العراق المحتل “2003 ـ 2008”.. الواقع والتحديات

::cck::2224::/cck::
::introtext::

الحديث عن عراق (2003 – 2008) أمر في غاية الأهمية إذا ما قورن بالأعوام السابقة للاحتلال عندما كانت هناك دولة مستقلة ذات سيادة أسمها العراق. والفرق واضح بين عراق مستقل ذي سيادة، وعراق يخضع لاحتلال عسكري مباشر من قبل دولة أجنبية، بين عراق موحد مركزي تعمل مؤسساته ووزاراته بصورة طبيعية، وعراق بوجود مؤسسات حكومية أو جيش أو قوات أمن بصورة شكلية وتتلقى أوامرها من المحتل.

::/introtext::
::fulltext::

الحديث عن عراق (2003 – 2008) أمر في غاية الأهمية إذا ما قورن بالأعوام السابقة للاحتلال عندما كانت هناك دولة مستقلة ذات سيادة أسمها العراق. والفرق واضح بين عراق مستقل ذي سيادة، وعراق يخضع لاحتلال عسكري مباشر من قبل دولة أجنبية، بين عراق موحد مركزي تعمل مؤسساته ووزاراته بصورة طبيعية، وعراق بوجود مؤسسات حكومية أو جيش أو قوات أمن بصورة شكلية وتتلقى أوامرها من المحتل.

يضاف إلى ذلك غياب تام للأمن والخدمات الأساسية الصحية كالماء والكهرباء، هذا دون الحديث عن توقف شبه تام في حركة المجتمع عموماً من بطالة شبه كاملة، خاصة بعد ما تم حل الجيش بتعداد ما يزيد على 400 ألف عسكري وحل قوات الشرطة وقوى الأمن الداخلي، مع إبعاد عدد كبير من موظفي الدولة بسبب انتمائهم إلى حزب البعث الذي يضم الآلاف من المواطنين مع توقف شبه كامل للحياة الاقتصادية. ولم يكن موضوع احتلال العراق عن طريق شن حرب عليه من قبل القوات الأمريكية بمساعدة القوات البريطانية أمراً غير متوقع أو محتمل، فالمسؤولون الأمريكيون والبريطانيون صرحوا مراراً وتكراراً بأن شن الحرب بات مسألة وقت فقط. فمجموعة اليمين المتطرف الأمريكي التي تقود الولايات المتحدة منذ وصول جورج بوش الابن إلى السلطة والتي يقف وراءها نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد ومساعد وزير الدفاع السابق بول ولفويتز، لم تخفِ رؤيتها حول احتلال العراق منذ عام 1992 عندما أشارت في أحد تقاريرها إلى احتلال العراق. وقد تكرر الأمر عام 1997 ثم بصدور التقرير الشهير (مشروع للقرن الأمريكي)، وعلى أثر أحداث 11 سبتمبر 2001 وفي اليوم نفسه كان أول تصريح لولفويتز (علينا احتلال العراق). واختلفت الإدارة الأمريكية فيما بينها ليس على الهدف (احتلال العراق)، وإنما على الوسيلة للوصول إلى الهدف، ويبدو أن اتجاه وزير الخارجية السابق كولن باول هو الذي رجح ولكن إلى حين، فهو الذي كان يرى استخدام منظمة الأمم المتحدة للمساعدة على الوصول إلى الهدف بدلاً من اللجوء المباشر والمنفرد لاستخدام القوة المسلحة، خاصة أن هنالك من (الحجج القوية) كما يرى هو ومؤيدوه ما يكفي لإقناع مجلس الأمن وخاصة الدول الأعضاء الدائمة فيه (فرنسا وروسيا والصين) باستصدار قرار يسمح باستخدام القوة، ومن هذه الحجج انتهاك العراق لقرارات مجلس الأمن، وعدم تسليم أسلحة الدمار الشامل الموجودة لديه والتي تهدد السلم والأمن الدوليين، واستمرار تهديد العراق لشعبه وجيرانه وللأمن القومي الأمريكي، وضرورة تغيير النظام لأسباب تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.

ولا يمكن الحديث عن الغزو العسكري وسقوط بغداد إلا في خطوط عريضة جداً تعتمد المعلومات العامة التي لا تغني عن الإحصائيات الدقيقة والأسرار ذات الطبيعة العسكرية التي يمكن أن يتم الكشف عنها مستقبلاً. وضمن هذا الإطار لا يمكن الحديث عن حرب متكافئة، حيث كانت أقوى قوة عسكرية في العالم تواجه قوة عسكرية صغيرة لدولة نامية بقدرات اقتصادية وعسكرية محدودة تخضع لحصار اقتصادي وسياسي وعسكري وثقافي وعلمي لأكثر من عشر سنوات بعد سنوات طويلة من حروب مدمرة وغياب تام لأي قدرة جوية، فالقوة الجوية العراقية كانت محيدة تماماً وذلك لعدم وجودها أصلاً بعد حرب الخليج الثانية، والنتيجة معروفة مسبقاً. لقد أصابت الجيش العراق خلال الفترة الأخيرة مصيبة كبيرة قادته إلى الهاوية بسبب الحصار الذي حرمه ليس من مواكبة التسلح الحديث فقط، بل أفقده التدريب وسبب له فساداً طال معظم المراتب، مع قيادات عليا غير مؤهلة يتم اختيارها ليس على أساس مهني احترافي، وإنما على أساس سياسي يعتمد معيار الولاء للرئيس والمؤسسة الرئاسية، ولذلك كانت قيادات الجيش العليا بيد أقرباء الرئيس رغم عدم تأهيلهم المهني والحرفي والعسكري. إن معرفة القيادة السياسية آنذاك بهذا الواقع المرير وحقيقة التفاوت الكمي والنوعي بين القوات العسكرية العراقية والقوات الأمريكية يمكن أن تكون الدافع وراء القيادة العسكرية لإبقاء الجيش والميليشيات في المدن لمواجهة القوات الغازية بدلاً من مواجهتها عند حدود العراق، خاصة في ظل غياب تام لأي غطاء جوي أو مقاومات أرضية ضد الجو، وأن تكون المقاومة العسكرية والشعبية هي الأمل الوحيد في حال تمكن قوات الاحتلال من الوصول إلى بغداد ومحاصرتها، وهو أمر كان متوقعاً جداً وأعلنه وزير الدفاع العراقي السابق عند وصول قوات الاحتلال إلى مشارف مدينة كربلاء على بعد نحو مائة كيلومتر جنوب بغداد، وفعلاً حصل ذلك على أمل أن تقوم مقاومة جادة في بغداد تستطيع أن تلحق بالعدو خسائر فادحة. وانطلقت القوات البرية الأمريكية والبريطانية في اتجاهين، القوات البريطانية اتجهت نحو البصرة عن طريق أم قصر، والقوات الأمريكية اتجهت نحو مدينة بغداد وكان عليها أن تمر بالناصرية صعوداً إلى النجف وكربلاء والمسيب ثم بغداد، وفي مسار آخر اتجهت القوات الأمريكية نحو بغداد عبر طريق الكويت الصويرة من الشرق وبمحاذاة نهر دجلة، والمعارك التي خاضتها القوات العراقية التي أبلت بلاء حسناً في أم قصر والزبير والبصرة انتهت بسيطرة القوات البريطانية على منطقة البصرة والفاو وأم قصر، في حين واجهت القوات العسكرية الأمريكية مقاومة نسبية في ظل التفوق الجوي المطلق من قبل قوات الجيش العراقي المكلفة مناطق: الناصرية، السماوة، الديوانية، النجف، الحلة، كربلاء، والكوت صعوداً إلى بغداد، لكنها انتهت باكتساح المنطقة كلها ووصلت إلى بغداد، حيث كان من المفروض أن تقاوم بفضل وجود قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص وجيش القدس وميليشيات حزب البعث العربي الاشتراكي، وانتهت الحرب بدخول القوات الأمريكية صباح 9 إبريل 2003 مدينة بغداد من دون مقاومة تذكر، عدا ما تردد عن معركة المطار التي انتهت بسقوطه، وبعدها استسلم الجيش العراقي في مدن الأنبار وكركوك والموصل من دون قتال. وكانت القيادة العراقية كما يبدو تراهن على مدينة بغداد التي دكت بالطائرات المتطورة وكذلك بالصواريخ التي كانت تحملها طائرات (بي 52) أو تلك التي كانت تطلق من الغواصات وحاملات الطائرات عبر البحار والتي انتهى واجبها بدخول القوات الأمريكية بغداد. وكان من المفروض أن تكون هناك مقاومة كبيرة جداً على الأقل في بغداد، حيث تم تركيز أفضل فرق الجيش العراقي التابعة للحرس الجمهوري والحرس الخاص وميليشيات الحزب، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث وسقطت بغداد. وفي إطار التحليل العام يمكن إرجاء أسباب سقوط بغداد من دون مقاومة إلى ثلاثة أمور:

1- تدمير القوات المسلحة العراقية عند خطوط الدفاعات عن طريق القصف الجوي والصاروخي الكثيف لمدة 20 يوماً مع استخدام أسلحة متطورة جداً لا يمكن الاحتماء منها، فقد سمعنا بـ 2500 غارة جوية على بغداد فقط، وبهذا يكون احتمال تدمير القوات العسكرية العراقية بفعل هذه الهجمات الجوية أو الأسلحة غير الاعتيادية أمراً متوقعاً

استقراء الواقع العراقي بثوابته ومتغيراته بشقيه الداخلي والخارجي لا يدعو إلى الاطمئنان أبداً

2- احتمال وجود تواطؤ وخيانة بين بعض القيادات السياسية والعسكرية أو من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس والمتكونة أساساً من بعض أقربائه الذين هم محل ثقته وبين القوات الأمريكية. ولا يعرف حتى اليوم ـ عدا بعض المعلومات الصحفية ـ متى تمت هذه الصفقة إن وجدت وكما يشاع، قبل بدء الحرب أم في أثنائها؟ وفي الوقت نفسه توجد إشارات وتقارير وشائعات غير موثقة تتحدث عن خيانة بعض المقربين الذي أصدروا أوامر باسم الرئيس أو باسم القيادة السياسية أو حتى القيادة العسكرية يطلبون فيها من كافة قوات الجيش إلقاء السلاح والانسحاب كل إلى داره ومنطقته.

3- الاحتمال الثالث والأخير هو أن القيادة العسكرية والسياسية المجتمعة في شخص الرئيس ومجموعة قليلة من المقربين شعرت بأنه لم يعد مجدياً إعطاء تضحيات أكثر من دون هدف يرتجى في ظل التفوق العددي والنوعي لقوات التحالف، وأعطت أمراً بالانسحاب وقامت هي بدورها بالاختفاء.

وهكذا دخل العراق في نفق جديد هو نفق الاحتلال المباشر بعد أن كان في نفق الحصار لفترة زادت على عقد من الزمان، لكن نفق الاحتلال سيطول وسيستمر الاحتلال المباشر أو غير المباشر لفترة أطول بكثير، حيث يرتبط ذلك بتحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في العراق والمنطقة. هذا طبعاً في حال ثبات العوامل السياسية وهو أمر لا يمكن ضمانه، فالمتغيرات الوطنية والقومية والإقليمية، وحتى الدولية كثيرة ولا يمكن الاطمئنان إلى ثبات الحال فهو من المحال، وأن استقراء الواقع العراقي بثوابته ومتغيراته بشقيه الداخلي والخارجي لا يدعو إلى الاطمئنان أبداً، فالطائفية السياسية التي بدأت تطل برأسها على عراق مدمر أصلاً، لا تعطي أي أمل قريب في وحدة وطنية يهددها الاحتلال الأجنبي، هذه الوحدة التي تعتبر أمل الشعب العراقي الوحيد لطرد الاحتلال الأمريكي واستعادة كرامته وسيادته ووحدته، فالوحدة الوطنية باتت اليوم مهددة بموجة الاغتيالات للقيادات الدينية والشخصيات العلمية والوطنية في ظل غياب تام للأمن، وأن احتلال العراق لن ينتهي بسرعة وفق القراءة السياسية للتوجهات الأمريكية وخاصة منها تلك التي أشارت إلى استمرار الاحتلال في الوقت الراهن وفي عدم تحديد موعد زمني للانسحاب أو في لجوء المسؤولين الأمريكيين إلى إطلاق مقاربات ومقارنات سيئة النية بين احتلال العراق واحتلال كل من ألمانيا واليابان التي لم تنسحب منهما عسكرياً حتى يومنا هذا، وأن بقاء القوات الأمريكية ـ البريطانية فترة طويلة تمتد عقوداً من الزمن بات أمراً مؤكداً وكما كان متوقعاً له، لكن هذا الواقع لا يمكن إلا أن يأخذ في الاعتبار المقاومة العراقية التي فرضت نفسها بقوة على الواقع العراقي والعربي والدولي وبصورة أخص على الاحتلال. ومع ظهور عوامل جديدة منها عدم استتباب الوضع الدولي خلافاً للرؤية الأمريكية الكونية، وظهور أزمات جديدة هنا وهناك، فنجد أن واقعاً جديداً في طور الصيرورة لابد أن يجبر قوات الاحتلال على إعادة النظر في موقفها من العراق، وهو ما بدأت ملامحه تظهر في الأفق بسبب المقاومة العراقية التي فرضت نفسها، وكذلك بسبب الوعي النسبي العربي والدولي المتزايد لأبعاد اللعبة الأمريكية في العراق والمنطقة، وأن تصاعد الرفض الشعبي العراقي المتجسد سواء في المقاومة المسلحة أو المقاومة السلمية بحاجة إلى أن يبلور أهدافاً ومبادئ محددة تؤمن لعراق الحاضر وعراق المستقبل الحرية والاستقلال والأمن والديمقراطية، كما أن تضامناً عربياً رسمياً وشعبياً فعلياً وبعد نظر من دول الجوار في تجاوز المصالح الآنية والضيقة، وفي إطار تصور سليم لبناء علاقات مستقبلية سياسية واقتصادية تقوم على الانتماء الجغرافي والثقافي والديني، كل ذلك كفيل بتجنيب المنطقة الوقوع في الشرك المنصوب لها من قبل قوى الاستعمار الجديد التي تريد ليس السيطرة والهيمنة على ثرواتها وقدراتها فقط، بل تغيير ملامح المنطقة وثقافتها وخصوصياتها بأكملها.

وبناء على ذلك وفي ضوء المعطيات السياسية الدولية الراهنة والواقع العربي الراهن، فإن العامل الفاعل المعول عليه حقاً لمواجهة الاحتلال الأجنبي للعراق يرتبط بمدى نجاح المقاومة الوطنية العراقية في إثبات نفسها على الساحة وقدرتها على هزيمة قوات الاحتلال وإجبارها على الرحيل، وقيام عراق مستقل موحد وسيد نفسه.

 

 

::/fulltext::

44-33-fc9
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2224::/cck::
::introtext::

الحديث عن عراق (2003 – 2008) أمر في غاية الأهمية إذا ما قورن بالأعوام السابقة للاحتلال عندما كانت هناك دولة مستقلة ذات سيادة أسمها العراق. والفرق واضح بين عراق مستقل ذي سيادة، وعراق يخضع لاحتلال عسكري مباشر من قبل دولة أجنبية، بين عراق موحد مركزي تعمل مؤسساته ووزاراته بصورة طبيعية، وعراق بوجود مؤسسات حكومية أو جيش أو قوات أمن بصورة شكلية وتتلقى أوامرها من المحتل.

::/introtext::
::fulltext::

الحديث عن عراق (2003 – 2008) أمر في غاية الأهمية إذا ما قورن بالأعوام السابقة للاحتلال عندما كانت هناك دولة مستقلة ذات سيادة أسمها العراق. والفرق واضح بين عراق مستقل ذي سيادة، وعراق يخضع لاحتلال عسكري مباشر من قبل دولة أجنبية، بين عراق موحد مركزي تعمل مؤسساته ووزاراته بصورة طبيعية، وعراق بوجود مؤسسات حكومية أو جيش أو قوات أمن بصورة شكلية وتتلقى أوامرها من المحتل.

يضاف إلى ذلك غياب تام للأمن والخدمات الأساسية الصحية كالماء والكهرباء، هذا دون الحديث عن توقف شبه تام في حركة المجتمع عموماً من بطالة شبه كاملة، خاصة بعد ما تم حل الجيش بتعداد ما يزيد على 400 ألف عسكري وحل قوات الشرطة وقوى الأمن الداخلي، مع إبعاد عدد كبير من موظفي الدولة بسبب انتمائهم إلى حزب البعث الذي يضم الآلاف من المواطنين مع توقف شبه كامل للحياة الاقتصادية. ولم يكن موضوع احتلال العراق عن طريق شن حرب عليه من قبل القوات الأمريكية بمساعدة القوات البريطانية أمراً غير متوقع أو محتمل، فالمسؤولون الأمريكيون والبريطانيون صرحوا مراراً وتكراراً بأن شن الحرب بات مسألة وقت فقط. فمجموعة اليمين المتطرف الأمريكي التي تقود الولايات المتحدة منذ وصول جورج بوش الابن إلى السلطة والتي يقف وراءها نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع السابق دونالد رامسفيلد ومساعد وزير الدفاع السابق بول ولفويتز، لم تخفِ رؤيتها حول احتلال العراق منذ عام 1992 عندما أشارت في أحد تقاريرها إلى احتلال العراق. وقد تكرر الأمر عام 1997 ثم بصدور التقرير الشهير (مشروع للقرن الأمريكي)، وعلى أثر أحداث 11 سبتمبر 2001 وفي اليوم نفسه كان أول تصريح لولفويتز (علينا احتلال العراق). واختلفت الإدارة الأمريكية فيما بينها ليس على الهدف (احتلال العراق)، وإنما على الوسيلة للوصول إلى الهدف، ويبدو أن اتجاه وزير الخارجية السابق كولن باول هو الذي رجح ولكن إلى حين، فهو الذي كان يرى استخدام منظمة الأمم المتحدة للمساعدة على الوصول إلى الهدف بدلاً من اللجوء المباشر والمنفرد لاستخدام القوة المسلحة، خاصة أن هنالك من (الحجج القوية) كما يرى هو ومؤيدوه ما يكفي لإقناع مجلس الأمن وخاصة الدول الأعضاء الدائمة فيه (فرنسا وروسيا والصين) باستصدار قرار يسمح باستخدام القوة، ومن هذه الحجج انتهاك العراق لقرارات مجلس الأمن، وعدم تسليم أسلحة الدمار الشامل الموجودة لديه والتي تهدد السلم والأمن الدوليين، واستمرار تهديد العراق لشعبه وجيرانه وللأمن القومي الأمريكي، وضرورة تغيير النظام لأسباب تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.

ولا يمكن الحديث عن الغزو العسكري وسقوط بغداد إلا في خطوط عريضة جداً تعتمد المعلومات العامة التي لا تغني عن الإحصائيات الدقيقة والأسرار ذات الطبيعة العسكرية التي يمكن أن يتم الكشف عنها مستقبلاً. وضمن هذا الإطار لا يمكن الحديث عن حرب متكافئة، حيث كانت أقوى قوة عسكرية في العالم تواجه قوة عسكرية صغيرة لدولة نامية بقدرات اقتصادية وعسكرية محدودة تخضع لحصار اقتصادي وسياسي وعسكري وثقافي وعلمي لأكثر من عشر سنوات بعد سنوات طويلة من حروب مدمرة وغياب تام لأي قدرة جوية، فالقوة الجوية العراقية كانت محيدة تماماً وذلك لعدم وجودها أصلاً بعد حرب الخليج الثانية، والنتيجة معروفة مسبقاً. لقد أصابت الجيش العراق خلال الفترة الأخيرة مصيبة كبيرة قادته إلى الهاوية بسبب الحصار الذي حرمه ليس من مواكبة التسلح الحديث فقط، بل أفقده التدريب وسبب له فساداً طال معظم المراتب، مع قيادات عليا غير مؤهلة يتم اختيارها ليس على أساس مهني احترافي، وإنما على أساس سياسي يعتمد معيار الولاء للرئيس والمؤسسة الرئاسية، ولذلك كانت قيادات الجيش العليا بيد أقرباء الرئيس رغم عدم تأهيلهم المهني والحرفي والعسكري. إن معرفة القيادة السياسية آنذاك بهذا الواقع المرير وحقيقة التفاوت الكمي والنوعي بين القوات العسكرية العراقية والقوات الأمريكية يمكن أن تكون الدافع وراء القيادة العسكرية لإبقاء الجيش والميليشيات في المدن لمواجهة القوات الغازية بدلاً من مواجهتها عند حدود العراق، خاصة في ظل غياب تام لأي غطاء جوي أو مقاومات أرضية ضد الجو، وأن تكون المقاومة العسكرية والشعبية هي الأمل الوحيد في حال تمكن قوات الاحتلال من الوصول إلى بغداد ومحاصرتها، وهو أمر كان متوقعاً جداً وأعلنه وزير الدفاع العراقي السابق عند وصول قوات الاحتلال إلى مشارف مدينة كربلاء على بعد نحو مائة كيلومتر جنوب بغداد، وفعلاً حصل ذلك على أمل أن تقوم مقاومة جادة في بغداد تستطيع أن تلحق بالعدو خسائر فادحة. وانطلقت القوات البرية الأمريكية والبريطانية في اتجاهين، القوات البريطانية اتجهت نحو البصرة عن طريق أم قصر، والقوات الأمريكية اتجهت نحو مدينة بغداد وكان عليها أن تمر بالناصرية صعوداً إلى النجف وكربلاء والمسيب ثم بغداد، وفي مسار آخر اتجهت القوات الأمريكية نحو بغداد عبر طريق الكويت الصويرة من الشرق وبمحاذاة نهر دجلة، والمعارك التي خاضتها القوات العراقية التي أبلت بلاء حسناً في أم قصر والزبير والبصرة انتهت بسيطرة القوات البريطانية على منطقة البصرة والفاو وأم قصر، في حين واجهت القوات العسكرية الأمريكية مقاومة نسبية في ظل التفوق الجوي المطلق من قبل قوات الجيش العراقي المكلفة مناطق: الناصرية، السماوة، الديوانية، النجف، الحلة، كربلاء، والكوت صعوداً إلى بغداد، لكنها انتهت باكتساح المنطقة كلها ووصلت إلى بغداد، حيث كان من المفروض أن تقاوم بفضل وجود قوات الحرس الجمهوري والحرس الخاص وجيش القدس وميليشيات حزب البعث العربي الاشتراكي، وانتهت الحرب بدخول القوات الأمريكية صباح 9 إبريل 2003 مدينة بغداد من دون مقاومة تذكر، عدا ما تردد عن معركة المطار التي انتهت بسقوطه، وبعدها استسلم الجيش العراقي في مدن الأنبار وكركوك والموصل من دون قتال. وكانت القيادة العراقية كما يبدو تراهن على مدينة بغداد التي دكت بالطائرات المتطورة وكذلك بالصواريخ التي كانت تحملها طائرات (بي 52) أو تلك التي كانت تطلق من الغواصات وحاملات الطائرات عبر البحار والتي انتهى واجبها بدخول القوات الأمريكية بغداد. وكان من المفروض أن تكون هناك مقاومة كبيرة جداً على الأقل في بغداد، حيث تم تركيز أفضل فرق الجيش العراقي التابعة للحرس الجمهوري والحرس الخاص وميليشيات الحزب، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث وسقطت بغداد. وفي إطار التحليل العام يمكن إرجاء أسباب سقوط بغداد من دون مقاومة إلى ثلاثة أمور:

1- تدمير القوات المسلحة العراقية عند خطوط الدفاعات عن طريق القصف الجوي والصاروخي الكثيف لمدة 20 يوماً مع استخدام أسلحة متطورة جداً لا يمكن الاحتماء منها، فقد سمعنا بـ 2500 غارة جوية على بغداد فقط، وبهذا يكون احتمال تدمير القوات العسكرية العراقية بفعل هذه الهجمات الجوية أو الأسلحة غير الاعتيادية أمراً متوقعاً

استقراء الواقع العراقي بثوابته ومتغيراته بشقيه الداخلي والخارجي لا يدعو إلى الاطمئنان أبداً

2- احتمال وجود تواطؤ وخيانة بين بعض القيادات السياسية والعسكرية أو من الدائرة الضيقة المحيطة بالرئيس والمتكونة أساساً من بعض أقربائه الذين هم محل ثقته وبين القوات الأمريكية. ولا يعرف حتى اليوم ـ عدا بعض المعلومات الصحفية ـ متى تمت هذه الصفقة إن وجدت وكما يشاع، قبل بدء الحرب أم في أثنائها؟ وفي الوقت نفسه توجد إشارات وتقارير وشائعات غير موثقة تتحدث عن خيانة بعض المقربين الذي أصدروا أوامر باسم الرئيس أو باسم القيادة السياسية أو حتى القيادة العسكرية يطلبون فيها من كافة قوات الجيش إلقاء السلاح والانسحاب كل إلى داره ومنطقته.

3- الاحتمال الثالث والأخير هو أن القيادة العسكرية والسياسية المجتمعة في شخص الرئيس ومجموعة قليلة من المقربين شعرت بأنه لم يعد مجدياً إعطاء تضحيات أكثر من دون هدف يرتجى في ظل التفوق العددي والنوعي لقوات التحالف، وأعطت أمراً بالانسحاب وقامت هي بدورها بالاختفاء.

وهكذا دخل العراق في نفق جديد هو نفق الاحتلال المباشر بعد أن كان في نفق الحصار لفترة زادت على عقد من الزمان، لكن نفق الاحتلال سيطول وسيستمر الاحتلال المباشر أو غير المباشر لفترة أطول بكثير، حيث يرتبط ذلك بتحقيق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية في العراق والمنطقة. هذا طبعاً في حال ثبات العوامل السياسية وهو أمر لا يمكن ضمانه، فالمتغيرات الوطنية والقومية والإقليمية، وحتى الدولية كثيرة ولا يمكن الاطمئنان إلى ثبات الحال فهو من المحال، وأن استقراء الواقع العراقي بثوابته ومتغيراته بشقيه الداخلي والخارجي لا يدعو إلى الاطمئنان أبداً، فالطائفية السياسية التي بدأت تطل برأسها على عراق مدمر أصلاً، لا تعطي أي أمل قريب في وحدة وطنية يهددها الاحتلال الأجنبي، هذه الوحدة التي تعتبر أمل الشعب العراقي الوحيد لطرد الاحتلال الأمريكي واستعادة كرامته وسيادته ووحدته، فالوحدة الوطنية باتت اليوم مهددة بموجة الاغتيالات للقيادات الدينية والشخصيات العلمية والوطنية في ظل غياب تام للأمن، وأن احتلال العراق لن ينتهي بسرعة وفق القراءة السياسية للتوجهات الأمريكية وخاصة منها تلك التي أشارت إلى استمرار الاحتلال في الوقت الراهن وفي عدم تحديد موعد زمني للانسحاب أو في لجوء المسؤولين الأمريكيين إلى إطلاق مقاربات ومقارنات سيئة النية بين احتلال العراق واحتلال كل من ألمانيا واليابان التي لم تنسحب منهما عسكرياً حتى يومنا هذا، وأن بقاء القوات الأمريكية ـ البريطانية فترة طويلة تمتد عقوداً من الزمن بات أمراً مؤكداً وكما كان متوقعاً له، لكن هذا الواقع لا يمكن إلا أن يأخذ في الاعتبار المقاومة العراقية التي فرضت نفسها بقوة على الواقع العراقي والعربي والدولي وبصورة أخص على الاحتلال. ومع ظهور عوامل جديدة منها عدم استتباب الوضع الدولي خلافاً للرؤية الأمريكية الكونية، وظهور أزمات جديدة هنا وهناك، فنجد أن واقعاً جديداً في طور الصيرورة لابد أن يجبر قوات الاحتلال على إعادة النظر في موقفها من العراق، وهو ما بدأت ملامحه تظهر في الأفق بسبب المقاومة العراقية التي فرضت نفسها، وكذلك بسبب الوعي النسبي العربي والدولي المتزايد لأبعاد اللعبة الأمريكية في العراق والمنطقة، وأن تصاعد الرفض الشعبي العراقي المتجسد سواء في المقاومة المسلحة أو المقاومة السلمية بحاجة إلى أن يبلور أهدافاً ومبادئ محددة تؤمن لعراق الحاضر وعراق المستقبل الحرية والاستقلال والأمن والديمقراطية، كما أن تضامناً عربياً رسمياً وشعبياً فعلياً وبعد نظر من دول الجوار في تجاوز المصالح الآنية والضيقة، وفي إطار تصور سليم لبناء علاقات مستقبلية سياسية واقتصادية تقوم على الانتماء الجغرافي والثقافي والديني، كل ذلك كفيل بتجنيب المنطقة الوقوع في الشرك المنصوب لها من قبل قوى الاستعمار الجديد التي تريد ليس السيطرة والهيمنة على ثرواتها وقدراتها فقط، بل تغيير ملامح المنطقة وثقافتها وخصوصياتها بأكملها.

وبناء على ذلك وفي ضوء المعطيات السياسية الدولية الراهنة والواقع العربي الراهن، فإن العامل الفاعل المعول عليه حقاً لمواجهة الاحتلال الأجنبي للعراق يرتبط بمدى نجاح المقاومة الوطنية العراقية في إثبات نفسها على الساحة وقدرتها على هزيمة قوات الاحتلال وإجبارها على الرحيل، وقيام عراق مستقل موحد وسيد نفسه.

 

 

::/fulltext::
::cck::2224::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *