مصلحة العراق الوطنية.. الواقع والطموح

::cck::2228::/cck::
::introtext::

هل وصل العراق والشعوب العراقية إلى طريق مسدود للتعايش بينهم كشعب وأمة؟ الواقع أن انخفاضاً نسبياً لمعدلات العنف ناجم حقيقة، وكما هو مرصود من ظهور خريطة للتقسيم الطائفي والقومي، جراء عمليات التطهير طيلة الفترة (2005-2007) وليس جراء أي خطة أو استراتيجية أمنية، ومؤشرات ذلك أن حركة المواطن محددة داخل المناطق التي تطابق تكوينه الطائفي والقومي، وسياسات العزل لمعظم مناطق بغداد وديالى، واستمرار أعداد الضحايا المجهولة المرتفعة.

::/introtext::
::fulltext::

هل وصل العراق والشعوب العراقية إلى طريق مسدود للتعايش بينهم كشعب وأمة؟ الواقع أن انخفاضاً نسبياً لمعدلات العنف ناجم حقيقة، وكما هو مرصود من ظهور خريطة للتقسيم الطائفي والقومي، جراء عمليات التطهير طيلة الفترة (2005-2007) وليس جراء أي خطة أو استراتيجية أمنية، ومؤشرات ذلك أن حركة المواطن محددة داخل المناطق التي تطابق تكوينه الطائفي والقومي، وسياسات العزل لمعظم مناطق بغداد وديالى، واستمرار أعداد الضحايا المجهولة المرتفعة.

كلما أوغلنا في تحليل المصلحة الوطنية اضطررنا إلى اعتراف بأن المصلحة تأتي لتتدخل في التاريخ والجغرافيا، كما أنها تصنع المستقبل. وتفسر هذه الفكرة حجم المعضلة وتعقيداتها، حيث علينا فهم التاريخ والجغرافيا، ومعرفة الوتر الذي ينبغي استخدامه للتأثير فيهما. والصعوبة هي في تحقيق الهدفين، لهذا من الأفضل العمل على حل المعضلات التي يطرحانها، وهي:

* المعضلة الأولى، هي أن فهم الظواهر التاريخية والجغرافيا التي يعاني منها العراق يعود إلى كتب التاريخ والسياسة لا إلى كتب الاستراتيجية. فالاستراتيجية يتعذر عليها الاستغناء عن التشخيص السياسي الذي يشكل بالضرورة الفرضية الأساسية التي تبنى عليها المصلحة التي نطمح إلى طرحها.

* المعضلة الثانية، هي أن تحديد أدوات حفظ المصلحة قضية استراتيجية. بمعنى تحديد طريقة للتحليل وطريقة لإعداد المخططات التي تسمح بمعالجة المعضلات التي تواجهها المصلحة. ويلاحظ أن قليلاً من أدوات الحفظ تلك تتعلق بعوامل مادية يمكن قياسها، وأن معظم الأدوات مرتبطة على العكس بعوامل مجردة نفسية واعتبارية ورمزية تمتد حتى تصل إلى الدوافع السياسية، التي يصعب تقديم أي مخطط ترسيمي لعلاقاتها.

إن هدف السياسة العليا للدولة يفترض أن يقع على اختيار الأهداف وأطر العمل، في حين أن القرار السياسي يصدر بعد محاكمة عقلانية- موضوعية للوسائل، ولا يزال هذا الخلط يمثل معضلة للعراق. وعلينا أن نتذكر الآتي: المصلحة الوطنية هي استراتيجية هجوم ودفاع، وأن مصادر وأساليب التعامل مع مصالح العراق الوطنية في إطار بيئة العراق المعقدة واسعة ومركبة. وهنا نتساءل: هل يمكن حساب المسافة السياسية التي تفصل العراق في الآتي: المسافة التي تفصله عن الاستقرار السياسي؟ علاقاته بدول الإقليم والدول الفاعلة في النظام الدولي؟ تعاملاته مع التحديات التي تواجه مستقبله السياسي؟ ولا يمكن الإجابة عن ذلك إلا بالإجابة عن الآتي: ما هي أسلم أفضليات الدولة العراقية؟ وما هي مصالح الدولة العراقية؟ وسنعالج موضوع المصلحة الوطنية وسنترك في الوقت الحاضر تحليل سلم الأولويات للقوى العراقية.

ويكاد التطرق إلى موضوعة المصلحة الوطنية لدولة ما محدوداً في بلدان مثل العراق، لاعتبارات أقلها رغبة من يمسك بالسلطة في احتكار الخيارات وتقديس ذاتية وإبعادها عن المساءلة، وفي الوقت عينه تقليل إن لم يكن نفي الرأي الآخر المختلف معه أو الراغب في تأدية أدوار في العملية السياسية في البلد المعني. أما في التجارب الإنسانية الغربية فيجري تقديم نماذج جيدة لكيفية التعامل مع أطروحات المصلحة الوطنية للبلد، وخيارات الحكومات المتعاقبة فيه، وموقع الدستور وأماكن القدسية المتعلقة بالخطوط التي لا يمكن المساومة عليها أو تعديلها، وأبرزها الشعب والأرض، ويكاد الاختلاف يتعلق بمستوى الرفاهية. وفي العموم، للإجابة عن سؤال ما هي مصالح العراق الوطنية؟ فالواقع أن مفهوم المصالح يمثل حزمة مترابطة من الصعب تعريفها فهي تتعلق بالغايات بعيدة المدى وشبه المستقرة، والتي تتعامل مع أولويات الرقعة الجغرافيا والشعب ودرجة تأمينهما أو درجة الرقي وتوفير الرفاه فيهما ولهما.

وغالباً ما تميل الدراسات الأكاديمية ليس إلى التعامل مع مصالح البلد إنما التعامل مع مترادفات تقترب أو تبتعد بدرجة أو أخرى، ومثالها: الأمن القومي، الأهداف القومية والاستراتيجيات القومية.

ومن خلال استقراء للتجربة التاريخية والواقع الجغرافي، وللأطر النظرية الأكاديمية فإن مصالح أي بلد تتعلق بمسألتين: الأرض والشعب، ومنهما يمكن اشتقاق الخطوط العريضة لمصالح العراق والتي يمكن أن أضعها في الآتي:

أ- استقرار نظام الحكم، وهو ما يتعلق بثلاثة مكونات: تداول سلمي على السلطة، مساواة سياسية، حرية مكفولة.

ب- توفير أمن مجتمعي والوصول إلى مرحلة الرفاه الاجتماعي والاقتصادي.

ج- انطلاق مشروع لتطوير الموارد البشرية والمادية.

د- بيئة دولية ميسرة لمصالح العراق.

لقد حقق النظام العراقي طيلة الفترة السابقة للعام 2003 شرطين من شروط مصالح البلاد في أعلاه، وهما (ب، ج). والواقع أن أهم عيوب المرحلة السابقة تتعلق بالنقطتين (أ، د). أما ما يتعلق بالنقطة (أ) فالجانب الأكبر من القصور تعلق بدرجة تمسك النظام آنذاك بالحكم والخوف من فقدانه. وهذا ما دفعه إلى عدم إشاعة أو إتاحة الحرية وعدم رغبته في تحقيق مساواة سياسية بين المواطنين، بل اعتمد التفرقة على أساس الأيديولوجيات السياسية وليس العقائد أو التكوينات الإثنية.

الوضع الراهن يقتضي وضع جداول زمنية مسبقة للانسحاب الأمريكي من العراق

وفي ما يتعلق بالنقطة (د) فالواضح هو اتجاه النظام آنذاك إلى عسكرة المجتمع، وتوجيه خطاب سياسي تغييري نحو البيئة العربية، وضرب الاستثمار الإيراني في العراق، وخطاب سياسي غير ودي لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. والجانب السلبي في ذلك يكمن، ليس في الغايات من هذه التوجهات، بل في الأساليب التصادمية التي دفعت بالعراق بموارده المحدودة إلى مواجهة بيئة خارجية لها مصالحها واستراتيجياتها السلبية حيال العراق، بل انتهت قوى تلك البيئة إلى الاتفاق على محاصرة العراق وتحجيمه وضربه.

ولدينا هنا مسألتان، الأولى متعلقة بمناقشة الاستجابة لبيئة خارجية معينة، وهل فيها ضرر على مصالح البلاد؟ والمسألة الثانية متعلقة بإشكالية الوجود الأجنبي في بلد ما، وتأثيره في مصالح ذلك البلد. والواقع أن الأنموذجين الألماني والياباني يقدمان أنموذجين فريدين. فالاستجابة للولايات المتحدة تقع في إطار كونها ملبية لمطالب مصالح كليهما، أي كلتا الدولتين. فمن دون تلك الاستجابة سترتفع التكاليف السياسية لضمان أمن الدولتين لمصالحهما وحدودهما، وهذا أمر غير مرغوب فيه في المرحلة الراهنة. كما أن القاعدة الرئيسية أو المركزية التي يتوجب فهمها في السياسة الدولية أن لكل دولة مصالح قومية عليا وأهدافاً بعيدة تتوخى من خلال تحقيقها ترتيب البيئتين الداخلية والخارجية خدمة لتلك المصالح. كما لها استراتيجيات تفيد بتحقيق موازنة ما بين الموارد المتاحة للدولة المعنية والأهداف الواجب تحقيقها والتحديات والصعوبات القائمة واقتراح أنسب السبل والوسائل. أما في سبيل مواجهة تلك التحديات أو في سبيل إعادة ترتيب البيئتين الداخلية والخارجية بما يحقق الأهداف المنشودة. فهل يمكن أن تعمل دولة خلاف ذلك؟ الجواب الأكيد هو (لا).

وهل يمكن أن تكون مصالح الدولة هي ذاتها مصالح رئيس الدولة؟ هذا الجواب حسمته الأنظمة المستقرة عندما أقرت أن استمرار أي نظام فيها ليس المصلحة الاستراتيجية لها بقدر ما هي مصالحها في حفظ أرضها وشعبها، ويجري التعبير عنه بحفظ حدودها وازدهارها وتنمية مجتمعاتها. أما النظام السياسي فيها فهو يتعاطى مع الظرف التاريخي السائد وقد يستدعي الحال تغييره. أما في الأنظمة غير المستقرة فإن مصلحة النظام هي السائدة وليست مصلحة الدولة، ودليلها أن العلاقات مع غيرها تتواتر أو ترتقي تحت دواع واعتبارات شخصية قد لا تكون لها قيمة على مصالح البلد المعني العليا. ورغم أن المتعارف عليه أن متخذ القرار هو الذي عليه مسؤولية اعتماد خيار من بين الخيارات المطروحة، إلا أن هذه المعادلة مختلة في هذه الدول، إذ يكاد أول شخص يتبرأ من الخطأ هو الرئيس.

وهل يمكن أيضاً أن تخدم دولة ما مصالح دولة أخرى؟ وكما ذكرنا في الأنموذجين الألماني والياباني، وهما ليسا قياساً، هنا الجواب يحمل شقين: الشق الأول، إذا قدرت الجهات المسؤولة أن الاستجابة لمصالح وسياسات الدولة الأخرى فيه مصلحة لها أو فيه دفع ضرر عنها، أو أنه لا يتقاطع ومصالحها العليا. وفي هذه الحالات فإن أمر استجابتها لمصالح وسياسات الدولة الأخرى مقبول، ولا يتقاطع مع مصالحها. الشق الثاني، أما إذا استجابت الجهات المسؤولة من دون دراية للأمور السابقة، ونظرت فقط إلى حجم الامتيازات في سلطة الحكم أو المكاسب الإقليمية الآنية من جراء الاستجابة، فبالتأكيد أن وقع ذلك سيكون سلبياً جداً على مصالحها.

وهل مصالح العراق ومصالح الولايات المتحدة متطابقة؟ والسؤال الممنوع من الطرح والإجابة، سياسياً في العراق، هو هل مصالح العراق وإيران متطابقة؟ أول ملامح التطابق هو وجود الإرادة لدى الطرفين، وثانيهما تقاربهما في الاحتياج وعوامل التبادل والقوة، وواضح أن كلا العنصرين غير متوافر في علاقة الطرفين. وفيما تقدم استنتاج مهم ألا وهو أن العلاقة بين الدولتين لا تحوي (إلى تاريخ الانتهاء من كتابة هذه الورقة مستهل نيسان 2008)، أي مصالح متبادلة، ربما باستثناء مصالح للطرف الأقوى المتمسك بها. لقد اعتقد بعض السذج أن الولايات المتحدة (أو إيران) شركة خيرية تقدم مساهماتها وتضحياتها والتكاليف البشرية والمالية والمادية ثم ستتخلى عن العراق، بمجرد أن يقدم (من تقدم بفروض الطاعة طلبا للمركز والحكم) بطلبه خروج تلك القوات. وربما كان الأمريكيون أخطأوا في استراتيجيات التعامل وفي تقدير الموقف، لكنهم ليسوا أغبياء في دخول العراق وتقدير المكاسب والتكاليف. وما عقّد الوضع في العراق هو أن الأمريكيين والإيرانيين أثبتوا زيف وطنية شرائح مهمة من شعوب العراق وفئاته، بل وعمالتها وخيانتها، وأثبتوا أيضاً سطحية تفكير الإنسان العراقي وبشاعة استغلاله من رجال الطوائف والملل الذين ارتجلوا لبس رداء السياسة، مما أدى إلى جعل الأرض والدم والممتلكات العراقية عرضة لمزايدات صراعات الأجهزة الاستخبارية المختلفة في تقرير أي الإرادات ستنتصر. وبعد أن أدخلت دول عدة استثمارات ضخمة في العراق (مالية وبشرية وفكرية وسمعة) لإفشال المشروع الأمريكي في جعل العراق رأس حربة في عمليات التغيير، بدأت تلك الدول تجد في المصادر العراقية تغذية ذاتية لإفشال المشروع الأمريكي.

السؤال الممنوع من الطرح والإجابة سياسياً في العراق هو هل مصالح العراق وإيران متطابقة؟

وفي المقابل كانت الولايات المتحدة ترى أن صعوبة السيطرة على العراق تتزايد أمامها، فانتقلت من السيطرة على البلد إلى استراتيجية تفكيكه والسيطرة عليه، وإنهاء هيبة الدولة (وذلك في الأسابيع الأولى من السيطرة على العراق، ولوحظ ذلك باستبدال الجنرال جي كارنر بالسفير بول بريمر الذي كان محملاً باستراتيجية تفكيكية واضحة، هذا إن لم يكن محملاً باستراتيجية واضحة لإنهاء الدولة العراقية السابقة)، فنجحت في الأولى (تفكيك البلد والسيطرة عليه) تحت دعاوى المظالم التاريخية والاستثمار الأمثل للموارد، ونجحت أيضاً في الثانية (إنهاء هيبة الدولة) تحت دعاوى التباكي وأحزان مذاهب وقوميات.

والآن تخطط الولايات المتحدة لاستراتيجية تقلل فيها تكاليف بقائها منتشرة أو بدرجة أدنى استثمار الوقت لإنتاج أفضل استراتيجية لضمان بقاء وجودها؛ بمعنى إخضاع العراق بعد أن نجح العراقيون بما لم تستطع به القوات الأمريكية من تمزيق وحدة العراق وتعطيل الجهد اللازم لإخراج القوات الأمريكية، إلى حين وضع الشروط الملائمة لسيطرتها السياسية على العراق.

وهل راعت الولايات المتحدة مصالح العراق؟ ولماذا؟ إذا ما أخذنا النقاط الأربع السابقة وأسقطناها على الوجود الأمريكي في العراق فسنلاحظ عدم تحقق أي واحدة منها:

أ- فالدستور الذي صيغ جاء في ظرف لعبة التوازنات الهشة التي أوجدتها لتحكم الدولة، ولم تكن قوى مهمة موجودة على الساحة على اتفاق معه أو مع العملية السياسية الجارية، بل إنه جاء في ظرف وشروط غير صائبة: فالاحتلال ذاته غير محايد، والسلاح الذي تملكه الميليشيات جعل حرية الاختيار بلا جدوى، بالإضافة إلى الافتقار إلى تعداد سكاني محدد، ومنح حق التصويت لنحو (3-4) ملايين إنسان منحوا أوراق التجنيس العراقية على عجل دون التحقق من الإثبات سوى الرغبة في إعادة التوطين أو الرغبة في منح حقوق لمن ادعى مظلومية، وجرى تهجير نحو (4-5) ملايين عراقي آخر من (البصرة، الحلة، ديالى، واسط، بغداد، كركوك والموصل) تحت حجة اعتقادات طائفية وقومية والتوجهات السياسية، أغلبهم لم يتح له حق إبداء رأي بالعملية السياسية. أما الحديث عن المساواة السياسية والحريات فالواضح أن ما ادعت الولايات المتحدة أنها قادمة من أجله في العراق ثبت خلال السنوات السابقة أنه (فوبيا)، التي بات لا يتحملها الإنسان العراقي، فهي غير مقبولة على مستوى الأكاديميين أنفسهم، حيث سُيس أغلبهم طمعاً بجاه أو منصب أو طلباً لحفظ روحه من تصفية شبه محتومة، فكيف الحال مع المواطنين العاديين؟ بل إن مانفرد نوفاك المحقق الخاص لشؤون التعذيب في الأمم المتحدة، أشار في نهاية عام 2006 إلى أن الانتهاكات وصلت إلى مرحلة لم يكن العراق قد وصلها خلال تاريخه المعاصر.

ب- أما بخصوص مكانة الإنسان في الفكر السياسي الراهن، فالواضح أنها اضمحلت، ويثبت ذلك عدم جدية الحكومة في أقل تقدير، إن لم يكن تواطؤ أغلب قواها، في الكشف عما يجري من انتهاكات جماعية. وبالتالي فالأمن الاجتماعي وليس تنمية الموارد البشرية وإدارتها فحسب أصبح مفقوداً.

ج- البيئة الدولية هي جانب آخر يثار في مسألة الوجود الأمريكي في العراق، فمعظم دول الإقليم تتوقع أدواراً سلبية للعراق إزاءها، الأمر الذي دفعها إلى استباق حدوث ذلك بالتدخل والاستثمار في العراق في شبكات الجريمة المنظمة وقوى العنف وإشاعة أجواء اللااستقرار فيه.

وهل كان يتوقع أن تراعي الولايات المتحدة مصالح العراق؟ هذا السؤال لا يثار بوجه أكاديميين مع بعضهم البعض، فالإجابات معروفة مسبقاً إلا من أراد مغالطة نفسه وفقاً لاعتقادات مغلقة، إنما المقصود هو قدرة الولايات المتحدة على إقناع القواعد الجماهيرية في العراق طلباً للتغيير السياسي أو لاستمرار وجودها باعتباره محققاً لمصالحهم. إن ما سهّل على الولايات المتحدة أهدافها، وحط من شأن العراق كدولة ومصالح وشعوب ومجتمعات هو التناقضات العراقية حول دخول وانتشار القوات الأمريكية، ويمكن إبرازها بالآتي:

أ- إن الفكر السياسي الذي حملته أغلب القوى التي دخلت العراق أو التي جرى تشكيلها تحت مسميات طائفية أو إثنية أو غيرها، نقول إنها حملت فكراً فقيراً إلى درجة مخجلة، فقد أتت ناكرة لأفكار حزب البعث العربي وللشمولية، ولم نلاحظ على أي منها وجود تنظيم حزبي أو تداول على هرميتها، بل إن بعضها عبارة عن تنظيم وولاء عائلي. وأقصى ما طمح إليه البعض هو الثأر، والآخر التعويض عن مظالم تاريخية أو نصرة حقائق تعتبرها تاريخية، أو رغبة في التباكي أو طلباً لإقليم أو ثروة، وغابت عنها فكرة ووجود دولة.

ب- سلوكيات ضعيفة، ودليلها هو التوجه وتشجيعها على سرقة موجودات الدولة، والرغبة في إضاعة معالمها، بل إنها دنت من نفسها بصورة مخجلة. ووصل الأمر بالبعض إلى القول إن بناء الدولة يتطلب عمليات تطهير للمنطقة (س، أو ص، أو ع…)، ويقصد بها التصفية عبر القتل الجماعي لما تعتبرهم غرماء وخصوماً.

ج- جشع بالاستحواذ وإنكار الآخر، فالسلطة أصبحت غاية للكسب والاسترزاق وارتقاء الاقتصادي والاجتماعي وتكوين الميليشيات، وإزاء هذه المغريات أنكر حق الآخر ليس بالعمل ضمن تكوينات المؤسسات بل حتى بالعيش، حتى أصبح وجوده بذاته يمثل تهمة جنائية. ومن تلك التهم الجاهزة التي تتطلب قصاصاً مباشراً وموضعياً من قبل قوى الأمن الناشئة أصحاب الانتماء العروبي، وتحديداً عشائر الوسط وغرب العراق، ورواد دور العبادة، الشباب الذكور، حملة المؤهلات العلمية طالما أنهم قد ينافسون غرماءهم من المحزبين.

الولايات المتحدة انتقلت من سياسة السيطرة على العراق إلى استراتيجية تفكيكه والسيطرة عليه

د- أما إذا كانت المسائل السابقة تبرر في إطار التنافس على إدارة الموارد والدولة، فإن النقطة التي لا تغتفر تاريخياً هي تحويل المفاهيم، حيث أصبح الوطني إرهابياً بامتياز، والخائن والعميل وطنياً بامتياز. بل إن تصغير الشأن والذات قد تجاوز ما هو متعارف عليه عالمياً، وتجاوز أيضاً أخلاقيات أشد الحضارات فقراً في التكوين الحضاري العالمي الإنساني التاريخي، كون الخائن مصدراً لمعلومات الطرف الموظف له، أما في العراق فقد تحول إلى متسول لغرض ابتذال روحه وأرواح وممتلكات الآخرين في سبيل مرضاة أسياده بل سُيس التعليم والقضاء إلى درجة الابتذال التي لا يرتضيها العقل.

هـ- ترتب على ذلك إنكار شبه تام لكون العراق دولة لها كيانها ومصالحها التي بإمكان أي باحث أو مفكر مهما كان انتماؤه أو بلده أن يستقرئها من حقيقتي الجغرافيا والتاريخ.

إذاً لم يكن بالإمكان تصور أن تراعي الولايات المتحدة مصالح العراق، إلا أنها استطاعت أن توجد واقعاً يفرض تداخلاً خطيراً على مصالح العراق ومستقبله كدولة وشعب وأرض، بحيث أصبح العراق أمام منزلق خطير يتعلق ببقائه، وقد دفع إلى ذلك الاستراتيجيات التي طبقتها الولايات المتحدة فيه، وصرنا هنا أمام مفترق طرق، هل نطالب القوات الأمريكية بالرحيل أم نطالبها بالاستمرار في التواجد ضمن المدى المنظور في أقل تقدير؟ وهل العراق/ العراقيون قادر على التعامل مع مقتضيات المصلحة السابق ذكرها بواقع وإرادة ذاتية؟ الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي تصور مشهدي استمرار وعدم استمرار الوجود الأمريكي، وبعيداً عن الاعتبارات العاطفية ومنها دواع وتباك على الوطنية العراقية أو الدفاع عن حياض دين.

وهل بالإمكان تحقيق مصالح للعراق في ضوء وجود قوات أمريكية على أراضيه؟ هنا لدينا الآتي: وفقاً لتصريحات قادة أمريكيين: المشروع الأمريكي في العراق يتحقق تحت حجة ظرف تصفية (أي قتل) كل المتطرفين المعارضين، المشروع الأمريكي يهدف إلى إقامة عراق وفقاً لمقاسات محددة، ليس بالضرورة أن تتطابق تلك المقاسات وظروف العراق، بل برهنت السنوات السابقة تنافرها، وتحديداً مع القيم التي يحملها أغلب العراقيين، وأقصى ما نتوقعه من تحقق لمصالح العراق في ظرف الوجود الأمريكي هو استقرار نظام الحكم، وتحقيق نمو اقتصادي مقبول، وأكثر السلبيات التي ستلحق مصالح العراق هي في علاقته ببيئته الدولية، حيث سيفتقر العراق إلى المصداقية في كونه معبراً عن مصالحه الذاتية.

وهذا ما يدفعنا إلى تصور مدى تحقق مصالح العراق، والواضح أنها لن تتحقق بشكل كامل، بل في حدودها الدنيا، مما يدفعنا أيضاً إلى التساؤل الآخر، هل يمكن أن تتحقق مصالح العراق في ظرف انسحاب القوات الأمريكية منه؟ الواقع أننا سنكون أمام الآتي: الوضع معقّد ومركب في تعقيده، توجد كل الظروف المؤهلة (الرغبة، التخطيط الاستخباري، الأسلحة، المبتذلون أرواحهم أو المسترخصون لها) لدخول البلاد في بحار دم إضافية تحت حجة العنف والرغبة في الاستحواذ على المقدرات أو حرق الأرض قبل الانسحاب منها، وهيأت الولايات المتحدة نفسها لمثل هكذا ظرف من إعادة توزيع إثني وطائفي ومادي واستخباري ولعناصر القوة (اعتقال وقتل لنحو مليونين من الشباب العرب) وتهجير لنحو (5-6) ملايين (3 ملايين آخرين لاجئين خارج العراق، و(2-3) ملايين نازح داخله) رغبة منها في اللعب على ورقة الخلافات لكي تطلب كل قوة أو تكوين مكوث الولايات المتحدة وحمايتها وعدم حيادية دول الجوار، والأهم عدم وجود مشاريع وطنية أو بديلة تحظى بثقة الشعب أو تكوينات مهمة منه. وبالتالي فإن انسحاب القوات الأمريكية منه سيمهد لوقوع كارثة إنسانية. وأمام هذه المعضلة فإن الحال تقتضي وضع جداول زمنية ومسبقة للإقدام على هذه الخطوة وتجسيد احترام مصالح كل قوة للأخرى، وتعالج إشكالية بحار الدم الجاري استثمارها منذ فترة بواسطة القوى الخارجية، واستعداد عراقي- عراقي مسبق للابتذال فيها. فهل يعي العراقيون ما هم فيه؟ إن عناصر الشك هي الأقوى في أي جواب يمكن أن يقدم. فالحلول ستكون سياسية، وليس وفقاً لمقاييس العدالة، ولا دوام بغير العدالة؛ هذا ما تخبرنا به التجارب الإنسانية التاريخية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2228::/cck::
::introtext::

هل وصل العراق والشعوب العراقية إلى طريق مسدود للتعايش بينهم كشعب وأمة؟ الواقع أن انخفاضاً نسبياً لمعدلات العنف ناجم حقيقة، وكما هو مرصود من ظهور خريطة للتقسيم الطائفي والقومي، جراء عمليات التطهير طيلة الفترة (2005-2007) وليس جراء أي خطة أو استراتيجية أمنية، ومؤشرات ذلك أن حركة المواطن محددة داخل المناطق التي تطابق تكوينه الطائفي والقومي، وسياسات العزل لمعظم مناطق بغداد وديالى، واستمرار أعداد الضحايا المجهولة المرتفعة.

::/introtext::
::fulltext::

هل وصل العراق والشعوب العراقية إلى طريق مسدود للتعايش بينهم كشعب وأمة؟ الواقع أن انخفاضاً نسبياً لمعدلات العنف ناجم حقيقة، وكما هو مرصود من ظهور خريطة للتقسيم الطائفي والقومي، جراء عمليات التطهير طيلة الفترة (2005-2007) وليس جراء أي خطة أو استراتيجية أمنية، ومؤشرات ذلك أن حركة المواطن محددة داخل المناطق التي تطابق تكوينه الطائفي والقومي، وسياسات العزل لمعظم مناطق بغداد وديالى، واستمرار أعداد الضحايا المجهولة المرتفعة.

كلما أوغلنا في تحليل المصلحة الوطنية اضطررنا إلى اعتراف بأن المصلحة تأتي لتتدخل في التاريخ والجغرافيا، كما أنها تصنع المستقبل. وتفسر هذه الفكرة حجم المعضلة وتعقيداتها، حيث علينا فهم التاريخ والجغرافيا، ومعرفة الوتر الذي ينبغي استخدامه للتأثير فيهما. والصعوبة هي في تحقيق الهدفين، لهذا من الأفضل العمل على حل المعضلات التي يطرحانها، وهي:

* المعضلة الأولى، هي أن فهم الظواهر التاريخية والجغرافيا التي يعاني منها العراق يعود إلى كتب التاريخ والسياسة لا إلى كتب الاستراتيجية. فالاستراتيجية يتعذر عليها الاستغناء عن التشخيص السياسي الذي يشكل بالضرورة الفرضية الأساسية التي تبنى عليها المصلحة التي نطمح إلى طرحها.

* المعضلة الثانية، هي أن تحديد أدوات حفظ المصلحة قضية استراتيجية. بمعنى تحديد طريقة للتحليل وطريقة لإعداد المخططات التي تسمح بمعالجة المعضلات التي تواجهها المصلحة. ويلاحظ أن قليلاً من أدوات الحفظ تلك تتعلق بعوامل مادية يمكن قياسها، وأن معظم الأدوات مرتبطة على العكس بعوامل مجردة نفسية واعتبارية ورمزية تمتد حتى تصل إلى الدوافع السياسية، التي يصعب تقديم أي مخطط ترسيمي لعلاقاتها.

إن هدف السياسة العليا للدولة يفترض أن يقع على اختيار الأهداف وأطر العمل، في حين أن القرار السياسي يصدر بعد محاكمة عقلانية- موضوعية للوسائل، ولا يزال هذا الخلط يمثل معضلة للعراق. وعلينا أن نتذكر الآتي: المصلحة الوطنية هي استراتيجية هجوم ودفاع، وأن مصادر وأساليب التعامل مع مصالح العراق الوطنية في إطار بيئة العراق المعقدة واسعة ومركبة. وهنا نتساءل: هل يمكن حساب المسافة السياسية التي تفصل العراق في الآتي: المسافة التي تفصله عن الاستقرار السياسي؟ علاقاته بدول الإقليم والدول الفاعلة في النظام الدولي؟ تعاملاته مع التحديات التي تواجه مستقبله السياسي؟ ولا يمكن الإجابة عن ذلك إلا بالإجابة عن الآتي: ما هي أسلم أفضليات الدولة العراقية؟ وما هي مصالح الدولة العراقية؟ وسنعالج موضوع المصلحة الوطنية وسنترك في الوقت الحاضر تحليل سلم الأولويات للقوى العراقية.

ويكاد التطرق إلى موضوعة المصلحة الوطنية لدولة ما محدوداً في بلدان مثل العراق، لاعتبارات أقلها رغبة من يمسك بالسلطة في احتكار الخيارات وتقديس ذاتية وإبعادها عن المساءلة، وفي الوقت عينه تقليل إن لم يكن نفي الرأي الآخر المختلف معه أو الراغب في تأدية أدوار في العملية السياسية في البلد المعني. أما في التجارب الإنسانية الغربية فيجري تقديم نماذج جيدة لكيفية التعامل مع أطروحات المصلحة الوطنية للبلد، وخيارات الحكومات المتعاقبة فيه، وموقع الدستور وأماكن القدسية المتعلقة بالخطوط التي لا يمكن المساومة عليها أو تعديلها، وأبرزها الشعب والأرض، ويكاد الاختلاف يتعلق بمستوى الرفاهية. وفي العموم، للإجابة عن سؤال ما هي مصالح العراق الوطنية؟ فالواقع أن مفهوم المصالح يمثل حزمة مترابطة من الصعب تعريفها فهي تتعلق بالغايات بعيدة المدى وشبه المستقرة، والتي تتعامل مع أولويات الرقعة الجغرافيا والشعب ودرجة تأمينهما أو درجة الرقي وتوفير الرفاه فيهما ولهما.

وغالباً ما تميل الدراسات الأكاديمية ليس إلى التعامل مع مصالح البلد إنما التعامل مع مترادفات تقترب أو تبتعد بدرجة أو أخرى، ومثالها: الأمن القومي، الأهداف القومية والاستراتيجيات القومية.

ومن خلال استقراء للتجربة التاريخية والواقع الجغرافي، وللأطر النظرية الأكاديمية فإن مصالح أي بلد تتعلق بمسألتين: الأرض والشعب، ومنهما يمكن اشتقاق الخطوط العريضة لمصالح العراق والتي يمكن أن أضعها في الآتي:

أ- استقرار نظام الحكم، وهو ما يتعلق بثلاثة مكونات: تداول سلمي على السلطة، مساواة سياسية، حرية مكفولة.

ب- توفير أمن مجتمعي والوصول إلى مرحلة الرفاه الاجتماعي والاقتصادي.

ج- انطلاق مشروع لتطوير الموارد البشرية والمادية.

د- بيئة دولية ميسرة لمصالح العراق.

لقد حقق النظام العراقي طيلة الفترة السابقة للعام 2003 شرطين من شروط مصالح البلاد في أعلاه، وهما (ب، ج). والواقع أن أهم عيوب المرحلة السابقة تتعلق بالنقطتين (أ، د). أما ما يتعلق بالنقطة (أ) فالجانب الأكبر من القصور تعلق بدرجة تمسك النظام آنذاك بالحكم والخوف من فقدانه. وهذا ما دفعه إلى عدم إشاعة أو إتاحة الحرية وعدم رغبته في تحقيق مساواة سياسية بين المواطنين، بل اعتمد التفرقة على أساس الأيديولوجيات السياسية وليس العقائد أو التكوينات الإثنية.

الوضع الراهن يقتضي وضع جداول زمنية مسبقة للانسحاب الأمريكي من العراق

وفي ما يتعلق بالنقطة (د) فالواضح هو اتجاه النظام آنذاك إلى عسكرة المجتمع، وتوجيه خطاب سياسي تغييري نحو البيئة العربية، وضرب الاستثمار الإيراني في العراق، وخطاب سياسي غير ودي لمصالح الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. والجانب السلبي في ذلك يكمن، ليس في الغايات من هذه التوجهات، بل في الأساليب التصادمية التي دفعت بالعراق بموارده المحدودة إلى مواجهة بيئة خارجية لها مصالحها واستراتيجياتها السلبية حيال العراق، بل انتهت قوى تلك البيئة إلى الاتفاق على محاصرة العراق وتحجيمه وضربه.

ولدينا هنا مسألتان، الأولى متعلقة بمناقشة الاستجابة لبيئة خارجية معينة، وهل فيها ضرر على مصالح البلاد؟ والمسألة الثانية متعلقة بإشكالية الوجود الأجنبي في بلد ما، وتأثيره في مصالح ذلك البلد. والواقع أن الأنموذجين الألماني والياباني يقدمان أنموذجين فريدين. فالاستجابة للولايات المتحدة تقع في إطار كونها ملبية لمطالب مصالح كليهما، أي كلتا الدولتين. فمن دون تلك الاستجابة سترتفع التكاليف السياسية لضمان أمن الدولتين لمصالحهما وحدودهما، وهذا أمر غير مرغوب فيه في المرحلة الراهنة. كما أن القاعدة الرئيسية أو المركزية التي يتوجب فهمها في السياسة الدولية أن لكل دولة مصالح قومية عليا وأهدافاً بعيدة تتوخى من خلال تحقيقها ترتيب البيئتين الداخلية والخارجية خدمة لتلك المصالح. كما لها استراتيجيات تفيد بتحقيق موازنة ما بين الموارد المتاحة للدولة المعنية والأهداف الواجب تحقيقها والتحديات والصعوبات القائمة واقتراح أنسب السبل والوسائل. أما في سبيل مواجهة تلك التحديات أو في سبيل إعادة ترتيب البيئتين الداخلية والخارجية بما يحقق الأهداف المنشودة. فهل يمكن أن تعمل دولة خلاف ذلك؟ الجواب الأكيد هو (لا).

وهل يمكن أن تكون مصالح الدولة هي ذاتها مصالح رئيس الدولة؟ هذا الجواب حسمته الأنظمة المستقرة عندما أقرت أن استمرار أي نظام فيها ليس المصلحة الاستراتيجية لها بقدر ما هي مصالحها في حفظ أرضها وشعبها، ويجري التعبير عنه بحفظ حدودها وازدهارها وتنمية مجتمعاتها. أما النظام السياسي فيها فهو يتعاطى مع الظرف التاريخي السائد وقد يستدعي الحال تغييره. أما في الأنظمة غير المستقرة فإن مصلحة النظام هي السائدة وليست مصلحة الدولة، ودليلها أن العلاقات مع غيرها تتواتر أو ترتقي تحت دواع واعتبارات شخصية قد لا تكون لها قيمة على مصالح البلد المعني العليا. ورغم أن المتعارف عليه أن متخذ القرار هو الذي عليه مسؤولية اعتماد خيار من بين الخيارات المطروحة، إلا أن هذه المعادلة مختلة في هذه الدول، إذ يكاد أول شخص يتبرأ من الخطأ هو الرئيس.

وهل يمكن أيضاً أن تخدم دولة ما مصالح دولة أخرى؟ وكما ذكرنا في الأنموذجين الألماني والياباني، وهما ليسا قياساً، هنا الجواب يحمل شقين: الشق الأول، إذا قدرت الجهات المسؤولة أن الاستجابة لمصالح وسياسات الدولة الأخرى فيه مصلحة لها أو فيه دفع ضرر عنها، أو أنه لا يتقاطع ومصالحها العليا. وفي هذه الحالات فإن أمر استجابتها لمصالح وسياسات الدولة الأخرى مقبول، ولا يتقاطع مع مصالحها. الشق الثاني، أما إذا استجابت الجهات المسؤولة من دون دراية للأمور السابقة، ونظرت فقط إلى حجم الامتيازات في سلطة الحكم أو المكاسب الإقليمية الآنية من جراء الاستجابة، فبالتأكيد أن وقع ذلك سيكون سلبياً جداً على مصالحها.

وهل مصالح العراق ومصالح الولايات المتحدة متطابقة؟ والسؤال الممنوع من الطرح والإجابة، سياسياً في العراق، هو هل مصالح العراق وإيران متطابقة؟ أول ملامح التطابق هو وجود الإرادة لدى الطرفين، وثانيهما تقاربهما في الاحتياج وعوامل التبادل والقوة، وواضح أن كلا العنصرين غير متوافر في علاقة الطرفين. وفيما تقدم استنتاج مهم ألا وهو أن العلاقة بين الدولتين لا تحوي (إلى تاريخ الانتهاء من كتابة هذه الورقة مستهل نيسان 2008)، أي مصالح متبادلة، ربما باستثناء مصالح للطرف الأقوى المتمسك بها. لقد اعتقد بعض السذج أن الولايات المتحدة (أو إيران) شركة خيرية تقدم مساهماتها وتضحياتها والتكاليف البشرية والمالية والمادية ثم ستتخلى عن العراق، بمجرد أن يقدم (من تقدم بفروض الطاعة طلبا للمركز والحكم) بطلبه خروج تلك القوات. وربما كان الأمريكيون أخطأوا في استراتيجيات التعامل وفي تقدير الموقف، لكنهم ليسوا أغبياء في دخول العراق وتقدير المكاسب والتكاليف. وما عقّد الوضع في العراق هو أن الأمريكيين والإيرانيين أثبتوا زيف وطنية شرائح مهمة من شعوب العراق وفئاته، بل وعمالتها وخيانتها، وأثبتوا أيضاً سطحية تفكير الإنسان العراقي وبشاعة استغلاله من رجال الطوائف والملل الذين ارتجلوا لبس رداء السياسة، مما أدى إلى جعل الأرض والدم والممتلكات العراقية عرضة لمزايدات صراعات الأجهزة الاستخبارية المختلفة في تقرير أي الإرادات ستنتصر. وبعد أن أدخلت دول عدة استثمارات ضخمة في العراق (مالية وبشرية وفكرية وسمعة) لإفشال المشروع الأمريكي في جعل العراق رأس حربة في عمليات التغيير، بدأت تلك الدول تجد في المصادر العراقية تغذية ذاتية لإفشال المشروع الأمريكي.

السؤال الممنوع من الطرح والإجابة سياسياً في العراق هو هل مصالح العراق وإيران متطابقة؟

وفي المقابل كانت الولايات المتحدة ترى أن صعوبة السيطرة على العراق تتزايد أمامها، فانتقلت من السيطرة على البلد إلى استراتيجية تفكيكه والسيطرة عليه، وإنهاء هيبة الدولة (وذلك في الأسابيع الأولى من السيطرة على العراق، ولوحظ ذلك باستبدال الجنرال جي كارنر بالسفير بول بريمر الذي كان محملاً باستراتيجية تفكيكية واضحة، هذا إن لم يكن محملاً باستراتيجية واضحة لإنهاء الدولة العراقية السابقة)، فنجحت في الأولى (تفكيك البلد والسيطرة عليه) تحت دعاوى المظالم التاريخية والاستثمار الأمثل للموارد، ونجحت أيضاً في الثانية (إنهاء هيبة الدولة) تحت دعاوى التباكي وأحزان مذاهب وقوميات.

والآن تخطط الولايات المتحدة لاستراتيجية تقلل فيها تكاليف بقائها منتشرة أو بدرجة أدنى استثمار الوقت لإنتاج أفضل استراتيجية لضمان بقاء وجودها؛ بمعنى إخضاع العراق بعد أن نجح العراقيون بما لم تستطع به القوات الأمريكية من تمزيق وحدة العراق وتعطيل الجهد اللازم لإخراج القوات الأمريكية، إلى حين وضع الشروط الملائمة لسيطرتها السياسية على العراق.

وهل راعت الولايات المتحدة مصالح العراق؟ ولماذا؟ إذا ما أخذنا النقاط الأربع السابقة وأسقطناها على الوجود الأمريكي في العراق فسنلاحظ عدم تحقق أي واحدة منها:

أ- فالدستور الذي صيغ جاء في ظرف لعبة التوازنات الهشة التي أوجدتها لتحكم الدولة، ولم تكن قوى مهمة موجودة على الساحة على اتفاق معه أو مع العملية السياسية الجارية، بل إنه جاء في ظرف وشروط غير صائبة: فالاحتلال ذاته غير محايد، والسلاح الذي تملكه الميليشيات جعل حرية الاختيار بلا جدوى، بالإضافة إلى الافتقار إلى تعداد سكاني محدد، ومنح حق التصويت لنحو (3-4) ملايين إنسان منحوا أوراق التجنيس العراقية على عجل دون التحقق من الإثبات سوى الرغبة في إعادة التوطين أو الرغبة في منح حقوق لمن ادعى مظلومية، وجرى تهجير نحو (4-5) ملايين عراقي آخر من (البصرة، الحلة، ديالى، واسط، بغداد، كركوك والموصل) تحت حجة اعتقادات طائفية وقومية والتوجهات السياسية، أغلبهم لم يتح له حق إبداء رأي بالعملية السياسية. أما الحديث عن المساواة السياسية والحريات فالواضح أن ما ادعت الولايات المتحدة أنها قادمة من أجله في العراق ثبت خلال السنوات السابقة أنه (فوبيا)، التي بات لا يتحملها الإنسان العراقي، فهي غير مقبولة على مستوى الأكاديميين أنفسهم، حيث سُيس أغلبهم طمعاً بجاه أو منصب أو طلباً لحفظ روحه من تصفية شبه محتومة، فكيف الحال مع المواطنين العاديين؟ بل إن مانفرد نوفاك المحقق الخاص لشؤون التعذيب في الأمم المتحدة، أشار في نهاية عام 2006 إلى أن الانتهاكات وصلت إلى مرحلة لم يكن العراق قد وصلها خلال تاريخه المعاصر.

ب- أما بخصوص مكانة الإنسان في الفكر السياسي الراهن، فالواضح أنها اضمحلت، ويثبت ذلك عدم جدية الحكومة في أقل تقدير، إن لم يكن تواطؤ أغلب قواها، في الكشف عما يجري من انتهاكات جماعية. وبالتالي فالأمن الاجتماعي وليس تنمية الموارد البشرية وإدارتها فحسب أصبح مفقوداً.

ج- البيئة الدولية هي جانب آخر يثار في مسألة الوجود الأمريكي في العراق، فمعظم دول الإقليم تتوقع أدواراً سلبية للعراق إزاءها، الأمر الذي دفعها إلى استباق حدوث ذلك بالتدخل والاستثمار في العراق في شبكات الجريمة المنظمة وقوى العنف وإشاعة أجواء اللااستقرار فيه.

وهل كان يتوقع أن تراعي الولايات المتحدة مصالح العراق؟ هذا السؤال لا يثار بوجه أكاديميين مع بعضهم البعض، فالإجابات معروفة مسبقاً إلا من أراد مغالطة نفسه وفقاً لاعتقادات مغلقة، إنما المقصود هو قدرة الولايات المتحدة على إقناع القواعد الجماهيرية في العراق طلباً للتغيير السياسي أو لاستمرار وجودها باعتباره محققاً لمصالحهم. إن ما سهّل على الولايات المتحدة أهدافها، وحط من شأن العراق كدولة ومصالح وشعوب ومجتمعات هو التناقضات العراقية حول دخول وانتشار القوات الأمريكية، ويمكن إبرازها بالآتي:

أ- إن الفكر السياسي الذي حملته أغلب القوى التي دخلت العراق أو التي جرى تشكيلها تحت مسميات طائفية أو إثنية أو غيرها، نقول إنها حملت فكراً فقيراً إلى درجة مخجلة، فقد أتت ناكرة لأفكار حزب البعث العربي وللشمولية، ولم نلاحظ على أي منها وجود تنظيم حزبي أو تداول على هرميتها، بل إن بعضها عبارة عن تنظيم وولاء عائلي. وأقصى ما طمح إليه البعض هو الثأر، والآخر التعويض عن مظالم تاريخية أو نصرة حقائق تعتبرها تاريخية، أو رغبة في التباكي أو طلباً لإقليم أو ثروة، وغابت عنها فكرة ووجود دولة.

ب- سلوكيات ضعيفة، ودليلها هو التوجه وتشجيعها على سرقة موجودات الدولة، والرغبة في إضاعة معالمها، بل إنها دنت من نفسها بصورة مخجلة. ووصل الأمر بالبعض إلى القول إن بناء الدولة يتطلب عمليات تطهير للمنطقة (س، أو ص، أو ع…)، ويقصد بها التصفية عبر القتل الجماعي لما تعتبرهم غرماء وخصوماً.

ج- جشع بالاستحواذ وإنكار الآخر، فالسلطة أصبحت غاية للكسب والاسترزاق وارتقاء الاقتصادي والاجتماعي وتكوين الميليشيات، وإزاء هذه المغريات أنكر حق الآخر ليس بالعمل ضمن تكوينات المؤسسات بل حتى بالعيش، حتى أصبح وجوده بذاته يمثل تهمة جنائية. ومن تلك التهم الجاهزة التي تتطلب قصاصاً مباشراً وموضعياً من قبل قوى الأمن الناشئة أصحاب الانتماء العروبي، وتحديداً عشائر الوسط وغرب العراق، ورواد دور العبادة، الشباب الذكور، حملة المؤهلات العلمية طالما أنهم قد ينافسون غرماءهم من المحزبين.

الولايات المتحدة انتقلت من سياسة السيطرة على العراق إلى استراتيجية تفكيكه والسيطرة عليه

د- أما إذا كانت المسائل السابقة تبرر في إطار التنافس على إدارة الموارد والدولة، فإن النقطة التي لا تغتفر تاريخياً هي تحويل المفاهيم، حيث أصبح الوطني إرهابياً بامتياز، والخائن والعميل وطنياً بامتياز. بل إن تصغير الشأن والذات قد تجاوز ما هو متعارف عليه عالمياً، وتجاوز أيضاً أخلاقيات أشد الحضارات فقراً في التكوين الحضاري العالمي الإنساني التاريخي، كون الخائن مصدراً لمعلومات الطرف الموظف له، أما في العراق فقد تحول إلى متسول لغرض ابتذال روحه وأرواح وممتلكات الآخرين في سبيل مرضاة أسياده بل سُيس التعليم والقضاء إلى درجة الابتذال التي لا يرتضيها العقل.

هـ- ترتب على ذلك إنكار شبه تام لكون العراق دولة لها كيانها ومصالحها التي بإمكان أي باحث أو مفكر مهما كان انتماؤه أو بلده أن يستقرئها من حقيقتي الجغرافيا والتاريخ.

إذاً لم يكن بالإمكان تصور أن تراعي الولايات المتحدة مصالح العراق، إلا أنها استطاعت أن توجد واقعاً يفرض تداخلاً خطيراً على مصالح العراق ومستقبله كدولة وشعب وأرض، بحيث أصبح العراق أمام منزلق خطير يتعلق ببقائه، وقد دفع إلى ذلك الاستراتيجيات التي طبقتها الولايات المتحدة فيه، وصرنا هنا أمام مفترق طرق، هل نطالب القوات الأمريكية بالرحيل أم نطالبها بالاستمرار في التواجد ضمن المدى المنظور في أقل تقدير؟ وهل العراق/ العراقيون قادر على التعامل مع مقتضيات المصلحة السابق ذكرها بواقع وإرادة ذاتية؟ الإجابة عن هذا التساؤل تقتضي تصور مشهدي استمرار وعدم استمرار الوجود الأمريكي، وبعيداً عن الاعتبارات العاطفية ومنها دواع وتباك على الوطنية العراقية أو الدفاع عن حياض دين.

وهل بالإمكان تحقيق مصالح للعراق في ضوء وجود قوات أمريكية على أراضيه؟ هنا لدينا الآتي: وفقاً لتصريحات قادة أمريكيين: المشروع الأمريكي في العراق يتحقق تحت حجة ظرف تصفية (أي قتل) كل المتطرفين المعارضين، المشروع الأمريكي يهدف إلى إقامة عراق وفقاً لمقاسات محددة، ليس بالضرورة أن تتطابق تلك المقاسات وظروف العراق، بل برهنت السنوات السابقة تنافرها، وتحديداً مع القيم التي يحملها أغلب العراقيين، وأقصى ما نتوقعه من تحقق لمصالح العراق في ظرف الوجود الأمريكي هو استقرار نظام الحكم، وتحقيق نمو اقتصادي مقبول، وأكثر السلبيات التي ستلحق مصالح العراق هي في علاقته ببيئته الدولية، حيث سيفتقر العراق إلى المصداقية في كونه معبراً عن مصالحه الذاتية.

وهذا ما يدفعنا إلى تصور مدى تحقق مصالح العراق، والواضح أنها لن تتحقق بشكل كامل، بل في حدودها الدنيا، مما يدفعنا أيضاً إلى التساؤل الآخر، هل يمكن أن تتحقق مصالح العراق في ظرف انسحاب القوات الأمريكية منه؟ الواقع أننا سنكون أمام الآتي: الوضع معقّد ومركب في تعقيده، توجد كل الظروف المؤهلة (الرغبة، التخطيط الاستخباري، الأسلحة، المبتذلون أرواحهم أو المسترخصون لها) لدخول البلاد في بحار دم إضافية تحت حجة العنف والرغبة في الاستحواذ على المقدرات أو حرق الأرض قبل الانسحاب منها، وهيأت الولايات المتحدة نفسها لمثل هكذا ظرف من إعادة توزيع إثني وطائفي ومادي واستخباري ولعناصر القوة (اعتقال وقتل لنحو مليونين من الشباب العرب) وتهجير لنحو (5-6) ملايين (3 ملايين آخرين لاجئين خارج العراق، و(2-3) ملايين نازح داخله) رغبة منها في اللعب على ورقة الخلافات لكي تطلب كل قوة أو تكوين مكوث الولايات المتحدة وحمايتها وعدم حيادية دول الجوار، والأهم عدم وجود مشاريع وطنية أو بديلة تحظى بثقة الشعب أو تكوينات مهمة منه. وبالتالي فإن انسحاب القوات الأمريكية منه سيمهد لوقوع كارثة إنسانية. وأمام هذه المعضلة فإن الحال تقتضي وضع جداول زمنية ومسبقة للإقدام على هذه الخطوة وتجسيد احترام مصالح كل قوة للأخرى، وتعالج إشكالية بحار الدم الجاري استثمارها منذ فترة بواسطة القوى الخارجية، واستعداد عراقي- عراقي مسبق للابتذال فيها. فهل يعي العراقيون ما هم فيه؟ إن عناصر الشك هي الأقوى في أي جواب يمكن أن يقدم. فالحلول ستكون سياسية، وليس وفقاً لمقاييس العدالة، ولا دوام بغير العدالة؛ هذا ما تخبرنا به التجارب الإنسانية التاريخية.

::/fulltext::
::cck::2228::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *