المفاعلات النووية الخليجية والهاجس الأمني
::cck::1947::/cck::
::introtext::
الرغبة الخليجية – سواء الجماعية أو الفردية- في إنشاء مفاعلات نووية خليجية على غرار المفاعلات النووية الأخرى في المنطقة باتت أكثر وضوحاً وجدية في الآونة الأخيرة، خاصة بعد أن بدأت فعلياً الدراسات والإجراءات والاتصالات الأولية الرامية لإتمام هذه المشاريع، ربما لهدف إيجاد توازن عسكري نووي في المنطقة (التوقيت يشير إلى ذلك)، أو للأهداف السلمية المعلنة التي تتمثل في الحصول على مصدر جديد ودائم للطاقة يمكّن دول الخليج العربية في الوقت نفسه من المحافظة على مخزونها الحالي المتناقص من الطاقة الأحفورية.
::/introtext::
::fulltext::
الرغبة الخليجية – سواء الجماعية أو الفردية- في إنشاء مفاعلات نووية خليجية على غرار المفاعلات النووية الأخرى في المنطقة باتت أكثر وضوحاً وجدية في الآونة الأخيرة، خاصة بعد أن بدأت فعلياً الدراسات والإجراءات والاتصالات الأولية الرامية لإتمام هذه المشاريع، ربما لهدف إيجاد توازن عسكري نووي في المنطقة (التوقيت يشير إلى ذلك)، أو للأهداف السلمية المعلنة التي تتمثل في الحصول على مصدر جديد ودائم للطاقة يمكّن دول الخليج العربية في الوقت نفسه من المحافظة على مخزونها الحالي المتناقص من الطاقة الأحفورية.
فالمؤيدون لفكرة إنشاء مفاعلات نووية خليجية يعتبرون أن الأمر بات ضرورياً وملحّاً في الوقت الراهن خاصة في مسألة تأمين الطاقة الكهربائية للمنطقة التي تعتبر مهددة بنضوب مخزونها النفطي في المستقبل المتوسط إن لم نقل القريب. كما أن الكم الكبير من الطاقة التي يمكن أن تنتجها المفاعلات النووية والكفيلة بسد احتياجات المنطقة من الكهرباء والماء لعقود طويلة من الزمن يمثل إغراء كبيراً آخر للإقدام على مثل هذه الخطوة، إضافة إلى أن الإقبال العالمي المتزايد على استخدام الطاقة النووية في الآونة الأخيرة بات يمثل حافزاً آخر يدفع في هذا الاتجاه أيضاً. فالطاقة النووية حالياً ومن خلال 440 مفاعلاً نووياً تزوّد العالم بما نسبته 16 في المائة من احتياجاته من الطاقة الكهربائية، فالولايات المتحدة مثلاً تعتمد على هذه الطاقة بنسبة 20 في المائة، واليابان 30 في المائة، وفرنسا 77 في المائة، في حين تعتمد عليها دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة بنسبة 35 في المائة.
كل هذه الأسباب تبدو للوهلة الأولى مهمةً ومقنعةً لمن يؤيد إنشاء مفاعلات نووية خليجية، وهي بالفعل كذلك، ولكنها تمثل جزءاً من الحقيقة وليس الحقيقة كاملة، فإذا ما تجاوزنا التكلفة المادية الضخمة التي تقدر بمليارات الدولارات لإنشاء وصيانة مفاعلات من هذا النوع باعتبار أن الدول الخليجية الغنية قادرة على توفير هذه التكلفة، وأيضاً باعتبار أن الفوائد الاقتصادية المرجوة من هذه المفاعلات تستحق الإنفاق عليها، فإننا لا نستطيع أن نتجاوز بعض الأمور السلبية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: عسكرياً.. لا إمكانية لاستخدام سلاح نووي في منطقة الشرق الأوسط، حيث إن المسافات بين الدول متقاربة جداً ولا تسمح باستخدام سلاح من هذا النوع، والمبادر إلى استخدامه سوف يقع من دون شك في دائرة تأثيره، إن لم يكن التأثير المباشر للضربة فالتأثير المدمر للإشعاع النووي. وربما يكون هذا السبب هو الذي منع إسرائيل من استخدام سلاحها النووي في كل مواجهاتها السابقة مع العرب، وهي التي تمتلك أكثر من 200 رأس نووي (الأكيد أنها لم تمتنع لأسباب أخلاقية).
ثانياً: عملية صيانة واستدامة المفاعلات النووية مكلفة جداً وخطرة، وتحتاج إلى خبرات أجنبية بصورة دائمة، وحدوث أي خطأ فيها أو في أنظمة التبريد سيؤدي إلى كارثة حقيقية ربما لن تقل في خطورتها عن كارثة مفاعل (تشيرنوبل) التي لا تزال ذكراها الأليمة عالقةً في الأذهان.
ثالثاً: هناك احتمال بأن تتعرض هذه المفاعلات لضربة عسكرية من أي جهة، سواء من دول معادية أو من خلايا إرهابية، خاصة أن هذه المفاعلات ستشكل مستقبلاً هدفاً مثالياً لهذه الجهات، وحينها (لا قدّر الله) لا يمكن تصور النتائج الكارثية المحتملة.
رابعاً: الخبرات الخليجية في مجال الطاقة النووية نادرة إن لم نقل معدومة، ولا يمكن مقارنتها بإمكانات وخبرات الدول النووية الأخرى القادرة ذاتياً على إدارة هذا النوع من المفاعلات ومواجهة أي خطر أو كارثة نووية محتملة.
خامساً: صعوبة التخلص من النفايات النووية وماء التبريد المشبع بالإشعاع والتي تعتبر من أكبر المشكلات التي تواجه الدول النووية المتقدمة، فبعضها يقوم بدفنها في حاويات خاصة في أعماق المحيطات، والبعض الآخر يدفنها في دول إفريقية فقيرة، وهناك من يفكر في إرسالها بمركبات إلى الفضاء الخارجي، فهل الدول الخليجية حالياً قادرة بإمكاناتها الذاتية على فعل ذلك؟ أم ستلجأ مجدداً للخبرات الأجنبية؟
والخلاصة هي أن فكرة إنشاء مفاعلات نووية خليجية تعتبر من الأمور الحيوية والمهمة لبلدان المنطقة وربما تكون ضرورية وملحّة للأجيال القادمة، ولكنها تحتاج إلى كثير من الدراسة والمراجعة قبل التنفيذ، وتحتاج أيضاً إلى توفير البنية التحتية والكوادر الوطنية الخليجية المؤهلة لإدارة هذا النوع من المفاعلات، مع إعطاء أولوية قصوى لعامل الأمن والسلامة قبل التفكير في الفوائد والمنافع السياسية أو الاقتصادية الأخرى. فالتطور الكبير الحاصل في أنظمة الأمن والسلامة لهذه المفاعلات لا يعني مطلقاً أنها أصبحت مأمونة الاستخدام في منطقة مضطربة تموج بالصراعات الإقليمية والدولية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1947::/cck::
::introtext::
الرغبة الخليجية – سواء الجماعية أو الفردية- في إنشاء مفاعلات نووية خليجية على غرار المفاعلات النووية الأخرى في المنطقة باتت أكثر وضوحاً وجدية في الآونة الأخيرة، خاصة بعد أن بدأت فعلياً الدراسات والإجراءات والاتصالات الأولية الرامية لإتمام هذه المشاريع، ربما لهدف إيجاد توازن عسكري نووي في المنطقة (التوقيت يشير إلى ذلك)، أو للأهداف السلمية المعلنة التي تتمثل في الحصول على مصدر جديد ودائم للطاقة يمكّن دول الخليج العربية في الوقت نفسه من المحافظة على مخزونها الحالي المتناقص من الطاقة الأحفورية.
::/introtext::
::fulltext::
الرغبة الخليجية – سواء الجماعية أو الفردية- في إنشاء مفاعلات نووية خليجية على غرار المفاعلات النووية الأخرى في المنطقة باتت أكثر وضوحاً وجدية في الآونة الأخيرة، خاصة بعد أن بدأت فعلياً الدراسات والإجراءات والاتصالات الأولية الرامية لإتمام هذه المشاريع، ربما لهدف إيجاد توازن عسكري نووي في المنطقة (التوقيت يشير إلى ذلك)، أو للأهداف السلمية المعلنة التي تتمثل في الحصول على مصدر جديد ودائم للطاقة يمكّن دول الخليج العربية في الوقت نفسه من المحافظة على مخزونها الحالي المتناقص من الطاقة الأحفورية.
فالمؤيدون لفكرة إنشاء مفاعلات نووية خليجية يعتبرون أن الأمر بات ضرورياً وملحّاً في الوقت الراهن خاصة في مسألة تأمين الطاقة الكهربائية للمنطقة التي تعتبر مهددة بنضوب مخزونها النفطي في المستقبل المتوسط إن لم نقل القريب. كما أن الكم الكبير من الطاقة التي يمكن أن تنتجها المفاعلات النووية والكفيلة بسد احتياجات المنطقة من الكهرباء والماء لعقود طويلة من الزمن يمثل إغراء كبيراً آخر للإقدام على مثل هذه الخطوة، إضافة إلى أن الإقبال العالمي المتزايد على استخدام الطاقة النووية في الآونة الأخيرة بات يمثل حافزاً آخر يدفع في هذا الاتجاه أيضاً. فالطاقة النووية حالياً ومن خلال 440 مفاعلاً نووياً تزوّد العالم بما نسبته 16 في المائة من احتياجاته من الطاقة الكهربائية، فالولايات المتحدة مثلاً تعتمد على هذه الطاقة بنسبة 20 في المائة، واليابان 30 في المائة، وفرنسا 77 في المائة، في حين تعتمد عليها دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة بنسبة 35 في المائة.
كل هذه الأسباب تبدو للوهلة الأولى مهمةً ومقنعةً لمن يؤيد إنشاء مفاعلات نووية خليجية، وهي بالفعل كذلك، ولكنها تمثل جزءاً من الحقيقة وليس الحقيقة كاملة، فإذا ما تجاوزنا التكلفة المادية الضخمة التي تقدر بمليارات الدولارات لإنشاء وصيانة مفاعلات من هذا النوع باعتبار أن الدول الخليجية الغنية قادرة على توفير هذه التكلفة، وأيضاً باعتبار أن الفوائد الاقتصادية المرجوة من هذه المفاعلات تستحق الإنفاق عليها، فإننا لا نستطيع أن نتجاوز بعض الأمور السلبية التي يجب أن تؤخذ في الاعتبار، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:
أولاً: عسكرياً.. لا إمكانية لاستخدام سلاح نووي في منطقة الشرق الأوسط، حيث إن المسافات بين الدول متقاربة جداً ولا تسمح باستخدام سلاح من هذا النوع، والمبادر إلى استخدامه سوف يقع من دون شك في دائرة تأثيره، إن لم يكن التأثير المباشر للضربة فالتأثير المدمر للإشعاع النووي. وربما يكون هذا السبب هو الذي منع إسرائيل من استخدام سلاحها النووي في كل مواجهاتها السابقة مع العرب، وهي التي تمتلك أكثر من 200 رأس نووي (الأكيد أنها لم تمتنع لأسباب أخلاقية).
ثانياً: عملية صيانة واستدامة المفاعلات النووية مكلفة جداً وخطرة، وتحتاج إلى خبرات أجنبية بصورة دائمة، وحدوث أي خطأ فيها أو في أنظمة التبريد سيؤدي إلى كارثة حقيقية ربما لن تقل في خطورتها عن كارثة مفاعل (تشيرنوبل) التي لا تزال ذكراها الأليمة عالقةً في الأذهان.
ثالثاً: هناك احتمال بأن تتعرض هذه المفاعلات لضربة عسكرية من أي جهة، سواء من دول معادية أو من خلايا إرهابية، خاصة أن هذه المفاعلات ستشكل مستقبلاً هدفاً مثالياً لهذه الجهات، وحينها (لا قدّر الله) لا يمكن تصور النتائج الكارثية المحتملة.
رابعاً: الخبرات الخليجية في مجال الطاقة النووية نادرة إن لم نقل معدومة، ولا يمكن مقارنتها بإمكانات وخبرات الدول النووية الأخرى القادرة ذاتياً على إدارة هذا النوع من المفاعلات ومواجهة أي خطر أو كارثة نووية محتملة.
خامساً: صعوبة التخلص من النفايات النووية وماء التبريد المشبع بالإشعاع والتي تعتبر من أكبر المشكلات التي تواجه الدول النووية المتقدمة، فبعضها يقوم بدفنها في حاويات خاصة في أعماق المحيطات، والبعض الآخر يدفنها في دول إفريقية فقيرة، وهناك من يفكر في إرسالها بمركبات إلى الفضاء الخارجي، فهل الدول الخليجية حالياً قادرة بإمكاناتها الذاتية على فعل ذلك؟ أم ستلجأ مجدداً للخبرات الأجنبية؟
والخلاصة هي أن فكرة إنشاء مفاعلات نووية خليجية تعتبر من الأمور الحيوية والمهمة لبلدان المنطقة وربما تكون ضرورية وملحّة للأجيال القادمة، ولكنها تحتاج إلى كثير من الدراسة والمراجعة قبل التنفيذ، وتحتاج أيضاً إلى توفير البنية التحتية والكوادر الوطنية الخليجية المؤهلة لإدارة هذا النوع من المفاعلات، مع إعطاء أولوية قصوى لعامل الأمن والسلامة قبل التفكير في الفوائد والمنافع السياسية أو الاقتصادية الأخرى. فالتطور الكبير الحاصل في أنظمة الأمن والسلامة لهذه المفاعلات لا يعني مطلقاً أنها أصبحت مأمونة الاستخدام في منطقة مضطربة تموج بالصراعات الإقليمية والدولية.
::/fulltext::
::cck::1947::/cck::
