الصناديق السيادية .. ضيفٌ غير مرحب به
::cck::2258::/cck::
::introtext::
بدأنا نسمع كثيراً عن صناديق الاستثمار السيادية (sovereign wealth find) وعن أحجام استحواذاتها من الشركات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت نفسه بدأ الإعلام الغربي يشن حملة على هذه الصناديق، لكن لماذا كل هذه الحساسية من هذه الصناديق الاستثمارية؟ أليست استثمارات هذه الصناديق مثلها مثل غيرها من المؤسسات المالية والاستثمارية في هذه الدول والتي تستثمر لكي تحقق عوائد على رأس المال المستثمر في المستقبل؟ وما هي أحجام هذه الصناديق وكم عددها؟، وهل ستشكل فعلياً تهديداً كبيراً لاقتصادات الدول المتقدمة؟
::/introtext::
::fulltext::
بدأنا نسمع كثيراً عن صناديق الاستثمار السيادية (sovereign wealth find) وعن أحجام استحواذاتها من الشركات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت نفسه بدأ الإعلام الغربي يشن حملة على هذه الصناديق، لكن لماذا كل هذه الحساسية من هذه الصناديق الاستثمارية؟ أليست استثمارات هذه الصناديق مثلها مثل غيرها من المؤسسات المالية والاستثمارية في هذه الدول والتي تستثمر لكي تحقق عوائد على رأس المال المستثمر في المستقبل؟ وما هي أحجام هذه الصناديق وكم عددها؟، وهل ستشكل فعلياً تهديداً كبيراً لاقتصادات الدول المتقدمة؟
كل هذه الأسئلة سأحاول الإجابة عنها من خلال استعراض موجز لفكرة الصناديق السيادية، وأحجام استثماراتها، والدول التي تملك هذه الصناديق، حيث إن فكرة الصناديق السيادية بدأت بالرواج مع بداية القرن الواحد والعشرين وذلك على الرغم من أن بعضها كان موجوداً منذ منتصف القرن السابق. ومن الصناديق الرائدة في هذا المجال صندوق الأجيال الكويتي الذي أداره مجلس الاستثمارات الكويتية منذ عام 1953، والذي هدف بشكل أساسي إلى استثمار عوائد النفط لتحقيق تدفقات مالية مستقرة للأجيال القادمة، كما قاربت قيمة أصوله المستثمرة الـ 250 مليار دولار أمريكي. والصندوق الآخر الرائد هو صندوق كيريباتي (وهي جزيرة تقع في المحيط الهادئ) للتوازن الذي تأسس في عام 1956، والذي راكم ما قيمته 520 مليون دولار من الاستثمارات. وبدأت أعداد هذه الصناديق بالزيادة بشكل كبير مع بداية القرن الواحد والعشرين إذ يقارب عددها حالياً الـ 29 صندوقاً تبلغ قيمة أصولها الاستثمارية ما يقارب الثلاثة تريليونات دولار أمريكي، وتتنتشر استثماراتها في مختلف أرجاء العالم.
ويعرّف (Aizenman & Glick) الصندوق السيادي بأنه صندوق يتكون من أصول أجنبية تملكه دولة أجنبية يهدف إلى استثمار هذه الأصول لتحقيق النمو المالي. أما وزارة الخزانة الأمريكية فتعرّف الصندوق السيادي بأنه صندوق استثماري حكومي ممول باحتياطيات عملة أجنبية ومدار بشكل منفصل عن احتياطيات هذه العملة، ويهدف إلى الاستثمار في شركات أجنبية. وبشكل عام فإن هناك ثلاثة عوامل يجب توفرها في تعريف الصندوق السيادي وهي أنه يمثل أصولاً أجنبية، ومملوك لحكومة دولة أجنبية، ويستهدف الاستثمار في أصول أجنبية حقيقية كالشركات الأجنبية. ولذلك وبناء على هذا التعريف فإن صندوق الاستثمارات العامة السعودي لا يعد صندوقاً سيادياً لأنه لا يستثمر في الشركات الأجنبية. كما أن استثمارات المستثمرين كحيازة الأمير الوليد بن طلال في (سيتي غروب) أو حيازة شركة (سابك) لوحدة البلاستيك الخاصة في جنرال إلكتريك لا تعد استثماراً سيادياً لأنها مملوكة لأفراد ومساهمين.
وعلى الرغم من ذلك فقد يجادل البعض بأن ملكية صندوق الاستثمارات لغالبية الأسهم في شركة سابك قد تبرر شموله بتعريف الصندوق السيادي لاستثماره بشكل غير مباشر في شركة غير أجنبية. أيضاً قد يشمل التعريف استثمارات شركة أرامكو لملكية الدولة الكاملة لها، لكن ليس هناك خلاف على وجوب استثناء ملكية المستثمرين الأفراد من هذا التعريف لانتفاء شرط أساسي هو ملكية حكومة أجنبية لها.
وازداد الاهتمام بظاهرة الصناديق السيادية خاصة في الأوساط الغربية لأسباب عدة. أول هذه الأسباب الزيادة الواضحة في أعداد وقيمة أصول هذه الصناديق كما سنراه لاحقاً. والسبب الثاني هو أن ازدياد أعداد وأحجام هذه الصناديق وحيازتها لبعض الاستثمارات يمثل حسب وجهة نظر البعض خطراً على الأمن في الدول المستقبلة لاستثمارات هذه الصناديق، إذ إن ملكية الدول لاستثمارات مباشرة في الدولة المستقبلة تعطيها الفرصة لتلعب دوراً كبيراً في توجيه السياسات العامة والاقتصادية في تلك الدول. والسبب الأخير هو أن هذه الصناديق لا تعمل بشكل متسق مع بعضها ومع الدول المستقبلة لها، إذ تختلف أهداف كل صندوق باختلاف الأهداف السياسية والاقتصادية للدولة المالكة لهذا الصندوق. فمثلاً الدول النفطية كـ (دول الخليج) ترغب في تحقيق هذه الصناديق استقراراً مالياً على المدى البعيد، بينما ترغب روسيا وإيران في تحقيق هذا الصندوق توازناً مالياً عند تراجع أسعار الطاقة. أما النرويج فهي ترغب في أن يسهم صندوقها السيادي في تمويل المعاشات التقاعدية المستقبلية لمواطنيها. أما دول النمور الآسيوية (خاصة سنغافورة) فترغب في تنويع استثماراتها إلى استثمارات أكثر عائداً من سندات الخزانة الأمريكية التي تملكاحتياطياً كافياً منها في الوقت الحالي يمكن أن تحميها من أزمات اقتصادية مستقبلية كأزمة 1997. كما ترغب دول أخرى كالصين وكوريا في استخدام استثمارات هذه الصناديق كوسيلة لاستيراد التقنية من الدول المستقبلة لاستثماراتها.
من المتوقع أن تبلغ قيمة أصول الصناديق السيادية حول العالم 12 تريليون دولار بحلول 2015
وبسبب عدم وجود تعريف واضح ومحدد لما يمكن أن يطلق عليه تعريف الصندوق السيادي، تختلف التقديرات المتعلقة بأحجام هذه الصناديق، لكن التقديرات تتراوح حول الثلاثة تريليونات دولار أمريكي، وهذه القيمة لا تعد ذات معنى كبير بمقارنتها مع حيازات صناديق التقاعد الأمريكية أو عند نسبتها إلى قيمة الأسهم المتداولة في العالم والتي لا تتجاوز نسبة 2 في المائة من قيمة الأسهم المتداولة في العالم والمقدرة بـ 165 تريليون دولار أمريكي، لكن المشكلة التي تؤرق المتابعين لهذه الصناديق هي حجم النمو المستقبلي المقدر لأحجام هذه الصناديق. فمورغان ستانلي (البنك الاستثماري الأمريكي) يقدر أن تبلغ قيمة أصول الصناديق السيادية حول العالم 12 تريليون دولار بحلول عام 2015، لكن تلك التقديرات تمت بناءً على افتراضات معينة تثير تساؤلات كثيرة حول مدى منطقيتها وحول جدوى التسليم بها. فعلى سبيل المثال افترضت تقديرات مورغان ستانلي أن حيازة المملكة العربية السعودية من قيمة أصول تلك الصناديق السيادية تبلغ 300 مليار دولار أمريكي وهي تقديرات مبالغ فيها، إذ يبدو أنه لم تتم التفرقة بين احتياطيات المملكة من النقد وقيمة حيازات الأفراد السعوديين وبين قيمة استثمارات المملكة الخارجية. مع العلم أنه كما أشرت أعلاه لا يوجد فعلياً في المملكة صندوق سيادي بالتعريف الدقيق، إذ يركز صندوق الاستثمارات العامة على الاستثمار الداخلي فقط. ومؤخراً أعلنت المملكة عن عزمها على تأسيس صندوق سيادي يبلغ رأسماله 22 مليار ريال، لكنه سيركز بشكل كبير على الاستثمارات الداخلية أيضاً. إضافة إلى ذلك الافتراض قدر مورغان ستانلي معدل النمو في إيرادات النفط بـ 10 في المائة سنوياً، ومعدل النمو في إيرادات الصناديق السيادية سيبلغ 5.5 في المائة سنوياً، مما يؤدي إلى أن تبلغ قيمة أصول هذه الصناديق 12 مليار دولار بحلول عام 2015. وقد تدعم هذه التقديرات تقديرات أخرى يشير إليها مجلس الصناديق السيادية (Sovereign Wealth Funds) تتعلق بالاحتياطيات التي تملكها الدول والتي يمكن أن تضخ في هذه الصناديق فوراً، حيث يقدر المجلس أن هناك ما يتراوح بين 6.3 و7.8 تريليون دولار من احتياطيات العملات الأجنبية والتي يمكن أن تضخ بشكل مباشر في هذه الصناديق.
أما بالنسبة لتوزيع نسب حيازة الأصول بين فئات الدول، فحسب مورغان ستانلي تمثل حيازة الدول النفطية ثلثي إجمالي قيمة الأصول المملوكة لهذه الصناديق، بينما يمثل الثلث المتبقي حيازة الدول المصدّرة للسلع كالصين وسنغافورة. وحسب (Brad Setser and Rachel Ziemba) يتوقع أن تضيف دول الخليج ما قيمته 300 مليار دولار خلال الفترة القريبة إلى قيمة استثماراتها في الصناديق السيادية، لكن في الوقت نفسه يتوقع مورغان ستانلي أن تزداد قيمة استثمارات الدول المصدّرة للسلع لتتساوى معها نسبة الحيازة بين المجموعتين، مجموعة الدول النفطية ومجموعة الدول المصدرة للسلع. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية الوجهة الأولى لاستثمارات هذه الصناديق، إذ يقدر مورغان ستانلي أن قيمة ما ضخته الصناديق السيادية في المؤسسات المالية الأمريكية خلال عامي (2007 – 2008) فقط بما يقارب 69 مليار دولار أمريكي.
وينتظر أن تواجه الصناديق السيادية تحديات كبيرة في المستقبل. ومن هذه التحديات الحمائية المتزايدة ضد استثمارات هذه الصناديق في الدول الغربية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يعتمد مستوى الترحيب لهذه الاستثمارات على مدى الحاجة الفورية إليها، وهذا يمثل بحد ذاته خطراً يهدد استثمارات هذه الدول. وصفقة موانئ دبي دليل واضح على ذلك، إذ تم الاعتراض عليها في وقت لم يكن الاقتصاد الأمريكي بحاجة ماسة إليها. لكن عندما ألقت أزمة أسواق الائتمان بظلالها على الاقتصاد العالمي لم تلاق عملية استحواذ هيئة استثمارات أبوظبي أو الكويت وكوريا الجنوبية وسنغافورة على نسبة من (سيتي غروب) و(ميريل لنش) اعتراضاً كبيراً. أي أن التحدي والخطر الكبيرين هما الخطر السياسي الذي قد يشكل تهديداً كبيراً لاستثمارات تلك الدول في حالة تحسن الوضع الاقتصادي الأمريكي. وهذا في اعتقادي ما دعا السلطات المالية السعودية عند الإعلان عن تأسيس الصندوق السيادي السعودي إلى التأكيد على أن أولوياته ستكون الاستثمار الداخلي. والتحدي الآخر هو مدى كفاءة الصناديق السيادية، التي تمثل جزءاً من القطاع العام في تلك الدول، في إدارة هذه الاستثمارات. إذ إن الإجراءات البيروقراطية التي يتسم بها القطاع العام ستعيق عملية التحرك السريع استجابة للمتغيرات الاقتصادية التي تتطلبها إدارة مثل هذه الاستثمارات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2258::/cck::
::introtext::
بدأنا نسمع كثيراً عن صناديق الاستثمار السيادية (sovereign wealth find) وعن أحجام استحواذاتها من الشركات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت نفسه بدأ الإعلام الغربي يشن حملة على هذه الصناديق، لكن لماذا كل هذه الحساسية من هذه الصناديق الاستثمارية؟ أليست استثمارات هذه الصناديق مثلها مثل غيرها من المؤسسات المالية والاستثمارية في هذه الدول والتي تستثمر لكي تحقق عوائد على رأس المال المستثمر في المستقبل؟ وما هي أحجام هذه الصناديق وكم عددها؟، وهل ستشكل فعلياً تهديداً كبيراً لاقتصادات الدول المتقدمة؟
::/introtext::
::fulltext::
بدأنا نسمع كثيراً عن صناديق الاستثمار السيادية (sovereign wealth find) وعن أحجام استحواذاتها من الشركات في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وفي الوقت نفسه بدأ الإعلام الغربي يشن حملة على هذه الصناديق، لكن لماذا كل هذه الحساسية من هذه الصناديق الاستثمارية؟ أليست استثمارات هذه الصناديق مثلها مثل غيرها من المؤسسات المالية والاستثمارية في هذه الدول والتي تستثمر لكي تحقق عوائد على رأس المال المستثمر في المستقبل؟ وما هي أحجام هذه الصناديق وكم عددها؟، وهل ستشكل فعلياً تهديداً كبيراً لاقتصادات الدول المتقدمة؟
كل هذه الأسئلة سأحاول الإجابة عنها من خلال استعراض موجز لفكرة الصناديق السيادية، وأحجام استثماراتها، والدول التي تملك هذه الصناديق، حيث إن فكرة الصناديق السيادية بدأت بالرواج مع بداية القرن الواحد والعشرين وذلك على الرغم من أن بعضها كان موجوداً منذ منتصف القرن السابق. ومن الصناديق الرائدة في هذا المجال صندوق الأجيال الكويتي الذي أداره مجلس الاستثمارات الكويتية منذ عام 1953، والذي هدف بشكل أساسي إلى استثمار عوائد النفط لتحقيق تدفقات مالية مستقرة للأجيال القادمة، كما قاربت قيمة أصوله المستثمرة الـ 250 مليار دولار أمريكي. والصندوق الآخر الرائد هو صندوق كيريباتي (وهي جزيرة تقع في المحيط الهادئ) للتوازن الذي تأسس في عام 1956، والذي راكم ما قيمته 520 مليون دولار من الاستثمارات. وبدأت أعداد هذه الصناديق بالزيادة بشكل كبير مع بداية القرن الواحد والعشرين إذ يقارب عددها حالياً الـ 29 صندوقاً تبلغ قيمة أصولها الاستثمارية ما يقارب الثلاثة تريليونات دولار أمريكي، وتتنتشر استثماراتها في مختلف أرجاء العالم.
ويعرّف (Aizenman & Glick) الصندوق السيادي بأنه صندوق يتكون من أصول أجنبية تملكه دولة أجنبية يهدف إلى استثمار هذه الأصول لتحقيق النمو المالي. أما وزارة الخزانة الأمريكية فتعرّف الصندوق السيادي بأنه صندوق استثماري حكومي ممول باحتياطيات عملة أجنبية ومدار بشكل منفصل عن احتياطيات هذه العملة، ويهدف إلى الاستثمار في شركات أجنبية. وبشكل عام فإن هناك ثلاثة عوامل يجب توفرها في تعريف الصندوق السيادي وهي أنه يمثل أصولاً أجنبية، ومملوك لحكومة دولة أجنبية، ويستهدف الاستثمار في أصول أجنبية حقيقية كالشركات الأجنبية. ولذلك وبناء على هذا التعريف فإن صندوق الاستثمارات العامة السعودي لا يعد صندوقاً سيادياً لأنه لا يستثمر في الشركات الأجنبية. كما أن استثمارات المستثمرين كحيازة الأمير الوليد بن طلال في (سيتي غروب) أو حيازة شركة (سابك) لوحدة البلاستيك الخاصة في جنرال إلكتريك لا تعد استثماراً سيادياً لأنها مملوكة لأفراد ومساهمين.
وعلى الرغم من ذلك فقد يجادل البعض بأن ملكية صندوق الاستثمارات لغالبية الأسهم في شركة سابك قد تبرر شموله بتعريف الصندوق السيادي لاستثماره بشكل غير مباشر في شركة غير أجنبية. أيضاً قد يشمل التعريف استثمارات شركة أرامكو لملكية الدولة الكاملة لها، لكن ليس هناك خلاف على وجوب استثناء ملكية المستثمرين الأفراد من هذا التعريف لانتفاء شرط أساسي هو ملكية حكومة أجنبية لها.
وازداد الاهتمام بظاهرة الصناديق السيادية خاصة في الأوساط الغربية لأسباب عدة. أول هذه الأسباب الزيادة الواضحة في أعداد وقيمة أصول هذه الصناديق كما سنراه لاحقاً. والسبب الثاني هو أن ازدياد أعداد وأحجام هذه الصناديق وحيازتها لبعض الاستثمارات يمثل حسب وجهة نظر البعض خطراً على الأمن في الدول المستقبلة لاستثمارات هذه الصناديق، إذ إن ملكية الدول لاستثمارات مباشرة في الدولة المستقبلة تعطيها الفرصة لتلعب دوراً كبيراً في توجيه السياسات العامة والاقتصادية في تلك الدول. والسبب الأخير هو أن هذه الصناديق لا تعمل بشكل متسق مع بعضها ومع الدول المستقبلة لها، إذ تختلف أهداف كل صندوق باختلاف الأهداف السياسية والاقتصادية للدولة المالكة لهذا الصندوق. فمثلاً الدول النفطية كـ (دول الخليج) ترغب في تحقيق هذه الصناديق استقراراً مالياً على المدى البعيد، بينما ترغب روسيا وإيران في تحقيق هذا الصندوق توازناً مالياً عند تراجع أسعار الطاقة. أما النرويج فهي ترغب في أن يسهم صندوقها السيادي في تمويل المعاشات التقاعدية المستقبلية لمواطنيها. أما دول النمور الآسيوية (خاصة سنغافورة) فترغب في تنويع استثماراتها إلى استثمارات أكثر عائداً من سندات الخزانة الأمريكية التي تملكاحتياطياً كافياً منها في الوقت الحالي يمكن أن تحميها من أزمات اقتصادية مستقبلية كأزمة 1997. كما ترغب دول أخرى كالصين وكوريا في استخدام استثمارات هذه الصناديق كوسيلة لاستيراد التقنية من الدول المستقبلة لاستثماراتها.
من المتوقع أن تبلغ قيمة أصول الصناديق السيادية حول العالم 12 تريليون دولار بحلول 2015
وبسبب عدم وجود تعريف واضح ومحدد لما يمكن أن يطلق عليه تعريف الصندوق السيادي، تختلف التقديرات المتعلقة بأحجام هذه الصناديق، لكن التقديرات تتراوح حول الثلاثة تريليونات دولار أمريكي، وهذه القيمة لا تعد ذات معنى كبير بمقارنتها مع حيازات صناديق التقاعد الأمريكية أو عند نسبتها إلى قيمة الأسهم المتداولة في العالم والتي لا تتجاوز نسبة 2 في المائة من قيمة الأسهم المتداولة في العالم والمقدرة بـ 165 تريليون دولار أمريكي، لكن المشكلة التي تؤرق المتابعين لهذه الصناديق هي حجم النمو المستقبلي المقدر لأحجام هذه الصناديق. فمورغان ستانلي (البنك الاستثماري الأمريكي) يقدر أن تبلغ قيمة أصول الصناديق السيادية حول العالم 12 تريليون دولار بحلول عام 2015، لكن تلك التقديرات تمت بناءً على افتراضات معينة تثير تساؤلات كثيرة حول مدى منطقيتها وحول جدوى التسليم بها. فعلى سبيل المثال افترضت تقديرات مورغان ستانلي أن حيازة المملكة العربية السعودية من قيمة أصول تلك الصناديق السيادية تبلغ 300 مليار دولار أمريكي وهي تقديرات مبالغ فيها، إذ يبدو أنه لم تتم التفرقة بين احتياطيات المملكة من النقد وقيمة حيازات الأفراد السعوديين وبين قيمة استثمارات المملكة الخارجية. مع العلم أنه كما أشرت أعلاه لا يوجد فعلياً في المملكة صندوق سيادي بالتعريف الدقيق، إذ يركز صندوق الاستثمارات العامة على الاستثمار الداخلي فقط. ومؤخراً أعلنت المملكة عن عزمها على تأسيس صندوق سيادي يبلغ رأسماله 22 مليار ريال، لكنه سيركز بشكل كبير على الاستثمارات الداخلية أيضاً. إضافة إلى ذلك الافتراض قدر مورغان ستانلي معدل النمو في إيرادات النفط بـ 10 في المائة سنوياً، ومعدل النمو في إيرادات الصناديق السيادية سيبلغ 5.5 في المائة سنوياً، مما يؤدي إلى أن تبلغ قيمة أصول هذه الصناديق 12 مليار دولار بحلول عام 2015. وقد تدعم هذه التقديرات تقديرات أخرى يشير إليها مجلس الصناديق السيادية (Sovereign Wealth Funds) تتعلق بالاحتياطيات التي تملكها الدول والتي يمكن أن تضخ في هذه الصناديق فوراً، حيث يقدر المجلس أن هناك ما يتراوح بين 6.3 و7.8 تريليون دولار من احتياطيات العملات الأجنبية والتي يمكن أن تضخ بشكل مباشر في هذه الصناديق.
أما بالنسبة لتوزيع نسب حيازة الأصول بين فئات الدول، فحسب مورغان ستانلي تمثل حيازة الدول النفطية ثلثي إجمالي قيمة الأصول المملوكة لهذه الصناديق، بينما يمثل الثلث المتبقي حيازة الدول المصدّرة للسلع كالصين وسنغافورة. وحسب (Brad Setser and Rachel Ziemba) يتوقع أن تضيف دول الخليج ما قيمته 300 مليار دولار خلال الفترة القريبة إلى قيمة استثماراتها في الصناديق السيادية، لكن في الوقت نفسه يتوقع مورغان ستانلي أن تزداد قيمة استثمارات الدول المصدّرة للسلع لتتساوى معها نسبة الحيازة بين المجموعتين، مجموعة الدول النفطية ومجموعة الدول المصدرة للسلع. وتعد الولايات المتحدة الأمريكية الوجهة الأولى لاستثمارات هذه الصناديق، إذ يقدر مورغان ستانلي أن قيمة ما ضخته الصناديق السيادية في المؤسسات المالية الأمريكية خلال عامي (2007 – 2008) فقط بما يقارب 69 مليار دولار أمريكي.
وينتظر أن تواجه الصناديق السيادية تحديات كبيرة في المستقبل. ومن هذه التحديات الحمائية المتزايدة ضد استثمارات هذه الصناديق في الدول الغربية، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ يعتمد مستوى الترحيب لهذه الاستثمارات على مدى الحاجة الفورية إليها، وهذا يمثل بحد ذاته خطراً يهدد استثمارات هذه الدول. وصفقة موانئ دبي دليل واضح على ذلك، إذ تم الاعتراض عليها في وقت لم يكن الاقتصاد الأمريكي بحاجة ماسة إليها. لكن عندما ألقت أزمة أسواق الائتمان بظلالها على الاقتصاد العالمي لم تلاق عملية استحواذ هيئة استثمارات أبوظبي أو الكويت وكوريا الجنوبية وسنغافورة على نسبة من (سيتي غروب) و(ميريل لنش) اعتراضاً كبيراً. أي أن التحدي والخطر الكبيرين هما الخطر السياسي الذي قد يشكل تهديداً كبيراً لاستثمارات تلك الدول في حالة تحسن الوضع الاقتصادي الأمريكي. وهذا في اعتقادي ما دعا السلطات المالية السعودية عند الإعلان عن تأسيس الصندوق السيادي السعودي إلى التأكيد على أن أولوياته ستكون الاستثمار الداخلي. والتحدي الآخر هو مدى كفاءة الصناديق السيادية، التي تمثل جزءاً من القطاع العام في تلك الدول، في إدارة هذه الاستثمارات. إذ إن الإجراءات البيروقراطية التي يتسم بها القطاع العام ستعيق عملية التحرك السريع استجابة للمتغيرات الاقتصادية التي تتطلبها إدارة مثل هذه الاستثمارات.
::/fulltext::
::cck::2258::/cck::
