الإصلاح في منطقة الخليج.. بين الضاغط الخارجي والواقع الداخلي

::cck::2250::/cck::
::introtext::

عصفت موجة الأفكار الغربية بأغلبية بلدان العالم بمسوغات وعناوين شتى منذ ثمانينات القرن الماضي، وازدادت قوة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي شكلت منعطفاً جدياً ينذر بحدوث الكثير من التغييرات في غير مكان من العالم. ولما كان الخليج يشكل القلب من العالم، ويرتبط به على أساس امتلاكه للموارد الرئيسية فيه وتحديداً النفط، طالته الموجة العاتية من مفردات هذه الأفكار برضا أم عدم رضا دوله. وصحيح أن الخليج لم يتأثر مباشرة بهول الأمواج المتلاطمة لكنه تأثر بها بصورة غير مباشرة.

::/introtext::
::fulltext::

عصفت موجة الأفكار الغربية بأغلبية بلدان العالم بمسوغات وعناوين شتى منذ ثمانينات القرن الماضي، وازدادت قوة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي شكلت منعطفاً جدياً ينذر بحدوث الكثير من التغييرات في غير مكان من العالم. ولما كان الخليج يشكل القلب من العالم، ويرتبط به على أساس امتلاكه للموارد الرئيسية فيه وتحديداً النفط، طالته الموجة العاتية من مفردات هذه الأفكار برضا أم عدم رضا دوله. وصحيح أن الخليج لم يتأثر مباشرة بهول الأمواج المتلاطمة لكنه تأثر بها بصورة غير مباشرة.

لذلك فإننا سنذهب في حديثنا عن الإصلاح من زاوية الاستجابة أو التكيف لا من زاوية الخضوع لأن في الخليج مزايا من الناحية الجيو-سياسية والجيو-اقتصادية تعفيه من التعرض لاستخدام القوة، ولذلك فأمام الخليج متسع من الوقت للتعاطي مع مفردات الأفكار الغربية وتحديداً الإصلاح وقضاياه الرئيسية كحقوق الأقليات، الديمقراطية، التعليم الديني، توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإدماج النساء في عملية التنمية. وهذه القضايا هي مطلب داخلي ملحّ، وكان يجب معالجتها داخلياً وفق أطروحات تراعي الخصوصية الثقافية، وتأخذ في الاعتبار النسق المجتمعي القائم حالياً، إلا أنها صارت قضية ذات حساسية خاصة، لأن طرحها أتى من الخارج، وبالتالي ارتفعت نبرة الكبرياء القومي في مواجهتها.

أمريكا والإصلاح

أصرت الولايات المتحدة الأمريكية على ضرورة إجراء إصلاحات من النظم السياسية بزعم أن هذه الإصلاحات هي السبيل الأنجع لرقي المجتمعات وفيها انسجام مع متطلبات العصر الأمريكي وعولمة العالم. وحقيقة الأمر أن تلك الدعاوى جاءت متزامنة مع تحقيق الهدف الاستراتيجي الأسمى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية المتمثل في الإبقاء على حالة التفرد التي غنمتها الولايات المتحدة من انهيار نظام القطبية الثنائية، وربما كانت جادة في ترسيخ فكرة الإصلاح وقضاياه الرئيسية لتحقيق هذا الهدف، وطرحت تبعاً لذلك أفكاراً وتصورات ورؤى من شأنها أن تصب في تحقيق الهدف نفسه. وكان من نتائج هذه السياسة أن سارت الكثير من بلدان العالم وخاصة منها تلك التي كانت تعتمد نظام الحزب الواحد والاقتصاد الموجه تجاه التحول الديمقراطي واقتصاد السوق وتحديداً نظمها السياسية في محاولة منها للاستجابة لمتطلبات الوضع الدولي الجديد من خلال لجوء معظمها إلى التحول بقرارات من النظم السياسية ذاتها، وغالباً ما كانت تلك القرارات لا تمثل استجابة لمتطلبات مجتمعية، الأمر الذي قاد إلى أن تكون غالبية عمليات التحول بمواجهة الواقع الاجتماعي لتلك البلدان. وأيضاً غالباً ما تغفل بعض العوامل والجوانب الشخصية أو الذاتية والرغبات والاتجاهات الخاصة، التي قد تؤثر أو تتأثر بالأوضاع المتغيرة والمواقف الآنية التي تظهر فجأة، وعلى حين غرة مما يؤدي إلى فشل وسقوط تلك التوقعات، وحدوث مفارقة هائلة بينها وبين ما يتحقق بالفعل على أرض الواقع.

لكن وعلى الرغم من عمليات الشروع تلك والتي بشرت بدخول العالم في عصر الديمقراطية، إلا أن بروز عاملين أديا إلى الشك في جدية الولايات المتحدة بعملية الإصلاح، ووضوح حقيقة المزاعم الأمريكية بمآلات ذلك المسعى هما:

الأول هو عدم مراعاة خصوصيات المجتمعات وانسجامها أو عدم انسجامها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مع المسعى الأمريكي الرامي إلى تحول تلك البلدان. بعبارات أدق اصطدمت الطروحات الأمريكية التي اتخذت من إملاء الشروط سبيلاً للتحول بواقع المجتمعات المراد إجراء الإصلاحات فيها، وأدى هذا العامل إلى تفجر الكثير من عناصر التركيبة المجتمعية لكثير من البلدان بشكل فوضوي وغير مسبوق، فما كان بالأمس عنصراً من عناصر الوحدة الوطنية لهذا المجتمع أو ذاك صار عنصراً من عناصر التفكك والتنافر بين مكونات التركيبة المجتمعية.

العامل الثاني، هو أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما رافقها من تغيير في السلوك الأمريكي في التعاطي مع دعاواها للإصلاح باللجوء إلى استخدام القوة المفرطة في التعامل مع الدول لتطبيق الإصلاحات. وبلغ الظرف الدولي ذروته بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية ممثلاً في ما أطلق عليه (مبادرة الشراكة من أجل التنمية والديمقراطية)، والتي طرحها وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول متضمنة (الخطوات التنفيذية لإجراء الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية والتربوية في العالم العربي).

ووفقاً لبرنامج باول، فقد تم تصنيف النظم العربية إلى أربع مجموعات. وبخصوص موضوعنا فإن الأقطار الخليجية وضعت تحت العناوين الآتية:

1- مجموعة النظم المطالبة بأن تجرى الإصلاحات الديمقراطية والتغيير في مجتمعاتها بنفسها (السعودية).

2- مجموعة النظم التي يتم فيها فرض الإصلاحات بالقوة العسكرية إن لزم الأمر (لا وجود لدولة خليجية).

3- مجموعة النظم التي سيكتفى فيها بخبراء ومستشارين أمريكيين لدعم عملية التغيير (البحرين، الكويت).

4- مجموعة النظم التي في حالة شراكة مع الولايات المتحدة وتقبل ببرامج أمريكية محددة (قطر).

وفي إطار هذا البرنامج، فإن وجهة النظر الأمريكية ارتكزت على ضرورة وجود تدخل أمريكي في بعض البرامج المطروحة، وفي حالة عدم قبول هذه البرامج من قبل الأنظمة، فإنها لابد أن تقدم البديل المناسب، على أن يخضع هذا البديل المناسب للتقييم والمشاورات مع الجانب الأمريكي (لتحقيق الأغراض والأهداف التي يسعى البرنامج الأصلي المطروح إلى تحقيقها). وكذلك وفقاً للبرنامج، فقد ذكر (أن المطلوب هو ممارسة قدر أكبر من الضغوط السياسية والاقتصادية والإقليمية والداخلية) على بعض النظم حتى تستجيب للإصلاحات السياسية المطلوبة.

وهنا ينبغي التأكيد على أن جدية الولايات المتحدة في ضرورة (الإصلاح من أجل الإصلاح) التي افترضناها سابقاً مالت باتجاه الإصلاح لأجل القضاء على عدو مفترض (الإرهاب). ولم يغب كلا العاملين الهدف الرئيسي من وراء التغيير (تحقيق الهدف الاستراتيجي الأسمى) بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية في مقابل عدم مراعاة خصوصيات المجتمعات.  

أمريكا وقضايا الإصلاح في الخليج

لم تطرح الولايات المتحدة الأمريكية برنامجاً واضحاً ومحدد الملامح للإصلاح، على الرغم من أن قسماته الرئيسية انصبت على مسألتي التعددية السياسية واقتصاد السوق، ولذلك كانت مواقف الدول المتلقية متباينة في الاستجابة للطروحات الأمريكية، وصارت هذه الدول على مفترق طرق بين الاستجابة الحرفية للمطالب الأمريكية، وبين تكييف تلك الدعاوى بما ينسجم وواقع هذه الدولة أو تلك، ومن هنا تعددت طروحات الإصلاح. وبالنسبة لموقف أمريكا من قضايا الإصلاح في الخليج، فيمكن القول إن الخليج أعفى نفسه من صدمة التغيير بفضل مقومات يمتلكها سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي، وكلاهما تحقق بفضل ما ذكر سابقاً (المزايا الجيو-سياسية والجيو-استراتيجية). ومن تلك المقومات التي امتاز بها الخليج على المستوى الخارجي هو تمتع معظم بلدان الخليج بعلاقات متميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وحفاظ الخليج على مستوى من الاستقرار الذي يجعله بمنأى عن محاولات التفكيك والتركيب التي تقوم بها أمريكا في عدد من دول العالم. أما على المستوى الداخلي فإن انطلاقة الخليج نحو التنمية الاقتصادية بفضل توافر مقومات هذه التنمية من رأسمال ذاتي واستثمار أجنبي أعفته من كثير من مطالب الإصلاح وخاصة في شقها السياسي، وهذه ميزة اتسمت بها دول الخليج دون غيرها. ونؤكد ذلك رغم اعترافنا بأن هناك مطالب سياسية تتطلع إلى تحقيقها المعارضة السياسية في غير دولة من دول الخليج، ولكن طبيعة تلك المعارضة وحجمها لم يصلا إلى مستوى التشكيك بشرعية الدولة الخليجية نفسها. ولذلك كله لم نر إصلاحاً مباشراً في الخليج وإنما هو إصلاح تدريجي فيه مراعاة لوضع الخليج المتميز، هذا فضلاً عن أن تداعيات أحداث سبتمبر على الرغم من سلبية النتائج المترتبة عليها إلا أن نتائجها على الخليج لم تكن سلبية الأثر، لأنها في الخليج تحولت إلى أدوات استخدمت من الأنظمة السياسية للتحرك تجاه عدو جديد (الإرهاب)، وشكّل ذلك عنصراً آخر من عناصر تخفيف الدعوة إلى الإصلاح في الخليج وضرورة أن تكون تدريجية.

دول الخليج شرعت ولو بطريقة تدريجية باتجاه الإصلاح استجابة لمطالب خارجية وداخلية

ويمكن الإشارة هنا إلى تأكيدات من الولايات المتحدة على أن دول الخليج حظيت باهتمام من جانب تقييم التعاون الدولي مع واشنطن في جهودها المبذولة في مكافحة هذا الخطر، وهو ما تؤكده في غير تقرير صادر عن مراكز القرار الرئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية، ففي 23 إبريل 2005 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها عن الإرهاب الدولي في عام 2004، وأشاد التقرير إشادة واسعة بالتعاون الذي أبدته دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في العديد من الجوانب المتعلقة بمكافحة حركات التطرف الإسلامي، وحظيت كل دولة من هذه الدول بالثناء والإطراء نظير جهودها في الحيلولة دون تمويل الجماعات الإرهابية ( بحسب التقرير).

لم تعد متطلبات الإصلاح استجابة لمطالب خارجية فحسب وإنما استجابة لمطالب داخلية أيضاً

الخليج وقضايا الإصلاح

على الرغم من الاستقرار النسبي الذي حظيت به دول الخليج العربية، وتميزها عن غيرها من الدول التي شرعت بالإصلاح التدريجي بفضل امتلاكها مقومات تؤهلها لمثل هذا التميز إلا أن ما ينبغي إدراكه هو أن تلك الدول نفسها بنظمها السياسية وجدت نفسها مضطرة للجوء إلى مزيد من السبل والمداخل لتقنين الإصلاحات وإدخالها حيز التنفيذ، إذ لم تعد متطلبات الإصلاح استجابة لمطالب خارجية فحسب وإنما استجابة لمطالب داخلية أيضاً، تلك المطالب التي وجدت سندها في بيئة دولية ملائمة لتلبية مطالبها. وليس بالضرورة أن يكون هذا السند رسمياً وإنما قد يكون غير رسمي أيضاً، ذلك أن الانكشاف العالمي وعولمة الكثير من المفاهيم التي لم تعد حكراً على الدولة ساعدا كثيراً على إخراج الكثير من المطالب من إطارها الوطني إلى الإطار الدولي، وإذا كانت دول الخليج العربية قد انسجمت مع المطالب الدولية الرسمية بالشكل الذي أشرنا إليه (تأكيد تعاون دولي، سن قوانين جديدة من شأنها أن تنسجم مع الواقع الدولي الجديد بمتطلباته)، فإن المؤسسات غير الرسمية وخاصة منها المنظمات غير الحكومية صارت سنداً للمطالب الجديدة المطروحة من شرائح اجتماعية موجودة في بلدان الخليج، وهذه ليست محنة دول الخليج فحسب وإنما محنة السلطات في البلدان العربية، ذلك أن السلطات لم تعد قادرة على احتكار المعلومة أو التحكم بتداولها. فاليوم يستطيع أي شخص أن يوصل خبراً عن اعتقال مثلاً أو ضرب مواطن على يد رجال الشرطة (أو نسائها) بتكلفة بسيطة لا تتجاوز عشرة دولارات إلى كل الصحف ووكالات الأنباء ومحطات الإذاعة والتلفزة ومنظمات حقوق الإنسان في كافة أنحاء العالم.

من هنا يمكن التأكيد على أن دول الخليج شرعت ولو بطريقة تدريجية باتجاه الإصلاح استجابة لمطالب خارجية وداخلية. وقبل الدخول في تفاصيل حركة الإصلاح في الخليج بشقها السياسي لابد من التذكير بأن المؤسسات التي تحتاج إلى إصلاح تتراوح ما بين مؤسسات سياسية كالمجالس النيابية والأحزاب والمحليات ومؤسسات اجتماعية وثقافية في ميادين الصحة والتعليم والتأمين والضمان الاجتماعي والجمعيات، ومؤسسات قانونية كالمحاكم ونظم الملكية العقارية والتسجيل، ومؤسسات اقتصادية كالمصارف والشركات والهيئات الاقتصادية بكل أشكالها وأنواعها. غير أن الشروع ببرامج الإصلاح المؤسسي يحتاج إلى إرادة واعية وشجاعة من القيادات المسؤولة وكفاءة من القائمين على هذه البرامج وتفهم ذكي من المواطنين والقوى والتجمعات السياسية النشطة في المجتمع ومساندة مخلصة من المثقفين وقادة الرأي العام.

وبالفعل، وبصرف النظر عن تتبع الجذور التاريخية للإصلاح في بلدان الخليج، شرعت الدول الخليجية بإصلاحات، ففي الكويت وافق مجلس الأمة الكويتي في 16 مايو 2005 على حق المرأة الكويتية السياسي في التصويت، وكذلك وافق على السماح للمرأة بالمشاركة في انتخابات المجلس البلدي. وفي مملكة البحرين جرت انتخابات تشريعية في نوفمبر/ديسمبر 2006، وأسفرت عن تحقيق المعارضة السياسية تقدماً ملحوظاً. وتتجه دولة الإمارات إلى تعزيز تجربة الإصلاح وبناء قاعدة إنتاجية لتنويع مصادر الدخل لحماية الاقتصاد الوطني من أي اضطرابات تؤثر فيه، ولذلك كان الاهتمام بالزراعة والصناعة بدلاً من الاعتماد على قطاع واحد هو القطاع النفطي، كما تم تأسيس لجنة حقوق الإنسان لتعزيز مسيرة الإصلاح لتتابع قضايا حقوق الإنسان والحريات في الإمارات. وفي المملكة العربية السعودية قررت الحكومة إجراء انتخابات بلدية في عام 2004، إلا أنه حدث أن الحملات الانتخابية البلدية السعودية مسّت قضية الهوية الوطنية والهويات الفرعية القبلية والمذهبية والمناطقية، حتى إن استثمار هذه الأخيرة في العملية الانتخابية حدا بالبعض أن يرى أن تعيين الأعضاء حكومياً قد يكون أفضل من إجراء انتخابات تغلب عليها سمة (الفئوية). وفي قطر أجريت انتخابات لمجلس الشورى في 2007، بعد أن أجريت انتخابات للمجالس البلدية لدورتين من قبل سنوات (1999-2002) على التوالي، حيث سعت السلطة القطرية إلى تشكيل (اللجنة الدائمة للانتخابات) بحيث توكل إليها مهمة نشر الوعي السياسي لتمكين المواطن والمواطنة من المشاركة في الحياة السياسية. وفي سلطنة عُمان، وعلى الرغم من تبلور ملامح للإصلاح فيها، إلا أن الواقع القبلي لا يزال له أثره في مسيرة العملية السياسية، وظهر ذلك في انسحاب بعض المرشحين في انتخابات 2003، استجابة لأوامر القبيلة بالامتناع عن إعطاء الأصوات.

وعلى الرغم من اعتقادنا بأن الانتخابات ليست نهاية المطاف بالنسبة إلى الإصلاح إلا أنها تعد ملمحاً رئيسياً من ملامح الإصلاح. وبنظرة فاحصة للملامح الرئيسية للنظم الانتخابية في الخليج سنلاحظ بوضوح حداثة دول الخليج في الأخذ بالنظم الانتخابية. صحيح أن بعض دوله لها باع في الانتخابات، ولكن ليست هناك شمولية في البرامج الانتخابية للدول الخليجية أيضاً، إذ غالباً ما كان للسلطة التشريعية الدور الرئيسي، ولم تصل إلى السلطة التنفيذية، وتحديداً مؤسسة الرئاسة منها.

اصطدمت الطروحات الأمريكية التي اتخذت من إملاء الشروط سبيلاً للتحول بواقع المجتمعات المراد إجراء الإصلاحات فيها

تقييم حركة الإصلاح في الخليج

ليس من قبيل الظن أو التخمين أن الخليج شهد حركة إصلاح منسجمة ومتوافقة مع طبيعة المنطقة، جوهرها المضي في الاستجابة للمطالب المجتمعية مع الحفاظ على النظر إلى المتطلبات الخارجية والاستجابة لها. وطبيعي أيضاً أن هذه الحركة لم تكن بمنائ عن تحديات تجابهها دول الخليج على المستويين الداخلي والخارجي. فالإجراءات المتخذة ليست بالأمر العسير عند الشروع بالإصلاح، ولكن العسير فيها هو مخرجات تلك الإجراءات التي تنجم عن الإجراءات نفسها. فضلاً عن أن عدم الالتقاء في أحيان بين المطلبين الداخلي والخارجي يزيد الأمر تعقيداً انطلاقاً من أن الأمر يتطلب تكيفاً واستجابة في آن معاً، وهو ما يرهق المشرع والمواطن في الوقت نفسه. وتتجاذب حركة الإصلاح وجهتا نظر: الأولى فحواها الشروع بالإصلاح ومن ثم تكيف المواطن. والثانية الاستجابة لمطلب المواطن وتكييف الإصلاح. علماً أن وجهتي النظر لا تستطيعان الإتيان بافتراضات من شأنها استمرار عملية الإصلاح في الخليج ذلك أن كلتاهما ستكون بالضد من مجمل العملية، باختصار نشوء معارضة ينبغي إدراكها والتعامل معها بحكمة. ولذلك تكون المسؤولية تضامنية بين الدولة / النظام السياسي والمجتمع حتى إن كانت تركيبة الأخير متنوعة. فإذا كان الأول يسعى إلى البقاء والاستمرار فإن الثاني بحاجة إلى استجابة الأول لمطالب الشرائح الاجتماعية المتصاعدة. وجوهر ذلك توسيع قاعدة المشاركة السياسية التي تعد دلالة واضحة على عمق التطور السياسي للمجتمع، وتؤدي دوراً حيوياً في ديناميات بناء الدولة، كما أنها تمثل أي سياسة قديرة لها تأثيرها الفاعل في تطوير وبلورة أنماط جديدة من الولاء السياسي، من شأنها ترسيخ الإحساس بالذات وتعميق الوعي بالهوية الوطنية، إضافة إلى أن المشاركة السياسية تنطوي على حلول ناجعة لمشكلة العنف. وبذلك يضمن الأول مساندة ودعم حركة الإصلاح التي لابد منها، ويضمن الثاني استجابة لمطالبه. وبالمحصلة فإن كليهما سيعفي نفسه من ثقل وطأة العامل الخارجي أو الضاغط الخارجي الذي سيكون من دون أدنى شك ثقيل الوطأة على الدولة والمجتمع إن كانت حركة النظام فيهما استجابة للمطالب الخارجية على حساب المطالب الداخلية، انطلاقاً من أن الضاغط الخارجي لا يأخذ في الحسبان المطالب المجتمعية بقدر ما يسعى إلى تحقيق مصالحه، وهو أمر بديهي في السياسة، ولكن ما هو ليس بديهياً هو أن تكون حسابات النظام السياسي للبيئة الخارجية لهذه الدولة أو تلك أكبر من حساباته لبيئته الداخلية. إذ ليس ثمة ما هو أخطر من محاولة تقييد حركة المجتمع والتخوف من التغيير ومحاولات ربط المجتمع بالماضي على اعتبار أن الماضي معروف ومضمون ومأمون، أو وضع إطار محدد لعمليات ومجالات التغيير المدروس والمخطط بحيث لا يسمح بالتحرك خارجه.

في مقابل ذلك على الولايات المتحدة، وانطلاقاً من حساسية منطقة الخليج أن تركز على فهم المجتمعات الخليجية، الأمر الذي يستتبع أن تضع الولايات المتحدة أجندة متواضعة، ولا تكثر الأهداف دفعة واحدة بل تضع سياسات محددة، ودعم مجالس الشورى، وتوسيع الاتصال مع الفاعلين السياسيين المطالبين بالإصلاح، في حين يجب على الولايات المتحدة ألا تضغط في بعض القضايا مثل الإصلاح التعليمي والمساواة بين النوعين، وذلك نظراً لحساسيتهما الشديدة في المجتمع الخليجي، وأن تبحث عن وسائل أقل خشونة للتعامل مع هذين الملفين. وأعتقد أن في ذلك مصلحة لطرفي المعادلة (منطقة الخليج والولايات المتحدة)، فالأولى ستعفي نفسها من خلخلة مجتمعية قد تنذر بفوضى ويضيع الهدف الرئيسي من الإصلاح بازدياد معارضيه، بينما ستكسب الثانية الاستقرار في منطقة هي في أشد الحاجة إلى استقرارها الآن أكثر من أي وقت مضى.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2250::/cck::
::introtext::

عصفت موجة الأفكار الغربية بأغلبية بلدان العالم بمسوغات وعناوين شتى منذ ثمانينات القرن الماضي، وازدادت قوة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي شكلت منعطفاً جدياً ينذر بحدوث الكثير من التغييرات في غير مكان من العالم. ولما كان الخليج يشكل القلب من العالم، ويرتبط به على أساس امتلاكه للموارد الرئيسية فيه وتحديداً النفط، طالته الموجة العاتية من مفردات هذه الأفكار برضا أم عدم رضا دوله. وصحيح أن الخليج لم يتأثر مباشرة بهول الأمواج المتلاطمة لكنه تأثر بها بصورة غير مباشرة.

::/introtext::
::fulltext::

عصفت موجة الأفكار الغربية بأغلبية بلدان العالم بمسوغات وعناوين شتى منذ ثمانينات القرن الماضي، وازدادت قوة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي شكلت منعطفاً جدياً ينذر بحدوث الكثير من التغييرات في غير مكان من العالم. ولما كان الخليج يشكل القلب من العالم، ويرتبط به على أساس امتلاكه للموارد الرئيسية فيه وتحديداً النفط، طالته الموجة العاتية من مفردات هذه الأفكار برضا أم عدم رضا دوله. وصحيح أن الخليج لم يتأثر مباشرة بهول الأمواج المتلاطمة لكنه تأثر بها بصورة غير مباشرة.

لذلك فإننا سنذهب في حديثنا عن الإصلاح من زاوية الاستجابة أو التكيف لا من زاوية الخضوع لأن في الخليج مزايا من الناحية الجيو-سياسية والجيو-اقتصادية تعفيه من التعرض لاستخدام القوة، ولذلك فأمام الخليج متسع من الوقت للتعاطي مع مفردات الأفكار الغربية وتحديداً الإصلاح وقضاياه الرئيسية كحقوق الأقليات، الديمقراطية، التعليم الديني، توسيع قاعدة المشاركة السياسية، وإدماج النساء في عملية التنمية. وهذه القضايا هي مطلب داخلي ملحّ، وكان يجب معالجتها داخلياً وفق أطروحات تراعي الخصوصية الثقافية، وتأخذ في الاعتبار النسق المجتمعي القائم حالياً، إلا أنها صارت قضية ذات حساسية خاصة، لأن طرحها أتى من الخارج، وبالتالي ارتفعت نبرة الكبرياء القومي في مواجهتها.

أمريكا والإصلاح

أصرت الولايات المتحدة الأمريكية على ضرورة إجراء إصلاحات من النظم السياسية بزعم أن هذه الإصلاحات هي السبيل الأنجع لرقي المجتمعات وفيها انسجام مع متطلبات العصر الأمريكي وعولمة العالم. وحقيقة الأمر أن تلك الدعاوى جاءت متزامنة مع تحقيق الهدف الاستراتيجي الأسمى بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية المتمثل في الإبقاء على حالة التفرد التي غنمتها الولايات المتحدة من انهيار نظام القطبية الثنائية، وربما كانت جادة في ترسيخ فكرة الإصلاح وقضاياه الرئيسية لتحقيق هذا الهدف، وطرحت تبعاً لذلك أفكاراً وتصورات ورؤى من شأنها أن تصب في تحقيق الهدف نفسه. وكان من نتائج هذه السياسة أن سارت الكثير من بلدان العالم وخاصة منها تلك التي كانت تعتمد نظام الحزب الواحد والاقتصاد الموجه تجاه التحول الديمقراطي واقتصاد السوق وتحديداً نظمها السياسية في محاولة منها للاستجابة لمتطلبات الوضع الدولي الجديد من خلال لجوء معظمها إلى التحول بقرارات من النظم السياسية ذاتها، وغالباً ما كانت تلك القرارات لا تمثل استجابة لمتطلبات مجتمعية، الأمر الذي قاد إلى أن تكون غالبية عمليات التحول بمواجهة الواقع الاجتماعي لتلك البلدان. وأيضاً غالباً ما تغفل بعض العوامل والجوانب الشخصية أو الذاتية والرغبات والاتجاهات الخاصة، التي قد تؤثر أو تتأثر بالأوضاع المتغيرة والمواقف الآنية التي تظهر فجأة، وعلى حين غرة مما يؤدي إلى فشل وسقوط تلك التوقعات، وحدوث مفارقة هائلة بينها وبين ما يتحقق بالفعل على أرض الواقع.

لكن وعلى الرغم من عمليات الشروع تلك والتي بشرت بدخول العالم في عصر الديمقراطية، إلا أن بروز عاملين أديا إلى الشك في جدية الولايات المتحدة بعملية الإصلاح، ووضوح حقيقة المزاعم الأمريكية بمآلات ذلك المسعى هما:

الأول هو عدم مراعاة خصوصيات المجتمعات وانسجامها أو عدم انسجامها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً مع المسعى الأمريكي الرامي إلى تحول تلك البلدان. بعبارات أدق اصطدمت الطروحات الأمريكية التي اتخذت من إملاء الشروط سبيلاً للتحول بواقع المجتمعات المراد إجراء الإصلاحات فيها، وأدى هذا العامل إلى تفجر الكثير من عناصر التركيبة المجتمعية لكثير من البلدان بشكل فوضوي وغير مسبوق، فما كان بالأمس عنصراً من عناصر الوحدة الوطنية لهذا المجتمع أو ذاك صار عنصراً من عناصر التفكك والتنافر بين مكونات التركيبة المجتمعية.

العامل الثاني، هو أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما رافقها من تغيير في السلوك الأمريكي في التعاطي مع دعاواها للإصلاح باللجوء إلى استخدام القوة المفرطة في التعامل مع الدول لتطبيق الإصلاحات. وبلغ الظرف الدولي ذروته بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية ممثلاً في ما أطلق عليه (مبادرة الشراكة من أجل التنمية والديمقراطية)، والتي طرحها وزير الخارجية الأمريكي السابق كولن باول متضمنة (الخطوات التنفيذية لإجراء الإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية والتربوية في العالم العربي).

ووفقاً لبرنامج باول، فقد تم تصنيف النظم العربية إلى أربع مجموعات. وبخصوص موضوعنا فإن الأقطار الخليجية وضعت تحت العناوين الآتية:

1- مجموعة النظم المطالبة بأن تجرى الإصلاحات الديمقراطية والتغيير في مجتمعاتها بنفسها (السعودية).

2- مجموعة النظم التي يتم فيها فرض الإصلاحات بالقوة العسكرية إن لزم الأمر (لا وجود لدولة خليجية).

3- مجموعة النظم التي سيكتفى فيها بخبراء ومستشارين أمريكيين لدعم عملية التغيير (البحرين، الكويت).

4- مجموعة النظم التي في حالة شراكة مع الولايات المتحدة وتقبل ببرامج أمريكية محددة (قطر).

وفي إطار هذا البرنامج، فإن وجهة النظر الأمريكية ارتكزت على ضرورة وجود تدخل أمريكي في بعض البرامج المطروحة، وفي حالة عدم قبول هذه البرامج من قبل الأنظمة، فإنها لابد أن تقدم البديل المناسب، على أن يخضع هذا البديل المناسب للتقييم والمشاورات مع الجانب الأمريكي (لتحقيق الأغراض والأهداف التي يسعى البرنامج الأصلي المطروح إلى تحقيقها). وكذلك وفقاً للبرنامج، فقد ذكر (أن المطلوب هو ممارسة قدر أكبر من الضغوط السياسية والاقتصادية والإقليمية والداخلية) على بعض النظم حتى تستجيب للإصلاحات السياسية المطلوبة.

وهنا ينبغي التأكيد على أن جدية الولايات المتحدة في ضرورة (الإصلاح من أجل الإصلاح) التي افترضناها سابقاً مالت باتجاه الإصلاح لأجل القضاء على عدو مفترض (الإرهاب). ولم يغب كلا العاملين الهدف الرئيسي من وراء التغيير (تحقيق الهدف الاستراتيجي الأسمى) بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية في مقابل عدم مراعاة خصوصيات المجتمعات.  

أمريكا وقضايا الإصلاح في الخليج

لم تطرح الولايات المتحدة الأمريكية برنامجاً واضحاً ومحدد الملامح للإصلاح، على الرغم من أن قسماته الرئيسية انصبت على مسألتي التعددية السياسية واقتصاد السوق، ولذلك كانت مواقف الدول المتلقية متباينة في الاستجابة للطروحات الأمريكية، وصارت هذه الدول على مفترق طرق بين الاستجابة الحرفية للمطالب الأمريكية، وبين تكييف تلك الدعاوى بما ينسجم وواقع هذه الدولة أو تلك، ومن هنا تعددت طروحات الإصلاح. وبالنسبة لموقف أمريكا من قضايا الإصلاح في الخليج، فيمكن القول إن الخليج أعفى نفسه من صدمة التغيير بفضل مقومات يمتلكها سواء على المستوى الداخلي أو المستوى الخارجي، وكلاهما تحقق بفضل ما ذكر سابقاً (المزايا الجيو-سياسية والجيو-استراتيجية). ومن تلك المقومات التي امتاز بها الخليج على المستوى الخارجي هو تمتع معظم بلدان الخليج بعلاقات متميزة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وحفاظ الخليج على مستوى من الاستقرار الذي يجعله بمنأى عن محاولات التفكيك والتركيب التي تقوم بها أمريكا في عدد من دول العالم. أما على المستوى الداخلي فإن انطلاقة الخليج نحو التنمية الاقتصادية بفضل توافر مقومات هذه التنمية من رأسمال ذاتي واستثمار أجنبي أعفته من كثير من مطالب الإصلاح وخاصة في شقها السياسي، وهذه ميزة اتسمت بها دول الخليج دون غيرها. ونؤكد ذلك رغم اعترافنا بأن هناك مطالب سياسية تتطلع إلى تحقيقها المعارضة السياسية في غير دولة من دول الخليج، ولكن طبيعة تلك المعارضة وحجمها لم يصلا إلى مستوى التشكيك بشرعية الدولة الخليجية نفسها. ولذلك كله لم نر إصلاحاً مباشراً في الخليج وإنما هو إصلاح تدريجي فيه مراعاة لوضع الخليج المتميز، هذا فضلاً عن أن تداعيات أحداث سبتمبر على الرغم من سلبية النتائج المترتبة عليها إلا أن نتائجها على الخليج لم تكن سلبية الأثر، لأنها في الخليج تحولت إلى أدوات استخدمت من الأنظمة السياسية للتحرك تجاه عدو جديد (الإرهاب)، وشكّل ذلك عنصراً آخر من عناصر تخفيف الدعوة إلى الإصلاح في الخليج وضرورة أن تكون تدريجية.

دول الخليج شرعت ولو بطريقة تدريجية باتجاه الإصلاح استجابة لمطالب خارجية وداخلية

ويمكن الإشارة هنا إلى تأكيدات من الولايات المتحدة على أن دول الخليج حظيت باهتمام من جانب تقييم التعاون الدولي مع واشنطن في جهودها المبذولة في مكافحة هذا الخطر، وهو ما تؤكده في غير تقرير صادر عن مراكز القرار الرئيسية في الولايات المتحدة الأمريكية، ففي 23 إبريل 2005 نشرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها عن الإرهاب الدولي في عام 2004، وأشاد التقرير إشادة واسعة بالتعاون الذي أبدته دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في العديد من الجوانب المتعلقة بمكافحة حركات التطرف الإسلامي، وحظيت كل دولة من هذه الدول بالثناء والإطراء نظير جهودها في الحيلولة دون تمويل الجماعات الإرهابية ( بحسب التقرير).

لم تعد متطلبات الإصلاح استجابة لمطالب خارجية فحسب وإنما استجابة لمطالب داخلية أيضاً

الخليج وقضايا الإصلاح

على الرغم من الاستقرار النسبي الذي حظيت به دول الخليج العربية، وتميزها عن غيرها من الدول التي شرعت بالإصلاح التدريجي بفضل امتلاكها مقومات تؤهلها لمثل هذا التميز إلا أن ما ينبغي إدراكه هو أن تلك الدول نفسها بنظمها السياسية وجدت نفسها مضطرة للجوء إلى مزيد من السبل والمداخل لتقنين الإصلاحات وإدخالها حيز التنفيذ، إذ لم تعد متطلبات الإصلاح استجابة لمطالب خارجية فحسب وإنما استجابة لمطالب داخلية أيضاً، تلك المطالب التي وجدت سندها في بيئة دولية ملائمة لتلبية مطالبها. وليس بالضرورة أن يكون هذا السند رسمياً وإنما قد يكون غير رسمي أيضاً، ذلك أن الانكشاف العالمي وعولمة الكثير من المفاهيم التي لم تعد حكراً على الدولة ساعدا كثيراً على إخراج الكثير من المطالب من إطارها الوطني إلى الإطار الدولي، وإذا كانت دول الخليج العربية قد انسجمت مع المطالب الدولية الرسمية بالشكل الذي أشرنا إليه (تأكيد تعاون دولي، سن قوانين جديدة من شأنها أن تنسجم مع الواقع الدولي الجديد بمتطلباته)، فإن المؤسسات غير الرسمية وخاصة منها المنظمات غير الحكومية صارت سنداً للمطالب الجديدة المطروحة من شرائح اجتماعية موجودة في بلدان الخليج، وهذه ليست محنة دول الخليج فحسب وإنما محنة السلطات في البلدان العربية، ذلك أن السلطات لم تعد قادرة على احتكار المعلومة أو التحكم بتداولها. فاليوم يستطيع أي شخص أن يوصل خبراً عن اعتقال مثلاً أو ضرب مواطن على يد رجال الشرطة (أو نسائها) بتكلفة بسيطة لا تتجاوز عشرة دولارات إلى كل الصحف ووكالات الأنباء ومحطات الإذاعة والتلفزة ومنظمات حقوق الإنسان في كافة أنحاء العالم.

من هنا يمكن التأكيد على أن دول الخليج شرعت ولو بطريقة تدريجية باتجاه الإصلاح استجابة لمطالب خارجية وداخلية. وقبل الدخول في تفاصيل حركة الإصلاح في الخليج بشقها السياسي لابد من التذكير بأن المؤسسات التي تحتاج إلى إصلاح تتراوح ما بين مؤسسات سياسية كالمجالس النيابية والأحزاب والمحليات ومؤسسات اجتماعية وثقافية في ميادين الصحة والتعليم والتأمين والضمان الاجتماعي والجمعيات، ومؤسسات قانونية كالمحاكم ونظم الملكية العقارية والتسجيل، ومؤسسات اقتصادية كالمصارف والشركات والهيئات الاقتصادية بكل أشكالها وأنواعها. غير أن الشروع ببرامج الإصلاح المؤسسي يحتاج إلى إرادة واعية وشجاعة من القيادات المسؤولة وكفاءة من القائمين على هذه البرامج وتفهم ذكي من المواطنين والقوى والتجمعات السياسية النشطة في المجتمع ومساندة مخلصة من المثقفين وقادة الرأي العام.

وبالفعل، وبصرف النظر عن تتبع الجذور التاريخية للإصلاح في بلدان الخليج، شرعت الدول الخليجية بإصلاحات، ففي الكويت وافق مجلس الأمة الكويتي في 16 مايو 2005 على حق المرأة الكويتية السياسي في التصويت، وكذلك وافق على السماح للمرأة بالمشاركة في انتخابات المجلس البلدي. وفي مملكة البحرين جرت انتخابات تشريعية في نوفمبر/ديسمبر 2006، وأسفرت عن تحقيق المعارضة السياسية تقدماً ملحوظاً. وتتجه دولة الإمارات إلى تعزيز تجربة الإصلاح وبناء قاعدة إنتاجية لتنويع مصادر الدخل لحماية الاقتصاد الوطني من أي اضطرابات تؤثر فيه، ولذلك كان الاهتمام بالزراعة والصناعة بدلاً من الاعتماد على قطاع واحد هو القطاع النفطي، كما تم تأسيس لجنة حقوق الإنسان لتعزيز مسيرة الإصلاح لتتابع قضايا حقوق الإنسان والحريات في الإمارات. وفي المملكة العربية السعودية قررت الحكومة إجراء انتخابات بلدية في عام 2004، إلا أنه حدث أن الحملات الانتخابية البلدية السعودية مسّت قضية الهوية الوطنية والهويات الفرعية القبلية والمذهبية والمناطقية، حتى إن استثمار هذه الأخيرة في العملية الانتخابية حدا بالبعض أن يرى أن تعيين الأعضاء حكومياً قد يكون أفضل من إجراء انتخابات تغلب عليها سمة (الفئوية). وفي قطر أجريت انتخابات لمجلس الشورى في 2007، بعد أن أجريت انتخابات للمجالس البلدية لدورتين من قبل سنوات (1999-2002) على التوالي، حيث سعت السلطة القطرية إلى تشكيل (اللجنة الدائمة للانتخابات) بحيث توكل إليها مهمة نشر الوعي السياسي لتمكين المواطن والمواطنة من المشاركة في الحياة السياسية. وفي سلطنة عُمان، وعلى الرغم من تبلور ملامح للإصلاح فيها، إلا أن الواقع القبلي لا يزال له أثره في مسيرة العملية السياسية، وظهر ذلك في انسحاب بعض المرشحين في انتخابات 2003، استجابة لأوامر القبيلة بالامتناع عن إعطاء الأصوات.

وعلى الرغم من اعتقادنا بأن الانتخابات ليست نهاية المطاف بالنسبة إلى الإصلاح إلا أنها تعد ملمحاً رئيسياً من ملامح الإصلاح. وبنظرة فاحصة للملامح الرئيسية للنظم الانتخابية في الخليج سنلاحظ بوضوح حداثة دول الخليج في الأخذ بالنظم الانتخابية. صحيح أن بعض دوله لها باع في الانتخابات، ولكن ليست هناك شمولية في البرامج الانتخابية للدول الخليجية أيضاً، إذ غالباً ما كان للسلطة التشريعية الدور الرئيسي، ولم تصل إلى السلطة التنفيذية، وتحديداً مؤسسة الرئاسة منها.

اصطدمت الطروحات الأمريكية التي اتخذت من إملاء الشروط سبيلاً للتحول بواقع المجتمعات المراد إجراء الإصلاحات فيها

تقييم حركة الإصلاح في الخليج

ليس من قبيل الظن أو التخمين أن الخليج شهد حركة إصلاح منسجمة ومتوافقة مع طبيعة المنطقة، جوهرها المضي في الاستجابة للمطالب المجتمعية مع الحفاظ على النظر إلى المتطلبات الخارجية والاستجابة لها. وطبيعي أيضاً أن هذه الحركة لم تكن بمنائ عن تحديات تجابهها دول الخليج على المستويين الداخلي والخارجي. فالإجراءات المتخذة ليست بالأمر العسير عند الشروع بالإصلاح، ولكن العسير فيها هو مخرجات تلك الإجراءات التي تنجم عن الإجراءات نفسها. فضلاً عن أن عدم الالتقاء في أحيان بين المطلبين الداخلي والخارجي يزيد الأمر تعقيداً انطلاقاً من أن الأمر يتطلب تكيفاً واستجابة في آن معاً، وهو ما يرهق المشرع والمواطن في الوقت نفسه. وتتجاذب حركة الإصلاح وجهتا نظر: الأولى فحواها الشروع بالإصلاح ومن ثم تكيف المواطن. والثانية الاستجابة لمطلب المواطن وتكييف الإصلاح. علماً أن وجهتي النظر لا تستطيعان الإتيان بافتراضات من شأنها استمرار عملية الإصلاح في الخليج ذلك أن كلتاهما ستكون بالضد من مجمل العملية، باختصار نشوء معارضة ينبغي إدراكها والتعامل معها بحكمة. ولذلك تكون المسؤولية تضامنية بين الدولة / النظام السياسي والمجتمع حتى إن كانت تركيبة الأخير متنوعة. فإذا كان الأول يسعى إلى البقاء والاستمرار فإن الثاني بحاجة إلى استجابة الأول لمطالب الشرائح الاجتماعية المتصاعدة. وجوهر ذلك توسيع قاعدة المشاركة السياسية التي تعد دلالة واضحة على عمق التطور السياسي للمجتمع، وتؤدي دوراً حيوياً في ديناميات بناء الدولة، كما أنها تمثل أي سياسة قديرة لها تأثيرها الفاعل في تطوير وبلورة أنماط جديدة من الولاء السياسي، من شأنها ترسيخ الإحساس بالذات وتعميق الوعي بالهوية الوطنية، إضافة إلى أن المشاركة السياسية تنطوي على حلول ناجعة لمشكلة العنف. وبذلك يضمن الأول مساندة ودعم حركة الإصلاح التي لابد منها، ويضمن الثاني استجابة لمطالبه. وبالمحصلة فإن كليهما سيعفي نفسه من ثقل وطأة العامل الخارجي أو الضاغط الخارجي الذي سيكون من دون أدنى شك ثقيل الوطأة على الدولة والمجتمع إن كانت حركة النظام فيهما استجابة للمطالب الخارجية على حساب المطالب الداخلية، انطلاقاً من أن الضاغط الخارجي لا يأخذ في الحسبان المطالب المجتمعية بقدر ما يسعى إلى تحقيق مصالحه، وهو أمر بديهي في السياسة، ولكن ما هو ليس بديهياً هو أن تكون حسابات النظام السياسي للبيئة الخارجية لهذه الدولة أو تلك أكبر من حساباته لبيئته الداخلية. إذ ليس ثمة ما هو أخطر من محاولة تقييد حركة المجتمع والتخوف من التغيير ومحاولات ربط المجتمع بالماضي على اعتبار أن الماضي معروف ومضمون ومأمون، أو وضع إطار محدد لعمليات ومجالات التغيير المدروس والمخطط بحيث لا يسمح بالتحرك خارجه.

في مقابل ذلك على الولايات المتحدة، وانطلاقاً من حساسية منطقة الخليج أن تركز على فهم المجتمعات الخليجية، الأمر الذي يستتبع أن تضع الولايات المتحدة أجندة متواضعة، ولا تكثر الأهداف دفعة واحدة بل تضع سياسات محددة، ودعم مجالس الشورى، وتوسيع الاتصال مع الفاعلين السياسيين المطالبين بالإصلاح، في حين يجب على الولايات المتحدة ألا تضغط في بعض القضايا مثل الإصلاح التعليمي والمساواة بين النوعين، وذلك نظراً لحساسيتهما الشديدة في المجتمع الخليجي، وأن تبحث عن وسائل أقل خشونة للتعامل مع هذين الملفين. وأعتقد أن في ذلك مصلحة لطرفي المعادلة (منطقة الخليج والولايات المتحدة)، فالأولى ستعفي نفسها من خلخلة مجتمعية قد تنذر بفوضى ويضيع الهدف الرئيسي من الإصلاح بازدياد معارضيه، بينما ستكسب الثانية الاستقرار في منطقة هي في أشد الحاجة إلى استقرارها الآن أكثر من أي وقت مضى.

::/fulltext::
::cck::2250::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *