مستقبل الطاقة في دول مجلس التعاون الخليجي

::cck::1921::/cck::
::introtext::

يُتوقع للخليج أن يكون المنطقة التي ستزود العالم بأسره بكميات متزايدة من النفط والغاز لعقود مقبلة، وهذا ما يدفع أحياناً إلى الاستنتاج المتمثل في أنه لا بد للخليج من أن ينعم بإمدادات وفيرة من الطاقة الرخيصة، لكن هذا الاستنتاج خاطئ. وفي الحقيقة، هناك (أزمة طاقة) تواجهها دول الخليج ستكتسي أهمية متزايدة خلال السنوات والعقود المقبلة.

::/introtext::
::fulltext::

يُتوقع للخليج أن يكون المنطقة التي ستزود العالم بأسره بكميات متزايدة من النفط والغاز لعقود مقبلة، وهذا ما يدفع أحياناً إلى الاستنتاج المتمثل في أنه لا بد للخليج من أن ينعم بإمدادات وفيرة من الطاقة الرخيصة، لكن هذا الاستنتاج خاطئ. وفي الحقيقة، هناك (أزمة طاقة) تواجهها دول الخليج ستكتسي أهمية متزايدة خلال السنوات والعقود المقبلة.

ترتبط أزمة الطاقة هذه بالطلب المحلي الخليجي المتنامي بسرعة على الطاقة عموماً، وعلى الطاقة الكهربائية خصوصاً. فالطاقة أنواع، ويُمثل الطلب على الكهرباء الجانب الأسرع نمواً من مجمل الطلب على الطاقة، وليست الكهرباء إلا ذلك النوع من الطاقة الذي يتميز بأفضليات هائلة، ولا يمكن الاستعاضة عنه في العديد من الحالات. وفي الوقت ذاته للكهرباء أيضاً قواعدها الخاصة بها وأبرزها حقيقة أنه لا يمكن تخزينها، وأنه يجب توليدها بالكمية المطلوبة بالضبط فور ظهور الطلب على هذه الكمية. وإذا تجاوز الطلب على التيار الكهربائي الطاقة القصوى لتوليده في أي لحظة، فينهار نظام توليد الكهرباء وينقطع التيار الكهربائي على نطاق واسع، أن الكهرباء رخيصة في كل دول الخليج، وشجع النمو المتزايد بسرعة لاقتصادات هذه الدول ودخول مواطنيها المرتفعة نسبياً على نمو الطلب على الكهرباء بشكل هائل. فخلال السنوات الأربع الماضية نما الطلب على الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي بمعدل سنوي نسبي قدره 10 في المائة تقريباً. وتشير التقديرات إلى أن تلبية هذا الطلب المتنامي على الكهرباء سوف تستلزم استثمار خمسين مليار دولار من الآن حتى عام 2015، أي بمعدل سبعة مليارات دولار سنوياً. وذلك لأنه سيكون من الضروري زيادة الطاقة الإنتاجية بواقع ستين ألف ميغاواط، وهو ما يعادل 80 في المائة من الطاقة الإنتاجية المتوافرة حالياً.

إن مثل هذه الزيادة التي تكاد تعني ضرورة مضاعفة الطاقة الإنتاجية للتيار الكهربائي في سبع سنوات لا تمثل تحدياً مالياً فقط ـ مع أن المال متوافر لدى دول الخليج اليوم ـ وإنما تمثل بوجه أخص تحدياً كبيراً على صعيد إدارة مثل هذا المشروع الضخم وتوفير مستلزماته. فالاستثمار في توليد المزيد من الطاقة الكهربائية يُضاف إلى استثمارات أخرى مطلوبة في صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات وغيرها من الصناعات الثقيلة، ناهيك عن ضرورة الاستثمار في قطاعي البنى التحتية والإنشاءات، وفي النهاية، يُترجَم كل هذا إلى طلب إضافي هائل على الفولاذ والإسمنت مما يرفع تكلفة الاستثمار في كافة هذه القطاعات. بعبارة أخرى، تتعرض القدرات الاستثمارية في دول الخليج حالياً لضغوط كبيرة ستؤثر حتماً في نموها الاقتصادي بصورة سلبية.

مصادر الطاقة المتجددة تعاني عموماً من عيب كبير هو عدم إمكانية التحكم في توفيرها وعدم انسجامها مع تقلبات الطلب

تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء سوف تستلزم استثمار 50 مليار دولار حتى عام 2015

وتعتمد تكلفة ودرجة تعقيد بناء محطات جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية أيضاً على التقنية التي يتم اختيارها. فمحطات الكهرباء التي تستخدم الغاز بالدرجة الأولى كوقود، والتي تُعرف بمحطات دورات الإنتاج المركبة (المحطات البخارية) أو العنفات (التوربينات) الغازية، هي الأسهل إنشاءً والأرخص تكلفةً، وبالتالي تعدّ هذه المحطات في طليعة أفضل خيارات توليد الطاقة الكهربائية المتاحة أمام دول مجلس التعاون الخليجي، لكن الغاز شحيح أو غير متوافر في معظم دول المجلس.

وقد يُمثل هذا النقص في الغاز إحدى المفارقات العجيبة، لكنه حقيقة قائمة، وذلك لأن قطر هي الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي تتمتع بوفرة مطلقة في الغاز الطبيعي، لكنها أعلنت توقفها عن تنفيذ أي مشاريع جديدة لإنتاج الغاز ـ على الأقل حتى عام 2012. أما بقية دول المجلس، وعلى الرغم من أنها قد تكون من مصدري الغاز الطبيعي المسال، مثل أبوظبي أو عُمان، فإنها تعاني كلها من شح نسبي في إمدادات الغاز الطبيعي المخصصة للأغراض المحلية.

فقد أعلنت المملكة العربية السعودية توقفها عن بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بالغاز، ما يعني أنه سيكون من الضروري تلبية الطلب الإضافي على الكهرباء بواسطة محطات تعمل بالوقود الثقيل أو النفط الخام، لكن تحديث مصافي تكرير النفط في المملكة سيُحسن مستوى استغلال النفط الخام، وسيقلص نسبة الوقود الثقيل الذي يُستخدم لتوليد الطاقة الكهربائية. وبالنسبة للنفط الخام، فإن تكلفته في حال استخدامه لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية لن تعادل ثمنه الباهظ إذا بيع في السوق العالمي. لكن إذا كان الغاز غير متوافر، وكان النفط أثمن من أن يستخدم لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية، فكيف يُمكن إذن تلبية الطلب على الكهرباء؟ باختصار شديد، الإجابة هي أنه يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي إصلاح سياسات الطاقة المحلية بشكل جذري.

وهنا، يمثل التسعير لبّ المشكلة، فقد ثبتت حكومات دول المجلس أسعار الكهرباء والغاز بما لا يعكس التوازن المتغير في العرض والطلب، إذ تصل الكهرباء إلى المستهلك النهائي بأسعار زهيدة أكثر مما ينبغي، وهذا ما لا يُحفز المستهلك على الاهتمام بما فيه الكفاية بترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية. وهناك أيضاً هدر هائل لهذه الطاقة على شكل الإضاءة المفرطة بمصابيح كهربائية غير اقتصادية والعزل الحراري غير الكافي للمنازل، والاعتماد المفرط على التكييف في فصل الصيف، فضلاً عن غياب الاهتمام بالتشجيع على شراء أجهزة كهربائية أكفأ، حتى إن كانت أغلى ثمناً.

لقد أُجريت أبحاث عدة لتحديد المستويات المحتملة لتوفير الطاقة الكهربائية. فعلى سبيل المثال، رصد البرنامج الوطني لكفاءة استخدام الطاقة في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا بالمملكة العربية السعودية مدى إمكانية تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المملكة، وخرج بمجموعة كبيرة من المقترحات المفيدة. إذ يؤكد الموقع الإلكتروني لهذا البرنامج على الآتي: (لإنجاز تخفيضات مستدامة في استهلاك الطاقة، يجب على المستهلكين أن يلمسوا منافع مالية واضحة: فأسعار الطاقة المدعومة تعني أن المستهلكين يفتقرون إلى الحافز القوي الذي يُشجعهم على توفير الطاقة).

خلال السنوات الأربع الماضية نما الطلب على الكهرباء في دول مجلس التعاون بمعدل سنوي نسبي قدره عشرة في المائة تقريباً

وتتمثل المشكلة الرئيسية في التغير الموسمي الهائل في معدلات الطلب على الطاقة الكهربائية، الأمر الذي يعني أنه يجب على منظومة توليد الكهرباء أن تتمتع بطاقة إنتاجية تكفي لتلبية ذروة الطلب الصيفي المرتفعة للغاية، فيما يبقى معظم هذه الطاقة بكل بساطة خاملاً خلال بقية السنة. لذا، يُعد تقليص ذروة الطلب الصيفي على الكهرباء من خلال تحسين عزل المنازل حرارياً وعدم الإفراط في الاعتماد على التكييف خطوةً مهمة للغاية نحو خفض متطلبات الاستثمار ورفع الطاقة الإنتاجية القصوى.

وللأسف الشديد، لا تحظى كفاءة استخدام الطاقة بالاهتمام الذي تستحقه. كما أن الحكومات الخليجية تُحجم عن اللجوء إلى رفع أسعار الكهرباء على المستهلك النهائي في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية بسبب معدلات التضخم المالي المتزايدة بسرعة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا بد من رفع أسعار الكهرباء لأنه الاتجاه الحتمي لاحتواء هذا الطلب المتفلت من عقاله. فكفاءة استخدام الطاقة هي المجال الذي يعود بأفضل المنافع الممكنة للحجم نفسه من الاستثمارات، وقد عرفت اليابان والاتحاد الأوروبي توفير الطاقة منذ فترة طويلة على أنه الطاقة الجديدة الأكثر جاذبية. ويُمكن في هذا المجال أيضاً تنفيذ مشاريع تعاونية وربحية مهمة.

إن زيادة أسعار الكهرباء لا تعني بالضرورة إنكار حقيقة أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بأفضلية طبيعية في مجال تطوير النشاطات الصناعية التي تعتمد على الطاقة بشكل مكثف. وهنا، لا بد من التمييز مجدداً بين العمليات الصناعية التي تعتمد بشكل مكثف على تبادل الطاقة الحرارية ـ كمصافي تكرير النفط وصناعات البتروكيماويات والإسمنت والحديد والفولاذ ـ وتلك العمليات الصناعية التي تستهلك الكهرباء بشكل مكثف ـ لا سيما عمليات صهر الألمنيوم والتحليل الكهربائي، إذ تتطلب العمليات الأخيرة تحويل النفط أو الغاز إلى كهرباء، وهنا يجب التساؤل عما إذا كان النفط والغاز أوفر مصدرين للطاقة الكهربائية أم لا؟

في الماضي، تمتعت دول مجلس التعاون الخليجي بفائض في طاقتها الإنتاجية للنفط والغاز (أو عانت من هذا الفائض اعتماداً على وجهة نظرك). حينذاك كان بإمكان المرء أن يجادل محقاً بأن إنتاج أي برميل من النفط بشكل هامشي لكي يُحرَق في أي محطة لتوليد الكهرباء، كان لا يكلف شيئاً تقريباً. لذا، كان من المنطقي والمبرر تزويد محطات الكهرباء بالوقود بأسعار منخفضة جداً والسماح بتوليد الكهرباء بتكلفة زهيدة. لكن الظروف تغيرت، فاليوم أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي تنتج النفط بمستوى قريب جداً من طاقتها الإنتاجية القصوى، أصبحت هناك اعتبارات تقضي بعدم استخدام الهامش الإنتاجي المتاح إلا في أوقات الأزمات. لذا، ينطوي إرسال أي برميل من النفط يُنتج بشكل هامشي إلى محطات الكهرباء على تكلفة حقيقية مرتفعة جداً: فإيجاد الطاقة الإنتاجية الإضافية لاستخراج مثل هذا البرميل الهامشي يتطلب استثمارات ضخمة في مشاريع تتزايد تكاليفها بسرعة، ويعاني تنفيذها من تأخيرات متكررة. ويمكن بيع البرميل الهامشي نفسه في الأسواق العالمية والحصول على عائد أكبر بكثير من الذي قد يتحقق من خلال بيعه إلى منتجي الكهرباء المحليين. وبغض النظر عن الطريقة التي قد يتبعها المرء في رصد هذه المسألة، هناك تكلفة باهظة مرتبطة بتوليد الكهرباء بواسطة النفط أو الغاز.

ومع أن الحسابات المطلوبة ليست سهلة بالضرورة، إلا أنه يمكن القول إن توليد الحمل الأساسي من الكهرباء (أي ذلك الجزء من إجمالي إمدادات الكهرباء الذي يُطلب دائماً على مدى أربع وعشرين ساعة يومياً و365 يوماً في السنة) بواسطة محطات تعمل بالفحم الحجري أو الطاقة النووية؛ قد يكون أعلى كفاءة من توليده في محطات تعمل بالغاز أو المحروقات النفطية. وتعتمد محصلة الحساب النسبي لتكلفة هذا الحمل على المتوسط التاريخي لتكلفة إنتاج برميل النفط الذي نستعمله أو تكلفة إنتاج البرميل الإضافي الهامشي حالياً، أو ربما في النهاية، على التكلفة المحتملة لعدم بيع البرميل الهامشي في الأسواق العالمية. فقد لا يزال متوسط التكلفة التاريخية منخفضاً نسبياً، لكن تكلفة البرميل الهامشي في ارتفاع متزايد بسرعة؛ ما يعني أن تكلفة عدم بيعه في الأسواق العالمية تتصاعد باطراد. وإذا أُخِذت تكلفة عدم بيع البرميل الهامشي في الأسواق العالمية في الاعتبار، فإن جاذبية اللجوء إلى استخدام الفحم الحجري أو الطاقة النووية لتوليد الحمل الكهربائي الأساسي تصبح مسألة غير قابلة للنقاش. كما أن الازدياد السريع في حجم الاستثمار المطلوب لتطوير طاقة إنتاجية إضافية في صناعتي النفط والغاز بدول مجلس التعاون الخليجي، أصبح حقيقةً تتضح بجلاء متزايد. ولم يشكل احتواء تكلفة الإنتاج أي هم رئيسي حتى وقت قريب جداً، لكن الأمور تتغير بسرعة. وما لم يتم احتواء تكلفة الإنتاج بسرعة، ستُمنى عائدات دول المجلس بخسائر فادحة. وتمثل السرعة التي يجب إنجاز المشاريع بها عاملاً حاسماً في خفض التكاليف، إذ يمكن خفض التكاليف بشكل جوهري إذا تسنى إبطاء وتيرة زيادة الطاقة الإنتاجية (للنفط والغاز وكذلك الكهرباء).

قطر هي الدولة الوحيدة بمجلس التعاون الخليجي التي تتمتع بوفرة مطلقة في الغاز الطبيعي

وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن تطوير حلول بديلة لتوليد الكهرباء في محطات تعمل بالنفط والغاز أصبح أولوية مهمة. وبالتالي، ستلعب مصادر الطاقة المتجددة دوراً متنامياً بسرعة. ومن المهم أن وزير البترول السعودي علي النعيمي طوّر مؤخراً رؤية للمملكة العربية السعودية كمنتج رئيسي ومصدر محتمل للطاقة الشمسية، أي للكهرباء المولدَة بواسطة الطاقة الشمسية، لكن مصادر الطاقة المتجددة تعاني عموماً من عيب كبير هو عدم إمكانية التحكم في توفيرها وعدم انسجامها بالضرورة مع تقلبات الطلب. لذا، فإن المفعول النهائي لمصادر الطاقة المتجددة يتمثل في تقليص الحاجة لبناء المزيد من محطات الحمل الكهربائي الأساسي، مع بناء المزيد من المحطات التي يُمكن تشغيلها وتوقيفها بسهولة استناداً إلى ميزان العرض والطلب. كما أن محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز تسمح بتحقيق أسهل تعديل ممكن في إمدادات الطاقة، وتؤدي دوراً حاسماً في تلبية الحمل المتغير. لذا، فإن إمكانية اللجوء إلى مصادر أكثر قابلية للتجدد إلى جانب الفحم الحجري والطاقة النووية لن تلغي الحاجة لإدارة الطلب على الكهرباء ـ تقليص ذروات هذا الطلب ـ أو الحاجة لتبني مقاربة تسعيرية أكثر ترشيداً لاستخدام الغاز.

لقد تسببت السياسات الرسمية الخليجية المتبعة في تثبيت أسعار الغاز بخلل عميق في اقتصاد الغاز الإقليمي. ومن حيث الجوهر، أدت أسعار الغاز المنخفضة إلى غياب الحافز لاستغلال مخزونات معروفة من الغاز لأن تكلفتها مرتفعة نسبياً (وهي عموماً آبار غاز عميقة وحمضية جداً يتطلب استغلالها تقنيات مكلفة ومعالجةً معقدة لإزالة الكبريت منها)، كما شجعت هذه الأسعار صادرات الغاز الطبيعي المسال التي تقطع مسافات طويلة لتحرير الأسواق بدلاً من زيادة الصادرات إلى الجيران الإقليميين. هذا التوجه يتنافى تماماً مع المنطق السليم، لأن نقل الغاز مكلف جداً؛ ففي ظل ظروف السوق الطبيعية يجب على الأسواق القريبة جغرافياً أن تجلب لمنتج الغاز عائدات أكبر، لكننا نرى في دول مجلس التعاون الخليجي أن دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان تصدّران الغاز إلى الشرق الأقصى وتستوردانه في الوقت ذاته من قطر التي لا يسعدها السعر المنخفض الذي تتلقاه مقابل غازها، وترفض النظر في توسيع طاقتها الإنتاجية، كما ترفض النظر في تصدير الغاز إلى البحرين، فضلاً عن أنها جمدت مشروع تصدير الغاز إلى الكويت.

إن المنطقة بحاجة ملحة لمعالجة كل هذه العيوب، وينبغي التخلي تدريجياً عن أسعار الغاز الرسمية لمصلحة تطوير سوق تنافسية تقوم على شبكة خطوط أنابيب تربط كل المراكز الإقليمية لإنتاج واستهلاك الغاز الطبيعي، كما أن الخصومات التي تجعل منع واردات الغاز يبدو كأنه مسألة كرامة وطنية ينبغي أن توضع جانباً؛ وينبغي أيضاً جعل تدفق الغاز ممكناً في كل الاتجاهات. ومن شأن تطوير سوق الغاز على نطاق منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، أن تشهد أسعاراً أدنى من تلك التي تشهدها اليابان أو أوروبا أو الولايات المتحدة، لأن الفوارق في تكاليف النقل والتسويق كبيرة جداً. وفي ظل هذا السوق، ستُحمى القدرة التنافسية للصناعات البتروكيماوية المحلية، وستبقى الكهرباء في دول المجلس رخيصة نسبياً بالمقارنة بمستوياتها الدولية؛ الأمر الذي سيبرر الاستثمار في عمليات الإنتاج التي تعتمد على الكهرباء بشكل مكثف.

لذلك، من المؤكد أنه يمكن تلافي أزمة الطاقة التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي، لكن لا بد من معالجتها بصورة مبكرة وبروح التعاون الإقليمي، وقد يتطلب هذا الأمر قرارات صعبة، خاصة القرار المتعلق برفع أسعار الكهرباء وسط النمو المتسارع في معدلات التضخم المالي، لكن البديل عن مثل هذا القرار سيكون حتماً التوسيع المستمر للفجوة القائمة بين الأسعار المعتمَدة رسمياً وتلك التي تقضي بها الاعتبارات العقلانية للسوق، وقد ثبت أن مثل هذا الخلل كان دائماً باهظ الثمن في آخر المطاف.

::/fulltext::

araa43_28-282
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1921::/cck::
::introtext::

يُتوقع للخليج أن يكون المنطقة التي ستزود العالم بأسره بكميات متزايدة من النفط والغاز لعقود مقبلة، وهذا ما يدفع أحياناً إلى الاستنتاج المتمثل في أنه لا بد للخليج من أن ينعم بإمدادات وفيرة من الطاقة الرخيصة، لكن هذا الاستنتاج خاطئ. وفي الحقيقة، هناك (أزمة طاقة) تواجهها دول الخليج ستكتسي أهمية متزايدة خلال السنوات والعقود المقبلة.

::/introtext::
::fulltext::

يُتوقع للخليج أن يكون المنطقة التي ستزود العالم بأسره بكميات متزايدة من النفط والغاز لعقود مقبلة، وهذا ما يدفع أحياناً إلى الاستنتاج المتمثل في أنه لا بد للخليج من أن ينعم بإمدادات وفيرة من الطاقة الرخيصة، لكن هذا الاستنتاج خاطئ. وفي الحقيقة، هناك (أزمة طاقة) تواجهها دول الخليج ستكتسي أهمية متزايدة خلال السنوات والعقود المقبلة.

ترتبط أزمة الطاقة هذه بالطلب المحلي الخليجي المتنامي بسرعة على الطاقة عموماً، وعلى الطاقة الكهربائية خصوصاً. فالطاقة أنواع، ويُمثل الطلب على الكهرباء الجانب الأسرع نمواً من مجمل الطلب على الطاقة، وليست الكهرباء إلا ذلك النوع من الطاقة الذي يتميز بأفضليات هائلة، ولا يمكن الاستعاضة عنه في العديد من الحالات. وفي الوقت ذاته للكهرباء أيضاً قواعدها الخاصة بها وأبرزها حقيقة أنه لا يمكن تخزينها، وأنه يجب توليدها بالكمية المطلوبة بالضبط فور ظهور الطلب على هذه الكمية. وإذا تجاوز الطلب على التيار الكهربائي الطاقة القصوى لتوليده في أي لحظة، فينهار نظام توليد الكهرباء وينقطع التيار الكهربائي على نطاق واسع، أن الكهرباء رخيصة في كل دول الخليج، وشجع النمو المتزايد بسرعة لاقتصادات هذه الدول ودخول مواطنيها المرتفعة نسبياً على نمو الطلب على الكهرباء بشكل هائل. فخلال السنوات الأربع الماضية نما الطلب على الكهرباء في دول مجلس التعاون الخليجي بمعدل سنوي نسبي قدره 10 في المائة تقريباً. وتشير التقديرات إلى أن تلبية هذا الطلب المتنامي على الكهرباء سوف تستلزم استثمار خمسين مليار دولار من الآن حتى عام 2015، أي بمعدل سبعة مليارات دولار سنوياً. وذلك لأنه سيكون من الضروري زيادة الطاقة الإنتاجية بواقع ستين ألف ميغاواط، وهو ما يعادل 80 في المائة من الطاقة الإنتاجية المتوافرة حالياً.

إن مثل هذه الزيادة التي تكاد تعني ضرورة مضاعفة الطاقة الإنتاجية للتيار الكهربائي في سبع سنوات لا تمثل تحدياً مالياً فقط ـ مع أن المال متوافر لدى دول الخليج اليوم ـ وإنما تمثل بوجه أخص تحدياً كبيراً على صعيد إدارة مثل هذا المشروع الضخم وتوفير مستلزماته. فالاستثمار في توليد المزيد من الطاقة الكهربائية يُضاف إلى استثمارات أخرى مطلوبة في صناعات النفط والغاز والبتروكيماويات وغيرها من الصناعات الثقيلة، ناهيك عن ضرورة الاستثمار في قطاعي البنى التحتية والإنشاءات، وفي النهاية، يُترجَم كل هذا إلى طلب إضافي هائل على الفولاذ والإسمنت مما يرفع تكلفة الاستثمار في كافة هذه القطاعات. بعبارة أخرى، تتعرض القدرات الاستثمارية في دول الخليج حالياً لضغوط كبيرة ستؤثر حتماً في نموها الاقتصادي بصورة سلبية.

مصادر الطاقة المتجددة تعاني عموماً من عيب كبير هو عدم إمكانية التحكم في توفيرها وعدم انسجامها مع تقلبات الطلب

تلبية الطلب المتنامي على الكهرباء سوف تستلزم استثمار 50 مليار دولار حتى عام 2015

وتعتمد تكلفة ودرجة تعقيد بناء محطات جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية أيضاً على التقنية التي يتم اختيارها. فمحطات الكهرباء التي تستخدم الغاز بالدرجة الأولى كوقود، والتي تُعرف بمحطات دورات الإنتاج المركبة (المحطات البخارية) أو العنفات (التوربينات) الغازية، هي الأسهل إنشاءً والأرخص تكلفةً، وبالتالي تعدّ هذه المحطات في طليعة أفضل خيارات توليد الطاقة الكهربائية المتاحة أمام دول مجلس التعاون الخليجي، لكن الغاز شحيح أو غير متوافر في معظم دول المجلس.

وقد يُمثل هذا النقص في الغاز إحدى المفارقات العجيبة، لكنه حقيقة قائمة، وذلك لأن قطر هي الدولة الوحيدة في مجلس التعاون الخليجي التي تتمتع بوفرة مطلقة في الغاز الطبيعي، لكنها أعلنت توقفها عن تنفيذ أي مشاريع جديدة لإنتاج الغاز ـ على الأقل حتى عام 2012. أما بقية دول المجلس، وعلى الرغم من أنها قد تكون من مصدري الغاز الطبيعي المسال، مثل أبوظبي أو عُمان، فإنها تعاني كلها من شح نسبي في إمدادات الغاز الطبيعي المخصصة للأغراض المحلية.

فقد أعلنت المملكة العربية السعودية توقفها عن بناء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بالغاز، ما يعني أنه سيكون من الضروري تلبية الطلب الإضافي على الكهرباء بواسطة محطات تعمل بالوقود الثقيل أو النفط الخام، لكن تحديث مصافي تكرير النفط في المملكة سيُحسن مستوى استغلال النفط الخام، وسيقلص نسبة الوقود الثقيل الذي يُستخدم لتوليد الطاقة الكهربائية. وبالنسبة للنفط الخام، فإن تكلفته في حال استخدامه لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية لن تعادل ثمنه الباهظ إذا بيع في السوق العالمي. لكن إذا كان الغاز غير متوافر، وكان النفط أثمن من أن يستخدم لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية، فكيف يُمكن إذن تلبية الطلب على الكهرباء؟ باختصار شديد، الإجابة هي أنه يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي إصلاح سياسات الطاقة المحلية بشكل جذري.

وهنا، يمثل التسعير لبّ المشكلة، فقد ثبتت حكومات دول المجلس أسعار الكهرباء والغاز بما لا يعكس التوازن المتغير في العرض والطلب، إذ تصل الكهرباء إلى المستهلك النهائي بأسعار زهيدة أكثر مما ينبغي، وهذا ما لا يُحفز المستهلك على الاهتمام بما فيه الكفاية بترشيد استهلاك الطاقة الكهربائية. وهناك أيضاً هدر هائل لهذه الطاقة على شكل الإضاءة المفرطة بمصابيح كهربائية غير اقتصادية والعزل الحراري غير الكافي للمنازل، والاعتماد المفرط على التكييف في فصل الصيف، فضلاً عن غياب الاهتمام بالتشجيع على شراء أجهزة كهربائية أكفأ، حتى إن كانت أغلى ثمناً.

لقد أُجريت أبحاث عدة لتحديد المستويات المحتملة لتوفير الطاقة الكهربائية. فعلى سبيل المثال، رصد البرنامج الوطني لكفاءة استخدام الطاقة في مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتكنولوجيا بالمملكة العربية السعودية مدى إمكانية تحسين كفاءة استخدام الطاقة في المملكة، وخرج بمجموعة كبيرة من المقترحات المفيدة. إذ يؤكد الموقع الإلكتروني لهذا البرنامج على الآتي: (لإنجاز تخفيضات مستدامة في استهلاك الطاقة، يجب على المستهلكين أن يلمسوا منافع مالية واضحة: فأسعار الطاقة المدعومة تعني أن المستهلكين يفتقرون إلى الحافز القوي الذي يُشجعهم على توفير الطاقة).

خلال السنوات الأربع الماضية نما الطلب على الكهرباء في دول مجلس التعاون بمعدل سنوي نسبي قدره عشرة في المائة تقريباً

وتتمثل المشكلة الرئيسية في التغير الموسمي الهائل في معدلات الطلب على الطاقة الكهربائية، الأمر الذي يعني أنه يجب على منظومة توليد الكهرباء أن تتمتع بطاقة إنتاجية تكفي لتلبية ذروة الطلب الصيفي المرتفعة للغاية، فيما يبقى معظم هذه الطاقة بكل بساطة خاملاً خلال بقية السنة. لذا، يُعد تقليص ذروة الطلب الصيفي على الكهرباء من خلال تحسين عزل المنازل حرارياً وعدم الإفراط في الاعتماد على التكييف خطوةً مهمة للغاية نحو خفض متطلبات الاستثمار ورفع الطاقة الإنتاجية القصوى.

وللأسف الشديد، لا تحظى كفاءة استخدام الطاقة بالاهتمام الذي تستحقه. كما أن الحكومات الخليجية تُحجم عن اللجوء إلى رفع أسعار الكهرباء على المستهلك النهائي في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية بسبب معدلات التضخم المالي المتزايدة بسرعة. وعلى الرغم من ذلك، فإنه لا بد من رفع أسعار الكهرباء لأنه الاتجاه الحتمي لاحتواء هذا الطلب المتفلت من عقاله. فكفاءة استخدام الطاقة هي المجال الذي يعود بأفضل المنافع الممكنة للحجم نفسه من الاستثمارات، وقد عرفت اليابان والاتحاد الأوروبي توفير الطاقة منذ فترة طويلة على أنه الطاقة الجديدة الأكثر جاذبية. ويُمكن في هذا المجال أيضاً تنفيذ مشاريع تعاونية وربحية مهمة.

إن زيادة أسعار الكهرباء لا تعني بالضرورة إنكار حقيقة أن دول مجلس التعاون الخليجي تتمتع بأفضلية طبيعية في مجال تطوير النشاطات الصناعية التي تعتمد على الطاقة بشكل مكثف. وهنا، لا بد من التمييز مجدداً بين العمليات الصناعية التي تعتمد بشكل مكثف على تبادل الطاقة الحرارية ـ كمصافي تكرير النفط وصناعات البتروكيماويات والإسمنت والحديد والفولاذ ـ وتلك العمليات الصناعية التي تستهلك الكهرباء بشكل مكثف ـ لا سيما عمليات صهر الألمنيوم والتحليل الكهربائي، إذ تتطلب العمليات الأخيرة تحويل النفط أو الغاز إلى كهرباء، وهنا يجب التساؤل عما إذا كان النفط والغاز أوفر مصدرين للطاقة الكهربائية أم لا؟

في الماضي، تمتعت دول مجلس التعاون الخليجي بفائض في طاقتها الإنتاجية للنفط والغاز (أو عانت من هذا الفائض اعتماداً على وجهة نظرك). حينذاك كان بإمكان المرء أن يجادل محقاً بأن إنتاج أي برميل من النفط بشكل هامشي لكي يُحرَق في أي محطة لتوليد الكهرباء، كان لا يكلف شيئاً تقريباً. لذا، كان من المنطقي والمبرر تزويد محطات الكهرباء بالوقود بأسعار منخفضة جداً والسماح بتوليد الكهرباء بتكلفة زهيدة. لكن الظروف تغيرت، فاليوم أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي تنتج النفط بمستوى قريب جداً من طاقتها الإنتاجية القصوى، أصبحت هناك اعتبارات تقضي بعدم استخدام الهامش الإنتاجي المتاح إلا في أوقات الأزمات. لذا، ينطوي إرسال أي برميل من النفط يُنتج بشكل هامشي إلى محطات الكهرباء على تكلفة حقيقية مرتفعة جداً: فإيجاد الطاقة الإنتاجية الإضافية لاستخراج مثل هذا البرميل الهامشي يتطلب استثمارات ضخمة في مشاريع تتزايد تكاليفها بسرعة، ويعاني تنفيذها من تأخيرات متكررة. ويمكن بيع البرميل الهامشي نفسه في الأسواق العالمية والحصول على عائد أكبر بكثير من الذي قد يتحقق من خلال بيعه إلى منتجي الكهرباء المحليين. وبغض النظر عن الطريقة التي قد يتبعها المرء في رصد هذه المسألة، هناك تكلفة باهظة مرتبطة بتوليد الكهرباء بواسطة النفط أو الغاز.

ومع أن الحسابات المطلوبة ليست سهلة بالضرورة، إلا أنه يمكن القول إن توليد الحمل الأساسي من الكهرباء (أي ذلك الجزء من إجمالي إمدادات الكهرباء الذي يُطلب دائماً على مدى أربع وعشرين ساعة يومياً و365 يوماً في السنة) بواسطة محطات تعمل بالفحم الحجري أو الطاقة النووية؛ قد يكون أعلى كفاءة من توليده في محطات تعمل بالغاز أو المحروقات النفطية. وتعتمد محصلة الحساب النسبي لتكلفة هذا الحمل على المتوسط التاريخي لتكلفة إنتاج برميل النفط الذي نستعمله أو تكلفة إنتاج البرميل الإضافي الهامشي حالياً، أو ربما في النهاية، على التكلفة المحتملة لعدم بيع البرميل الهامشي في الأسواق العالمية. فقد لا يزال متوسط التكلفة التاريخية منخفضاً نسبياً، لكن تكلفة البرميل الهامشي في ارتفاع متزايد بسرعة؛ ما يعني أن تكلفة عدم بيعه في الأسواق العالمية تتصاعد باطراد. وإذا أُخِذت تكلفة عدم بيع البرميل الهامشي في الأسواق العالمية في الاعتبار، فإن جاذبية اللجوء إلى استخدام الفحم الحجري أو الطاقة النووية لتوليد الحمل الكهربائي الأساسي تصبح مسألة غير قابلة للنقاش. كما أن الازدياد السريع في حجم الاستثمار المطلوب لتطوير طاقة إنتاجية إضافية في صناعتي النفط والغاز بدول مجلس التعاون الخليجي، أصبح حقيقةً تتضح بجلاء متزايد. ولم يشكل احتواء تكلفة الإنتاج أي هم رئيسي حتى وقت قريب جداً، لكن الأمور تتغير بسرعة. وما لم يتم احتواء تكلفة الإنتاج بسرعة، ستُمنى عائدات دول المجلس بخسائر فادحة. وتمثل السرعة التي يجب إنجاز المشاريع بها عاملاً حاسماً في خفض التكاليف، إذ يمكن خفض التكاليف بشكل جوهري إذا تسنى إبطاء وتيرة زيادة الطاقة الإنتاجية (للنفط والغاز وكذلك الكهرباء).

قطر هي الدولة الوحيدة بمجلس التعاون الخليجي التي تتمتع بوفرة مطلقة في الغاز الطبيعي

وفي ضوء ما تقدم، يتضح أن تطوير حلول بديلة لتوليد الكهرباء في محطات تعمل بالنفط والغاز أصبح أولوية مهمة. وبالتالي، ستلعب مصادر الطاقة المتجددة دوراً متنامياً بسرعة. ومن المهم أن وزير البترول السعودي علي النعيمي طوّر مؤخراً رؤية للمملكة العربية السعودية كمنتج رئيسي ومصدر محتمل للطاقة الشمسية، أي للكهرباء المولدَة بواسطة الطاقة الشمسية، لكن مصادر الطاقة المتجددة تعاني عموماً من عيب كبير هو عدم إمكانية التحكم في توفيرها وعدم انسجامها بالضرورة مع تقلبات الطلب. لذا، فإن المفعول النهائي لمصادر الطاقة المتجددة يتمثل في تقليص الحاجة لبناء المزيد من محطات الحمل الكهربائي الأساسي، مع بناء المزيد من المحطات التي يُمكن تشغيلها وتوقيفها بسهولة استناداً إلى ميزان العرض والطلب. كما أن محطات الكهرباء التي تعمل بالغاز تسمح بتحقيق أسهل تعديل ممكن في إمدادات الطاقة، وتؤدي دوراً حاسماً في تلبية الحمل المتغير. لذا، فإن إمكانية اللجوء إلى مصادر أكثر قابلية للتجدد إلى جانب الفحم الحجري والطاقة النووية لن تلغي الحاجة لإدارة الطلب على الكهرباء ـ تقليص ذروات هذا الطلب ـ أو الحاجة لتبني مقاربة تسعيرية أكثر ترشيداً لاستخدام الغاز.

لقد تسببت السياسات الرسمية الخليجية المتبعة في تثبيت أسعار الغاز بخلل عميق في اقتصاد الغاز الإقليمي. ومن حيث الجوهر، أدت أسعار الغاز المنخفضة إلى غياب الحافز لاستغلال مخزونات معروفة من الغاز لأن تكلفتها مرتفعة نسبياً (وهي عموماً آبار غاز عميقة وحمضية جداً يتطلب استغلالها تقنيات مكلفة ومعالجةً معقدة لإزالة الكبريت منها)، كما شجعت هذه الأسعار صادرات الغاز الطبيعي المسال التي تقطع مسافات طويلة لتحرير الأسواق بدلاً من زيادة الصادرات إلى الجيران الإقليميين. هذا التوجه يتنافى تماماً مع المنطق السليم، لأن نقل الغاز مكلف جداً؛ ففي ظل ظروف السوق الطبيعية يجب على الأسواق القريبة جغرافياً أن تجلب لمنتج الغاز عائدات أكبر، لكننا نرى في دول مجلس التعاون الخليجي أن دولة الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان تصدّران الغاز إلى الشرق الأقصى وتستوردانه في الوقت ذاته من قطر التي لا يسعدها السعر المنخفض الذي تتلقاه مقابل غازها، وترفض النظر في توسيع طاقتها الإنتاجية، كما ترفض النظر في تصدير الغاز إلى البحرين، فضلاً عن أنها جمدت مشروع تصدير الغاز إلى الكويت.

إن المنطقة بحاجة ملحة لمعالجة كل هذه العيوب، وينبغي التخلي تدريجياً عن أسعار الغاز الرسمية لمصلحة تطوير سوق تنافسية تقوم على شبكة خطوط أنابيب تربط كل المراكز الإقليمية لإنتاج واستهلاك الغاز الطبيعي، كما أن الخصومات التي تجعل منع واردات الغاز يبدو كأنه مسألة كرامة وطنية ينبغي أن توضع جانباً؛ وينبغي أيضاً جعل تدفق الغاز ممكناً في كل الاتجاهات. ومن شأن تطوير سوق الغاز على نطاق منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، أن تشهد أسعاراً أدنى من تلك التي تشهدها اليابان أو أوروبا أو الولايات المتحدة، لأن الفوارق في تكاليف النقل والتسويق كبيرة جداً. وفي ظل هذا السوق، ستُحمى القدرة التنافسية للصناعات البتروكيماوية المحلية، وستبقى الكهرباء في دول المجلس رخيصة نسبياً بالمقارنة بمستوياتها الدولية؛ الأمر الذي سيبرر الاستثمار في عمليات الإنتاج التي تعتمد على الكهرباء بشكل مكثف.

لذلك، من المؤكد أنه يمكن تلافي أزمة الطاقة التي تواجهها دول مجلس التعاون الخليجي، لكن لا بد من معالجتها بصورة مبكرة وبروح التعاون الإقليمي، وقد يتطلب هذا الأمر قرارات صعبة، خاصة القرار المتعلق برفع أسعار الكهرباء وسط النمو المتسارع في معدلات التضخم المالي، لكن البديل عن مثل هذا القرار سيكون حتماً التوسيع المستمر للفجوة القائمة بين الأسعار المعتمَدة رسمياً وتلك التي تقضي بها الاعتبارات العقلانية للسوق، وقد ثبت أن مثل هذا الخلل كان دائماً باهظ الثمن في آخر المطاف.

::/fulltext::
::cck::1921::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *