مستقبل العراق.. المحددات والسيناريوهات

::cck::2246::/cck::
::introtext::

لا بد لأية مغامرة لتقديم تصورات مستقبلية عن العراق بعد مرور خمس سنوات على الاحتلال الأمريكي – البريطاني ومع كل ما حملته هذه السنوات العجاف من عمليات خلط لأوراق محلية وإقليمية ودولية و(فوضى غير خلاقة) أفرزت نتائج مرعبة على العراق والمنطقة والعالم، أن تنطلق أولاً من فحص دقيق لكل هذه الأوراق، بمعنى وضع خريطة توضح الثوابت والعوامل الفاعلة المباشرة وغير المباشرة وكذلك المتغيرات التي يمكن أن تتحول إلى عناصر ثابتة مؤثرة في صيرورة عراق المستقبل، أو تكون قد اختفت بعد أن حققت أهدافها وتركت بصمات مطلوب بقاؤها، أو تكون قد تركت الباب مفتوحاً لأي مستجدات ظرفية بحتة أو (لقانون الفعل ورد الفعل).

::/introtext::
::fulltext::

لا بد لأية مغامرة لتقديم تصورات مستقبلية عن العراق بعد مرور خمس سنوات على الاحتلال الأمريكي – البريطاني ومع كل ما حملته هذه السنوات العجاف من عمليات خلط لأوراق محلية وإقليمية ودولية و(فوضى غير خلاقة) أفرزت نتائج مرعبة على العراق والمنطقة والعالم، أن تنطلق أولاً من فحص دقيق لكل هذه الأوراق، بمعنى وضع خريطة توضح الثوابت والعوامل الفاعلة المباشرة وغير المباشرة وكذلك المتغيرات التي يمكن أن تتحول إلى عناصر ثابتة مؤثرة في صيرورة عراق المستقبل، أو تكون قد اختفت بعد أن حققت أهدافها وتركت بصمات مطلوب بقاؤها، أو تكون قد تركت الباب مفتوحاً لأي مستجدات ظرفية بحتة أو (لقانون الفعل ورد الفعل).

لاستشراف مستقبل العراق المحتل لابد من الإقرار بأن للمتغيرات الإقليمية والدولية النصيب الأكبر في التأثير فيه مقارنة بالمتغيرات على الصعيد الوطني. فبعد عقد ونصف العقد تقريباً على انهيار الاتحاد السوفييتي الذي وصف خطأ بـ (نهاية التاريخ)، بدأت بالفعل تلوح في الأفق إرهاصات لمتغيرات جيو-سياسية مهمة على مستوى العالم (دول ومنظومات دولية عامة وخاصة) مع ظهور (ثقوب سوداء) فيما أطلق عليه النظام الدولي الجديد. إذ لم يعد بالإمكان الدفاع عن سيادة القطب الواحد المطلقة وسياسة الحروب الاستباقية وتغيير الأنظمة السياسية المقاومة لهذا النظام بالقوة العسكرية بعد استنفاد سلاح الحصار الاقتصادي، ناهيك عن استخدام سلاح الاحتلال العسكري وكما حدث بالنسبة لكل من العراق وأفغانستان في انتهاك مباشر لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في محاولة للسيطرة على العالم التي حاول الرئيس الأمريكي بوش فرضها كسياسة أمر واقع بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

لقد وقعت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية الحالية في خطأ استراتيجي خطير بقيامها بهذا العمل العدواني واستمرارها وإصرارها على السير فيه، بغض النظر عن تداعياته الخطيرة على الولايات المتحدة والعالم، آخذة في الاعتبار أن الظروف الدولية، حسب اعتقادها، مواتية وملائمة جداً لإحكام سيطرتها على العالم. لقد اعتبرت أن الأوان حان لأن يكون القضاء على الدولة العراقية البداية في تنفيذ مخططها للشرق الأوسط الجديد ومحاولة جس نبض بعض القوى الدولية وكذلك منظمة الأمم المتحدة في ما يتعلق بمشروعها العالمي مستخدمة سلاحها الشهير (من ليس معنا فهو ضدنا) الذي أثار المخاوف لدى دول مؤثرة على الساحة الدولية

فكيف بالدول الصغيرة. كما استخدمت بإفراط آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية من سلاح، ناهيك عن القوة الصاروخية والجوية التي يصعب على قوى كبرى في العالم مواجهتها وهو ما حصل في عدوانها على العراق المحاصر المنهك اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً للفترة (1990-2003)، واستطاعت احتلاله عسكرياً بفترة قياسية، وبدأت فوراً بتفكيك نسيجه المجتمعي طائفياً وقومياً ودينياً وتفتيته جغرافياً وتقسيمه عملياً ودستورياً إلى دويلات طائفية وعرقية ليكون بذلك عبرة لغيره من الدول التي تفكر في الوقوف بوجه مشروعها الجهنمي في إحكام سيطرتها على العالم والمنطقة العربية على وجه الخصوص. حصل كل ذلك بتأييد ومشاركة حكومات دول عربية وغير عربية وسكوت مطبق، طوعاً أو كرهاً، من جانب الأمم المتحدة والجامعة العربية وعدد آخر من منظمات دولية وإقليمية.

وبذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد حققت نصراً عسكرياً واستراتيجياً كبيراً في حسابات الحروب التقليدية ذات الطبيعة الاستعمارية، لكن الكل يعترف اليوم وبعد مرور خمس سنوات على الاحتلال بأن النصر الذي تحقق لم يكن إلا وهماً في ضوء الخسائر المادية الهائلة التي بلغت رقماً خيالياً يدور حول ثلاثة تريليونات دولار وعشرات الآلاف من القتلى والمعوقين، ناهيك عن قتل أكثر من مليون عراقي وجرح ملايين آخرين وتهجير وتشريد أكثر من خمسة ملايين من دون الحديث عن الدمار الذي طال كل البنى التحتية للاقتصاد العراقي مع كل ما ترتب ويترتب على ذلك من آثار معنوية على الشعب العراقي. بالمقابل لا يمكن أن تجري الرياح دائماً كما تشتهي السفن، فالصراعات ذات الطبيعة الدولية أو الإقليمية وحتى المحلية والاحتلال الأجنبي لا يحكمها قانون أزلي واحد موحد هو قانون القوة، فالاحتلال والعدوان والغزو وفرض الأيديولوجيات لم تعد صالحة للقرن الجديد وإن نجحت نسبياً فلا يمكن أن تستمر بسبب مقاومة الشعوب لها، إلا لفترة محدودة قد تطول وقد تقصر، لكنها لابد أن تنتهي بالفشل وبثمن باهظ وكما وقع فعلاً للولايات المتحدة الأمريكية بعد احتلالها للعراق وأفغانستان خاصة بعد أن تكشفت للرأي العام الأمريكي والعالمي عملية التزوير غير المسبوقة التي مارسها الرئيس الأمريكي وإدارته لتسويق وتبرير احتلاله للعراق، والتي لم تلبث أن ارتدت عليه شخصياً وعلى إدارته.

العراق اليوم بلد محتل بامتياز من قبل قوات عسكرية استعمارية أمريكية وبريطانية، فهو إذن يخضع حكماً لقواعد الاحتلال والقوانين الدولية، والمقاربة الممكنة من وجهتي النظر القانونية والسياسية واضحة.

إن القوات الأمريكية والبريطانية وغيرها من القوات تعتبر طبعاً قوة احتلال منذ لحظة اجتيازها الحدود الكويتية – العراقية بسبب عدم شرعية وقانونية هذا الاجتياز، لكن هناك من البعض داخل العراق وخارجه من يعتبرها (قوات تحرير) أصبحت محتلة للعراق فقط بعد اعتراف رسمي من طرف حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بموجب مذكرة مشتركة رفعتها الدولتان إلى مجلس الأمن بعد فترة من وقوع الاحتلال لكنهما لم تعودا كذلك وفقاً لقرارات مجلس الأمن اللاحقة ذات الصلة، إذ تحول وجود قوتيهما في العراق، كما تدعي (حكومة العراق) وحكومة الولايات المتحدة، إلى وجود شرعي بعد أن تقدمت (الحكومة العراقية) رسمياً إلى مجلس الأمن تطالب ببقاء القوات العسكرية (القوات متعددة الجنسيات) لمدة سنة قابلة للتجديد وهي تتهيأ من الآن لتقديم ذات الطلب إلى مجلس الأمن في بداية عام 2009 بانتظار توقيع اتفاق أو (اتفاقات) طويل الأمد مع الحكومة الأمريكية الحالية يشرّع لوجود مستمر للقوات الأمريكية في العراق على غرار ما حصل مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، والكل يعرف أن القوات الأمريكية لا تزال موجودة على أراضي هاتين الدولتين منذ ما يزيد على 65 عاماً. ولا أريد مناقشة موضوع هل لا يزال العراق محتلاً من الناحيتين القانونية والواقعية على الرغم من اعتقاد القلة بأن وجود مئات الآلاف من القوات الأجنبية على كامل ترابه وتحكّمها في كل ما يتعلق بالشأنين الوطني والدولي لا يعني فقدان العراق لقراره السيادي واستقلاله وهو منطق غريب على جميع المختصين ما عدا (حكومة العراق) التي تنظر كما يبدو إلى الاحتلال بعين واحدة في محاولة منها لإقناع نفسها. فالمعروف أن هناك شبه إجماع لدى القانونيين والسياسيين وكذلك الرأي العام الأمريكي والأوروبي والعربي على اعتبار العراق بلداً محتلاً فاقداً لسيادته واستقلاله، ويخضع للقانون الدولي الإنساني في كل ما يتعلق بإدارة شؤونه، كما أن دول الاحتلال تعتبر مسؤولة مباشرة أمام هذا القانون، وتتحمل مسؤولية أي انتهاك لهذا القانون، كما لا تستطيع أن تتنصل من التزاماتها في إنهاء الاحتلال وسحب قواتها من العراق وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل العدوان، بمعنى عودة الاستقلال والسيادة للشعب العراقي من دون أي التزامات تعاهدية يمكن أن تفرضها قوات الاحتلال ووجوب دفع تعويضات عن كل الأضرار المباشرة وغيرالمباشرة التي نجمت بفعل الاحتلال سواء أكانت بشرية مادية أم معنوية مباشرة أو غير مباشرة. أما من الناحية السياسية والقانونية فإن دول الاحتلال اقترفت جريمة ضد السلام واقترفت أيضاً قواتها العسكرية والميليشيات التي رافقتها جرائم حرب ضد الشعب العراقي وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.

وبغية وضع سيناريوهات مركزة لمستقبل العراق لا بد من الانطلاق من مصالح الأطراف ذات العلاقة وهما العراق والولايات المتحدة الأمريكية وهي مصالح متعارضة متوازية لا يمكن أن تلتقي، ولذلك سوف يكون السيناريو الأول هو في احتمال بقاء العراق تحت الاحتلال العسكري المباشر بمعنى بقاء القوات العسكرية الأمريكية وبعض حلفائها محتلة للعراق، كما هي عليه الحال الآن، على الرغم من أن تجربة الخمس سنوات غنية بمآسيها، وتثبت أن استمرار الوضع الراهن غير ممكن عملياً من دون استمرار تقديم تضحيات ضخمة وخسائر لم يعد بالإمكان تحملها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، لكن يمكن لحسابات استراتيجية بحتة أن تستمر القوات الأمريكية والبريطانية في عملياتها الاحتلالية للعراق، لكن ذلك يعني ببساطة استناداً إلى التجربة نفسها استمرار تصاعد أعمال المقاومة الوطنية العراقية والتفاف الشعب العراقي حولها بسبب الوعي المتزايد والتعرف عن قرب إلى طبيعة الاحتلال واستيعابه حقيقة أهدافه الخفية والمعلنة وازدياد معاناته، ولذلك فإن احتمال توسع المقاومة الوطنية المسلحة وغير المسلحة لتستوعب شرائح واسعة من الشعب العراقي، خاصة تلك التي كانت في حالة ترقب أو في حالة تغييب بسبب شعارات الاحتلال في الديمقراطية والرفاهية والأمن، يعتبر أمراً طبيعياً، وبات يشكل واقعاً ملموساً وعاملاً مطمئناً في حسابات نجاح المقاومة في تحقيقها أهدافها.

الكل يعترف اليوم وبعد مرور خمس سنوات على الاحتلال بأن النصر الذي تحقق لم يكن إلا وهماً

ومما سيزيد قطعاً من حفيظة الشعب العراقي وحنقه وحساسيته ومقاومته هو دخول الحكومة الأمريكية في مفاوضات سرية مع (الحكومة العراقية) لعقد اتفاقية (وصاية) طويلة الأمد تسمح ببقاء قوات عسكرية أمريكية في العراق لم تتحدد بعد معالمها لا من حيث عددها ولا أصنافها ولا أماكن وجودها ولا مدة مكوثها ولا الهدف من وجودها، وهنا قطعاً سيتذكر كل العراقيين الاتفاقيات التي طالما حاول الاحتلال البريطاني فرضها على الشعب العراقي الذي رفضها بكل إباء، وقدّم لذلك تضحيات بشرية سخية، وبناء على ذلك فإن بقاء المحتل عسكرياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً طبقاً لاتفاق مع حكومة العراق الحالية أو من دونه سوف لن يغير كثيراً من أمر استمرار المقاومة المسلحة للاحتلال والحكومة المتعاونة معه، وستبقى المعادلة القائمة اليوم نفسها من دون تغيير: قوات احتلال متناقصة مقابل قوات مقاومة مسلحة متزايدة، وهذا بالطبع سوف لن يصب في صالح الاحتلال الذي بدا على قواته المسلحة التعب والإرباك في التوجهات بسبب عدم قدرتها على السيطرة على العراق كما كانت تتمنى، وقد بدأ زمامه يفلت من قبضتها، وسارت دونما اكتراث لتغوص في المستنقع العراقي أكثر فأكثر.

أما السيناريو الثاني، فهو احتمال خروج الاحتلال من العراق بصورة مفاجئة (بين ليلة وضحاها) وكما حدث في فيتنام والصومال ولبنان وهو في تقديري أمر يصعب تصوره في ظل الأوضاع والظروف الراهنة، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي القوة الأولى في العالم ولا تقبل بالإهانة العلنية، فلا يزال اعتبارها قائماً لدى عدد كبير من دول العالم، إذ لم تعد هناك حرب باردة ولا قوة ردع، سياسي وعسكري وتكنولوجي مقابلة مثل قوة الاتحاد السوفييتي السابقة، كما لم يعد هناك توازن رعب، ولم تعد هناك منظمة أمم متحدة قادرة على الحركة بعد أن تمت مصادرتها لصالح قوة واحدة، ولم تعد هناك لدول عدم انحياز لها قدرة على التأثير في التوازن الدولي، كما لم يعد هناك دور لدول عظمى مثل الصين بعد أن باتت تفكر في مصلحتها الاقتصادية والسياسية وهمومها الوطنية فقط. وهنا لا بد أن نشير إلى غياب تام أو تغييب للدول العربية والجامعة العربية التي تم لجمها تماماً وتحييدها ومنعها حتى من تقديم المساعدات الإنسانية للشعب العراقي الذي لا يزال بحاجة ماسة للمساعدات منذ أغسطس 1990 وحتى يومنا هذا.

 أمام كل هذه العوامل السلبية بالإضافة إلى الوضع الأمني الداخلي المنهار وحالة الفوضى وغياب الدولة والاقتتال الطائفي والعرقي وكذلك وجود مطامع حقيقية لقوى إقليمية لها تأثيرها المباشر في قوى داخل الحكومة وعلى مستوى مناطق واسعة من العراق، وأقصد بذلك حصراً جمهورية إيران الإسلامية، يمكن أن نتصور حجم الكارثة الإنسانية التي يمكن أن تحصل في حالة خروج مفاجئ لقوات الاحتلال، والتي ستتجاوز من بعيد الحرب الأهلية الطائفية والقومية وتقسيم العراق إلى دويلات متناحرة متحاربة لتمتد آثارها لتنعكس على عموم المنطقة العربية ودول الجوار، كما ستخلق جواً سياسياً متأزماً على مستوى العالم وهو أمر لا يمكن تصوره سواء قبل الانتخابات الأمريكية أو بعدها في ظل بقاء الأوضاع الراهنة على حالها.

لكن هذا السيناريو بالمقابل يمكن تصوره في حالة واحدة هي تمكّن المقاومة الوطنية من توحيد صفوفها في جبهة وطنية عريضة تضم طيفاً واسعاً من أبناء الشعب العراقي، وتحظى بدعم من فئاته السياسية والعشائرية الوطنية والقومية وفق برنامج سياسي تتفق عليه جميع الأطراف وقادرة على توجيه ضربات قاسية لقواته الغازية، لكن يبدو أن الوقت لم يحن بعد للتوصل إلى حالة النهوض المطلوبة لدى الشعب العراقي بكافة فئاته لأسباب معروفة على الرغم من وجود قراءات وإرهاصات لإمكانية تحقق مثل هذا الخرق الاستراتيجي وهو ما يتمنى الشعب العراقي حدوثه بأسرع وقت.

لم تعد هناك منظمة أمم متحدة قادرة على الحركة بعد أن تمت مصادرتها لصالح قوة واحدة

أما السيناريو الثالث الأكثر احتمالاً في ضوء المتغيرات الحالية، فهو رضوخ حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لمطالب المقاومة الوطنية العراقية والشعب العراقي العادلة في استعادة سيادته واستقلاله وكذلك مطالب المجتمع الدولي الرسمي والشعبي وذلك بسحب كافة القوات الأجنبية من الأراضي العراقية بموجب جدول زمني محدد يتفق عليه الطرفان وطبقاً لشروط معينة وبإشراف دولي وعربي، وهناك من التجارب الدولية ما يفيد كثيراً في كيفية إنجاز هذا العمل بصورة لا تسيء إلى العراق كدولة ومجتمع يريد استعادة سيادته والعيش بأمن وسلام، كما لا يسيء إلى الولايات المتحدة على الرغم من جرائمها الكبرى التي ارتكبتها بحق الشعب العراقي كونها دولة احتلال ملزمة بتطبيق القانون الدولي الإنساني في كيفية انسحاب القوات الأجنبية. وبطبيعة الحال لابد من مفاوضات بين ممثلين شرعيين عن الشعب العراقي بقيادة المقاومة العراقية وممثلين عن دولة الاحتلال لوضع الكيفية التي يتم فيها سحب قوات الاحتلال بصورة سلمية، ومن الطبيعي أن تتركز المفاوضات في محورين: أحدهما عسكري لوجيستي، والآخر سياسي يتعلق بالعلاقات المستقبلية بين الدولتين وخاصة في ما يتعلق بآثار العدوان وكيفية معالجتها ومنها على وجه الخصوص موضوع التعويضات التي يتوجب على دول الاحتلال دفعها بعد أن أصبح من الثابت واقعاً وقانوناً تعرّض العراق لحرب عدوانية مؤكدة ومن دون أي مسوغات يمكن الاستناد إليها لتبرير احتلالها، كما لم يحض هذا العمل العدواني بموافقة أو مباركة من أية جهة دولية مخولة في مقدمتها منظمة الأمم المتحدة، بل إن قرار الحرب اتخذ أساساً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسبانيا. أما تنفيذ قرار الاحتلال فقد شاركت فيه دول أخرى بمستويات مختلفة، وتتحمل كل واحدة مسؤوليتها القانونية والأخلاقية على حسب طبيعة ونوع المشاركة ومدى الأضرار التي تسببت بها للعراق والعراقيين.

إن هذا السيناريو لا يمكن تصور تحقيقه قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نهاية العام الحالي أياً كان الرئيس المنتخب جمهورياً أم ديمقراطياً، لكن من المعروف أن المرشحين الديمقراطيين هما اللذان تحدثا عن إعادة انتشار، وليس عن سحب شامل للقوات الأمريكية، في حين تحدث المرشح الأمريكي عن الحزب الجمهوري عن بقاء للقوات الأمريكية لفترة طويلة قد تصل إلى 100 عام.

إن هذا السيناريو الأكثر حظاً في القبول من الناحية المنطقية والسياسية لا يمكن أن يتم بصورة تلقائية بمجرد تغيير الرئيس الأمريكي وحصول الحزب الديمقراطي على الأغلبية في الكونغرس ومجلس الشيوخ. فمثل هذا السيناريو المنطقي والعقلاني سيواجه مقاومة شديدة من أطراف أمريكية وعراقية موالية للاحتلال، وتحمل مسميات حكومية قيادية تحكم نيابة وباسم الاحتلال، لكن الذي سيرغم الأطراف الأمريكية على القبول بالرحيل هو استمرار النزيف المالي والبشري الذي أصبحومنذ فترة خارج التصور والمقبول أمريكياً وكذلك تصاعد ممانعة العراقيين برفض الاحتلال واستمرار ضغط المقاومة الوطنية العراقية على قوات الاحتلال فهي الجهة الوحيدة القادرة على إجبار الاحتلال على الدخول في مفاوضات انسحاب، أما الجهة الأخرى التي سيكون لها دور مؤثر فهو الرأي العام الأمريكي الذي لا يمكن أن يرقى بطبيعة الحال إلى دور المقاومة الوطنية العراقية التي عليها وحدها يقع الدور الأساسي في تحرير العراق وإجبار قوات الاحتلال على مغادرة أراضيه. أمام هذه السيناريوهات الثلاثة، وهي مجرد سيناريوهات من بين سيناريوهات أخرى، نعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية لا بد أن تنسحب من العراق عسكرياً وسياسياً في وقت قريب، لكن ليس قبل أن تحقق هدفاً أساسياً ورئيسياً لا يزال لم يتحقق بعد ألا وهو إحكام السيطرة الكاملة على النفط العراقي، ليس بمعنى الاستحواذ عليه من دون مقابل أو لسد حاجتها الآنية منه، بل باعتباره سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن مخزونها الاستراتيجي من السلاح بكافة أنواعه ومنها سلاحها النووي، فمن دون سلاح النفط العراقي لا يمكنها الاستمرار في تفوقها النوعي، فهي لا تزال أقوى قوة عسكرية واقتصادية في العالم على الرغم من مظاهر الركود في اقتصادها المريض بسبب الحرب على العراق، ولا تزال تطمح أن يكون القرن الحالي أمريكياً بامتياز.

::/fulltext::

44_81-976
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2246::/cck::
::introtext::

لا بد لأية مغامرة لتقديم تصورات مستقبلية عن العراق بعد مرور خمس سنوات على الاحتلال الأمريكي – البريطاني ومع كل ما حملته هذه السنوات العجاف من عمليات خلط لأوراق محلية وإقليمية ودولية و(فوضى غير خلاقة) أفرزت نتائج مرعبة على العراق والمنطقة والعالم، أن تنطلق أولاً من فحص دقيق لكل هذه الأوراق، بمعنى وضع خريطة توضح الثوابت والعوامل الفاعلة المباشرة وغير المباشرة وكذلك المتغيرات التي يمكن أن تتحول إلى عناصر ثابتة مؤثرة في صيرورة عراق المستقبل، أو تكون قد اختفت بعد أن حققت أهدافها وتركت بصمات مطلوب بقاؤها، أو تكون قد تركت الباب مفتوحاً لأي مستجدات ظرفية بحتة أو (لقانون الفعل ورد الفعل).

::/introtext::
::fulltext::

لا بد لأية مغامرة لتقديم تصورات مستقبلية عن العراق بعد مرور خمس سنوات على الاحتلال الأمريكي – البريطاني ومع كل ما حملته هذه السنوات العجاف من عمليات خلط لأوراق محلية وإقليمية ودولية و(فوضى غير خلاقة) أفرزت نتائج مرعبة على العراق والمنطقة والعالم، أن تنطلق أولاً من فحص دقيق لكل هذه الأوراق، بمعنى وضع خريطة توضح الثوابت والعوامل الفاعلة المباشرة وغير المباشرة وكذلك المتغيرات التي يمكن أن تتحول إلى عناصر ثابتة مؤثرة في صيرورة عراق المستقبل، أو تكون قد اختفت بعد أن حققت أهدافها وتركت بصمات مطلوب بقاؤها، أو تكون قد تركت الباب مفتوحاً لأي مستجدات ظرفية بحتة أو (لقانون الفعل ورد الفعل).

لاستشراف مستقبل العراق المحتل لابد من الإقرار بأن للمتغيرات الإقليمية والدولية النصيب الأكبر في التأثير فيه مقارنة بالمتغيرات على الصعيد الوطني. فبعد عقد ونصف العقد تقريباً على انهيار الاتحاد السوفييتي الذي وصف خطأ بـ (نهاية التاريخ)، بدأت بالفعل تلوح في الأفق إرهاصات لمتغيرات جيو-سياسية مهمة على مستوى العالم (دول ومنظومات دولية عامة وخاصة) مع ظهور (ثقوب سوداء) فيما أطلق عليه النظام الدولي الجديد. إذ لم يعد بالإمكان الدفاع عن سيادة القطب الواحد المطلقة وسياسة الحروب الاستباقية وتغيير الأنظمة السياسية المقاومة لهذا النظام بالقوة العسكرية بعد استنفاد سلاح الحصار الاقتصادي، ناهيك عن استخدام سلاح الاحتلال العسكري وكما حدث بالنسبة لكل من العراق وأفغانستان في انتهاك مباشر لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في محاولة للسيطرة على العالم التي حاول الرئيس الأمريكي بوش فرضها كسياسة أمر واقع بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001.

لقد وقعت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية الحالية في خطأ استراتيجي خطير بقيامها بهذا العمل العدواني واستمرارها وإصرارها على السير فيه، بغض النظر عن تداعياته الخطيرة على الولايات المتحدة والعالم، آخذة في الاعتبار أن الظروف الدولية، حسب اعتقادها، مواتية وملائمة جداً لإحكام سيطرتها على العالم. لقد اعتبرت أن الأوان حان لأن يكون القضاء على الدولة العراقية البداية في تنفيذ مخططها للشرق الأوسط الجديد ومحاولة جس نبض بعض القوى الدولية وكذلك منظمة الأمم المتحدة في ما يتعلق بمشروعها العالمي مستخدمة سلاحها الشهير (من ليس معنا فهو ضدنا) الذي أثار المخاوف لدى دول مؤثرة على الساحة الدولية

فكيف بالدول الصغيرة. كما استخدمت بإفراط آخر ما توصلت إليه التكنولوجيا العسكرية من سلاح، ناهيك عن القوة الصاروخية والجوية التي يصعب على قوى كبرى في العالم مواجهتها وهو ما حصل في عدوانها على العراق المحاصر المنهك اقتصادياً وعسكرياً وسياسياً للفترة (1990-2003)، واستطاعت احتلاله عسكرياً بفترة قياسية، وبدأت فوراً بتفكيك نسيجه المجتمعي طائفياً وقومياً ودينياً وتفتيته جغرافياً وتقسيمه عملياً ودستورياً إلى دويلات طائفية وعرقية ليكون بذلك عبرة لغيره من الدول التي تفكر في الوقوف بوجه مشروعها الجهنمي في إحكام سيطرتها على العالم والمنطقة العربية على وجه الخصوص. حصل كل ذلك بتأييد ومشاركة حكومات دول عربية وغير عربية وسكوت مطبق، طوعاً أو كرهاً، من جانب الأمم المتحدة والجامعة العربية وعدد آخر من منظمات دولية وإقليمية.

وبذلك تكون الولايات المتحدة الأمريكية قد حققت نصراً عسكرياً واستراتيجياً كبيراً في حسابات الحروب التقليدية ذات الطبيعة الاستعمارية، لكن الكل يعترف اليوم وبعد مرور خمس سنوات على الاحتلال بأن النصر الذي تحقق لم يكن إلا وهماً في ضوء الخسائر المادية الهائلة التي بلغت رقماً خيالياً يدور حول ثلاثة تريليونات دولار وعشرات الآلاف من القتلى والمعوقين، ناهيك عن قتل أكثر من مليون عراقي وجرح ملايين آخرين وتهجير وتشريد أكثر من خمسة ملايين من دون الحديث عن الدمار الذي طال كل البنى التحتية للاقتصاد العراقي مع كل ما ترتب ويترتب على ذلك من آثار معنوية على الشعب العراقي. بالمقابل لا يمكن أن تجري الرياح دائماً كما تشتهي السفن، فالصراعات ذات الطبيعة الدولية أو الإقليمية وحتى المحلية والاحتلال الأجنبي لا يحكمها قانون أزلي واحد موحد هو قانون القوة، فالاحتلال والعدوان والغزو وفرض الأيديولوجيات لم تعد صالحة للقرن الجديد وإن نجحت نسبياً فلا يمكن أن تستمر بسبب مقاومة الشعوب لها، إلا لفترة محدودة قد تطول وقد تقصر، لكنها لابد أن تنتهي بالفشل وبثمن باهظ وكما وقع فعلاً للولايات المتحدة الأمريكية بعد احتلالها للعراق وأفغانستان خاصة بعد أن تكشفت للرأي العام الأمريكي والعالمي عملية التزوير غير المسبوقة التي مارسها الرئيس الأمريكي وإدارته لتسويق وتبرير احتلاله للعراق، والتي لم تلبث أن ارتدت عليه شخصياً وعلى إدارته.

العراق اليوم بلد محتل بامتياز من قبل قوات عسكرية استعمارية أمريكية وبريطانية، فهو إذن يخضع حكماً لقواعد الاحتلال والقوانين الدولية، والمقاربة الممكنة من وجهتي النظر القانونية والسياسية واضحة.

إن القوات الأمريكية والبريطانية وغيرها من القوات تعتبر طبعاً قوة احتلال منذ لحظة اجتيازها الحدود الكويتية – العراقية بسبب عدم شرعية وقانونية هذا الاجتياز، لكن هناك من البعض داخل العراق وخارجه من يعتبرها (قوات تحرير) أصبحت محتلة للعراق فقط بعد اعتراف رسمي من طرف حكومتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بموجب مذكرة مشتركة رفعتها الدولتان إلى مجلس الأمن بعد فترة من وقوع الاحتلال لكنهما لم تعودا كذلك وفقاً لقرارات مجلس الأمن اللاحقة ذات الصلة، إذ تحول وجود قوتيهما في العراق، كما تدعي (حكومة العراق) وحكومة الولايات المتحدة، إلى وجود شرعي بعد أن تقدمت (الحكومة العراقية) رسمياً إلى مجلس الأمن تطالب ببقاء القوات العسكرية (القوات متعددة الجنسيات) لمدة سنة قابلة للتجديد وهي تتهيأ من الآن لتقديم ذات الطلب إلى مجلس الأمن في بداية عام 2009 بانتظار توقيع اتفاق أو (اتفاقات) طويل الأمد مع الحكومة الأمريكية الحالية يشرّع لوجود مستمر للقوات الأمريكية في العراق على غرار ما حصل مع اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، والكل يعرف أن القوات الأمريكية لا تزال موجودة على أراضي هاتين الدولتين منذ ما يزيد على 65 عاماً. ولا أريد مناقشة موضوع هل لا يزال العراق محتلاً من الناحيتين القانونية والواقعية على الرغم من اعتقاد القلة بأن وجود مئات الآلاف من القوات الأجنبية على كامل ترابه وتحكّمها في كل ما يتعلق بالشأنين الوطني والدولي لا يعني فقدان العراق لقراره السيادي واستقلاله وهو منطق غريب على جميع المختصين ما عدا (حكومة العراق) التي تنظر كما يبدو إلى الاحتلال بعين واحدة في محاولة منها لإقناع نفسها. فالمعروف أن هناك شبه إجماع لدى القانونيين والسياسيين وكذلك الرأي العام الأمريكي والأوروبي والعربي على اعتبار العراق بلداً محتلاً فاقداً لسيادته واستقلاله، ويخضع للقانون الدولي الإنساني في كل ما يتعلق بإدارة شؤونه، كما أن دول الاحتلال تعتبر مسؤولة مباشرة أمام هذا القانون، وتتحمل مسؤولية أي انتهاك لهذا القانون، كما لا تستطيع أن تتنصل من التزاماتها في إنهاء الاحتلال وسحب قواتها من العراق وإعادة الوضع إلى ما كان عليه قبل العدوان، بمعنى عودة الاستقلال والسيادة للشعب العراقي من دون أي التزامات تعاهدية يمكن أن تفرضها قوات الاحتلال ووجوب دفع تعويضات عن كل الأضرار المباشرة وغيرالمباشرة التي نجمت بفعل الاحتلال سواء أكانت بشرية مادية أم معنوية مباشرة أو غير مباشرة. أما من الناحية السياسية والقانونية فإن دول الاحتلال اقترفت جريمة ضد السلام واقترفت أيضاً قواتها العسكرية والميليشيات التي رافقتها جرائم حرب ضد الشعب العراقي وهي جرائم لا تسقط بالتقادم.

وبغية وضع سيناريوهات مركزة لمستقبل العراق لا بد من الانطلاق من مصالح الأطراف ذات العلاقة وهما العراق والولايات المتحدة الأمريكية وهي مصالح متعارضة متوازية لا يمكن أن تلتقي، ولذلك سوف يكون السيناريو الأول هو في احتمال بقاء العراق تحت الاحتلال العسكري المباشر بمعنى بقاء القوات العسكرية الأمريكية وبعض حلفائها محتلة للعراق، كما هي عليه الحال الآن، على الرغم من أن تجربة الخمس سنوات غنية بمآسيها، وتثبت أن استمرار الوضع الراهن غير ممكن عملياً من دون استمرار تقديم تضحيات ضخمة وخسائر لم يعد بالإمكان تحملها من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، لكن يمكن لحسابات استراتيجية بحتة أن تستمر القوات الأمريكية والبريطانية في عملياتها الاحتلالية للعراق، لكن ذلك يعني ببساطة استناداً إلى التجربة نفسها استمرار تصاعد أعمال المقاومة الوطنية العراقية والتفاف الشعب العراقي حولها بسبب الوعي المتزايد والتعرف عن قرب إلى طبيعة الاحتلال واستيعابه حقيقة أهدافه الخفية والمعلنة وازدياد معاناته، ولذلك فإن احتمال توسع المقاومة الوطنية المسلحة وغير المسلحة لتستوعب شرائح واسعة من الشعب العراقي، خاصة تلك التي كانت في حالة ترقب أو في حالة تغييب بسبب شعارات الاحتلال في الديمقراطية والرفاهية والأمن، يعتبر أمراً طبيعياً، وبات يشكل واقعاً ملموساً وعاملاً مطمئناً في حسابات نجاح المقاومة في تحقيقها أهدافها.

الكل يعترف اليوم وبعد مرور خمس سنوات على الاحتلال بأن النصر الذي تحقق لم يكن إلا وهماً

ومما سيزيد قطعاً من حفيظة الشعب العراقي وحنقه وحساسيته ومقاومته هو دخول الحكومة الأمريكية في مفاوضات سرية مع (الحكومة العراقية) لعقد اتفاقية (وصاية) طويلة الأمد تسمح ببقاء قوات عسكرية أمريكية في العراق لم تتحدد بعد معالمها لا من حيث عددها ولا أصنافها ولا أماكن وجودها ولا مدة مكوثها ولا الهدف من وجودها، وهنا قطعاً سيتذكر كل العراقيين الاتفاقيات التي طالما حاول الاحتلال البريطاني فرضها على الشعب العراقي الذي رفضها بكل إباء، وقدّم لذلك تضحيات بشرية سخية، وبناء على ذلك فإن بقاء المحتل عسكرياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً طبقاً لاتفاق مع حكومة العراق الحالية أو من دونه سوف لن يغير كثيراً من أمر استمرار المقاومة المسلحة للاحتلال والحكومة المتعاونة معه، وستبقى المعادلة القائمة اليوم نفسها من دون تغيير: قوات احتلال متناقصة مقابل قوات مقاومة مسلحة متزايدة، وهذا بالطبع سوف لن يصب في صالح الاحتلال الذي بدا على قواته المسلحة التعب والإرباك في التوجهات بسبب عدم قدرتها على السيطرة على العراق كما كانت تتمنى، وقد بدأ زمامه يفلت من قبضتها، وسارت دونما اكتراث لتغوص في المستنقع العراقي أكثر فأكثر.

أما السيناريو الثاني، فهو احتمال خروج الاحتلال من العراق بصورة مفاجئة (بين ليلة وضحاها) وكما حدث في فيتنام والصومال ولبنان وهو في تقديري أمر يصعب تصوره في ظل الأوضاع والظروف الراهنة، خاصة وأن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت منذ نهاية الثمانينات من القرن الماضي القوة الأولى في العالم ولا تقبل بالإهانة العلنية، فلا يزال اعتبارها قائماً لدى عدد كبير من دول العالم، إذ لم تعد هناك حرب باردة ولا قوة ردع، سياسي وعسكري وتكنولوجي مقابلة مثل قوة الاتحاد السوفييتي السابقة، كما لم يعد هناك توازن رعب، ولم تعد هناك منظمة أمم متحدة قادرة على الحركة بعد أن تمت مصادرتها لصالح قوة واحدة، ولم تعد هناك لدول عدم انحياز لها قدرة على التأثير في التوازن الدولي، كما لم يعد هناك دور لدول عظمى مثل الصين بعد أن باتت تفكر في مصلحتها الاقتصادية والسياسية وهمومها الوطنية فقط. وهنا لا بد أن نشير إلى غياب تام أو تغييب للدول العربية والجامعة العربية التي تم لجمها تماماً وتحييدها ومنعها حتى من تقديم المساعدات الإنسانية للشعب العراقي الذي لا يزال بحاجة ماسة للمساعدات منذ أغسطس 1990 وحتى يومنا هذا.

 أمام كل هذه العوامل السلبية بالإضافة إلى الوضع الأمني الداخلي المنهار وحالة الفوضى وغياب الدولة والاقتتال الطائفي والعرقي وكذلك وجود مطامع حقيقية لقوى إقليمية لها تأثيرها المباشر في قوى داخل الحكومة وعلى مستوى مناطق واسعة من العراق، وأقصد بذلك حصراً جمهورية إيران الإسلامية، يمكن أن نتصور حجم الكارثة الإنسانية التي يمكن أن تحصل في حالة خروج مفاجئ لقوات الاحتلال، والتي ستتجاوز من بعيد الحرب الأهلية الطائفية والقومية وتقسيم العراق إلى دويلات متناحرة متحاربة لتمتد آثارها لتنعكس على عموم المنطقة العربية ودول الجوار، كما ستخلق جواً سياسياً متأزماً على مستوى العالم وهو أمر لا يمكن تصوره سواء قبل الانتخابات الأمريكية أو بعدها في ظل بقاء الأوضاع الراهنة على حالها.

لكن هذا السيناريو بالمقابل يمكن تصوره في حالة واحدة هي تمكّن المقاومة الوطنية من توحيد صفوفها في جبهة وطنية عريضة تضم طيفاً واسعاً من أبناء الشعب العراقي، وتحظى بدعم من فئاته السياسية والعشائرية الوطنية والقومية وفق برنامج سياسي تتفق عليه جميع الأطراف وقادرة على توجيه ضربات قاسية لقواته الغازية، لكن يبدو أن الوقت لم يحن بعد للتوصل إلى حالة النهوض المطلوبة لدى الشعب العراقي بكافة فئاته لأسباب معروفة على الرغم من وجود قراءات وإرهاصات لإمكانية تحقق مثل هذا الخرق الاستراتيجي وهو ما يتمنى الشعب العراقي حدوثه بأسرع وقت.

لم تعد هناك منظمة أمم متحدة قادرة على الحركة بعد أن تمت مصادرتها لصالح قوة واحدة

أما السيناريو الثالث الأكثر احتمالاً في ضوء المتغيرات الحالية، فهو رضوخ حكومة الولايات المتحدة الأمريكية لمطالب المقاومة الوطنية العراقية والشعب العراقي العادلة في استعادة سيادته واستقلاله وكذلك مطالب المجتمع الدولي الرسمي والشعبي وذلك بسحب كافة القوات الأجنبية من الأراضي العراقية بموجب جدول زمني محدد يتفق عليه الطرفان وطبقاً لشروط معينة وبإشراف دولي وعربي، وهناك من التجارب الدولية ما يفيد كثيراً في كيفية إنجاز هذا العمل بصورة لا تسيء إلى العراق كدولة ومجتمع يريد استعادة سيادته والعيش بأمن وسلام، كما لا يسيء إلى الولايات المتحدة على الرغم من جرائمها الكبرى التي ارتكبتها بحق الشعب العراقي كونها دولة احتلال ملزمة بتطبيق القانون الدولي الإنساني في كيفية انسحاب القوات الأجنبية. وبطبيعة الحال لابد من مفاوضات بين ممثلين شرعيين عن الشعب العراقي بقيادة المقاومة العراقية وممثلين عن دولة الاحتلال لوضع الكيفية التي يتم فيها سحب قوات الاحتلال بصورة سلمية، ومن الطبيعي أن تتركز المفاوضات في محورين: أحدهما عسكري لوجيستي، والآخر سياسي يتعلق بالعلاقات المستقبلية بين الدولتين وخاصة في ما يتعلق بآثار العدوان وكيفية معالجتها ومنها على وجه الخصوص موضوع التعويضات التي يتوجب على دول الاحتلال دفعها بعد أن أصبح من الثابت واقعاً وقانوناً تعرّض العراق لحرب عدوانية مؤكدة ومن دون أي مسوغات يمكن الاستناد إليها لتبرير احتلالها، كما لم يحض هذا العمل العدواني بموافقة أو مباركة من أية جهة دولية مخولة في مقدمتها منظمة الأمم المتحدة، بل إن قرار الحرب اتخذ أساساً من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وإسبانيا. أما تنفيذ قرار الاحتلال فقد شاركت فيه دول أخرى بمستويات مختلفة، وتتحمل كل واحدة مسؤوليتها القانونية والأخلاقية على حسب طبيعة ونوع المشاركة ومدى الأضرار التي تسببت بها للعراق والعراقيين.

إن هذا السيناريو لا يمكن تصور تحقيقه قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية في نهاية العام الحالي أياً كان الرئيس المنتخب جمهورياً أم ديمقراطياً، لكن من المعروف أن المرشحين الديمقراطيين هما اللذان تحدثا عن إعادة انتشار، وليس عن سحب شامل للقوات الأمريكية، في حين تحدث المرشح الأمريكي عن الحزب الجمهوري عن بقاء للقوات الأمريكية لفترة طويلة قد تصل إلى 100 عام.

إن هذا السيناريو الأكثر حظاً في القبول من الناحية المنطقية والسياسية لا يمكن أن يتم بصورة تلقائية بمجرد تغيير الرئيس الأمريكي وحصول الحزب الديمقراطي على الأغلبية في الكونغرس ومجلس الشيوخ. فمثل هذا السيناريو المنطقي والعقلاني سيواجه مقاومة شديدة من أطراف أمريكية وعراقية موالية للاحتلال، وتحمل مسميات حكومية قيادية تحكم نيابة وباسم الاحتلال، لكن الذي سيرغم الأطراف الأمريكية على القبول بالرحيل هو استمرار النزيف المالي والبشري الذي أصبحومنذ فترة خارج التصور والمقبول أمريكياً وكذلك تصاعد ممانعة العراقيين برفض الاحتلال واستمرار ضغط المقاومة الوطنية العراقية على قوات الاحتلال فهي الجهة الوحيدة القادرة على إجبار الاحتلال على الدخول في مفاوضات انسحاب، أما الجهة الأخرى التي سيكون لها دور مؤثر فهو الرأي العام الأمريكي الذي لا يمكن أن يرقى بطبيعة الحال إلى دور المقاومة الوطنية العراقية التي عليها وحدها يقع الدور الأساسي في تحرير العراق وإجبار قوات الاحتلال على مغادرة أراضيه. أمام هذه السيناريوهات الثلاثة، وهي مجرد سيناريوهات من بين سيناريوهات أخرى، نعتقد أن الولايات المتحدة الأمريكية لا بد أن تنسحب من العراق عسكرياً وسياسياً في وقت قريب، لكن ليس قبل أن تحقق هدفاً أساسياً ورئيسياً لا يزال لم يتحقق بعد ألا وهو إحكام السيطرة الكاملة على النفط العراقي، ليس بمعنى الاستحواذ عليه من دون مقابل أو لسد حاجتها الآنية منه، بل باعتباره سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن مخزونها الاستراتيجي من السلاح بكافة أنواعه ومنها سلاحها النووي، فمن دون سلاح النفط العراقي لا يمكنها الاستمرار في تفوقها النوعي، فهي لا تزال أقوى قوة عسكرية واقتصادية في العالم على الرغم من مظاهر الركود في اقتصادها المريض بسبب الحرب على العراق، ولا تزال تطمح أن يكون القرن الحالي أمريكياً بامتياز.

::/fulltext::
::cck::2246::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *