استمرار حروب التضليل والخداع.. العراق ليس اليابان ولا ألمانيا
::cck::2234::/cck::
::introtext::
خمس سنوات عجاف وشبه قاتلة مرت على العراق الحبيب، عراق الثقافة والتاريخ والعمق الحضاري الضارب جذوره في أعماق الإنسانية الغنية بالشرائع التوحيدية، وهذا البلد لم ينكسر بعد، ولم يقسم رغم أنف الاحتلال وبطانته الانتهازية، لكن مع ذلك فالخطر لا يزال محدقاً به من كل جانب بسبب استمرار حروب التضليل والخداع ضده. فقد حاولوا ولا يزالون جاهدين أن يبدلوا هويته العربية المسلمة ويحوروها إلى هويات متناحرة ومتقاتلة ومتصارعة باسم السياسة مرة وباسم الدين مرة أخرى وباسم النفعية والمصالح الآنية والتقاتل على فتات الاحتلال، ومع ذلك هناك بقية من أمل.
::/introtext::
::fulltext::
خمس سنوات عجاف وشبه قاتلة مرت على العراق الحبيب، عراق الثقافة والتاريخ والعمق الحضاري الضارب جذوره في أعماق الإنسانية الغنية بالشرائع التوحيدية، وهذا البلد لم ينكسر بعد، ولم يقسم رغم أنف الاحتلال وبطانته الانتهازية، لكن مع ذلك فالخطر لا يزال محدقاً به من كل جانب بسبب استمرار حروب التضليل والخداع ضده. فقد حاولوا ولا يزالون جاهدين أن يبدلوا هويته العربية المسلمة ويحوروها إلى هويات متناحرة ومتقاتلة ومتصارعة باسم السياسة مرة وباسم الدين مرة أخرى وباسم النفعية والمصالح الآنية والتقاتل على فتات الاحتلال، ومع ذلك هناك بقية من أمل.
صحيح أن هذه السنوات العجاف مرت على العراقيين بمرارة غير مسبوقة في نوع تحدياتها، وأنها كادت تطيح بكل شيء في لحظة من اللحظات إلا أن العقل الجمعي العراقي ووجدانه الحي استطاعا حتى الآن أن ينقذا العراق من السقوط النهائي والتسليم للمحتل، وكانت المقاومة وثقافتها هما العصب الأساسي لفعل البقاء والاستمرار.
فالاحتلال البغيض ورغم جرائمه البشعة وجبروته وحيله ومناوراته الخبيثة المتعددة والمتنوعة لم يستطع حتى الآن النيل لا من وحدة العراق ولا من عروبته ولا من محيطه العربي أو الإسلامي بما يجعل الجميع يسلم مثلاً بنتائج العدوان الاستراتيجية التي جاء من أجلها الاحتلال، أي القبول بالعراق قاعدة ثابتة ونهائية في خدمة المخطط الأمريكي القاضي بالسيطرة النهائية على حقول النفط العراقي وفي مرحلة لاحقة حقول نفط الجوار أولاً ولعب دور الرافعة (العربية) المناسبة لحماية أمن إسرائيل (الدويلة) المدللة والربيبة المحببة، لكنها المتصدعة بعد مقاومة تموز اللبنانية.
غير أن الخطير في هذه اللحظة التاريخية بالذات وفي ظل تشرذم عراقي داخلي فتنوي مقيت يتم تظهيره على السطح السياسي بقصد ووعي، وأمام انقسام عربي حاد منشغل بوهم السلام مع إسرائيل من جهة والتقاتل غير المبرر حول لبنان العروبي المقاوم كما يفترض أيضاً من جهة ثانية، يحاول الاحتلال الأمريكي بالاتفاق مع بطانته في أضيق الدوائر الممكنة تمرير (معاهدة أمنية طويلة الأمد ومتعددة الأبعاد) الغرض الأساسي من ورائها إبقاء العراق عقوداً طويلة تحت نير استعمار جديد وانتداب مبطن هدفه الأساسي، كما أسلفنا، حماية أمن إسرائيل المتصدع والمهزوز استراتيجياً ووضع اليد نهائياً على حقول النفط العراقي. بمعنى آخر النيل من العراق عن طريق الحيلة والخداع والتلاعب بالبيادق العراقية المتعاونة بدرجات متفاوتة لتحقيق ما فشلت القوات الغازية في تحقيقه بالقوة الجهنمية عن طريق التحايل الأمني والسياسي.
نقول هذا الكلام لأن البيادق المشار إليها والتي تنتمي إلى تيارات سياسية وطائفية ومذهبية مختلفة باتت تروج لما تسميه (تنظيم العلاقة النفعية استراتيجياً مع واشنطن ولو على كراهة منعاً لوقوع العراق في الفوضى الداخلية والحرب الأهلية أو لقمة سائغة لتقاسم النفوذ الإقليمي). وبالتالي بدأنا نسمع تحليلات خطيرة تروج بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أن الاحتلال باق لعقود طويلة في العراق ولا فائدة ولا نفع من المطالبة بخروجه السريع والمتعجل لأن ذلك مضر بمستقبل العراق غير الجاهز لتحمل تبعات الاستقلال الناجز والسيادة والديمقراطية! وأخذ البعض من غير العراقيين ممن لهم تلاق مع أهداف أمريكا الطويلة الأمد بالتنظير إلى أن العراق هو أشبه ما يكون اليوم بألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وها هما اليابان وألمانيا مليئتان بالقواعد العسكرية الأمريكية رغم مرور ستين عاماً على انتهاء الحرب.
إن العراق الذي يتحدث عنه الماكرون الخبثاء لم يكن الدولة الغازية التي أعلنت الحرب على أمريكا أو العالم، حتى يشبهوه باليابان أو ألمانيا! وحتى (الخطر الداهم) الذي ذكرت تقاريرهم الاستخبارية أن النظام العراقي السابق كان يشكله على أمن الولايات المتحدة في حينه، كما زعموا، سرعان ما تراجعت عنه تقاريرهم، وأثبتت التقارير العديدة بما فيها الأمريكية أنها لم تكن سوى حرب تضليلية لحرف أنظار الرأي العام الداخلي لديهم والأوروبي الحليف، في محاولة لتخفيف موجة المعارضة للغزو، هذا فضلاً عن فضيحة أسلحة الدمار الشامل التي اضطرت وزير خارجية الغازي المحتل إلى الإذعان بأنه ألصق وصمة عار في جبينه إلى الأبد نتيجة لعرضه ذلك التقرير المختلق والمزور أمام مجلس الأمن الدولي.
إنها لعبة ماكرة جديدة إذن تحمل في طياتها مخطط ضرب إرادة المقاومة والممانعة العراقية من الداخل من خلال محاولة (تسفيه) ثقافة المقاومة والترويج لفكرة التعايش مع المحتل ولو (على كراهة)! ما يعني عملياً الترويج لحالة القبول بما يسمونه الأمر الواقع والتسليم عملياً لموازين القوى التي لا تسمح بتغيير هذا الواقع عن طريق الكفاح لاسيما المسلح منه، وبالتالي الترويج لمهادنة المحتل والاستسلام لشروطه والدخول معه في لعبة الرهان على الحصول على (أفضل) العروض الأمريكية تجنباً للأسوأ والأخطر.
كانت المقاومة وثقافتها هما العصب الأساسي لفعل البقاء والاستمرار في العراق المحتل
وهنا ثمة من يعتقد أن الاستعدادات الكبيرة للانقضاض على مقاومة الموصل، والانعطافة المفاجئة نحو البصرة المتمردة في (صولة الفرسان) كلها أساليب ملتوية وملغمة لتهيئة أجواء انعقاد مثل هذه الاتفاقية الأمنية الطويلة الأمد والمتعددة الأبعاد مع الغازي المحتل، والتي يحضر لها لتنجز خلال الشهرين المقبلين وذلك قبل دخول إدارة بوش المتهافتة في (الكوما) الانتخابية الرئاسية.
إن هؤلاء الذين يروجون بوعي لمثل هذه الأفكار تحت أي ذريعة كانت، أو الذين يعتقدون (مخلصين) (إن أحسنا الظن ببعضهم) أن العراق غير قادر وحده على إدارة أزماته المستفحلة والمتداخلة بالمعادلتين الإقليمية والدولية من دون الركون إلى قوة عالمية قادرة على إخراجه مما هو فيه، إنما يرددون ويروجون لنفس المقولة المقيتة التي سبقت الغزو والعدوان الجائر على العراق قبل خمس سنوات من الآن بالتمام والكمال.
إن هؤلاء وإن كانوا يعرفون تماماً في دواخلهم أن ما تريده أمريكا الدولة الأعظم ليس (قدراً) لا فكاك منه، لكن نفوسهم الضعيفة والمتعلقة بفتات الدنيا والعاجزة عن تصور نصر يمكن أن تحققه الشعوب على آلة جهنمية بمستوى آلة أمريكا وإسرائيل معاً، كما حصل مع المقاومين اللبنانيين، تراهم يروجون لمثل هذه الأفكار بكل ما أوتوا من قوة وحيلة لأن مصالحهم باتت معجونة بمصالح المحتل واستمرار بقائه.,
لقد كانت هناك حلول عديدة لإنقاذ العراق مما كان عليه قبل الغزو والعدوان، تتطلب عقلاً جباراً وملهماً يشبه عقل المقاومة اللبنانية وإرادة مثل إرادة سماحة السيد حسن نصرالله الذي اقترح عليهم يومها (طائفاً عراقياً) يخرج العراق والمنطقة من كارثة محتمة كان يراها ماثلة أمام عينيه تماماً، لكنهم لم يرفضوها فقط، بل (كفروا) الرجل وكادوا يخرجونه من الملة!
ما يشبه ذلك حصل أيضاً مع الرجل الحكيم المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ولكن من الطرف العراقي الحاكم الذي لم يكن يملك جنس الحصافة ولا ذلك الحرص المفترض على مستقبل شعبه وأمته.
اليوم يحاولون تكرار نفس الكارثة والمصيبة، وما لم يحققوه بالقتل والتدمير المنظم والمستمر للدولة والمجتمع العراقيين والإنسان العراقي الفرد، يحاولون اليوم أن يحققوه وينالوه عبر الحيلة والخداع وشراء النفوس المرتجفة والضمائر الميتة التي لا تجرؤ على قول كلمة (لا) للغازي والمحتل.
إن على العراقيين أن يعوا تماماً أن مستقبل أمريكا يتجه نحو الأفول لا في العراق والمنطقة وحدها بل وعلى المستوى العالمي، فها هي أحاديتها تنكسر أمام الروس والصينيين والأوربيين والهند وأمريكا اللاتينية فضلاً عن إيران، فيما تظهر بوادر تعددية قطبية عالمية في طريقها إلى التشكل بقوة أمام الأمريكي المتراجع يوماً بعد يوم. والعراق باستطاعته أن يخرج من كبوته فقط بإرادة الممانعة والمقاومة لا غير، لأن غياب هذه الإرادة أو عدم تفعيلها أو التآمر عليها أو التغافل عنها لأي عذر كان إنما يفتح الباب أمام ذل مستديم أطول من ذل اليابان وألمانيا.
وما (البعبع) الإيراني أو أي (بعبع) آخر يمكن أن يختلقوه مستقبلاً للعراقيين إلا مخطط خبيث لإبقاء الاحتلال والعدوان لأمد أطول، ذلك لأن من يقاتل الأمريكيين ويركعهم ويجبرهم على الرحيل قادر بقوة إرادته المقاومة والممانعة وبوحدة شعبه التي ستأتي حتماً في ظلال المقاومة ومواجهة أي تحديات أخرى وقادر حتماً على صيانة الاستقلال والسيادة والحرية للعراقيين أفضل بكثير من المراهنين على الخارج والمستقوين به دوماً على حساب إرادة شعبهم الحقيقية.
إن العراق لا مستقبل أمامه ولا أحد قادراً بعد اليوم على أن يلملم شمله إلا بثقافة المقاومة، وقد أثبتت السنوات الخمس العجاف الماضية صحة هذه المقولة، فيما أثبتت بالمقابل أن الذين حاولوا سلوك الطرق الأخرى، لم يقدموا لشعب العراق سوى السراب!
وثمة من يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول إن مستقبل بلدان المنطقة وليس العراق وحده، لاسيما تلك المحيطة به، لم يعد له أي أفق واعد بغير نجاح مشروع المقاومة العراقية وإخراج المحتل بشكل نهائي من هذا البلد الجريح، بعد أن بات مثل هذا الوجود يهدد الأمن القومي لكل قطر من الأقطار العربية والمسلمة على قاعدة نشر الفوضى الخلاقة ودق أسافين الفتن المذهبية والطائفية والعرقية وإشاعة أجواء من الحروب الأهلية وصناعة هويات متناحرة في كل قطر عربي ومسلم من دون استثناء على حساب الهوية الحضارية المعروفة لهذه المنطقة الممزوجة والمعجونة بين العروبة والإسلام.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2234::/cck::
::introtext::
خمس سنوات عجاف وشبه قاتلة مرت على العراق الحبيب، عراق الثقافة والتاريخ والعمق الحضاري الضارب جذوره في أعماق الإنسانية الغنية بالشرائع التوحيدية، وهذا البلد لم ينكسر بعد، ولم يقسم رغم أنف الاحتلال وبطانته الانتهازية، لكن مع ذلك فالخطر لا يزال محدقاً به من كل جانب بسبب استمرار حروب التضليل والخداع ضده. فقد حاولوا ولا يزالون جاهدين أن يبدلوا هويته العربية المسلمة ويحوروها إلى هويات متناحرة ومتقاتلة ومتصارعة باسم السياسة مرة وباسم الدين مرة أخرى وباسم النفعية والمصالح الآنية والتقاتل على فتات الاحتلال، ومع ذلك هناك بقية من أمل.
::/introtext::
::fulltext::
خمس سنوات عجاف وشبه قاتلة مرت على العراق الحبيب، عراق الثقافة والتاريخ والعمق الحضاري الضارب جذوره في أعماق الإنسانية الغنية بالشرائع التوحيدية، وهذا البلد لم ينكسر بعد، ولم يقسم رغم أنف الاحتلال وبطانته الانتهازية، لكن مع ذلك فالخطر لا يزال محدقاً به من كل جانب بسبب استمرار حروب التضليل والخداع ضده. فقد حاولوا ولا يزالون جاهدين أن يبدلوا هويته العربية المسلمة ويحوروها إلى هويات متناحرة ومتقاتلة ومتصارعة باسم السياسة مرة وباسم الدين مرة أخرى وباسم النفعية والمصالح الآنية والتقاتل على فتات الاحتلال، ومع ذلك هناك بقية من أمل.
صحيح أن هذه السنوات العجاف مرت على العراقيين بمرارة غير مسبوقة في نوع تحدياتها، وأنها كادت تطيح بكل شيء في لحظة من اللحظات إلا أن العقل الجمعي العراقي ووجدانه الحي استطاعا حتى الآن أن ينقذا العراق من السقوط النهائي والتسليم للمحتل، وكانت المقاومة وثقافتها هما العصب الأساسي لفعل البقاء والاستمرار.
فالاحتلال البغيض ورغم جرائمه البشعة وجبروته وحيله ومناوراته الخبيثة المتعددة والمتنوعة لم يستطع حتى الآن النيل لا من وحدة العراق ولا من عروبته ولا من محيطه العربي أو الإسلامي بما يجعل الجميع يسلم مثلاً بنتائج العدوان الاستراتيجية التي جاء من أجلها الاحتلال، أي القبول بالعراق قاعدة ثابتة ونهائية في خدمة المخطط الأمريكي القاضي بالسيطرة النهائية على حقول النفط العراقي وفي مرحلة لاحقة حقول نفط الجوار أولاً ولعب دور الرافعة (العربية) المناسبة لحماية أمن إسرائيل (الدويلة) المدللة والربيبة المحببة، لكنها المتصدعة بعد مقاومة تموز اللبنانية.
غير أن الخطير في هذه اللحظة التاريخية بالذات وفي ظل تشرذم عراقي داخلي فتنوي مقيت يتم تظهيره على السطح السياسي بقصد ووعي، وأمام انقسام عربي حاد منشغل بوهم السلام مع إسرائيل من جهة والتقاتل غير المبرر حول لبنان العروبي المقاوم كما يفترض أيضاً من جهة ثانية، يحاول الاحتلال الأمريكي بالاتفاق مع بطانته في أضيق الدوائر الممكنة تمرير (معاهدة أمنية طويلة الأمد ومتعددة الأبعاد) الغرض الأساسي من ورائها إبقاء العراق عقوداً طويلة تحت نير استعمار جديد وانتداب مبطن هدفه الأساسي، كما أسلفنا، حماية أمن إسرائيل المتصدع والمهزوز استراتيجياً ووضع اليد نهائياً على حقول النفط العراقي. بمعنى آخر النيل من العراق عن طريق الحيلة والخداع والتلاعب بالبيادق العراقية المتعاونة بدرجات متفاوتة لتحقيق ما فشلت القوات الغازية في تحقيقه بالقوة الجهنمية عن طريق التحايل الأمني والسياسي.
نقول هذا الكلام لأن البيادق المشار إليها والتي تنتمي إلى تيارات سياسية وطائفية ومذهبية مختلفة باتت تروج لما تسميه (تنظيم العلاقة النفعية استراتيجياً مع واشنطن ولو على كراهة منعاً لوقوع العراق في الفوضى الداخلية والحرب الأهلية أو لقمة سائغة لتقاسم النفوذ الإقليمي). وبالتالي بدأنا نسمع تحليلات خطيرة تروج بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى أن الاحتلال باق لعقود طويلة في العراق ولا فائدة ولا نفع من المطالبة بخروجه السريع والمتعجل لأن ذلك مضر بمستقبل العراق غير الجاهز لتحمل تبعات الاستقلال الناجز والسيادة والديمقراطية! وأخذ البعض من غير العراقيين ممن لهم تلاق مع أهداف أمريكا الطويلة الأمد بالتنظير إلى أن العراق هو أشبه ما يكون اليوم بألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وها هما اليابان وألمانيا مليئتان بالقواعد العسكرية الأمريكية رغم مرور ستين عاماً على انتهاء الحرب.
إن العراق الذي يتحدث عنه الماكرون الخبثاء لم يكن الدولة الغازية التي أعلنت الحرب على أمريكا أو العالم، حتى يشبهوه باليابان أو ألمانيا! وحتى (الخطر الداهم) الذي ذكرت تقاريرهم الاستخبارية أن النظام العراقي السابق كان يشكله على أمن الولايات المتحدة في حينه، كما زعموا، سرعان ما تراجعت عنه تقاريرهم، وأثبتت التقارير العديدة بما فيها الأمريكية أنها لم تكن سوى حرب تضليلية لحرف أنظار الرأي العام الداخلي لديهم والأوروبي الحليف، في محاولة لتخفيف موجة المعارضة للغزو، هذا فضلاً عن فضيحة أسلحة الدمار الشامل التي اضطرت وزير خارجية الغازي المحتل إلى الإذعان بأنه ألصق وصمة عار في جبينه إلى الأبد نتيجة لعرضه ذلك التقرير المختلق والمزور أمام مجلس الأمن الدولي.
إنها لعبة ماكرة جديدة إذن تحمل في طياتها مخطط ضرب إرادة المقاومة والممانعة العراقية من الداخل من خلال محاولة (تسفيه) ثقافة المقاومة والترويج لفكرة التعايش مع المحتل ولو (على كراهة)! ما يعني عملياً الترويج لحالة القبول بما يسمونه الأمر الواقع والتسليم عملياً لموازين القوى التي لا تسمح بتغيير هذا الواقع عن طريق الكفاح لاسيما المسلح منه، وبالتالي الترويج لمهادنة المحتل والاستسلام لشروطه والدخول معه في لعبة الرهان على الحصول على (أفضل) العروض الأمريكية تجنباً للأسوأ والأخطر.
كانت المقاومة وثقافتها هما العصب الأساسي لفعل البقاء والاستمرار في العراق المحتل
وهنا ثمة من يعتقد أن الاستعدادات الكبيرة للانقضاض على مقاومة الموصل، والانعطافة المفاجئة نحو البصرة المتمردة في (صولة الفرسان) كلها أساليب ملتوية وملغمة لتهيئة أجواء انعقاد مثل هذه الاتفاقية الأمنية الطويلة الأمد والمتعددة الأبعاد مع الغازي المحتل، والتي يحضر لها لتنجز خلال الشهرين المقبلين وذلك قبل دخول إدارة بوش المتهافتة في (الكوما) الانتخابية الرئاسية.
إن هؤلاء الذين يروجون بوعي لمثل هذه الأفكار تحت أي ذريعة كانت، أو الذين يعتقدون (مخلصين) (إن أحسنا الظن ببعضهم) أن العراق غير قادر وحده على إدارة أزماته المستفحلة والمتداخلة بالمعادلتين الإقليمية والدولية من دون الركون إلى قوة عالمية قادرة على إخراجه مما هو فيه، إنما يرددون ويروجون لنفس المقولة المقيتة التي سبقت الغزو والعدوان الجائر على العراق قبل خمس سنوات من الآن بالتمام والكمال.
إن هؤلاء وإن كانوا يعرفون تماماً في دواخلهم أن ما تريده أمريكا الدولة الأعظم ليس (قدراً) لا فكاك منه، لكن نفوسهم الضعيفة والمتعلقة بفتات الدنيا والعاجزة عن تصور نصر يمكن أن تحققه الشعوب على آلة جهنمية بمستوى آلة أمريكا وإسرائيل معاً، كما حصل مع المقاومين اللبنانيين، تراهم يروجون لمثل هذه الأفكار بكل ما أوتوا من قوة وحيلة لأن مصالحهم باتت معجونة بمصالح المحتل واستمرار بقائه.,
لقد كانت هناك حلول عديدة لإنقاذ العراق مما كان عليه قبل الغزو والعدوان، تتطلب عقلاً جباراً وملهماً يشبه عقل المقاومة اللبنانية وإرادة مثل إرادة سماحة السيد حسن نصرالله الذي اقترح عليهم يومها (طائفاً عراقياً) يخرج العراق والمنطقة من كارثة محتمة كان يراها ماثلة أمام عينيه تماماً، لكنهم لم يرفضوها فقط، بل (كفروا) الرجل وكادوا يخرجونه من الملة!
ما يشبه ذلك حصل أيضاً مع الرجل الحكيم المرحوم الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ولكن من الطرف العراقي الحاكم الذي لم يكن يملك جنس الحصافة ولا ذلك الحرص المفترض على مستقبل شعبه وأمته.
اليوم يحاولون تكرار نفس الكارثة والمصيبة، وما لم يحققوه بالقتل والتدمير المنظم والمستمر للدولة والمجتمع العراقيين والإنسان العراقي الفرد، يحاولون اليوم أن يحققوه وينالوه عبر الحيلة والخداع وشراء النفوس المرتجفة والضمائر الميتة التي لا تجرؤ على قول كلمة (لا) للغازي والمحتل.
إن على العراقيين أن يعوا تماماً أن مستقبل أمريكا يتجه نحو الأفول لا في العراق والمنطقة وحدها بل وعلى المستوى العالمي، فها هي أحاديتها تنكسر أمام الروس والصينيين والأوربيين والهند وأمريكا اللاتينية فضلاً عن إيران، فيما تظهر بوادر تعددية قطبية عالمية في طريقها إلى التشكل بقوة أمام الأمريكي المتراجع يوماً بعد يوم. والعراق باستطاعته أن يخرج من كبوته فقط بإرادة الممانعة والمقاومة لا غير، لأن غياب هذه الإرادة أو عدم تفعيلها أو التآمر عليها أو التغافل عنها لأي عذر كان إنما يفتح الباب أمام ذل مستديم أطول من ذل اليابان وألمانيا.
وما (البعبع) الإيراني أو أي (بعبع) آخر يمكن أن يختلقوه مستقبلاً للعراقيين إلا مخطط خبيث لإبقاء الاحتلال والعدوان لأمد أطول، ذلك لأن من يقاتل الأمريكيين ويركعهم ويجبرهم على الرحيل قادر بقوة إرادته المقاومة والممانعة وبوحدة شعبه التي ستأتي حتماً في ظلال المقاومة ومواجهة أي تحديات أخرى وقادر حتماً على صيانة الاستقلال والسيادة والحرية للعراقيين أفضل بكثير من المراهنين على الخارج والمستقوين به دوماً على حساب إرادة شعبهم الحقيقية.
إن العراق لا مستقبل أمامه ولا أحد قادراً بعد اليوم على أن يلملم شمله إلا بثقافة المقاومة، وقد أثبتت السنوات الخمس العجاف الماضية صحة هذه المقولة، فيما أثبتت بالمقابل أن الذين حاولوا سلوك الطرق الأخرى، لم يقدموا لشعب العراق سوى السراب!
وثمة من يذهب إلى أبعد من ذلك ويقول إن مستقبل بلدان المنطقة وليس العراق وحده، لاسيما تلك المحيطة به، لم يعد له أي أفق واعد بغير نجاح مشروع المقاومة العراقية وإخراج المحتل بشكل نهائي من هذا البلد الجريح، بعد أن بات مثل هذا الوجود يهدد الأمن القومي لكل قطر من الأقطار العربية والمسلمة على قاعدة نشر الفوضى الخلاقة ودق أسافين الفتن المذهبية والطائفية والعرقية وإشاعة أجواء من الحروب الأهلية وصناعة هويات متناحرة في كل قطر عربي ومسلم من دون استثناء على حساب الهوية الحضارية المعروفة لهذه المنطقة الممزوجة والمعجونة بين العروبة والإسلام.
::/fulltext::
::cck::2234::/cck::
