المرأة والتنمية السياسية: التمكين كمدخل

::cck::2262::/cck::
::introtext::

باتت قضية النهوض بالمرأة وتطوير وضعها إلى مستوى المكانة التي تستحقها باعتبارها عنصراً فاعلاً وشريكاً في التنمية وتقديم المجتمع، واحدة من أهم القضايا المعاصرة التي لا تزال تشغل بال المفكرين والحكومات والمؤسسات والهيئات الدولية.

::/introtext::
::fulltext::

باتت قضية النهوض بالمرأة وتطوير وضعها إلى مستوى المكانة التي تستحقها باعتبارها عنصراً فاعلاً وشريكاً في التنمية وتقديم المجتمع، واحدة من أهم القضايا المعاصرة التي لا تزال تشغل بال المفكرين والحكومات والمؤسسات والهيئات الدولية.

لقد تطورت وتبدلت قضايا المرأة، وكذلك مفهوم وضعها وأبعاد دورها، في كل مرحلة من مراحل تطور الحركة النسائية وفي كل حقبة من حقب التنمية المجتمعية، لتتخذ شكلاً ومضموناً وأبعاداً تنسجم مع تلك المراحل والحقب المتباينة، وفي الوقت ذاته اختلفت قضايا المرأة ودعواها في المرحلة أو الحقبة الزمنية الواحدة من مجتمع إلى آخر نظراً للتباين الثقافي والحضاري ومستوى التنمية.

المرأة العربية والحاجة إلى التمكين

تواجه المرأة العربية في الألفية الثالثة العديد من التحديات العالمية والإقليمية والمحلية التي تستلزم اتخاذ كل الإجراءات والتدابير التي من شأنها مساندة المرأة. فعلى المستوى العالمي هناك ظاهرة العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات التي أدت إلى تغيير مفهوم السيادة والمواطنة وأصبحت تتطلب درجة عالية من المشاركة والقدرة على إدارة المعرفة، والأخذ بأساليب التفكير الابتكاري للوصول إلى أفضل القرارات التي من شأنها تعظيم الاستفادة من الفرص التي تخلفها هذه المتغيرات والتقليل من آثارها السلبية.

وعلى المستوى الإقليمي هناك قضايا الحرب والسلم والتنمية والديمقراطية وهي تحديات تواجه الأمة العربية بصفة عامة وإن كان تأثيرها في المرأة أكثر وضوحاً.

أما على المستوى المحلي فهناك تأثير العديد من القوانين العامة والسياسات المتعلقة بالخصخصة والعمالة والأحوال الشخصية وغيرها.

هذه التحديات تتطلب ضرورة تمكين المرأة ودعم مشاركتها في العملية التنموية وعلى الأخص الجانب السياسي منها فيما يتعلق بعملية اتخاذ القرار وتعزيز وصولها إلى مناصب السلطة وصنع القرار.

من الوهم القول إن إعطاء المرأة الحقوق المحدودة نفسها مثل الرجل في مناخ أوتوقراطي‏ سيعزز تحقيق الديمقراطية

والتمكين في معناه العام هو إزالة كافة العمليات والاتجاهات والسلوكيات النمطية في المجتمع والمؤسسات التي تنمط النساء والفئات المهمشة وتضعهن في مراتب أدنى. وهناك مجالات عديدة لتمكين المرأة تتمثل فيما يلي:

* التمكين الاقتصادي ويهتم برفع المستوى المعيشي للمرأة، وتحسين فرص وظروف العمل لها.

* التمكين الاجتماعي الذي يهتم بتحسين الوضع الصحي للمرأة، وتحسين جودة التعليم، ورفع مستوى تعليمها، بالإضافة إلى تغيير القوالب النمطية الفكرية والمجتمعية الجامدة.

* التمكين القانوني يهتم بوضع المرأة في التشريعات والقوانين وفي توعية المرأة بحقوقها وواجباتها، بالإضافة للتصدي للعنف ضدها.

* التمكين السياسي، الذي يركز على مشاركة المرأة السياسية ووصولها إلى مراكز صنع القرار.

مفهوم التمكين السياسي:

التمكين السياسي عملية مركبة تتطلب تبني سياسات وإجراءات وهياكل مؤسساتية وقانونية بهدف التغلب على أشكال عدم المساواة وضمان الفرص المتكافئة للأفراد في استخدام موارد المجتمع وفي المشاركة السياسية تحديداً. ليس القصد من التمكين المشاركة في النظم القائمة كما هي عليه، بل العمل الحثيث لتغييرها واستبدالها بنظم إنسانية تسمح بمشاركة الغالبية في الشأن العام وإدارة البلاد وفي كل مؤسسات صنع القرار ضد هيمنة الأقلية المتنفذة.

ومن أهم متطلبات عملية التمكين السياسي وجود نظام سياسي صالح بحيث يعطي الشعب بأكمله الحقوق المدنية والسياسية الكاملة، كما نصت عليها الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان‏.‏ وكما هو معلوم فإنه في بعض الأحيان عندما تحصل النساء على مناصب سياسية مهمة في الدول غير الديمقراطية‏،‏ فإنهن يفشلن في التقدم نحو الديمقراطية وذلك لحرصهن على الحفاظ علي مناصبهن والإبقاء على الوضع القائم من أجل البقاء في السلطة‏، ولذلك فإنه من الوهم القول إن إعطاء المرأة الحقوق المحدودة نفسها مثل الرجل في مناخ أوتوقراطي‏ سيعزز تحقيق الديمقراطية في تلك الدول‏.‏

ومن ثم يجب البدء في الحديث عن حقوق كل المواطنين بمن فيهم النساء‏، فمعركة الإصلاح والديمقراطية والحكم الجيد تبقى بالأساس معركة حقوق إنسان، ويبقى التحدي الحقيقي هو عودة الأغلبية للحياة السياسية وهي معركة النساء والرجال معاً‏.‏ إلا أنه يجب أن يكون لدور المرأة في الحياة العامة والسياسية الأولوية الفائقة‏، لأن المجتمع لا يمكن أن يحقق أي تقدم يذكر إلا إذا اتسعت المشاركة في الحياة العامة لكل المواطنين من دون تفرقة بين الرجل والمرأة‏.‏

المرأة العربية والتمكين السياسي

ليس هناك شك في أن المرأة العربية حققت تقدماً في السنوات الثلاث الأخيرة من حيث الاعتراف القانوني بحقوقها السياسية في المشاركة في الانتخابات وفي الترشيح للمجالس المحلية والنيابية، كما تزايد وجودها على أعلى مستويات السلطة التنفيذية في معظم مجالس الوزراء في الدول العربية.

من العبث الحديث عن تمكين المرأة دون التأكيد على ارتباطه بإشاعة الحريات في الوطن العربي

ومع ذلك وكما هي الحال في معظم دول العالم الأخرى فإن الإقرار للمرأة بحقوقها السياسية وممارستها لهذه الحقوق لا يعنيان وجود المرأة بفاعلية في دوائر صنع القرار، وسواء كانت هذه الدوائر أحزاباً سياسية أو هيئات في السلطة التنفيذية، فإن وجود المرأة على هذا المستوى هو وجود هامشي، كما أن المناصب التي تتولاها هي ذات أهمية محدودة نسبياً، ,إذا كان أحد معايير التمييز في هذا المجال هو بين الوزارات السيادية مثل الدفاع والداخلية والخارجية بل حتى الاقتصاد والمالية، فإن هذه المناصب قاصرة على الرجال.

لكن الحديث في الوطن العربي عن تمكين المرأة سياسياً يدور، كما لو أن قضية التمكين السياسي قاصرة على المرأة وحدها، وأن الرجال العرب أصبحوا فاعلين مؤثرين سياسياً، ولقد كان تقرير التنمية الإنسانية في الوطن العربي لعام 2004 موفقاً إلى أبعد حد عندما جعل نقص الحريات السياسية بصفة عامة الوجه الأول لعجز التنمية في الوطن العربي، وإذا ما قبلنا هذا الطرح، فإنه يصبح من العبث الحديث عن تمكين المرأة من دون التأكيد في الوقت ذاته على أن هذه القضية لا تنفصل عن قضية إشاعة الحريات في الوطن العربي. ومن المستحيل بداهة الاعتقاد بأن النظم التي لا تأخذ أصلاً بمبدأ الانتخاب أو تحوّل آلية الانتخاب إلى مجرد مظاهرة للادعاء كذباً بشرعية نظام الحكم وتمتعه بالولاء من جانب المواطنين سوف تسمح للنساء بأن يكون لهن دور فاعل في العملية السياسية، وإذا كان البعض يأسف لتدني مستويات المشاركة السياسية بين النساء، فإن مستويات المشاركة السياسية بين الرجال هي أيضاً متدنية في أكثر من دولة عربية.

لكن ذلك لا يعني  بأي حال إمكان اختزال قضية المشاركة السياسية للمرأة بقضية المشاركة السياسية بصفة عامة، لأن هناك بالتأكيد خصوصية في عقبات المشاركة السياسية للمرأة تنبع من (فجوة النوع) القائمة في معظم المجتمعات وفي المجتمعات العربية بصورة حادة، كما تنبع أيضاً من حسابات سياسية وتحيزات ثقافية. ولذلك فإن قضية التمكين السياسي للمرأة هي قضية مثارة في العديد من المجتمعات، وربما يقتصر النجاح في تحقيق مثل هذا التمكين على عدد محدود من المجتمعات الأوروبية غالباً وفي العقود الأخيرة فحسب.

والواقع أنه ما لم تمارس الحركات النسائية ضغوطاً قوية في هذا المجال وفي دول ذات نظم حزبية تنافسية وانتخابات نزيهة، وما لم تكن النساء قد وصلن بالفعل إلى درجات متقدمة من التمكين التعليمي والثقافي والاقتصادي، فإن وجودهن في مراكز صنع القرار سوف يكون شكلياً للغاية.

وعلى أساس هذا التحليل فإن الأسباب الحقيقية وراء عدم التمكين السياسي للمرأة العربية تكمن في فجوة النوع القائمة بين الجنسين في الوطن العربي عموماً من حيث مستويات التعليم والمشاركة الاقتصادية، فضلاً عن ضعف النظم الحزبية في الوطن العربي وقصور الانتخابات عندما تمارس في الدول العربية عن القيام بدورها كآلية لتجديد النخبة. ولذلك فإن ما جرى من تقدم في تمكين المرأة في بعض البلدان العربية لم يكن نتيجة للنشاط المطلبي للحركات النسائية، إنما كان مبادرة من قيادات سياسية مستنيرة مثل جمال عبدالناصر في مصر والحبيب بورقيبة في تونس، هذا ناهيك عن أن المطالبة بتحرير المرأة في الوطن العربي كانت على يد مفكرين رجال، كما جاء هذا التقدم في تمكين المرأة العربية أحياناً انعكاساً لضغوط خارجية، وأخيراً فقد ينجم عن جهود دؤوبة قامت بها سيدات تمتعن بالقرب من دوائر صنع القرار وخاصة رئيس الدولة.

ولكل هذه الأسباب، فإن التقدم في تمكين المرأة في الدول العربية هش للغاية، فهو لا يستند إلى تأييد مجتمعي واسع ولا قناعة حقيقية به من جانب القطاعات الواسعة من المواطنين، بل يمكن القول إنه ليس هناك إجماع عليه بين أقسام النخبة السياسية في الوطن العربي. ولذلك فما أن يختفي القائد المستنير أو تبتعد زوجة رئيس الدولة السابق عن قصر الدولة أو تخف الضغوط الأجنبية، فإن الإصلاحات الهادفة إلى تمكين المرأة شخصياً واقتصادياً وسياسياً تصبح موضعاً للهجوم، وتطيح بها الحركات السياسية المحافظة التي تجد صدى واسعاً في رأي عام مأزوم، أو تنجح في أن تفقدها مضمونها.

ويقود التحليل السابق إلى ضرورة أن يجري التمكين السياسي للمرأة في سياق تمكين المجتمعات العربية جماعات وأفراداً من أن تكون لها  السيطرة على مصائرها، ويعني ذلك داخل كل بلد عربي تمكين المواطنين العرب رجالاً ونساء تعليمياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، فمن دون تمكين الرجال سوف يكون من المستحيل تمكين النساء. ولكن بافتراض التقدم على مسيرة إشاعة الحريات في الوطن العربي، فما هي القضايا الخاصة بالمرأة التي يتعين الانتباه إليها حتى لا تكون النساء هن الكم المهمل في عملية إشاعة الحريات هذه؟

إن هناك أولاً (فجوة النوع) عموماً بين الرجال والنساء في الوطن العربي، وإذا كانت هذه الفجوة قد ضاقت إلى حد ما في السنوات الأخيرة، بل وتفوقت النساء على الرجال في بعض الدول في معدلات التعليم مثلاً فإن هذه الفجوة لا تزال قائمة في معظم البلدان العربية في مجالات التعليم والعمل والتوظف الحكومي بصفة عامة. وفي المجال السياسي لا تزال هذه الفجوة قائمة أيضاً في بعض الدول التي لا تمنح المرأة حق الانتخاب.

وهناك أيضاً الحسابات السياسية في الدول التي قطعت شوطاً على طريق النظم الانتخابية التنافسية، إذ يشعر قادة هذه الأحزاب بأنه يصعب عليهم المراهنة على فوز المرشحات النساء، ولذلك يترددون كثيرا قبل أن يسمحوا لامرأة بترشيح نفسها على قائمة أحزابهم، أو قد يضعون النساء المرشحات في ذيل قائمة مرشحي حزبهم، مما يقلل من فرص نجاحهن. واقترح البعض أن تكون هناك حصة نسائية في المجالس النيابية للتغلب على هذه الفجوة، لكن قد يواجه إدخال حصة نسائية في الدوائر الانتخابية باعتراضات قانونية من جانب القوى والحركات السياسية المحافظة، ولذلك قد يكون من الأفضل تبني هذه الحصص من جانب الأحزاب السياسية وكنسبة معينة من مرشحيهم، لأن هذا يعكس التزام الأحزاب السياسية بقضية تمكين المرأة، ويقطع شوطاً على طريق قبول أفراد المجتمع عموماً بضرورة هذا التمكين، ويقي نظام الحصص من مخاطر الاعتراضات القانونية عليه باعتباره خرقاً للمساواة مع الرجال.

وكذلك هناك العقبات الثقافية التي تتمثل في عدم قناعة الرجال بالقدرات السياسية للنساء، بل وعدم قناعة النساء أنفسهن بإمكان نجاحهن في معترك السياسة، بل وانصرافهن عن الشأن العام عموماً باعتباره مجالاً مناسباً للرجال وحدهم. وليس من السهل التغلب على هذه العقبة التي استقرت في العقول لقرون، ولكن السبيل الأكثر فاعلية للتغلب عليها هو عن طريق الممارسة من خلال الحركات النسائية وتوليدها  لقيادات نسائية، وكذلك من خلال المشاركة في أنشطة الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الأهلية جنباً إلى جنب مع الرجال.

ويطرح البعض اعتراضات على المشاركة السياسية للنساء من منطلق تفسيرات خاطئة للإسلام، وكانت هي الحجة التي استخدمها أنصار حركات إسلامية لمقاومة محاولة الحكومة الكويتية مد حقي التصويت والترشيح للنساء، كما أن الحركات الإسلامية في الوطن العربي لا تتبنى موقفاً واحداً من هذه المٍسألة، فعلى العكس من الحركة السلفية في الكويت يتبنى الإخوان المسلمون في مصر والأردن وحركتا أمل وحزب الله في لبنان موقف التشجيع للمشاركة النسائية في الانتخابات، بل يذهب الإخوان المسلمون في مصر إلى أن ممارسة الحق في الانتخاب من جانب المسلمين رجالاً ونساء واجب إسلامي.

الإقرار للمرأة بحقوقها السياسية وممارستها لهذه الحقوق لا يعنيان وجود المرأة بفاعلية في دوائر صنع القرار

ومما يشجع على البحث عن أصوات النساء أن يقوم النظام الانتخابي على أساس التمثيل النسبي، ففي هذا النظام يتوافق عدد المقاعد التي يحصل عليها الحزب في المجلس النيابي مع نسبة الأصوات التي حصل عليها، ولذلك يسعى كل حزب إلى مخاطبة كافة القوى الاجتماعية، وربما في كافة الدوائر تعزيزاً لفرصه في كسب عدد أكبر من المقاعد، ويضاعف هذا النظام من قيمة الصوت النسائي، ويدفع الأحزاب إلى تبني قضايا المرأة أملاً في كسب أصوات النساء.

وربما كان انخراط زوجات الرؤساء والملوك العرب في إنشاء مجالس وطنية ومنظمة إقليمية تعنى بشؤون المرأة أسلوباً مفيداً في تحقيق بعض التقدم على طريق نيل النساء العرب لحقوقهن، إلا أنه من الناحية الأخرى فإن مثل هذا الدعم من جانب الدولة قد لا يدوم مع اختفاء رئيس الدولة أو تغييره وتواري زوجته عن الأضواء، كما أنه يتحول إلى صورة من تأميم العمل النسائي لصالح الحكومة القائمة أو حزبها، ولا يتيح مجالاً للحركات النسائية لكي تطرح مطالب مغايرة. ولذلك فمع استحالة الحيلولة بين زوجات الرؤساء والملوك وممارسة العمل العام انتصاراً لقضايا المرأة، فإنه سيصبح خطأ بالغاً لو تخلت الحركات النسائية المطلبية في الوطن العربي عن استقلاليتها، وأصبحت مجرد تابع للنشاط الذي تقوم به قرينة رئيس الدولة.

 

::/fulltext::

45-20-bcc
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2262::/cck::
::introtext::

باتت قضية النهوض بالمرأة وتطوير وضعها إلى مستوى المكانة التي تستحقها باعتبارها عنصراً فاعلاً وشريكاً في التنمية وتقديم المجتمع، واحدة من أهم القضايا المعاصرة التي لا تزال تشغل بال المفكرين والحكومات والمؤسسات والهيئات الدولية.

::/introtext::
::fulltext::

باتت قضية النهوض بالمرأة وتطوير وضعها إلى مستوى المكانة التي تستحقها باعتبارها عنصراً فاعلاً وشريكاً في التنمية وتقديم المجتمع، واحدة من أهم القضايا المعاصرة التي لا تزال تشغل بال المفكرين والحكومات والمؤسسات والهيئات الدولية.

لقد تطورت وتبدلت قضايا المرأة، وكذلك مفهوم وضعها وأبعاد دورها، في كل مرحلة من مراحل تطور الحركة النسائية وفي كل حقبة من حقب التنمية المجتمعية، لتتخذ شكلاً ومضموناً وأبعاداً تنسجم مع تلك المراحل والحقب المتباينة، وفي الوقت ذاته اختلفت قضايا المرأة ودعواها في المرحلة أو الحقبة الزمنية الواحدة من مجتمع إلى آخر نظراً للتباين الثقافي والحضاري ومستوى التنمية.

المرأة العربية والحاجة إلى التمكين

تواجه المرأة العربية في الألفية الثالثة العديد من التحديات العالمية والإقليمية والمحلية التي تستلزم اتخاذ كل الإجراءات والتدابير التي من شأنها مساندة المرأة. فعلى المستوى العالمي هناك ظاهرة العولمة وثورة الاتصالات والمعلومات التي أدت إلى تغيير مفهوم السيادة والمواطنة وأصبحت تتطلب درجة عالية من المشاركة والقدرة على إدارة المعرفة، والأخذ بأساليب التفكير الابتكاري للوصول إلى أفضل القرارات التي من شأنها تعظيم الاستفادة من الفرص التي تخلفها هذه المتغيرات والتقليل من آثارها السلبية.

وعلى المستوى الإقليمي هناك قضايا الحرب والسلم والتنمية والديمقراطية وهي تحديات تواجه الأمة العربية بصفة عامة وإن كان تأثيرها في المرأة أكثر وضوحاً.

أما على المستوى المحلي فهناك تأثير العديد من القوانين العامة والسياسات المتعلقة بالخصخصة والعمالة والأحوال الشخصية وغيرها.

هذه التحديات تتطلب ضرورة تمكين المرأة ودعم مشاركتها في العملية التنموية وعلى الأخص الجانب السياسي منها فيما يتعلق بعملية اتخاذ القرار وتعزيز وصولها إلى مناصب السلطة وصنع القرار.

من الوهم القول إن إعطاء المرأة الحقوق المحدودة نفسها مثل الرجل في مناخ أوتوقراطي‏ سيعزز تحقيق الديمقراطية

والتمكين في معناه العام هو إزالة كافة العمليات والاتجاهات والسلوكيات النمطية في المجتمع والمؤسسات التي تنمط النساء والفئات المهمشة وتضعهن في مراتب أدنى. وهناك مجالات عديدة لتمكين المرأة تتمثل فيما يلي:

* التمكين الاقتصادي ويهتم برفع المستوى المعيشي للمرأة، وتحسين فرص وظروف العمل لها.

* التمكين الاجتماعي الذي يهتم بتحسين الوضع الصحي للمرأة، وتحسين جودة التعليم، ورفع مستوى تعليمها، بالإضافة إلى تغيير القوالب النمطية الفكرية والمجتمعية الجامدة.

* التمكين القانوني يهتم بوضع المرأة في التشريعات والقوانين وفي توعية المرأة بحقوقها وواجباتها، بالإضافة للتصدي للعنف ضدها.

* التمكين السياسي، الذي يركز على مشاركة المرأة السياسية ووصولها إلى مراكز صنع القرار.

مفهوم التمكين السياسي:

التمكين السياسي عملية مركبة تتطلب تبني سياسات وإجراءات وهياكل مؤسساتية وقانونية بهدف التغلب على أشكال عدم المساواة وضمان الفرص المتكافئة للأفراد في استخدام موارد المجتمع وفي المشاركة السياسية تحديداً. ليس القصد من التمكين المشاركة في النظم القائمة كما هي عليه، بل العمل الحثيث لتغييرها واستبدالها بنظم إنسانية تسمح بمشاركة الغالبية في الشأن العام وإدارة البلاد وفي كل مؤسسات صنع القرار ضد هيمنة الأقلية المتنفذة.

ومن أهم متطلبات عملية التمكين السياسي وجود نظام سياسي صالح بحيث يعطي الشعب بأكمله الحقوق المدنية والسياسية الكاملة، كما نصت عليها الوثيقة العالمية لحقوق الإنسان‏.‏ وكما هو معلوم فإنه في بعض الأحيان عندما تحصل النساء على مناصب سياسية مهمة في الدول غير الديمقراطية‏،‏ فإنهن يفشلن في التقدم نحو الديمقراطية وذلك لحرصهن على الحفاظ علي مناصبهن والإبقاء على الوضع القائم من أجل البقاء في السلطة‏، ولذلك فإنه من الوهم القول إن إعطاء المرأة الحقوق المحدودة نفسها مثل الرجل في مناخ أوتوقراطي‏ سيعزز تحقيق الديمقراطية في تلك الدول‏.‏

ومن ثم يجب البدء في الحديث عن حقوق كل المواطنين بمن فيهم النساء‏، فمعركة الإصلاح والديمقراطية والحكم الجيد تبقى بالأساس معركة حقوق إنسان، ويبقى التحدي الحقيقي هو عودة الأغلبية للحياة السياسية وهي معركة النساء والرجال معاً‏.‏ إلا أنه يجب أن يكون لدور المرأة في الحياة العامة والسياسية الأولوية الفائقة‏، لأن المجتمع لا يمكن أن يحقق أي تقدم يذكر إلا إذا اتسعت المشاركة في الحياة العامة لكل المواطنين من دون تفرقة بين الرجل والمرأة‏.‏

المرأة العربية والتمكين السياسي

ليس هناك شك في أن المرأة العربية حققت تقدماً في السنوات الثلاث الأخيرة من حيث الاعتراف القانوني بحقوقها السياسية في المشاركة في الانتخابات وفي الترشيح للمجالس المحلية والنيابية، كما تزايد وجودها على أعلى مستويات السلطة التنفيذية في معظم مجالس الوزراء في الدول العربية.

من العبث الحديث عن تمكين المرأة دون التأكيد على ارتباطه بإشاعة الحريات في الوطن العربي

ومع ذلك وكما هي الحال في معظم دول العالم الأخرى فإن الإقرار للمرأة بحقوقها السياسية وممارستها لهذه الحقوق لا يعنيان وجود المرأة بفاعلية في دوائر صنع القرار، وسواء كانت هذه الدوائر أحزاباً سياسية أو هيئات في السلطة التنفيذية، فإن وجود المرأة على هذا المستوى هو وجود هامشي، كما أن المناصب التي تتولاها هي ذات أهمية محدودة نسبياً، ,إذا كان أحد معايير التمييز في هذا المجال هو بين الوزارات السيادية مثل الدفاع والداخلية والخارجية بل حتى الاقتصاد والمالية، فإن هذه المناصب قاصرة على الرجال.

لكن الحديث في الوطن العربي عن تمكين المرأة سياسياً يدور، كما لو أن قضية التمكين السياسي قاصرة على المرأة وحدها، وأن الرجال العرب أصبحوا فاعلين مؤثرين سياسياً، ولقد كان تقرير التنمية الإنسانية في الوطن العربي لعام 2004 موفقاً إلى أبعد حد عندما جعل نقص الحريات السياسية بصفة عامة الوجه الأول لعجز التنمية في الوطن العربي، وإذا ما قبلنا هذا الطرح، فإنه يصبح من العبث الحديث عن تمكين المرأة من دون التأكيد في الوقت ذاته على أن هذه القضية لا تنفصل عن قضية إشاعة الحريات في الوطن العربي. ومن المستحيل بداهة الاعتقاد بأن النظم التي لا تأخذ أصلاً بمبدأ الانتخاب أو تحوّل آلية الانتخاب إلى مجرد مظاهرة للادعاء كذباً بشرعية نظام الحكم وتمتعه بالولاء من جانب المواطنين سوف تسمح للنساء بأن يكون لهن دور فاعل في العملية السياسية، وإذا كان البعض يأسف لتدني مستويات المشاركة السياسية بين النساء، فإن مستويات المشاركة السياسية بين الرجال هي أيضاً متدنية في أكثر من دولة عربية.

لكن ذلك لا يعني  بأي حال إمكان اختزال قضية المشاركة السياسية للمرأة بقضية المشاركة السياسية بصفة عامة، لأن هناك بالتأكيد خصوصية في عقبات المشاركة السياسية للمرأة تنبع من (فجوة النوع) القائمة في معظم المجتمعات وفي المجتمعات العربية بصورة حادة، كما تنبع أيضاً من حسابات سياسية وتحيزات ثقافية. ولذلك فإن قضية التمكين السياسي للمرأة هي قضية مثارة في العديد من المجتمعات، وربما يقتصر النجاح في تحقيق مثل هذا التمكين على عدد محدود من المجتمعات الأوروبية غالباً وفي العقود الأخيرة فحسب.

والواقع أنه ما لم تمارس الحركات النسائية ضغوطاً قوية في هذا المجال وفي دول ذات نظم حزبية تنافسية وانتخابات نزيهة، وما لم تكن النساء قد وصلن بالفعل إلى درجات متقدمة من التمكين التعليمي والثقافي والاقتصادي، فإن وجودهن في مراكز صنع القرار سوف يكون شكلياً للغاية.

وعلى أساس هذا التحليل فإن الأسباب الحقيقية وراء عدم التمكين السياسي للمرأة العربية تكمن في فجوة النوع القائمة بين الجنسين في الوطن العربي عموماً من حيث مستويات التعليم والمشاركة الاقتصادية، فضلاً عن ضعف النظم الحزبية في الوطن العربي وقصور الانتخابات عندما تمارس في الدول العربية عن القيام بدورها كآلية لتجديد النخبة. ولذلك فإن ما جرى من تقدم في تمكين المرأة في بعض البلدان العربية لم يكن نتيجة للنشاط المطلبي للحركات النسائية، إنما كان مبادرة من قيادات سياسية مستنيرة مثل جمال عبدالناصر في مصر والحبيب بورقيبة في تونس، هذا ناهيك عن أن المطالبة بتحرير المرأة في الوطن العربي كانت على يد مفكرين رجال، كما جاء هذا التقدم في تمكين المرأة العربية أحياناً انعكاساً لضغوط خارجية، وأخيراً فقد ينجم عن جهود دؤوبة قامت بها سيدات تمتعن بالقرب من دوائر صنع القرار وخاصة رئيس الدولة.

ولكل هذه الأسباب، فإن التقدم في تمكين المرأة في الدول العربية هش للغاية، فهو لا يستند إلى تأييد مجتمعي واسع ولا قناعة حقيقية به من جانب القطاعات الواسعة من المواطنين، بل يمكن القول إنه ليس هناك إجماع عليه بين أقسام النخبة السياسية في الوطن العربي. ولذلك فما أن يختفي القائد المستنير أو تبتعد زوجة رئيس الدولة السابق عن قصر الدولة أو تخف الضغوط الأجنبية، فإن الإصلاحات الهادفة إلى تمكين المرأة شخصياً واقتصادياً وسياسياً تصبح موضعاً للهجوم، وتطيح بها الحركات السياسية المحافظة التي تجد صدى واسعاً في رأي عام مأزوم، أو تنجح في أن تفقدها مضمونها.

ويقود التحليل السابق إلى ضرورة أن يجري التمكين السياسي للمرأة في سياق تمكين المجتمعات العربية جماعات وأفراداً من أن تكون لها  السيطرة على مصائرها، ويعني ذلك داخل كل بلد عربي تمكين المواطنين العرب رجالاً ونساء تعليمياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، فمن دون تمكين الرجال سوف يكون من المستحيل تمكين النساء. ولكن بافتراض التقدم على مسيرة إشاعة الحريات في الوطن العربي، فما هي القضايا الخاصة بالمرأة التي يتعين الانتباه إليها حتى لا تكون النساء هن الكم المهمل في عملية إشاعة الحريات هذه؟

إن هناك أولاً (فجوة النوع) عموماً بين الرجال والنساء في الوطن العربي، وإذا كانت هذه الفجوة قد ضاقت إلى حد ما في السنوات الأخيرة، بل وتفوقت النساء على الرجال في بعض الدول في معدلات التعليم مثلاً فإن هذه الفجوة لا تزال قائمة في معظم البلدان العربية في مجالات التعليم والعمل والتوظف الحكومي بصفة عامة. وفي المجال السياسي لا تزال هذه الفجوة قائمة أيضاً في بعض الدول التي لا تمنح المرأة حق الانتخاب.

وهناك أيضاً الحسابات السياسية في الدول التي قطعت شوطاً على طريق النظم الانتخابية التنافسية، إذ يشعر قادة هذه الأحزاب بأنه يصعب عليهم المراهنة على فوز المرشحات النساء، ولذلك يترددون كثيرا قبل أن يسمحوا لامرأة بترشيح نفسها على قائمة أحزابهم، أو قد يضعون النساء المرشحات في ذيل قائمة مرشحي حزبهم، مما يقلل من فرص نجاحهن. واقترح البعض أن تكون هناك حصة نسائية في المجالس النيابية للتغلب على هذه الفجوة، لكن قد يواجه إدخال حصة نسائية في الدوائر الانتخابية باعتراضات قانونية من جانب القوى والحركات السياسية المحافظة، ولذلك قد يكون من الأفضل تبني هذه الحصص من جانب الأحزاب السياسية وكنسبة معينة من مرشحيهم، لأن هذا يعكس التزام الأحزاب السياسية بقضية تمكين المرأة، ويقطع شوطاً على طريق قبول أفراد المجتمع عموماً بضرورة هذا التمكين، ويقي نظام الحصص من مخاطر الاعتراضات القانونية عليه باعتباره خرقاً للمساواة مع الرجال.

وكذلك هناك العقبات الثقافية التي تتمثل في عدم قناعة الرجال بالقدرات السياسية للنساء، بل وعدم قناعة النساء أنفسهن بإمكان نجاحهن في معترك السياسة، بل وانصرافهن عن الشأن العام عموماً باعتباره مجالاً مناسباً للرجال وحدهم. وليس من السهل التغلب على هذه العقبة التي استقرت في العقول لقرون، ولكن السبيل الأكثر فاعلية للتغلب عليها هو عن طريق الممارسة من خلال الحركات النسائية وتوليدها  لقيادات نسائية، وكذلك من خلال المشاركة في أنشطة الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات الأهلية جنباً إلى جنب مع الرجال.

ويطرح البعض اعتراضات على المشاركة السياسية للنساء من منطلق تفسيرات خاطئة للإسلام، وكانت هي الحجة التي استخدمها أنصار حركات إسلامية لمقاومة محاولة الحكومة الكويتية مد حقي التصويت والترشيح للنساء، كما أن الحركات الإسلامية في الوطن العربي لا تتبنى موقفاً واحداً من هذه المٍسألة، فعلى العكس من الحركة السلفية في الكويت يتبنى الإخوان المسلمون في مصر والأردن وحركتا أمل وحزب الله في لبنان موقف التشجيع للمشاركة النسائية في الانتخابات، بل يذهب الإخوان المسلمون في مصر إلى أن ممارسة الحق في الانتخاب من جانب المسلمين رجالاً ونساء واجب إسلامي.

الإقرار للمرأة بحقوقها السياسية وممارستها لهذه الحقوق لا يعنيان وجود المرأة بفاعلية في دوائر صنع القرار

ومما يشجع على البحث عن أصوات النساء أن يقوم النظام الانتخابي على أساس التمثيل النسبي، ففي هذا النظام يتوافق عدد المقاعد التي يحصل عليها الحزب في المجلس النيابي مع نسبة الأصوات التي حصل عليها، ولذلك يسعى كل حزب إلى مخاطبة كافة القوى الاجتماعية، وربما في كافة الدوائر تعزيزاً لفرصه في كسب عدد أكبر من المقاعد، ويضاعف هذا النظام من قيمة الصوت النسائي، ويدفع الأحزاب إلى تبني قضايا المرأة أملاً في كسب أصوات النساء.

وربما كان انخراط زوجات الرؤساء والملوك العرب في إنشاء مجالس وطنية ومنظمة إقليمية تعنى بشؤون المرأة أسلوباً مفيداً في تحقيق بعض التقدم على طريق نيل النساء العرب لحقوقهن، إلا أنه من الناحية الأخرى فإن مثل هذا الدعم من جانب الدولة قد لا يدوم مع اختفاء رئيس الدولة أو تغييره وتواري زوجته عن الأضواء، كما أنه يتحول إلى صورة من تأميم العمل النسائي لصالح الحكومة القائمة أو حزبها، ولا يتيح مجالاً للحركات النسائية لكي تطرح مطالب مغايرة. ولذلك فمع استحالة الحيلولة بين زوجات الرؤساء والملوك وممارسة العمل العام انتصاراً لقضايا المرأة، فإنه سيصبح خطأ بالغاً لو تخلت الحركات النسائية المطلبية في الوطن العربي عن استقلاليتها، وأصبحت مجرد تابع للنشاط الذي تقوم به قرينة رئيس الدولة.

 

::/fulltext::
::cck::2262::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *