أوهام “الصفقة الكبرى” بين أمريكا وإيران

::cck::2153::/cck::
::introtext::

شهدت العلاقات الأمريكية – الإيرانية العديد من التطورات والتفاعلات السياسية والأمنية، مثل عقد لقاءات ومباحثات ثنائية رسمية بين الولايات المتحدة وإيران حول أمن العراق ومستقبله؛ وحضور رئيس إيراني لأول مرة قمة دول مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر الماضي بالعاصمة القطرية الدوحة، وقبلها صدور تقرير الاستخبارات المركزية الأمريكية الذي كشف أن إيران أوقفت العمل في برنامجها النووي العسكري في عام 2003، وأخيراً زيارة محمود أحمدي نجاد العلنية و(التاريخية) للعراق مطلع مارس الماضي تحت مرأى ومسمع الأمريكيين، فضلاً عن التحسُّن النسبي في الوضع الأمني في هذا البلد وانخفاض وتيرة الهجمات المسلحة ضد القوات الأمريكية فيه.

::/introtext::
::fulltext::

شهدت العلاقات الأمريكية – الإيرانية العديد من التطورات والتفاعلات السياسية والأمنية، مثل عقد لقاءات ومباحثات ثنائية رسمية بين الولايات المتحدة وإيران حول أمن العراق ومستقبله؛ وحضور رئيس إيراني لأول مرة قمة دول مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر الماضي بالعاصمة القطرية الدوحة، وقبلها صدور تقرير الاستخبارات المركزية الأمريكية الذي كشف أن إيران أوقفت العمل في برنامجها النووي العسكري في عام 2003، وأخيراً زيارة محمود أحمدي نجاد العلنية و(التاريخية) للعراق مطلع مارس الماضي تحت مرأى ومسمع الأمريكيين، فضلاً عن التحسُّن النسبي في الوضع الأمني في هذا البلد وانخفاض وتيرة الهجمات المسلحة ضد القوات الأمريكية فيه.

كل هذه التطورات المتلاحقة على صعيد العلاقات والتفاعلات بين واشنطن وطهران أثارت الكثير من الشكوك والتكهنات وأطلقت المخاوف من إمكانية عقد صفقة أمريكية- إيرانية على حساب العرب وقضاياهم الاستراتيجية، وما المؤشرات السابقة -كما يقول مؤيدو هذه الرؤية- إلا مقدّمات موضوعية لإبرام هذه الصفقة.

ومن دون شك أن المخاوف والتحليلات السابقة حق مشروع لأصحابها، ولكن من حقّنا أيضاً أن نختلف معهم وننحاز بقوة لرأي آخر نعتقد أنه الأكثر واقعية والأقوى حجيّة، ومفاده أن هناك حالة عداء متجذر ومتأصل بين أمريكا وإيران، وأن الصراع القائم بينهما حقيقي وفيه من التعقيد والتركة الثقيلة من الخلافات بحيث لا تسمح بعقد أي صفقة أو اتفاق على الأقل في المدى المنظور، ناهيك عن أن موقع إيران في الفكر الاستراتيجي الأمريكي وما يمثله هذا البلد من ثقل في المنطقة جعله مستهدفاً وموضوعاً تحت المجهر الأمريكي منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979، وهو لم يغِب يوماً منذ ذلك التاريخ عن حسابات صانعي القرار في الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

وإذا تتبعنا بشكل موجز تاريخ العلاقات الأمريكية – الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه، فسنلحظ تغييراً جذرياً في نمط العلاقات والتفاعلات بين البلدين؛ فالعلاقات الأمريكية – الإيرانية قبل قيام الثورة (وفي عهد الشاه تحديداً) كانت وثيقة جداً، وكانت طهران – وقتها – حليفاً استراتيجياً لواشنطن إلى جانب إسرائيل وتركيا وباكستان. وقد حاول الشاه وقتذاك أن يلعب دور (شرطي المنطقة) المعني بالدرجة الأولى بالحفاظ على أمن وخدمة المصالح الأمريكية فيها، لكن الوضع تغيّر بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران وانقلبت المعادلة وتحول الشركاء إلى فرقاء. فسقوط نظام الشاه، وقيام نظام حكم إسلامي مناهض للولايات المتحدة جعلاها تناصب العداء لهذه الثورة، وتحاول وأدها مبكراً؛ فالثورة أحدثت إرباكاً شديداً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والخليج تحديداً، نظراً للخلل الخطير الذي أحدثته في ميزان القوى، إذ أصبحت منطقة الخليج مكشوفة من زاوية المصالح الأمريكية وغير مأمونة، ومنذ ذلك التاريخ وإلى الآن لم تعرف العلاقات الأمريكية – الإيرانية أي نوع من أنواع الاستقرار أو الانفراج السياسي الإيجابي، بل شهدت المزيد من الشك والريبة وانعدام الثقة المتبادل.

ولاشك في أن النظرة العدائية لكلا البلدين تجاه الآخر ساعدت على توتير وتأزيم العلاقات بينهما؛ فالولايات المتحدة الأمريكية وفور قيام الثورة الإسلامية، وصفت إيران بالدولة الخارجة على القانون، وأنها مركز الإرهاب العالمي، وقاعدة الأصولية في العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه أسهمت الدعوات الحماسية التي أطلقها الإيرانيون وقتها بخصوص تصدير الثورة إلى العالمين العربي والإسلامي في إثارة المخاوف والشكوك لدى الدول العربية والغربية على حد سواء. وفي المقابل، وصفت إيران الولايات المتحدة وعلى لسان قائد الثورة الإسلامية بـ (الشيطان الأكبر)، واتهمت سياساتها تجاه إيران والعالم الإسلامي بأنها قائمة على الاستغلال ونهب الثروات والتآمر على الحكومات المعارضة لسياساتها والانحياز الكامل لإسرائيل. وجاءت أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في سفارتهم بطهران بين عامي (1979 – 1980)، لتساهم في تعميق جذور الخلافات بين طهران وواشنطن، وتؤثر سلباً في مسار العلاقات بينهما. وعلى الرغم من تحسن العلاقات الأمريكية- الإيرانية نسبياً مع تولي الرئيس محمد خاتمي الحكم في إيران وقيامه ببعض الإصلاحات على صعيد السياسة الخارجية، وتحسين لغة الخطاب السياسي تجاه الغرب وأمريكا تحديداً، إلا أن هذه الحالة لم تدم طويلاً، حتى إن التعاون غير المباشر الذي أبدته إيران مع واشنطن في الحرب على ما يسمى (الإرهاب) وفي إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، لم يثنِ واشنطن والرئيس الأمريكي بوش في أن يصرح ويفاجئ الإيرانيين والعالم في الخطاب الذي ألقاه عن حال الاتحاد في 29 يناير2002، ويصنّف إيران كواحدة من دول (محور الشر) إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، وكان ذلك الخطاب كفيلاً بأن يعيد العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، بل إن قضية الملف النووي الإيراني الشائك، ومن ثمّ سيطرة المحافظين في إيران على مقاليد السلطة والسياسة الخارجية بقيادة محمود أحمدي نجاد أضفيا مزيداً من التعقيد على العلاقات بين البلدين.

إيران تبدو قادرة على وضع العراقيل أمام سياسات واشنطن ومخططاتها المعدة سلفاً للمنطقة

والثابت أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 والحرب التي تلتها على ما يسمى (الإرهاب الدولي)، أنتجت متغيرات جديدة ومهمة على الساحتين الإقليمية والدولية، إذ استغلت الإدارة الأمريكية هذه الأحداث، للبدء في تنفيذ مخططها المعد للمنطقة سلفاً تحت غطاء حربها المعلنة على الإرهاب، وقامت بضرب واحتلال كل من أفغانستان والعراق، وبالتالي كرّست وجودها العسكري في مناطق ذات بعد جيواستراتيجي استثنائي على مستوى العالم مثل آسيا الوسطى ومنطقة الخليج العربي. والأهم من ذلك أن الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق أضاف معطىً جديداً للصراع القائم بين أمريكا وإيران، فقد أصبح البلدان جارين لدودين، وباتت إيران محاطة لأول مرة بقوات عسكرية أمريكية بشكل مباشر من كل الجهات؛ ففي الشرق باتجاه أفغانستان هناك الآلاف من الجنود الأمريكيين، وفي الغرب ما يزيد على 130 ألف جندي أمريكي بكامل عتادهم يحتلون العراق، وفي الشمال تتمركز قوات أمريكية في بعض بلاد القوقاز وبالقرب من بحر قزوين، وفي الجنوب تجوب الأساطيل والبوارج الحربية الأمريكية مياه الخليج ولها قواعد ومقرات عسكرية ثابتة هناك، وهذا يعني من الناحية الاستراتيجية والعسكرية أن إيران أصبحت مطوقة بالكامل فيما يشبه قبضة (الكماشة المزدوجة).

والحال أن الولايات المتحدة اعتقدت، بعد انتهائها من احتلال العراق وإكمال تطويق إيران عسكرياً، أن الوضع بات مهيئاً والوقت قد حان لتصفية الحساب المؤجل منذ زمن مع طهران. ومن هنا نستطيع فهم أسباب الهجوم السياسي والإعلامي الشرس ضد إيران – أثناء وبعد غزو العراق- وتحريك قضية البرنامج النووي لإيران واتهامها بدعم الإرهاب وزعزعة أمن العراق واستقراره، ومن ثم تهديد النظام الإيراني بالمصير نفسه الذي آل إليه نظام صدام حسين.

غير أن الوجود العسكري الأمريكي الراهن في العراق، قد ثَبُتَ مع مرور الوقت أنه سلاح ذو حدين؛ فالولايات المتحدة عندما احتلت هذا البلد كانت تظن أنها ستُستقبل بالورود، وأن عملية الغزو ستكون مجرد نزهة لجنودها، ومن ثمّ ستنطلق من بغداد لتنفيذ مشروعها الخاص بالمنطقة الذي يهدف، في مجمله، إلى إعادة تشكيل المنطقة جيوبوليتيكياً لصالح (نظام شرق أوسطي جديد) خاضع كلياً للإدارة الأمريكية وبما يخدم مصالحها وطموحها الإمبراطوري. وكانت استراتيجيتا (الضربة الاستباقية) و(الفوضى الخلاقة) هما الأداتان الرئيسيتان لتنفيذ هذا المشروع. وفي المقابل، أدركت إيران منذ اللحظة الأولى لاحتلال العراق أنها غير مستثناة من مشروع إعادة تشكيل المنطقة، بل هي أحد أهم الأهداف الرئيسية لتلك الحرب، خاصة أن (المحافظين الجدد) في واشنطن ما انفكوا يحرضون ويُنظِّرون، بعد غزو العراق مباشرةً، لشن هجوم مماثل ضد إيران. وما كتبه وليم كريستول، وهو أحد عتاة (المحافظين الجدد) في أمريكا، في مجلة (ويكلي ستاندر) – وهي من أبرز منابر المحافظين الجدد- بعد شهر من سقوط بغداد وتحديداً في 12 مايو 2003، يؤيد ذلك، إذ يقول (إن تحرير العراق كان المعركة الكبرى في رسم مستقبل الشرق الأوسط، ونحن الآن في خضم صراع عنيف مع إيران حول مستقبل العراق). وفي السياق ذاته، أشار كريستول إلى أن الضغط على إيران يمثل (أولوية) قبل الضغط على دول أخرى في المنطقة، وشدد على أن إيران هي نقطة (التحول) في الحرب ضد أسلحة الدمار الشامل، وفي الحرب ضد الإرهاب، وأيضاً في مساعي إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ولو ذهبت إيران -كما يقول- فسوف تتبعها بسهولة تغييرات إيجابية مساندة للغرب، ومعادية للإرهاب في المنطقة، وسوف تتحسن فرص التسوية الفلسطينية- الإسرائيلية، وهذا بيت القصيد.

ولكن الذي حدث، بعدها، أثبت خطأ حسابات الإدارة، ومن ورائها (المحافظون الجدد)؛ فالغزو لم يكن نزهة بأي حال من الأحوال، والمقاومة المسلحة التي قوبلت بها القوات الغازية في العراق لم تترك لها أي فرصة للراحة والتقاط الأنفاس، والعراق بدلاً من أن يتحول إلى دولة ديمقراطية وأنموذج للحرية والأمن والرخاء يلهم دول المنطقة كما أعلنت واشنطن قبيل الغزو، تحوّل إلى (دولة فاشلة) وأشلاء وطن مزّقه التناحر السياسي والاقتتال الطائفي والصراع الإقليمي والدولي على أراضيه. أما إيران فلم تذهب ولم تضعف، كما كان يأمل (المحافظون الجدد)، بل أصبحت أكثر قوة وقدرة على مواجهة المشروع الأمريكي. فسقوط نظام صدام وانهيار الدولة العراقية بفعل الاحتلال أحدثا فراغاً سياسياً وأمنياً كبيراً عجزت الولايات المتحدة عن ملئه، ما مكّن إيران من استغلال لحظة الضعف الأمريكية والتغلغل داخل النسيج العراقي بكل مكوناته السياسية والاجتماعية. وهي، فضلاً عن ذلك، تعتبر القوات الأمريكية بمثابة (رهينة) عندها كما يقول بعض كبار مسؤوليها.

وزيادة على ذلك، أخذت الأحداث والمستجدات الإقليمية والدولية، مع مرور الوقت، في فرض واقعٍ جديدٍ أخذ يلقي بظلاله على طريقة وأسلوب إدارة الأزمة بين البلدين. ولعل من أهم المستجدات التي لعبت دوراً محورياً – ولا تزال – في تغيير تكتيك المناورات السياسية بين طهران وواشنطن، حرب يوليو 2006 بين إسرائيل وحزب الله اللبناني. فالهزيمة التي لحقت بإسرائيل من قبل (حزب الله) كما أكد ذلك تقرير (فينوغراد)، عُدّت – بطريقة أو أخرى- بمثابة هزيمة لأمريكا على يد إيران؛ فخسارة إسرائيل للحرب أعطت إيران دفعة قوية في مواجهة الاستهداف الأمريكي لها، وفي المقابل جعلت واشنطن أكثر عجزاً وتخبطاً في التعامل وإدارة أزمتها مع إيران، لذا تسعى واشنطن في المرحلة الحالية إلى إيجاد حالة من الهدنة غير المعلنة مع طهران وذلك ريثما تأخذ أنفاسها وتعيد حساباتها، علّ ذلك يُسهِم في استمالة إيران وبالتالي إمكانية تخفيف طهران من دعمها للقوى المسلحة والموالية لها في العراق والمنطقة، وهذا بدوره قد ينسحب بتداعياته الإيجابية على الناخب الأمريكي لكي يصوِّت لصالح الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الثورة الإسلامية في إيران أحدثت إرباكاً شديداً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

والحقيقة أن تقرير الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحضور أحمدي نجاد قمة مجلس التعاون الخليجي وكل المؤشرات التي طرحت سابقاً لتبرير عقد صفقة أمريكية – إيرانية لا تعدو كونها مجرد محاولات وتكتيكات لاحتواء إيران في هذه المرحلة، ولا ترتقي إلى مستوى الاستراتيجية طويلة المدى والثابتة نسبياً؛ فالصفقة بين أي طرفين تتطلب تقديم تنازلات متبادلة، والإيرانيون لا يملكون الكثير لكي يُقدِّموه للأمريكيين الذين الأخيرين ليسوا على استعداد لإعطاء إيران ما تطمح وتسعى إليه؛ فهل من المعقول أن تُسلِّم أمريكا بحق إيران في امتلاك وتطوير تكنولوجيا نووية خاصة بها، أو تعترف بإيران كلاعب محوري واستراتيجي يتقاسم النفوذ معها في المنطقة؟ وفي المقابل، هل يمكن أن تتنازل الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن أهم القضايا والمرتكزات التي أسست لشرعية نظامها السياسي القائم مثل: إنهاء حالة العداء مع إسرائيل ووقف دعم المجموعات الفلسطينية والضغط عليها لإنهاء عملياتها المسلحة ضد إسرائيل، أو التخلي عن (حزب الله) في لبنان بكل ما يمثل هذا الحزب من أهمية بالنسبة لإيران، ناهيك عن مجرد التفكير في التراجع عن برنامجها النووي الذي يعد مصدر إجماع عند كل الإيرانيين. أضف إلى ذلك، أنه إذا كانت ثمة صفقة بين أمريكا وإيران فإن الوضع سينعكس بالإيجاب حتماً على عدد من القضايا التي يتجاذبها الطرفان، كالأزمة السياسية الحادة في لبنان مثلاً. وفي الإطار ذاته، لا بد أن تغييراً كان سيطرأ على المواقف الأمريكية المتشددة تجاه إيران، وهو الأمر الذي يتعارض مع المحاولات الأمريكية المستمرة لإيذاء النظام والاقتصاد الإيرانيين عبر استصدار قرارات متعاقبة من مجلس الأمن  الدولي هدفها تضييق الخناق على إيران أكثر فأكثر.

إذاً من الواضح أن لا مجال لعقد مثل هذه الصفقة بين واشنطن وطهران، والصراع بينهما مفتوح وشامل على المصالح والنفوذ والثروات في المنطقة؛ فإيران ترى أنها دولة إقليمية كبرى لا يمكن تجاهلها، وأن لها مصالح استراتيجية في المنطقة لابد من الحفاظ عليها، وهي تبدو قادرة على خلط أوراق اللعبة، ووضع العراقيل والعقبات أمام سياسات واشنطن والتأثير في مخططها المعد سلفاً للمنطقة. بينما واشنطن لا تزال ترى في الجمهورية الإسلامية مصدر إزعاج وتهديد جدي لنفوذها ومنافساً حقيقياً على المواقع الحيوية التي بذلت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً لتكريس نفوذها فيها. إضافة إلى ذلك، تؤكد الحتمية التاريخية والسياسية للصراع بين الدول أنه عندما يقع (فراغ استراتيجي) في رقعة ما على سطح الأرض، فإن القوى الكبرى الإقليمية والدولية تحاول السيطرة وبسط نفوذها على هذه الرقعة خاصة إذا كان هذا الفراغ حاصلاً في منطقة تمتلك الكثير من عوامل الجذب الاقتصادية والجيواستراتيجية مثل المنطقة العربية والخليج تحديداً.

وفي التحليل الأخير، يمكننا القول إن موقع إيران الجغرافي القريب من منابع النفط في الشمال والجنوب وتعاظم قوة هذه الدولة، ومكانة الإسلام الثوري في الحياة السياسية والاجتماعية في إيران، كل ذلك أعطاها أهمية خاصة وجعلها، في الوقت نفسه، عُرضة لمزيد من الضغوط والتهديدات السياسية والاقتصادية. ومن هنا، أخذت إيران موقع (العدو الرئيسي) في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، والتحدي الأكبر بالنسبة لواشنطن وسياساتها في المنطقة. ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية الحالية أو القادمة لن تتخلى عن خيار ضرب وإسقاط النظام السياسي في إيران؛ ولكن المواجهة بين الطرفين مؤجلة لأسباب تتعلق فقط بمدى ملاءمة الظرف الدولي وتوازن القوى، وبتعقيد حسابات الربح والخسارة بين الطرفين. وفي اللحظة التي تزول فيها تلك التعقيدات أو جزء منها، لاشك في أننا سنشهد اشتعال حرب جديدة في المنطقة من الصعب السيطرة عليها أو ضمان محدوديتها؛ فنار الحرب إذا اندلعت ستطال الجميع في المنطقة، وستُلقي بظلالها القاتمة على العالم بأسره.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2153::/cck::
::introtext::

شهدت العلاقات الأمريكية – الإيرانية العديد من التطورات والتفاعلات السياسية والأمنية، مثل عقد لقاءات ومباحثات ثنائية رسمية بين الولايات المتحدة وإيران حول أمن العراق ومستقبله؛ وحضور رئيس إيراني لأول مرة قمة دول مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر الماضي بالعاصمة القطرية الدوحة، وقبلها صدور تقرير الاستخبارات المركزية الأمريكية الذي كشف أن إيران أوقفت العمل في برنامجها النووي العسكري في عام 2003، وأخيراً زيارة محمود أحمدي نجاد العلنية و(التاريخية) للعراق مطلع مارس الماضي تحت مرأى ومسمع الأمريكيين، فضلاً عن التحسُّن النسبي في الوضع الأمني في هذا البلد وانخفاض وتيرة الهجمات المسلحة ضد القوات الأمريكية فيه.

::/introtext::
::fulltext::

شهدت العلاقات الأمريكية – الإيرانية العديد من التطورات والتفاعلات السياسية والأمنية، مثل عقد لقاءات ومباحثات ثنائية رسمية بين الولايات المتحدة وإيران حول أمن العراق ومستقبله؛ وحضور رئيس إيراني لأول مرة قمة دول مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر الماضي بالعاصمة القطرية الدوحة، وقبلها صدور تقرير الاستخبارات المركزية الأمريكية الذي كشف أن إيران أوقفت العمل في برنامجها النووي العسكري في عام 2003، وأخيراً زيارة محمود أحمدي نجاد العلنية و(التاريخية) للعراق مطلع مارس الماضي تحت مرأى ومسمع الأمريكيين، فضلاً عن التحسُّن النسبي في الوضع الأمني في هذا البلد وانخفاض وتيرة الهجمات المسلحة ضد القوات الأمريكية فيه.

كل هذه التطورات المتلاحقة على صعيد العلاقات والتفاعلات بين واشنطن وطهران أثارت الكثير من الشكوك والتكهنات وأطلقت المخاوف من إمكانية عقد صفقة أمريكية- إيرانية على حساب العرب وقضاياهم الاستراتيجية، وما المؤشرات السابقة -كما يقول مؤيدو هذه الرؤية- إلا مقدّمات موضوعية لإبرام هذه الصفقة.

ومن دون شك أن المخاوف والتحليلات السابقة حق مشروع لأصحابها، ولكن من حقّنا أيضاً أن نختلف معهم وننحاز بقوة لرأي آخر نعتقد أنه الأكثر واقعية والأقوى حجيّة، ومفاده أن هناك حالة عداء متجذر ومتأصل بين أمريكا وإيران، وأن الصراع القائم بينهما حقيقي وفيه من التعقيد والتركة الثقيلة من الخلافات بحيث لا تسمح بعقد أي صفقة أو اتفاق على الأقل في المدى المنظور، ناهيك عن أن موقع إيران في الفكر الاستراتيجي الأمريكي وما يمثله هذا البلد من ثقل في المنطقة جعله مستهدفاً وموضوعاً تحت المجهر الأمريكي منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية في عام 1979، وهو لم يغِب يوماً منذ ذلك التاريخ عن حسابات صانعي القرار في الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

وإذا تتبعنا بشكل موجز تاريخ العلاقات الأمريكية – الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية وسقوط نظام الشاه، فسنلحظ تغييراً جذرياً في نمط العلاقات والتفاعلات بين البلدين؛ فالعلاقات الأمريكية – الإيرانية قبل قيام الثورة (وفي عهد الشاه تحديداً) كانت وثيقة جداً، وكانت طهران – وقتها – حليفاً استراتيجياً لواشنطن إلى جانب إسرائيل وتركيا وباكستان. وقد حاول الشاه وقتذاك أن يلعب دور (شرطي المنطقة) المعني بالدرجة الأولى بالحفاظ على أمن وخدمة المصالح الأمريكية فيها، لكن الوضع تغيّر بعد قيام الثورة الإسلامية في إيران وانقلبت المعادلة وتحول الشركاء إلى فرقاء. فسقوط نظام الشاه، وقيام نظام حكم إسلامي مناهض للولايات المتحدة جعلاها تناصب العداء لهذه الثورة، وتحاول وأدها مبكراً؛ فالثورة أحدثت إرباكاً شديداً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط والخليج تحديداً، نظراً للخلل الخطير الذي أحدثته في ميزان القوى، إذ أصبحت منطقة الخليج مكشوفة من زاوية المصالح الأمريكية وغير مأمونة، ومنذ ذلك التاريخ وإلى الآن لم تعرف العلاقات الأمريكية – الإيرانية أي نوع من أنواع الاستقرار أو الانفراج السياسي الإيجابي، بل شهدت المزيد من الشك والريبة وانعدام الثقة المتبادل.

ولاشك في أن النظرة العدائية لكلا البلدين تجاه الآخر ساعدت على توتير وتأزيم العلاقات بينهما؛ فالولايات المتحدة الأمريكية وفور قيام الثورة الإسلامية، وصفت إيران بالدولة الخارجة على القانون، وأنها مركز الإرهاب العالمي، وقاعدة الأصولية في العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسه أسهمت الدعوات الحماسية التي أطلقها الإيرانيون وقتها بخصوص تصدير الثورة إلى العالمين العربي والإسلامي في إثارة المخاوف والشكوك لدى الدول العربية والغربية على حد سواء. وفي المقابل، وصفت إيران الولايات المتحدة وعلى لسان قائد الثورة الإسلامية بـ (الشيطان الأكبر)، واتهمت سياساتها تجاه إيران والعالم الإسلامي بأنها قائمة على الاستغلال ونهب الثروات والتآمر على الحكومات المعارضة لسياساتها والانحياز الكامل لإسرائيل. وجاءت أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في سفارتهم بطهران بين عامي (1979 – 1980)، لتساهم في تعميق جذور الخلافات بين طهران وواشنطن، وتؤثر سلباً في مسار العلاقات بينهما. وعلى الرغم من تحسن العلاقات الأمريكية- الإيرانية نسبياً مع تولي الرئيس محمد خاتمي الحكم في إيران وقيامه ببعض الإصلاحات على صعيد السياسة الخارجية، وتحسين لغة الخطاب السياسي تجاه الغرب وأمريكا تحديداً، إلا أن هذه الحالة لم تدم طويلاً، حتى إن التعاون غير المباشر الذي أبدته إيران مع واشنطن في الحرب على ما يسمى (الإرهاب) وفي إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، لم يثنِ واشنطن والرئيس الأمريكي بوش في أن يصرح ويفاجئ الإيرانيين والعالم في الخطاب الذي ألقاه عن حال الاتحاد في 29 يناير2002، ويصنّف إيران كواحدة من دول (محور الشر) إلى جانب العراق وكوريا الشمالية، وكان ذلك الخطاب كفيلاً بأن يعيد العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، بل إن قضية الملف النووي الإيراني الشائك، ومن ثمّ سيطرة المحافظين في إيران على مقاليد السلطة والسياسة الخارجية بقيادة محمود أحمدي نجاد أضفيا مزيداً من التعقيد على العلاقات بين البلدين.

إيران تبدو قادرة على وضع العراقيل أمام سياسات واشنطن ومخططاتها المعدة سلفاً للمنطقة

والثابت أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر2001 والحرب التي تلتها على ما يسمى (الإرهاب الدولي)، أنتجت متغيرات جديدة ومهمة على الساحتين الإقليمية والدولية، إذ استغلت الإدارة الأمريكية هذه الأحداث، للبدء في تنفيذ مخططها المعد للمنطقة سلفاً تحت غطاء حربها المعلنة على الإرهاب، وقامت بضرب واحتلال كل من أفغانستان والعراق، وبالتالي كرّست وجودها العسكري في مناطق ذات بعد جيواستراتيجي استثنائي على مستوى العالم مثل آسيا الوسطى ومنطقة الخليج العربي. والأهم من ذلك أن الوجود العسكري الأمريكي المباشر في العراق أضاف معطىً جديداً للصراع القائم بين أمريكا وإيران، فقد أصبح البلدان جارين لدودين، وباتت إيران محاطة لأول مرة بقوات عسكرية أمريكية بشكل مباشر من كل الجهات؛ ففي الشرق باتجاه أفغانستان هناك الآلاف من الجنود الأمريكيين، وفي الغرب ما يزيد على 130 ألف جندي أمريكي بكامل عتادهم يحتلون العراق، وفي الشمال تتمركز قوات أمريكية في بعض بلاد القوقاز وبالقرب من بحر قزوين، وفي الجنوب تجوب الأساطيل والبوارج الحربية الأمريكية مياه الخليج ولها قواعد ومقرات عسكرية ثابتة هناك، وهذا يعني من الناحية الاستراتيجية والعسكرية أن إيران أصبحت مطوقة بالكامل فيما يشبه قبضة (الكماشة المزدوجة).

والحال أن الولايات المتحدة اعتقدت، بعد انتهائها من احتلال العراق وإكمال تطويق إيران عسكرياً، أن الوضع بات مهيئاً والوقت قد حان لتصفية الحساب المؤجل منذ زمن مع طهران. ومن هنا نستطيع فهم أسباب الهجوم السياسي والإعلامي الشرس ضد إيران – أثناء وبعد غزو العراق- وتحريك قضية البرنامج النووي لإيران واتهامها بدعم الإرهاب وزعزعة أمن العراق واستقراره، ومن ثم تهديد النظام الإيراني بالمصير نفسه الذي آل إليه نظام صدام حسين.

غير أن الوجود العسكري الأمريكي الراهن في العراق، قد ثَبُتَ مع مرور الوقت أنه سلاح ذو حدين؛ فالولايات المتحدة عندما احتلت هذا البلد كانت تظن أنها ستُستقبل بالورود، وأن عملية الغزو ستكون مجرد نزهة لجنودها، ومن ثمّ ستنطلق من بغداد لتنفيذ مشروعها الخاص بالمنطقة الذي يهدف، في مجمله، إلى إعادة تشكيل المنطقة جيوبوليتيكياً لصالح (نظام شرق أوسطي جديد) خاضع كلياً للإدارة الأمريكية وبما يخدم مصالحها وطموحها الإمبراطوري. وكانت استراتيجيتا (الضربة الاستباقية) و(الفوضى الخلاقة) هما الأداتان الرئيسيتان لتنفيذ هذا المشروع. وفي المقابل، أدركت إيران منذ اللحظة الأولى لاحتلال العراق أنها غير مستثناة من مشروع إعادة تشكيل المنطقة، بل هي أحد أهم الأهداف الرئيسية لتلك الحرب، خاصة أن (المحافظين الجدد) في واشنطن ما انفكوا يحرضون ويُنظِّرون، بعد غزو العراق مباشرةً، لشن هجوم مماثل ضد إيران. وما كتبه وليم كريستول، وهو أحد عتاة (المحافظين الجدد) في أمريكا، في مجلة (ويكلي ستاندر) – وهي من أبرز منابر المحافظين الجدد- بعد شهر من سقوط بغداد وتحديداً في 12 مايو 2003، يؤيد ذلك، إذ يقول (إن تحرير العراق كان المعركة الكبرى في رسم مستقبل الشرق الأوسط، ونحن الآن في خضم صراع عنيف مع إيران حول مستقبل العراق). وفي السياق ذاته، أشار كريستول إلى أن الضغط على إيران يمثل (أولوية) قبل الضغط على دول أخرى في المنطقة، وشدد على أن إيران هي نقطة (التحول) في الحرب ضد أسلحة الدمار الشامل، وفي الحرب ضد الإرهاب، وأيضاً في مساعي إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ولو ذهبت إيران -كما يقول- فسوف تتبعها بسهولة تغييرات إيجابية مساندة للغرب، ومعادية للإرهاب في المنطقة، وسوف تتحسن فرص التسوية الفلسطينية- الإسرائيلية، وهذا بيت القصيد.

ولكن الذي حدث، بعدها، أثبت خطأ حسابات الإدارة، ومن ورائها (المحافظون الجدد)؛ فالغزو لم يكن نزهة بأي حال من الأحوال، والمقاومة المسلحة التي قوبلت بها القوات الغازية في العراق لم تترك لها أي فرصة للراحة والتقاط الأنفاس، والعراق بدلاً من أن يتحول إلى دولة ديمقراطية وأنموذج للحرية والأمن والرخاء يلهم دول المنطقة كما أعلنت واشنطن قبيل الغزو، تحوّل إلى (دولة فاشلة) وأشلاء وطن مزّقه التناحر السياسي والاقتتال الطائفي والصراع الإقليمي والدولي على أراضيه. أما إيران فلم تذهب ولم تضعف، كما كان يأمل (المحافظون الجدد)، بل أصبحت أكثر قوة وقدرة على مواجهة المشروع الأمريكي. فسقوط نظام صدام وانهيار الدولة العراقية بفعل الاحتلال أحدثا فراغاً سياسياً وأمنياً كبيراً عجزت الولايات المتحدة عن ملئه، ما مكّن إيران من استغلال لحظة الضعف الأمريكية والتغلغل داخل النسيج العراقي بكل مكوناته السياسية والاجتماعية. وهي، فضلاً عن ذلك، تعتبر القوات الأمريكية بمثابة (رهينة) عندها كما يقول بعض كبار مسؤوليها.

وزيادة على ذلك، أخذت الأحداث والمستجدات الإقليمية والدولية، مع مرور الوقت، في فرض واقعٍ جديدٍ أخذ يلقي بظلاله على طريقة وأسلوب إدارة الأزمة بين البلدين. ولعل من أهم المستجدات التي لعبت دوراً محورياً – ولا تزال – في تغيير تكتيك المناورات السياسية بين طهران وواشنطن، حرب يوليو 2006 بين إسرائيل وحزب الله اللبناني. فالهزيمة التي لحقت بإسرائيل من قبل (حزب الله) كما أكد ذلك تقرير (فينوغراد)، عُدّت – بطريقة أو أخرى- بمثابة هزيمة لأمريكا على يد إيران؛ فخسارة إسرائيل للحرب أعطت إيران دفعة قوية في مواجهة الاستهداف الأمريكي لها، وفي المقابل جعلت واشنطن أكثر عجزاً وتخبطاً في التعامل وإدارة أزمتها مع إيران، لذا تسعى واشنطن في المرحلة الحالية إلى إيجاد حالة من الهدنة غير المعلنة مع طهران وذلك ريثما تأخذ أنفاسها وتعيد حساباتها، علّ ذلك يُسهِم في استمالة إيران وبالتالي إمكانية تخفيف طهران من دعمها للقوى المسلحة والموالية لها في العراق والمنطقة، وهذا بدوره قد ينسحب بتداعياته الإيجابية على الناخب الأمريكي لكي يصوِّت لصالح الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

الثورة الإسلامية في إيران أحدثت إرباكاً شديداً للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

والحقيقة أن تقرير الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحضور أحمدي نجاد قمة مجلس التعاون الخليجي وكل المؤشرات التي طرحت سابقاً لتبرير عقد صفقة أمريكية – إيرانية لا تعدو كونها مجرد محاولات وتكتيكات لاحتواء إيران في هذه المرحلة، ولا ترتقي إلى مستوى الاستراتيجية طويلة المدى والثابتة نسبياً؛ فالصفقة بين أي طرفين تتطلب تقديم تنازلات متبادلة، والإيرانيون لا يملكون الكثير لكي يُقدِّموه للأمريكيين الذين الأخيرين ليسوا على استعداد لإعطاء إيران ما تطمح وتسعى إليه؛ فهل من المعقول أن تُسلِّم أمريكا بحق إيران في امتلاك وتطوير تكنولوجيا نووية خاصة بها، أو تعترف بإيران كلاعب محوري واستراتيجي يتقاسم النفوذ معها في المنطقة؟ وفي المقابل، هل يمكن أن تتنازل الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن أهم القضايا والمرتكزات التي أسست لشرعية نظامها السياسي القائم مثل: إنهاء حالة العداء مع إسرائيل ووقف دعم المجموعات الفلسطينية والضغط عليها لإنهاء عملياتها المسلحة ضد إسرائيل، أو التخلي عن (حزب الله) في لبنان بكل ما يمثل هذا الحزب من أهمية بالنسبة لإيران، ناهيك عن مجرد التفكير في التراجع عن برنامجها النووي الذي يعد مصدر إجماع عند كل الإيرانيين. أضف إلى ذلك، أنه إذا كانت ثمة صفقة بين أمريكا وإيران فإن الوضع سينعكس بالإيجاب حتماً على عدد من القضايا التي يتجاذبها الطرفان، كالأزمة السياسية الحادة في لبنان مثلاً. وفي الإطار ذاته، لا بد أن تغييراً كان سيطرأ على المواقف الأمريكية المتشددة تجاه إيران، وهو الأمر الذي يتعارض مع المحاولات الأمريكية المستمرة لإيذاء النظام والاقتصاد الإيرانيين عبر استصدار قرارات متعاقبة من مجلس الأمن  الدولي هدفها تضييق الخناق على إيران أكثر فأكثر.

إذاً من الواضح أن لا مجال لعقد مثل هذه الصفقة بين واشنطن وطهران، والصراع بينهما مفتوح وشامل على المصالح والنفوذ والثروات في المنطقة؛ فإيران ترى أنها دولة إقليمية كبرى لا يمكن تجاهلها، وأن لها مصالح استراتيجية في المنطقة لابد من الحفاظ عليها، وهي تبدو قادرة على خلط أوراق اللعبة، ووضع العراقيل والعقبات أمام سياسات واشنطن والتأثير في مخططها المعد سلفاً للمنطقة. بينما واشنطن لا تزال ترى في الجمهورية الإسلامية مصدر إزعاج وتهديد جدي لنفوذها ومنافساً حقيقياً على المواقع الحيوية التي بذلت الولايات المتحدة ثمناً باهظاً لتكريس نفوذها فيها. إضافة إلى ذلك، تؤكد الحتمية التاريخية والسياسية للصراع بين الدول أنه عندما يقع (فراغ استراتيجي) في رقعة ما على سطح الأرض، فإن القوى الكبرى الإقليمية والدولية تحاول السيطرة وبسط نفوذها على هذه الرقعة خاصة إذا كان هذا الفراغ حاصلاً في منطقة تمتلك الكثير من عوامل الجذب الاقتصادية والجيواستراتيجية مثل المنطقة العربية والخليج تحديداً.

وفي التحليل الأخير، يمكننا القول إن موقع إيران الجغرافي القريب من منابع النفط في الشمال والجنوب وتعاظم قوة هذه الدولة، ومكانة الإسلام الثوري في الحياة السياسية والاجتماعية في إيران، كل ذلك أعطاها أهمية خاصة وجعلها، في الوقت نفسه، عُرضة لمزيد من الضغوط والتهديدات السياسية والاقتصادية. ومن هنا، أخذت إيران موقع (العدو الرئيسي) في الفكر الاستراتيجي الأمريكي، والتحدي الأكبر بالنسبة لواشنطن وسياساتها في المنطقة. ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية الحالية أو القادمة لن تتخلى عن خيار ضرب وإسقاط النظام السياسي في إيران؛ ولكن المواجهة بين الطرفين مؤجلة لأسباب تتعلق فقط بمدى ملاءمة الظرف الدولي وتوازن القوى، وبتعقيد حسابات الربح والخسارة بين الطرفين. وفي اللحظة التي تزول فيها تلك التعقيدات أو جزء منها، لاشك في أننا سنشهد اشتعال حرب جديدة في المنطقة من الصعب السيطرة عليها أو ضمان محدوديتها؛ فنار الحرب إذا اندلعت ستطال الجميع في المنطقة، وستُلقي بظلالها القاتمة على العالم بأسره.

::/fulltext::
::cck::2153::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *