المشروع الاستراتيجي الأمريكي في العراق..هل مازال قائماً؟
::cck::2231::/cck::
::introtext::
لم يكن خافياً على أي متابع رغبة المخططين للحرب الأمريكية على العراق في أنهم يريدون أن تكون المنطلق في تنفيذ استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للقرن الحادي والعشرين، التي تبناها الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش والمحطة الأولى والتنفيذ العملي لاستراتيجية الحرب الاستباقية تحت ذريعة الوقاية من إمكانية استخدام العراق أسلحة الدمار الشامل، كما أنها أوصلت القوات الأمريكية إلى منطقة بالغة الأهمية في وضعها الجيو-سياسي والاقتصادي، وهي حرب أرادت منها الإدارة الأمريكية تأكيد إصرارها على تنفيذ برنامجها للهيمنة وتحقيق الحلم الإمبراطوري عبر تجاهل المؤسسات الدولية والقوى الكبرى واحتلال دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة بالقوة العسكرية.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن خافياً على أي متابع رغبة المخططين للحرب الأمريكية على العراق في أنهم يريدون أن تكون المنطلق في تنفيذ استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للقرن الحادي والعشرين، التي تبناها الرئيس الأمريكي جورج بوش والمحطة الأولى والتنفيذ العملي لاستراتيجية الحرب الاستباقية تحت ذريعة الوقاية من إمكانية استخدام العراق أسلحة الدمار الشامل، كما أنها أوصلت القوات الأمريكية إلى منطقة بالغة الأهمية في وضعها الجيو-سياسي والاقتصادي، وهي حرب أرادت منها الإدارة الأمريكية تأكيد إصرارها على تنفيذ برنامجها للهيمنة وتحقيق الحلم الإمبراطوري عبر تجاهل المؤسسات الدولية والقوى الكبرى واحتلال دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة بالقوة العسكرية.
لقد أثار غزو العراق واحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ولا يزال يثير بعد خمس سنوات الكثير من التساؤلات حول ما تمثله العمليات الأمريكية في العراق بأبعادها العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعن حقيقة دوافعها ومبرراتها، وهل إن أمريكا الآن أكثر أمناً؟ وهل العالم أكثر أمناً بعد تلك الأعوام من احتلال العراق؟ وهل حققت الإدارة الأمريكية نجاحاً استراتيجياً في العراق، بمعنى أنها أسست لبرامج وأهداف أوسع وأشمل، تستند إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، أم أنها تواجه من العقبات ما يمهد لما يمكن عدّه إخفاقاً استراتيجياً قد يرغمها على إعادة حساباتها في أكثر من مجال؟
لقد بدأت ملامح الشك تظهر في تصريحات المسؤولين الأمريكيين بعد فترة قصيرة من احتلال القوات الأمريكية للعراق عندما كتب وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد العبارة الآتية: (نحن لا نملك عدّادات للقياس كي نعرف ما إذا كنا سنكسب أو نخسر الحرب في العراق). لكن رامسفيلد طرح في الوقت نفسه السؤال التالي: (هل إن وضعنا الراهن مثل ذلك الذي كلما اجتهد أكثر رجع إلى الوراء؟)
ولم يكن حظ خلفه روبرت غيتس أفضل، حيث يشير واقع الأمر إلى حقائق ووقائع على الأرض لم تعد تستقيم مع التصورات الاستراتيجية للإدارة الأمريكية، وما جاء في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للقرن الجديد.

البعد العراقي في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
يمكن القول إن التحليلات الأمريكية للمشهد العراقي تتفق على أن أهميته الاستراتيجية تكمن في عاملين:
الأول: رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط خالية من جيوب المعارضة للهيمنة الأمريكية.
الثاني: السيطرة على مناطق إنتاج النفط العربي والإيراني وبحر قزوين وهو ما يمثل أكثر من نصف مصادر الطاقة في العالم.
وما يؤكد هذا التحليل ما ورد في حديث للجنرال دافيد ماكيرنان الذي نقل عن دونالد رامسفيلد تحليـلاً للمشهد العسـكري في العراق قبيل عملية الغزو وعلى الشكل الآتي:
1- إن الولايات المتحدة تحيط بالعراق من كل الجهات بقواعد تشكل دائرة كاملة بدءاً من الخليج العربي إلى باكستان ثم أفغانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان ثم إلى تركيا وإسرائيل ثم الأردن ومصـر حتى المملكة العربية السعودية.
2- إنها تملك محطات وتسهيلات مفتوحة لها من دون قيود في مياه الخليج والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
وهذا يعني أن العراق يقع في المركز لدائرة واسعة تمثل السيطرة عليها -حسب تحليل رامسفيلد- تحقيق هدفين رئيسيين هما:
أولاً– السيطرة على مركز الدائرة في بغداد ليكون النقطة الثابتة في الدائرة الأوسع المحيطة بها.
ثانياً– تصفية ما تبقى من مواقع المقاومة من دون حاجة لاستخدام السلاح لأن وجود قوات أمريكية في العراق يعني حصار إيران من ناحيتين: أفغانستان التي تحتلها قوات أمريكية وأطلسية، والعراق، وتكون سوريا بعد احتلال العراق في وضع أصعب، مفتوحة من الشرق بوجود أمريكي في الجوار، وتركيا من الشمال التي توجد على أراضيها قوات أمريكية، والمناطق الكردية المدعومة أمريكياً في شمال العراق، مع علاقات باهتة مع الأردن ومعارضة للتدخل السوري في القرار اللبناني.
ويبدو أن المسؤولين الأمريكيين كانوا مأخوذين بالحلم الأمريكي في الهيمنة على العالم، ولم يدركوا أن ما يرسم على الخرائط يحتاج كثيراً من المستلزمات ليصبح واقعاً على الأرض، ومن هنا فإن غزو العراق الذي رأى فيه بعض المسؤولين الأمريكيين وفي مقدمتهم رامسفيلد وجورج بوش أسرع انتصار عسكري، واجه على الأرض الكثير مما أغفلته الخرائط، فكان على الإدارة الأمريكية أن تتابع مسلسلاً من الإخفاقات لمشروعها الاستراتيجي في العراق. وإذا كان الرئيس بوش قد نال فرصة للبقاء في البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية، فإن عليه السعي لإبقاء الجمهوريين في الرئاسة وتهيئة خلف له يتقدم المرشحين لانتخابات الرئاسة المقبلة في أواخر عام 2008.وكلما زادت الأخطاء زادت إمكانات الخصوم في المواجهة، مما يعني أن على المرشح الجمهوري جون مكين أن يقنع الأمريكيين بصواب الاستمرار في مغامرتهم العسكرية في العراق، ما دام قد بشّرهم خلال حملته الانتخابية بأنه لا يمانع في بقاء قواته في العراق مائة عام أخرى
شواهد المأزق الأمريكي في العراق
يمكن تلخيص المأزق الأمريكي في العراق بقياس نتائج الحرب العراقية وفق المعيار البراغماتي المعتمد أمريكياً، وهو يهتم بالنتائج أكثر من اهتمامه بالمقدمات، وطرق الوصول إلى تلك النتائج، وبحسب هذا المعيار فإن المطلوب في النهاية تحقيق نجاح ملموس، وهذا الأمر يطرح تساؤلاً حول المشاهد المرافقة للاحتلال الأمريكي وهل تنبئ بالنجاح الاستراتيجي الذي تم التخطيط له، وهذه المشاهد تقول:
* اقتصادياً: بلغت التكاليف الأولية للحرب على العراق نحو 100 مليار دولار، تضاف إليها ثمانية مليارات دولار شهرياً، وحسب التقديرات الأمريكية فإن هذا المبلغ ارتفع في نهاية عام 2005 إلى أكثر من 150 مليار دولار، كما أن المصروفات ارتفعت إلى 12 مليار دولار شهرياً في عام 2007 وما بعده، وهذه التكاليف صرفت في ظل عجز في الميزانية الأمريكية يقترب من نصف تريليون دولار، وهو ما يزيد كثيراً على التقديرات التي أعلنت قبل الحرب. كما أن الميزانية العسكرية الأمريكية تصاعدت خلال السنوات الخمس الماضية لتصل إلى أكثر من 190 مليار دولار في عام 2008، مما يعني زيادة في نسبة ميزانية الدفاع ما بين 4,3 – 5 في المائة من إجمالي الناتج القومي الأمريكي، بينما كانت نسبة ميزانية الدفاع إلى إجمالي الناتج القومي 3 في المائة فقط عندما تولى جورج بوش رئاسة أمريكا ثم زادت إلى 4 في المائة بين عامي (2005-2007). وبالمقابل فإن هناك نقصاً في الإنفاق المالي على الأمن الداخلي، حيث خصص مبلغ 47.5 مليار دولار في ميزانية 2005 للأمن، لكن الكثير من الأولويات مثل أمن الموانئ وفحص شحنات الخطوط الجوية والدبلوماسية الأمريكية لم تخصص لها أموال كافية.
لقد بنت الإدارة الأمريكية خططها على أساس يقول إن العراق الغني بالنفط سيكون قادراً على تمويل العمليات العسكرية وتكاليف الاحتلال، ووصف العسكريون نفط العراق بأنه (غنيمة حرب)، واتضح أن مكاسب النفط العراقي التي كانت السبب الحقيقي وراء الحرب لن تكون عاجلة، حيث تشير الوقائع إلى أن الحصول على تلك المكاسب مؤجل لفترة أطول كثيراً من كل التوقعات السابقة للحرب. وأكد مسؤولون حكوميون أمريكيون أن التقديرات المتفائلة التي أصدرتها إدارة الرئيس جورج بوش في أوائل عام 2004 بأنه سيتم تمويل الجانب الأكبر من عمليات (إعادة البناء) في العراق من خلال ثروته البترولية، وليس من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، تناقضت إلى حد بعيد مع التقييم المتشائم الذي صدر من قبل فريق عمل حكومي جرى تشكيله سراً في خريف عام 2004 لدراسة أوضاع صناعة النفط العراقية. ولقد عكست جلسات الاستماع التي عقدها الكونغرس في الثامن والتاسع من إبريل 2008، حقيقة المطامع الأمريكية في أموال النفط العراقي عندما جعل النواب موضوع تمويل إعادة الإعمار من أموال النفط العراقي الركيزة لاستجواباتهم، بفعل أنباء مقلقة عن ركود في الاقتصاد الأمريكي وعجز في الميزانية يقترب من أربعة تريليونات دولار ينوي الرئيس بوش توريثه لخلفه في البيت الأبيض، متناسين أن ما ينبغي إعادة بنائه كان قد تهدم بفعل عدوان قواتهم المتواصل، وأن هناك عملية نهب منظمة للأموال العراقية تجري أمام أنظار الجميع، وكان الحاكم المدني بول بريمر أول أبطال الفضائح المالية، كما أن عملية الهدم في البنية التحتية العراقية لا تزال قائمة على أيدي قوات الاحتلال.
بدأت أعباء احتلال العراق تعيق قدرة الجيش الأمريكي على نشر قوات قتالية مدربة في مختلف أنحاء العالم
* عسكرياً: إن البقاء في العراق يحتاج إلى 30 في المائة من إجمالي عدد الجيش الأمريكي. وهو رقم مرشح للزيادة مع تنامي المقاومة العراقية، بما يهدد الدور الأمريكي في البلقان والشرق الأقصى وغيرهما من المناطق الاستراتيجية الحيوية للمصالح الأمريكية. ومما يدلل على ذلك إعلان الرئيس الأمريكي عن خطة لإعادة انتشار القوات الأمريكية في العالم، كما تم استبدال الخطط التي سبق الإعلان عنها لتخفيض عدد القوات الأمريكية في العراق بعمليات استبدال للبعض من تلك القوات، ولم يعد من مجموع ثلاثين ألف عسكري إضافي أرسلوا إلى العراق في مطلع عام 2007 ضمن ما سمي (استراتيجية الطفرة العسكرية)، سوى عدد محدود.ويخدم في العراق حالياً أكثر منخمسين ألفاً من عناصر الحرس الوطني وقوات الاحتياط، وهم يشكلون نحو ثلث القوات الأمريكية العاملة فيه، مما انعكس على الوظائف التي كانت يشغلها هؤلاء، حيث إن أغلبهم من قوات الشرطة ووكالات فرض القانون، مما يعني تقليص القدرة على الاستجابة لحالات الطوارئ بما فيها الكوارث الطبيعية والعمليات الإرهابية. كما ظهرت دلالات شتى على انهيار معنويات العسكريين الأمريكيين العاملين في العراق، كان من أبرزها مطالبة الجنود الأمريكيين بتوفير المزيد من السلاح والآليات لحماية أنفسهم بعد أن أدت عمليات المقاومة إلى تدمير أعداد كبيرة من الأسلحة والآليات، وإقرار الجيش الأمريكي باستمرار تزايد معدلات الانتحار بين الجنود في العراق واضطرار الإدارة الأمريكية لتمديد فترات بقاء قواتها في العراق بعد انتهاء مدة تطوعهم بسبب النقص الكبير في عدد تلك القوات وصعوبة تعويضها.ورافق تلك التحذيرات ظهور تحليلات عسكرية تؤكد أن القوة الأمريكية ستبدأ بالتراجع، وأن على الإدارة الأمريكية إعادة النظر في حساباتها، وخاصة في العراق إن هي أرادت وقف عملية الانحدار، حيث بدأت أعباء احتلال العراق تعيق قدرة الجيش الأمريكي على نشر قوات قتالية مدربة في مختلف أنحاء العالم خلال أشهر عدة، وقالت صحيفة (نيويورك تايمز) في افتتاحية لها عام 2004 إن احتلال العراق سيعمل على المدى الطويل على إرباك حياة الآلاف من أسر العسكريين، وسيعرض نظام الاحتياط المعمول به في الجيش لخطر شديد، إضافة إلى أن ذلك سيحد من النزعة العالمية في السياسة الخارجية الأمريكية.
ويرى الكثيرون في إعلان الرئيس بوش في العاشر من إبريل 2008 تخفيض مدة الخدمة للجنود العاملين في العراق من 15 شهراً إلى 12 شهراً مجرد عملية تضليل، حيث إنها تشمل عدداً محدوداً، كما أنها تتزامن مع الموافقة على اقتراح القائد الميداني ديفيد بترايوس بتجميد عملية تخفيض القوات من أجل مراجعة الاستراتيجية الأمريكية في العراق.
* اجتماعياً: أثبتت المراهنة على تقبل الأمريكيين للتكاليف البشرية أنها ليست دقيقة، لأن القبول بالخسائر البشرية بني على أساس أن التعويض المادي من مكاسب الحرب سيكون بديلاً مقبولاً، إلا أن حجم الخسائر البشرية كان أكثر مما يتقبله المواطن الأمريكي، وأعداد القتلى والجرحى تتزايد مع استمرار وجود القوات الأمريكية في العراق، كما ظهرت الانعكاسات الاجتماعية في رفض الكثير من المجندين تجديد عقودهم، وفر آخرون وتصاعدت الأصوات الرافضة للاستمرار في المغامرة الأمريكية في العراق والمطالبة بعودة القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة، وهذه العملية بدأت بحذر في المحافل الأكاديمية وعبر مواقع الإنترنت، وأبرز مثال في هذا الصدد الرسالة المفتوحة الموجهة إلى الشعب الأمريكي والتي نشرت يوم 12/10/2004 في عدد من وسائل الإعلام الأمريكي، وحملت تواقيع 729 أكاديمياً من خبراء الشؤون الخارجية والأمن في الولايات المتحدة الأمريكية وحملت عنوان: (سياسات بوش في العراق الأكثر تضليلاً منذ حرب فيتنام) والتي خلصت إلى (أن النتائج التي أسفرت عنها هذه السياسة هي نتائج سلبية بشكل ساحق بالنسبة للمصالح الأمريكية، فلم يكن إسقاط النظام في العراق ذا فائدة كبيرة للولايات المتحدة، كما أن التركيز المفرط على العراق أدى إلى ضعف الاستجابة للتحديات الأكبر التيتفرضها برامج التسليح النووية لدول أخرى مثل كوريا الشمالية وإيران، وأن توجيهالجهد والمال نحو حرب العراق أضر بالجهود الاقتصادية المطلوبة لمحاربة الإرهاب في الأراضي التي ينتشر فيها، كما أضرت الفضائح التي رافقت الاحتلال وخاصة فضيحة سجن أبو غريب بسمعة الولايات المتحدة في معظم أرجاء الشرق الأوسط). ثم اتخذت المعارضة أشكالاً أكثر علنية وصولاً إلى الصراحة المطلقة، وباتت تناقش في جلسات الكونغرس الأمريكي، الأمر الذي أصبح أكثر حدة بعد فوز الديمقراطيين في الانتخابات التشريعية النصفية في عام 2006. كما أن اثنين من أبرز المنظّرين الاستراتيجيين الأمريكيين انتقدا إدارة بوش صراحة، وأكد هنري كيسنجر وزير الخارجية الأسبق (وكان من أشد مؤيدي الحرب) استحالة تحقيق نصر عسكري في العراق، بينما ذكر مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي في كتابهالأخير(الفرصة الثانية)، أن الحرب في العراق كانت كارثة جيو-سياسية بالنسبة لأمريكا على كل المستويات، حيث أدت إلى تشتيت الموارد والانتباه عن التهديد الإرهابي مما قاد إلى مسلسل من الكوارث على صعيد الحرب على الإرهاب.
الميزانية العسكرية الأمريكية تصاعدت خلال السنوات الخمس الماضية لتصل إلى أكثر من 190 مليار دولار
* استراتيجياً: الإعلان الأمريكي عن فشل الحرب الاستباقية بأسلوب متدرج. فقد شهد عام 2006 تطورات عديدة وتدرج في الإعلان عن الإخفاق في العراق والدعوة إلى استراتيجية جديدة. وواقع الأمر أن الإدارة الأمريكية أعلنت في النصف الأول من ذلك العام عن مواصلة استراتيجيتها في العراق مع تعديلات طفيفة لا تمس الجوهر، إلا أنها أعلنت بعد زيادة التدهور الأمني في العراق وتصاعد الأصوات في الداخل الأمريكي لوضع حد لما يجري، عن القيام بإجراءات جديدة ووضع خطط جديدة استناداً إلى نصائح وتوصيات تقدمت بها لجنة (بيكر–هاملتون) التي شكلها الرئيس الأمريكي لدراسة الأوضاع في العراق، وذلك عبر مطالبة الإدارة الأمريكية سياسياً بالسعي لتحييد معارضي الحرب، بدءاً من الأمم المتحدة وحتى فرنسا وألمانيا (وهو أمر حققت فيه بعض التقدم بفعل تغير القيادات في ألمانيا وفرنسا)، وعسكرياً عبر مظاهر شتى أهمها إعادة انتشار القوات الأمريكية في العالم، إلى جانب ذلك بدأ انكماش التحالف المتعاون مع القوات الأمريكية، وكان ما سمي (عملية انتقال السلطة إلى العراقيين) الذريعة التي تحتاجها العديد من الدول لسحب أو تخفيض عدد قواتها في وقت لاحق، والبحث عن حلفاء جدد، وصولاً إلى الإعلان الصريح عن وقوع الإدارة الأمريكية في أخطاء فادحة جراء احتلالها للعراق، ولم يستطع الرئيس بوش بعد نهاية العام الخامس للاحتلال إعطاء صورة متفائلة بل إنه قال صراحة: (إن العراق هو المكان الذي يلتقي فيه خطران محدقان بالولايات المتحدة: الأول هو القاعدة والثاني هو ايران)، معتبراً أن النجاح في العراق يعني حماية الولايات المتحدة، أما الخسارة فتعني تعريض الأمن القومي للخطر ومواجهة (هجمات إرهابية جديدة على الأراضي الأمريكية). وهذان الخطران لم يكونا ضمن الأهداف المعلنة للحملة الأمريكية قبل خمس سنوات مما يشكل اعترافاً بمدى الانحراف الاستراتيجي أو ربما إعلاناً جديداً عن حقيقة الأهداف الأمريكية.
والخلاصة أن الاستراتيجية الأمريكية التي عدّت احتلال العراق منطلقاً لإعادة بناء العالم وفق الرؤية والطموحات الأمريكية، وجدت نفسها تستقبل العام السادس للاحتلال بحسابات جديدة، فالفوضى تعم الشرق الأوسط،، ولم يصبح واحة للديمقراطية، كما أن الاستراتيجية الأمريكية للقرن الحادي والعشرين اعتمدت عقيدة قتالية أساسها المراهنة على التفوق التكنولوجي وهو ما وجد تحدياً واضحاً وصعباً في قتال الأمريكيين مع المقاومة، كما أن أعداد وقيادات الجماعات المسلحة التي تطلق عليها الإدارة الأمريكية وصف (الإرهابية) سواء في العراق أو أفغانستان أو في العديد من الدول العربية المجاورة وفي العالم في حالة تزايد مستمر، مما يعني أن الحرب ضد (الإرهاب) قد تطول زمنياً، وتزيد تكلفتها المادية والعسكرية، في حين أن أمر بقاء القوات الأمريكية في داخل هذه المناطق أصبح رهناً بالقضاء على هذه الجماعات وعلى مخاطرها الاستراتيجية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2231::/cck::
::introtext::
لم يكن خافياً على أي متابع رغبة المخططين للحرب الأمريكية على العراق في أنهم يريدون أن تكون المنطلق في تنفيذ استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للقرن الحادي والعشرين، التي تبناها الرئيس الأمريكي جورج ووكر بوش والمحطة الأولى والتنفيذ العملي لاستراتيجية الحرب الاستباقية تحت ذريعة الوقاية من إمكانية استخدام العراق أسلحة الدمار الشامل، كما أنها أوصلت القوات الأمريكية إلى منطقة بالغة الأهمية في وضعها الجيو-سياسي والاقتصادي، وهي حرب أرادت منها الإدارة الأمريكية تأكيد إصرارها على تنفيذ برنامجها للهيمنة وتحقيق الحلم الإمبراطوري عبر تجاهل المؤسسات الدولية والقوى الكبرى واحتلال دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة بالقوة العسكرية.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن خافياً على أي متابع رغبة المخططين للحرب الأمريكية على العراق في أنهم يريدون أن تكون المنطلق في تنفيذ استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للقرن الحادي والعشرين، التي تبناها الرئيس الأمريكي جورج بوش والمحطة الأولى والتنفيذ العملي لاستراتيجية الحرب الاستباقية تحت ذريعة الوقاية من إمكانية استخدام العراق أسلحة الدمار الشامل، كما أنها أوصلت القوات الأمريكية إلى منطقة بالغة الأهمية في وضعها الجيو-سياسي والاقتصادي، وهي حرب أرادت منها الإدارة الأمريكية تأكيد إصرارها على تنفيذ برنامجها للهيمنة وتحقيق الحلم الإمبراطوري عبر تجاهل المؤسسات الدولية والقوى الكبرى واحتلال دولة ذات سيادة وعضو في الأمم المتحدة بالقوة العسكرية.
لقد أثار غزو العراق واحتلاله من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ولا يزال يثير بعد خمس سنوات الكثير من التساؤلات حول ما تمثله العمليات الأمريكية في العراق بأبعادها العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وعن حقيقة دوافعها ومبرراتها، وهل إن أمريكا الآن أكثر أمناً؟ وهل العالم أكثر أمناً بعد تلك الأعوام من احتلال العراق؟ وهل حققت الإدارة الأمريكية نجاحاً استراتيجياً في العراق، بمعنى أنها أسست لبرامج وأهداف أوسع وأشمل، تستند إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، أم أنها تواجه من العقبات ما يمهد لما يمكن عدّه إخفاقاً استراتيجياً قد يرغمها على إعادة حساباتها في أكثر من مجال؟
لقد بدأت ملامح الشك تظهر في تصريحات المسؤولين الأمريكيين بعد فترة قصيرة من احتلال القوات الأمريكية للعراق عندما كتب وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد العبارة الآتية: (نحن لا نملك عدّادات للقياس كي نعرف ما إذا كنا سنكسب أو نخسر الحرب في العراق). لكن رامسفيلد طرح في الوقت نفسه السؤال التالي: (هل إن وضعنا الراهن مثل ذلك الذي كلما اجتهد أكثر رجع إلى الوراء؟)
ولم يكن حظ خلفه روبرت غيتس أفضل، حيث يشير واقع الأمر إلى حقائق ووقائع على الأرض لم تعد تستقيم مع التصورات الاستراتيجية للإدارة الأمريكية، وما جاء في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي للقرن الجديد.

البعد العراقي في الاستراتيجية الأمريكية الجديدة
يمكن القول إن التحليلات الأمريكية للمشهد العراقي تتفق على أن أهميته الاستراتيجية تكمن في عاملين:
الأول: رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط خالية من جيوب المعارضة للهيمنة الأمريكية.
الثاني: السيطرة على مناطق إنتاج النفط العربي والإيراني وبحر قزوين وهو ما يمثل أكثر من نصف مصادر الطاقة في العالم.
وما يؤكد هذا التحليل ما ورد في حديث للجنرال دافيد ماكيرنان الذي نقل عن دونالد رامسفيلد تحليـلاً للمشهد العسـكري في العراق قبيل عملية الغزو وعلى الشكل الآتي:
1- إن الولايات المتحدة تحيط بالعراق من كل الجهات بقواعد تشكل دائرة كاملة بدءاً من الخليج العربي إلى باكستان ثم أفغانستان وأوزبكستان وقيرغيزستان ثم إلى تركيا وإسرائيل ثم الأردن ومصـر حتى المملكة العربية السعودية.
2- إنها تملك محطات وتسهيلات مفتوحة لها من دون قيود في مياه الخليج والبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
وهذا يعني أن العراق يقع في المركز لدائرة واسعة تمثل السيطرة عليها -حسب تحليل رامسفيلد- تحقيق هدفين رئيسيين هما:
أولاً– السيطرة على مركز الدائرة في بغداد ليكون النقطة الثابتة في الدائرة الأوسع المحيطة بها.
ثانياً– تصفية ما تبقى من مواقع المقاومة من دون حاجة لاستخدام السلاح لأن وجود قوات أمريكية في العراق يعني حصار إيران من ناحيتين: أفغانستان التي تحتلها قوات أمريكية وأطلسية، والعراق، وتكون سوريا بعد احتلال العراق في وضع أصعب، مفتوحة من الشرق بوجود أمريكي في الجوار، وتركيا من الشمال التي توجد على أراضيها قوات أمريكية، والمناطق الكردية المدعومة أمريكياً في شمال العراق، مع علاقات باهتة مع الأردن ومعارضة للتدخل السوري في القرار اللبناني.
ويبدو أن المسؤولين الأمريكيين كانوا مأخوذين بالحلم الأمريكي في الهيمنة على العالم، ولم يدركوا أن ما يرسم على الخرائط يحتاج كثيراً من المستلزمات ليصبح واقعاً على الأرض، ومن هنا فإن غزو العراق الذي رأى فيه بعض المسؤولين الأمريكيين وفي مقدمتهم رامسفيلد وجورج بوش أسرع انتصار عسكري، واجه على الأرض الكثير مما أغفلته الخرائط، فكان على الإدارة الأمريكية أن تتابع مسلسلاً من الإخفاقات لمشروعها الاستراتيجي في العراق. وإذا كان الرئيس بوش قد نال فرصة للبقاء في البيت الأبيض لفترة رئاسية ثانية، فإن عليه السعي لإبقاء الجمهوريين في الرئاسة وتهيئة خلف له يتقدم المرشحين لانتخابات الرئاسة المقبلة في أواخر عام 2008.وكلما زادت الأخطاء زادت إمكانات الخصوم في المواجهة، مما يعني أن على المرشح الجمهوري جون مكين أن يقنع الأمريكيين بصواب الاستمرار في مغامرتهم العسكرية في العراق، ما دام قد بشّرهم خلال حملته الانتخابية بأنه لا يمانع في بقاء قواته في العراق مائة عام أخرى
شواهد المأزق الأمريكي في العراق
يمكن تلخيص المأزق الأمريكي في العراق بقياس نتائج الحرب العراقية وفق المعيار البراغماتي المعتمد أمريكياً، وهو يهتم بالنتائج أكثر من اهتمامه بالمقدمات، وطرق الوصول إلى تلك النتائج، وبحسب هذا المعيار فإن المطلوب في النهاية تحقيق نجاح ملموس، وهذا الأمر يطرح تساؤلاً حول المشاهد المرافقة للاحتلال الأمريكي وهل تنبئ بالنجاح الاستراتيجي الذي تم التخطيط له، وهذه المشاهد تقول:
* اقتصادياً: بلغت التكاليف الأولية للحرب على العراق نحو 100 مليار دولار، تضاف إليها ثمانية مليارات دولار شهرياً، وحسب التقديرات الأمريكية فإن هذا المبلغ ارتفع في نهاية عام 2005 إلى أكثر من 150 مليار دولار، كما أن المصروفات ارتفعت إلى 12 مليار دولار شهرياً في عام 2007 وما بعده، وهذه التكاليف صرفت في ظل عجز في الميزانية الأمريكية يقترب من نصف تريليون دولار، وهو ما يزيد كثيراً على التقديرات التي أعلنت قبل الحرب. كما أن الميزانية العسكرية الأمريكية تصاعدت خلال السنوات الخمس الماضية لتصل إلى أكثر من 190 مليار دولار في عام 2008، مما يعني زيادة في نسبة ميزانية الدفاع ما بين 4,3 – 5 في المائة من إجمالي الناتج القومي الأمريكي، بينما كانت نسبة ميزانية الدفاع إلى إجمالي الناتج القومي 3 في المائة فقط عندما تولى جورج بوش رئاسة أمريكا ثم زادت إلى 4 في المائة بين عامي (2005-2007). وبالمقابل فإن هناك نقصاً في الإنفاق المالي على الأمن الداخلي، حيث خصص مبلغ 47.5 مليار دولار في ميزانية 2005 للأمن، لكن الكثير من الأولويات مثل أمن الموانئ وفحص شحنات الخطوط الجوية والدبلوماسية الأمريكية لم تخصص لها أموال كافية.
لقد بنت الإدارة الأمريكية خططها على أساس يقول إن العراق الغني بالنفط سيكون قادراً على تمويل العمليات العسكرية وتكاليف الاحتلال، ووصف العسكريون نفط العراق بأنه (غنيمة حرب)، واتضح أن مكاسب النفط العراقي التي كانت السبب الحقيقي وراء الحرب لن تكون عاجلة، حيث تشير الوقائع إلى أن الحصول على تلك المكاسب مؤجل لفترة أطول كثيراً من كل التوقعات السابقة للحرب. وأكد مسؤولون حكوميون أمريكيون أن التقديرات المتفائلة التي أصدرتها إدارة الرئيس جورج بوش في أوائل عام 2004 بأنه سيتم تمويل الجانب الأكبر من عمليات (إعادة البناء) في العراق من خلال ثروته البترولية، وليس من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، تناقضت إلى حد بعيد مع التقييم المتشائم الذي صدر من قبل فريق عمل حكومي جرى تشكيله سراً في خريف عام 2004 لدراسة أوضاع صناعة النفط العراقية. ولقد عكست جلسات الاستماع التي عقدها الكونغرس في الثامن والتاسع من إبريل 2008، حقيقة المطامع الأمريكية في أموال النفط العراقي عندما جعل النواب موضوع تمويل إعادة الإعمار من أموال النفط العراقي الركيزة لاستجواباتهم، بفعل أنباء مقلقة عن ركود في الاقتصاد الأمريكي وعجز في الميزانية يقترب من أربعة تريليونات دولار ينوي الرئيس بوش توريثه لخلفه في البيت الأبيض، متناسين أن ما ينبغي إعادة بنائه كان قد تهدم بفعل عدوان قواتهم المتواصل، وأن هناك عملية نهب منظمة للأموال العراقية تجري أمام أنظار الجميع، وكان الحاكم المدني بول بريمر أول أبطال الفضائح المالية، كما أن عملية الهدم في البنية التحتية العراقية لا تزال قائمة على أيدي قوات الاحتلال.
بدأت أعباء احتلال العراق تعيق قدرة الجيش الأمريكي على نشر قوات قتالية مدربة في مختلف أنحاء العالم
* عسكرياً: إن البقاء في العراق يحتاج إلى 30 في المائة من إجمالي عدد الجيش الأمريكي. وهو رقم مرشح للزيادة مع تنامي المقاومة العراقية، بما يهدد الدور الأمريكي في البلقان والشرق الأقصى وغيرهما من المناطق الاستراتيجية الحيوية للمصالح الأمريكية. ومما يدلل على ذلك إعلان الرئيس الأمريكي عن خطة لإعادة انتشار القوات الأمريكية في العالم، كما تم استبدال الخطط التي سبق الإعلان عنها لتخفيض عدد القوات الأمريكية في العراق بعمليات استبدال للبعض من تلك القوات، ولم يعد من مجموع ثلاثين ألف عسكري إضافي أرسلوا إلى العراق في مطلع عام 2007 ضمن ما سمي (استراتيجية الطفرة العسكرية)، سوى عدد محدود.ويخدم في العراق حالياً أكثر منخمسين ألفاً من عناصر الحرس الوطني وقوات الاحتياط، وهم يشكلون نحو ثلث القوات الأمريكية العاملة فيه، مما انعكس على الوظائف التي كانت يشغلها هؤلاء، حيث إن أغلبهم من قوات الشرطة ووكالات فرض القانون، مما يعني تقليص القدرة على الاستجابة لحالات الطوارئ بما فيها الكوارث الطبيعية والعمليات الإرهابية. كما ظهرت دلالات شتى على انهيار معنويات العسكريين الأمريكيين العاملين في العراق، كان من أبرزها مطالبة الجنود الأمريكيين بتوفير المزيد من السلاح والآليات لحماية أنفسهم بعد أن أدت عمليات المقاومة إلى تدمير أعداد كبيرة من الأسلحة والآليات، وإقرار الجيش الأمريكي باستمرار تزايد معدلات الانتحار بين الجنود في العراق واضطرار الإدارة الأمريكية لتمديد فترات بقاء قواتها في العراق بعد انتهاء مدة تطوعهم بسبب النقص الكبير في عدد تلك القوات وصعوبة تعويضها.ورافق تلك التحذيرات ظهور تحليلات عسكرية تؤكد أن القوة الأمريكية ستبدأ بالتراجع، وأن على الإدارة الأمريكية إعادة النظر في حساباتها، وخاصة في العراق إن هي أرادت وقف عملية الانحدار، حيث بدأت أعباء احتلال العراق تعيق قدرة الجيش الأمريكي على نشر قوات قتالية مدربة في مختلف أنحاء العالم خلال أشهر عدة، وقالت صحيفة (نيويورك تايمز) في افتتاحية لها عام 2004 إن احتلال العراق سيعمل على المدى الطويل على إرباك حياة الآلاف من أسر العسكريين، وسيعرض نظام الاحتياط المعمول به في الجيش لخطر شديد، إضافة إلى أن ذلك سيحد من النزعة العالمية في السياسة الخارجية الأمريكية.
ويرى الكثيرون في إعلان الرئيس بوش في العاشر من إبريل 2008 تخفيض مدة الخدمة للجنود العاملين في العراق من 15 شهراً إلى 12 شهراً مجرد عملية تضليل، حيث إنها تشمل عدداً محدوداً، كما أنها تتزامن مع الموافقة على اقتراح القائد الميداني ديفيد بترايوس بتجميد عملية تخفيض القوات من أجل مراجعة الاستراتيجية الأمريكية في العراق.
* اجتماعياً: أثبتت المراهنة على تقبل الأمريكيين للتكاليف البشرية أنها ليست دقيقة، لأن القبول بالخسائر البشرية بني على أساس أن التعويض المادي من مكاسب الحرب سيكون بديلاً مقبولاً، إلا أن حجم الخسائر البشرية كان أكثر مما يتقبله المواطن الأمريكي، وأعداد القتلى والجرحى تتزايد مع استمرار وجود القوات الأمريكية في العراق، كما ظهرت الانعكاسات الاجتماعية في رفض الكثير من المجندين تجديد عقودهم، وفر آخرون وتصاعدت الأصوات الرافضة للاستمرار في المغامرة الأمريكية في العراق والمطالبة بعودة القوات الأمريكية إلى الولايات المتحدة، وهذه العملية بدأت بحذر في المحافل الأكاديمية وعبر مواقع الإنترنت، وأبرز مثال في هذا الصدد الرسالة المفتوحة الموجهة إلى الشعب الأمريكي والتي نشرت يوم 12/10/2004 في عدد من وسائل الإعلام الأمريكي، وحملت تواقيع 729 أكاديمياً من خبراء الشؤون الخارجية والأمن في الولايات المتحدة الأمريكية وحملت عنوان: (سياسات بوش في العراق الأكثر تضليلاً منذ حرب فيتنام) والتي خلصت إلى (أن النتائج التي أسفرت عنها هذه السياسة هي نتائج سلبية بشكل ساحق بالنسبة للمصالح الأمريكية، فلم يكن إسقاط النظام في العراق ذا فائدة كبيرة للولايات المتحدة، كما أن التركيز المفرط على العراق أدى إلى ضعف الاستجابة للتحديات الأكبر التيتفرضها برامج التسليح النووية لدول أخرى مثل كوريا الشمالية وإيران، وأن توجيهالجهد والمال نحو حرب العراق أضر بالجهود الاقتصادية المطلوبة لمحاربة الإرهاب في الأراضي التي ينتشر فيها، كما أضرت الفضائح التي رافقت الاحتلال وخاصة فضيحة سجن أبو غريب بسمعة الولايات المتحدة في معظم أرجاء الشرق الأوسط). ثم اتخذت المعارضة أشكالاً أكثر علنية وصولاً إلى الصراحة المطلقة، وباتت تناقش في جلسات الكونغرس الأمريكي، الأمر الذي أصبح أكثر حدة بعد فوز الديمقراطيين في الانتخابات التشريعية النصفية في عام 2006. كما أن اثنين من أبرز المنظّرين الاستراتيجيين الأمريكيين انتقدا إدارة بوش صراحة، وأكد هنري كيسنجر وزير الخارجية الأسبق (وكان من أشد مؤيدي الحرب) استحالة تحقيق نصر عسكري في العراق، بينما ذكر مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي في كتابهالأخير(الفرصة الثانية)، أن الحرب في العراق كانت كارثة جيو-سياسية بالنسبة لأمريكا على كل المستويات، حيث أدت إلى تشتيت الموارد والانتباه عن التهديد الإرهابي مما قاد إلى مسلسل من الكوارث على صعيد الحرب على الإرهاب.
الميزانية العسكرية الأمريكية تصاعدت خلال السنوات الخمس الماضية لتصل إلى أكثر من 190 مليار دولار
* استراتيجياً: الإعلان الأمريكي عن فشل الحرب الاستباقية بأسلوب متدرج. فقد شهد عام 2006 تطورات عديدة وتدرج في الإعلان عن الإخفاق في العراق والدعوة إلى استراتيجية جديدة. وواقع الأمر أن الإدارة الأمريكية أعلنت في النصف الأول من ذلك العام عن مواصلة استراتيجيتها في العراق مع تعديلات طفيفة لا تمس الجوهر، إلا أنها أعلنت بعد زيادة التدهور الأمني في العراق وتصاعد الأصوات في الداخل الأمريكي لوضع حد لما يجري، عن القيام بإجراءات جديدة ووضع خطط جديدة استناداً إلى نصائح وتوصيات تقدمت بها لجنة (بيكر–هاملتون) التي شكلها الرئيس الأمريكي لدراسة الأوضاع في العراق، وذلك عبر مطالبة الإدارة الأمريكية سياسياً بالسعي لتحييد معارضي الحرب، بدءاً من الأمم المتحدة وحتى فرنسا وألمانيا (وهو أمر حققت فيه بعض التقدم بفعل تغير القيادات في ألمانيا وفرنسا)، وعسكرياً عبر مظاهر شتى أهمها إعادة انتشار القوات الأمريكية في العالم، إلى جانب ذلك بدأ انكماش التحالف المتعاون مع القوات الأمريكية، وكان ما سمي (عملية انتقال السلطة إلى العراقيين) الذريعة التي تحتاجها العديد من الدول لسحب أو تخفيض عدد قواتها في وقت لاحق، والبحث عن حلفاء جدد، وصولاً إلى الإعلان الصريح عن وقوع الإدارة الأمريكية في أخطاء فادحة جراء احتلالها للعراق، ولم يستطع الرئيس بوش بعد نهاية العام الخامس للاحتلال إعطاء صورة متفائلة بل إنه قال صراحة: (إن العراق هو المكان الذي يلتقي فيه خطران محدقان بالولايات المتحدة: الأول هو القاعدة والثاني هو ايران)، معتبراً أن النجاح في العراق يعني حماية الولايات المتحدة، أما الخسارة فتعني تعريض الأمن القومي للخطر ومواجهة (هجمات إرهابية جديدة على الأراضي الأمريكية). وهذان الخطران لم يكونا ضمن الأهداف المعلنة للحملة الأمريكية قبل خمس سنوات مما يشكل اعترافاً بمدى الانحراف الاستراتيجي أو ربما إعلاناً جديداً عن حقيقة الأهداف الأمريكية.
والخلاصة أن الاستراتيجية الأمريكية التي عدّت احتلال العراق منطلقاً لإعادة بناء العالم وفق الرؤية والطموحات الأمريكية، وجدت نفسها تستقبل العام السادس للاحتلال بحسابات جديدة، فالفوضى تعم الشرق الأوسط،، ولم يصبح واحة للديمقراطية، كما أن الاستراتيجية الأمريكية للقرن الحادي والعشرين اعتمدت عقيدة قتالية أساسها المراهنة على التفوق التكنولوجي وهو ما وجد تحدياً واضحاً وصعباً في قتال الأمريكيين مع المقاومة، كما أن أعداد وقيادات الجماعات المسلحة التي تطلق عليها الإدارة الأمريكية وصف (الإرهابية) سواء في العراق أو أفغانستان أو في العديد من الدول العربية المجاورة وفي العالم في حالة تزايد مستمر، مما يعني أن الحرب ضد (الإرهاب) قد تطول زمنياً، وتزيد تكلفتها المادية والعسكرية، في حين أن أمر بقاء القوات الأمريكية في داخل هذه المناطق أصبح رهناً بالقضاء على هذه الجماعات وعلى مخاطرها الاستراتيجية.
::/fulltext::
::cck::2231::/cck::
