى واشنطن. ويؤكد مثل هذا التوجه على عودة مقاربة الأمن الإقليمي المجربة والصحيحة التي طُبقت في الخليج منذ أوائل القرن التاسع عشر، حيث كانت بريطانيا أول دولة تضطلع بدور الحامي الخارجي لدول الخليج العربية وتعهدت بعدم التدخل في سياساتها الداخلية. وبعد الانسحاب البريطاني من الخليج في عام 1971، اضطلعت الولايات المتحدة رسمياً بالدور الحمائي نفسه.
يبدو أن البدء بالانسحاب الأمريكي على مراحل من العراق خلال السنوات القليلة المقبلة أمر حتمي
لقد ثبت نجاح الخطوط العامة للترتيب الأمني الخليجي لدى جميع أطرافه. ويقوم هذا الترتيب على أساس إسناد دول الخليج مهمة حماية أمنها الاستراتيجي إلى طرف خارجي، في مقابل تعهده بعدم التدخل في شؤونها السياسية. وفي السنوات الخمس الماضية، ساهمت الحماية العسكرية الأمريكية للخليج في تمكين أسواق الطاقة العالمية، التي عملت بانتظام، من إدخال تريليوني دولار إلى الخزائن الخليجية؛ بحسب التقديرات.
هل مِن عودة إلى المستقبل؟
في الماضي، مثل الوجود العسكري الأمريكي المتقدم في منطقة الخليج أداةً مهمة لحفظ أمن واستقرار المنطقة. ومع نهاية حرب الخليج الأولى، أخذت الولايات المتحدة المفهوم البريطاني للمرافق العسكرية المترابطة، وأضافت إليه عناصر مقرات القيادة والتجهيزات العسكرية الموجودة مسبقاً في مختلف مرافقها العسكرية الموجودة في الخليج. وبفضل سلسلة اتفاقيات التعاون الدفاعي الثنائية المبرمة بين الولايات المتحدة وشركائها الإقليميين، ظهر إطار سياسي وعسكري واسع أفضى إلى بروز مظلة أمنية أمريكية غطت كل أنحاء شبه الجزيرة العربية.
وفي منتصف التسعينات، كانت الولايات المتحدة قد نجحت في إنجاز النشر المسبق لتجهيزات ثلاثة ألوية مدرعة في المنطقة شكلت المرحلة الأكثر تقدماً للعنصر البري، الذي يُمكن إسناده بقدرات جوية موجودة في المنطقة لمواجهة التهديدات العسكرية التقليدية، التي قد تتعرض لها منطقة شبه الجزيرة. وفي التسعينات، مكنت شبكة المرافق العسكرية الأمريكية الموجودة في كل من الكويت والبحرين والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، مكنت الولايات المتحدة من تنفيذ مهمات تطبيق العقوبات التي فُرضت على العراق آنذاك. ومثلت هذه البنية التحتية العسكرية أيضاً ركيزة المظلة الأمنية التي نشرتها الولايات المتحدة لحماية الأنظمة في شبه الجزيرة العربية، وتشتمل هذه البنية على:
* مقر القيادة المشتركة للقوات العاملة في أفغانستان، ويقع في كابول ويتعاون مع قوات (إيساف) التابعة لحلف شمال الأطلسي.
* أيضاً في أفغانستان، هناك القيادة الخاصة المشتركة 76، التي تشرف على العمليات القتالية في كل أنحاء البلاد.
* القوة الخاصة المشتركة للقرن الإفريقي، تتمركز في جيبوتي وتساعد دول المنطقة على بناء قدراتها الوطنية لمكافحة الإرهاب.
* القوة الخاصة المشتركة 150 ـ وهي عملية بحرية ائتلافية يتولى قيادتها بشكل دوري سلسلة من الضباط المتعددي الجنسيات من مقر القيادة في المنامة، عاصمة البحرين، وتشتمل على تسع سفن حربية من سبع دول تقوم بمهمة توفير أمن الملاحة البحرية في البحر الأحمر والمحيط الهندي.
* قيادة سلاح الجو التابع للقوات المشتركة ومركز العمليات الجوية في قاعدة العيديد في قطر. وتُمثل هذه القاعدة القيادة المركزية الوسطى للقوة الجوية التكتيكية المتقدمة.
* مقر القيادة المركزية الوسطى المتقدمة في معسكر الصالحية في قطر، ويُعد النقطة المتقدمة لعناصر مقر القيادة المركزية الوسطى في قاعدة ماك ديل (MacDill) الجوية ـ فلوريدا.
* مقر القيادة المركزية الوسطى للعمليات الخاصة في قطر، وينسق العمليات الخاصة في كل المنطقة.
* قيادة القوات المتعددة الجنسيات في العراق، وتشرف على كل العمليات القتالية في العراق.
* القيادة الدولية للتدريب الأمني في العراق، وتنسق برنامج تدريب وتجهيز القوات العراقية.
* مهمة الناتو التدريبية في العراق، وتركز على تطوير أفواج الضباط العراقيين.
* قيادة العنصر البري لقوات التحالف ومقرها في الكويت، وتُشكل القيادة العسكرية المركزية التي تنسق نشاطات القوات العسكرية في كل المنطقة والتي تخضع لمسؤولية القيادة المركزية الوسطى، وتحتفظ قيادة العنصر البري لقوات التحالف أيضاً بقوة إسناد لمنطقة عملياتها في معسكر الصالحية في قطر.
* مركز القيادة المركزية الوسطى لنشر وتوزيع القوات، ويقع في الكويت ويدعم لوجستيات مسرح العمليات وآليات توزيع المعلومات على مرافقه.
* مركز المعلومات والمراقبة والاستطلاع وإطلاق الطائرات غير المأهولة واسترجاعها في قاعدة الظفرة الجوية في دولة الإمارات العربية المتحدة. ويوفر هذا المركز القوة الجوية للقيادة المركزية الوسطى ومرفقاً عملانياً ولوجستياً لدعم مراقبة وجمع المعلومات على امتداد مسرح العمليات.
* في أكتوبر 2004، وكجزء من الاعتمادات الإضافية لتمويل العمليات الجارية في العراق وأفغانستان، أصدر الكونغرس قانوناً خصص بموجبه ثلاثة وستين مليون دولار لتمويل تحسينات للإنشاءات العسكرية في مطار قاعدة الظفرة الإماراتية، التي كانت في التسعينات مقراً لإحدى طائرات سلاح الجو الأمريكي للتزود بالوقود في الجو، والتي يوجد فيها الآن مركز للمعلومات والمراقبة والاستطلاع وإطلاق الطائرات غير المأهولة واسترجاعها. ونص القانون نفسه أيضاً على تخصيص ستين مليون دولار لتمويل تعزيزات إضافية لمطار العيديد في قطر.
* في أفغانستان، ستنفق الولايات المتحدة ثلاثة وثمانين مليون دولار لتحديث قاعدتيها الرئيسيتين الواقعتين في قاعدة باغرام الجوية (شمال كابول) ومطار قندهار (جنوب كابول). وستُنفق هذه الأموال لتوسيع مدارج الطائرات وإجراء تحسينات أخرى لتوفير مهاجع جديدة للقوات الأمريكية هناك.
* جاء توسيع البنى التحتية للمنشآت العسكرية في أفغانستان بالتزامن مع تطوير المنشآت العسكرية الأمريكية في أوزبكستان وقرغيزيا وكازاخستان، نتيجةً لترسخ الشراكات السياسية ـ العسكرية الأمريكية مع هذه الدول.
* في مطلع عام 2006، أقر الكونغرس قانوناً خصص بموجبه 413.4 مليون دولار لتمويل مشاريع إنشائية عسكرية للجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان حتى عام 2010. وبموجب القانون نفسه خُصص مبلغ ستة وثلاثين مليون دولار لتمويل مشاريع إنشائية لسلاح الجو الأمريكي في هذين البلدين.
يبدو أن مشروع نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط أُلغي وأن السياسة الواقعية عادت إلى واشنطن
* في العراق، تشير التقديرات إلى أن الولايات المتحدة أنفقت حتى الآن 240 مليون دولار على مشاريع إنشائية في قاعدة بلد (شمال بغداد)، المرفق الرئيسي للنقل الجوي والإمدادات؛ و 46.3 مليون دولار في قاعدة الأسد، أكبر مركز جوي عسكري وقاعدة رئيسية لإمدادات القوات العاملة في الأنبار؛ و121 مليون دولار في قاعدة الطليل الجوية (جنوب العراق)؛ ومن بين المشاريع الأخرى إنفاق 49.6 مليون دولار على معسكر التاجي الذي يقع على بعد عشرين ميلاً فقط شمال غرب بغداد؛ و165 مليون دولار لبناء قاعدة للجيش العراقية قرب بلدة نوماي (Numaiy)الجنوبية؛ و150 مليون دولار لقاعدة الكاسيك (Al-Kssic) التابعة للجيش العراقي والواقعة شمال الموصل.
… أم إلى النار؟
إن القضية التي يواجهها المخططون العسكريون في وزارة الدفاع الأمريكية حالياً، وكذلك الدول الخليجية هي صلة شبكة المرافق العسكرية بالبيئة الأمنية الإقليمية، فقد تم تأسيس هذه البنية التحتية العسكرية الواسعة انطلاقاً من التسليم بأن الولايات المتحدة بحاجة لإنجاز مجموعة من المهمات السياسية والعسكرية: (1) ضمان تدفق أعداد كبيرة من القوات التقليدية إلى المنطقة لحمايتها من التهديدات الخارجية. (2) معالجة الحالات الطارئة الإقليمية مع نشر قوات متقدمة بسرعة وامتلاك منشآت للأسلحة وقوات خاصة قادرة على توجيه ضربات دقيقة. (3) ردع القوى الخارجية عن تهديد المنطقة بالقوات العسكرية أو استخدام تلك القوات لإيجاد بيئة سياسية قسرية قادرة على زعزعة استقرار المنطقة. أما بالنسبة إلى الدول الخليجية، فإن هذه المرافق العسكرية ترمي إلى حماية هذه الدول من التهديدات الخارجية القسرية، وتذكير المعارضين الداخليين بأن أصدقاء الأنظمة أقوياء.
ولطالما كانت ديناميات هذه المهمات المتوقعة متناقضة إلى حد ما، فإن تطورات ما بعد غزو العراق خلقت بيئة سياسية بات من الخطر في ظلها أن يُنظر إلى الدول الخليجيةعلى أنها مرتبطة علناً بالولايات المتحدة، وتثير هذه البيئة شكوكاً حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تتوقع فعلاً أنها تستطيع استخدام البنية التحتية العسكرية الإقليمية لإنجاز مهمتيها الأساسيتين في المستقبل المنظور. ففي مطلع عام 2007، برزت قضية مهمة بالنسبة إلى الولايات المتحدة إثر تفاقم أزمة برنامج إيران النووي وظهور شائعات حول وجود خطط عسكرية أمريكية، لقصف كل المنشآت النووية الإيرانية. فالبنية التحتية العسكرية في الخليج تمثل عاملاً حاسماً بالنسبة إلى إمكانية تنفيذ عمليات متواصلة حتى تدمير كل المنشآت النووية الإيرانية، التي يُقال إنها منتشرة في شتى أرجاء البلاد، وأن المسافات الفاصلة بينها كبيرة. وفي أوائل 2007، كان لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت دول الخليج العربية ستسمح باستخدام المرافق العسكرية الأمريكية الموجودة على أراضيها لدعم الهجمات العسكرية الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية. فالنائب الأول لرئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري، الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني، قال للمراسلين في مارس 2007 (نحن لن نشارك في أي وسيلة في إيذاء إيران من قطر)؛ ولكنه رفض نفي أو تأكيد ما إذا كانت دولة قطر قد وضعت بالفعل (فيتو) على استخدام قاعدة العيديد الجوية أو مقر القيادة المركزية الوسطى في أية عمليات ضد إيران.
ساهمت الحماية العسكرية الأمريكية للخليج في تمكين أسواق الطاقة العالمية من العمل بانتظام طيلة السنوات
السياسات الداخلية والوجود العسكري الأجنبي
لا يزال من غير الواضح كيف ستتعامل دول الخليج مع ازدواجية الارتباطبالوجود العسكري الأمريكي. فهذه الدولقلقة بالتأكيد من نفوذ طهران السياسي المتنامي واحتمال تحول إيران إلى قوة نووية، وتنظر إلى الوجود العسكري الأمريكي كأداة قوية لمقاومة محاولات إيران لإيجاد إطار سياسي قسري في كل أرجاء المنطقة.
في الوقت نفسه، تتوجسالدول الخليجية أيضاً من التفاعلات السياسية الداخلية غير المؤاتية التي تتسم بالعداء المتزايد للولايات المتحدة، والتي ترغمها على النأي بأنفسها علناً عن حاميها السابق. ولكن بعض الدول الخليجية أقدَر على مقاومة الضغوط السياسية الداخلية من بعضها الآخر. فعلى سبيل المثال، لا تواجه دولة الإمارات العربية المتحدة أي معارضة جدية أو ضغط سياسي داخلي يدفعها إلى تقليص علاقاتها مع الولايات المتحدة. لذا يبدو أن استمرارية العمليات الأمريكية في قاعدة الظفرة الجوية مضمونة في الوقت الراهن. لكن في دول الخليج العربية الأخرى، كالبحرين والكويت، قد يرغمهاالتغيير الذي طرأ على التفاعلات السياسية الداخلية على البدء بالضغط على الولايات المتحدة، لكي تقلص حجم وجودها العسكري فيها.
وهناك فرصة على المحك وركيزة أساسية للقواعد العسكرية الأمريكية الإقليمية في العراق، حيث أنفقت الولايات المتحدة مئات الملايين من الدولارات على تطوير منشآت عسكرية جديدة. فنظراً لانعدام إمكانية الدفاع عن الوضع العسكري الحالي في العراق على المدى البعيد، يبدو أن البدء بالانسحاب الأمريكي على مراحل من العراق خلال السنوات القليلة المقبلة أمر حتمي، وذلك بسبب الضغط الذي يمارسه العراقيون والرأي العام الأمريكي في هذا الاتجاه. وستمثل نتائج المفاوضات المعلن عنها بين العراق والولايات المتحدة معياراً عاماً ومهماً لمدى شعور دولالخليج العربية بأنها قادرة على القبول بالضغط السياسي الداخلي الناجم عن الوجود العسكري الأمريكي البعيد المدى على أراضيها.
وهنا، لا بد من القول إن الولايات المتحدة تمر حالياً بمنعطف سياسي ـ عسكري حاد. فالبيئة السياسية الداخلية الهادئة التي سادت الولايات المتحدة خلال التسعينات وسمحت لها بتطوير بنيتها التحتية العسكرية الإقليمية بهدوء، تغيرت بسبب حرب العراق وما يسمى الحرب على الإرهاب. كما أن العلاقات السياسية الأمريكية مع دول الخليج العربية التي طُورت بهدوء وصمت كامل تقريباً خلال التسعينات، تخضع اليوم لتدقيق جديد من قبل وسائل الإعلام والكونغرس.
وأخيراً إثر استبدال صفقة الديمقراطية لعام 2003 بالعودة إلى السياسة الواقعية في واشنطن والخليج، أصبحت القضية المركزية التي تواجهها الإدارة الأمريكية والدول الخليجيةتتمثل في درجة دعم مناخاتهما السياسية الداخلية للعودة إلى هذه الترتيبات. وفي الولايات المتحدة، سيصل رئيس جديد إلى واشنطن في يناير 2009. وتُعد معالجة حرب العراق وحيثيات التخفيض الحتمي للقوات الأمريكية هناك من أولى القضايا التي تنتظر الإدارة الجديدة. كما أن الرأي العام والسياسات الداخلية الأمريكيين سوف يشكلان عنصراً مهماً في تأطير المسار الذي ستختاره الإدارة الأمريكية الجديدة حيال هذه القضية. وفي الخليج، سيكون من الصعب على الدولالخليجيةالاستمرار في ارتباطها بالولايات المتحدة في ظل غياب أي خطوات ملموسة من قبل واشنطن لإصلاح وترميم صورتها في العالم العربي.
::/fulltext::
::cck::1987::/cck::
