الوسطية في قضايا المرأة الخليجية
::cck::2266::/cck::
::introtext::
لا أعرف قضيةً نالت من البحث والدراسة والنقاش المستفيض أكثر من قضية حقوق المرأة العربية والخليجية تحديداً، حتى لا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع تصريحاً أو تعليقاً جديداً يلقي بحجر كبير آخر في بركة هذه القضية التي لم تركد يوماً، الأمر الذي جعلها تشكل نقطة الجذب الأولى لوسائل الإعلام العربية والعالمية على حد سواء، وربما كانت الأخيرة هي الأكثر اهتماماً وتركيزاً عليها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تبعها من تزايد الاهتمام العالمي بكل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة، هذا الاهتمام الذي لم يكن يخلو في كثير من الأحيان من الخبث واللؤم وسوء النية، وفي أحسن الأحوال من الفهم الخاطئ لثقافة وطبيعة المجتمعات العربية والخليجية.
::/introtext::
::fulltext::
لا أعرف قضيةً نالت من البحث والدراسة والنقاش المستفيض أكثر من قضية حقوق المرأة العربية والخليجية تحديداً، حتى لا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع تصريحاً أو تعليقاً جديداً يلقي بحجر كبير آخر في بركة هذه القضية التي لم تركد يوماً، الأمر الذي جعلها تشكل نقطة الجذب الأولى لوسائل الإعلام العربية والعالمية على حد سواء، وربما كانت الأخيرة هي الأكثر اهتماماً وتركيزاً عليها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تبعها من تزايد الاهتمام العالمي بكل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة، هذا الاهتمام الذي لم يكن يخلو في كثير من الأحيان من الخبث واللؤم وسوء النية، وفي أحسن الأحوال من الفهم الخاطئ لثقافة وطبيعة المجتمعات العربية والخليجية. ولعل ما نراه ونسمعه يومياً في هذه الوسائل الإعلامية من تركيز متعمّد على بعض الحالات الفردية السلبية التي يمكن أن تحصل في أي مجتمع، بل ربما يحصل ما هو أبشع منها في المجتمعات الأخرى، لهو أكبر دليل على هذا الفهم المنحرف لطبيعة مجتمعاتنا الخليجية، وإلا ما معنى أن تدعي صحيفة عالمية مرموقة أن المرأة في الخليج تجبر على لبس (السواد)؟ (في إشارة إلى لبس العباءة الخليجية الشعبية) سوى أن هذه الصحيفة أو هذا الكاتب يعاني من مشكلة عنصرية أو من فهم خاطئ لثقافة وطبيعة المجتمعات الأخرى، وهذا ينطبق أيضاً على ما تفوهت به الإعلامية الأمريكية المشهورة التي تقدم واحداً من أشهر البرامج التلفزيونية في الولايات المتحدة حين قالت بعد نهاية البرنامج الذي استضافت فيه إعلامية سعودية تعرضت للضرب على يد زوجها، (بأن على السيدات الأمريكيات أن يحمدن الله أنهن أمريكيات وأنهن لا يقمن في المملكة العربية السعودية)، وهي بهذا التطاول السافر تتناسى أن الولايات المتحدة الأمريكية تصنف عالمياً بواحدة من أكثر الدول التي تتعرض فيها المرأة للعنف الزوجي والمنزلي، فأين هي إذن الموضوعية والأمانة الإعلامية في هذا التصريح؟ لاشك في أنها تتبدد، وتتبدد معها حيرتنا إذا ما علمنا أن هذه الإعلامية تعد واحدة من أكثر الداعمين والمتحمسين علناً للكيان الصهيوني.
لكن وعلى الرغم من كل ما ذكرت من وجود سوء نية غربي مبيّت وواضح في تناول أوضاع المرأة في منطقة الخليج إلا أنني لا أستطيع أن أنكر وجود بعض القصور في شؤون المرأة في مجتمعاتنا، وهو قصور ليس ناجماًً عن كره أو عدم تقدير للمرأة في المجتمع الخليجي، فالمرأة في الخليج هي الأم والأخت والزوجة والابنة وهي التي لها من المكانة و المحبة القدر الكبير الذي لا يخفى على أحد ولا يستطيع أن ينكره أحد أيضاً.
ولذلك أقول إن التقصير ليس ناجماً عن قلة الاحترام أو التقدير، ولكنه ناجم عن ثقافة المجتمع البدوية التي لا تزال تنظر إلى المرأة على أنها خُلقت لأدوار محددة في المجتمع لا يحق لها الخروج على نطاقها، وناجم أيضاً عن فقدان الوسطية في فهم هذا النوع من القضايا؛ فنحن ما زلنا في دول الخليج نعيش صراعاً بين تيارين متناحرين في هذه المسألة: الأول تيار متشدد لا يريد للمرأة أن تخرج من بيتها مطلقاً، ولا يؤمن بأي دور لها غير دورها البيولوجي، ويرفض الحديث أيضاً عن التطور وحاجة المجتمع لنصفه الآخر، ويريد لأهله أن يعيشوا وفقاً لما كانت عليه أحوال المرأة قبل عشرات السنين، على الرغم من أنه لا يرفض التطور في مجالات الحياة الأخرى غير المرتبطة بشؤون المرأة.
وعلى الجانب الآخر، هناك التيار الحداثي المتحرر الذي لا يجد حلاً ولا إنصافاً للمرأة الخليجية إلا من خلال طمس هويتها العربية والإسلامية وتحويلها إلى نسخة أخرى هجينة عن المرأة الغربية، ويرى أن ليس لها أن تعمل وتتطور وهي محتشمة لأن ذلك وفق مفهومه الحداثي من نواقض العمل والتطور، ويرى أيضاً أن انحلالها وتبرجها هما من الحرية الشخصية، في حين أن احتشامها وسترها لا يدخلان بأي شكل من الأشكال ضمن حدود هذه الحرية.
وبين هذين التيارين المتناحرين غابت الوسطية التي يطالب بها المعتدلون والتي يمكن أن تكفل للمرأة الخليجية حقوقها وتجعلها تواكب التطور، وتساهم في بناء مجتمعها من دون أن تفقد وقارها وحشمتها وأيضاً من دون أن تطمس شخصيتها وهويتها التي تستند إلى حضارة وثقافة عربية إسلامية عريقة قادرة بقليل من الوسطية والفهم الصحيح لجوهرها على أن تتجاوز كل العقبات والمؤامرات التي تحاك ضدها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2266::/cck::
::introtext::
لا أعرف قضيةً نالت من البحث والدراسة والنقاش المستفيض أكثر من قضية حقوق المرأة العربية والخليجية تحديداً، حتى لا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع تصريحاً أو تعليقاً جديداً يلقي بحجر كبير آخر في بركة هذه القضية التي لم تركد يوماً، الأمر الذي جعلها تشكل نقطة الجذب الأولى لوسائل الإعلام العربية والعالمية على حد سواء، وربما كانت الأخيرة هي الأكثر اهتماماً وتركيزاً عليها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تبعها من تزايد الاهتمام العالمي بكل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة، هذا الاهتمام الذي لم يكن يخلو في كثير من الأحيان من الخبث واللؤم وسوء النية، وفي أحسن الأحوال من الفهم الخاطئ لثقافة وطبيعة المجتمعات العربية والخليجية.
::/introtext::
::fulltext::
لا أعرف قضيةً نالت من البحث والدراسة والنقاش المستفيض أكثر من قضية حقوق المرأة العربية والخليجية تحديداً، حتى لا يكاد يمر يوم من دون أن نسمع تصريحاً أو تعليقاً جديداً يلقي بحجر كبير آخر في بركة هذه القضية التي لم تركد يوماً، الأمر الذي جعلها تشكل نقطة الجذب الأولى لوسائل الإعلام العربية والعالمية على حد سواء، وربما كانت الأخيرة هي الأكثر اهتماماً وتركيزاً عليها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وما تبعها من تزايد الاهتمام العالمي بكل ما يمت للإسلام والمسلمين بصلة، هذا الاهتمام الذي لم يكن يخلو في كثير من الأحيان من الخبث واللؤم وسوء النية، وفي أحسن الأحوال من الفهم الخاطئ لثقافة وطبيعة المجتمعات العربية والخليجية. ولعل ما نراه ونسمعه يومياً في هذه الوسائل الإعلامية من تركيز متعمّد على بعض الحالات الفردية السلبية التي يمكن أن تحصل في أي مجتمع، بل ربما يحصل ما هو أبشع منها في المجتمعات الأخرى، لهو أكبر دليل على هذا الفهم المنحرف لطبيعة مجتمعاتنا الخليجية، وإلا ما معنى أن تدعي صحيفة عالمية مرموقة أن المرأة في الخليج تجبر على لبس (السواد)؟ (في إشارة إلى لبس العباءة الخليجية الشعبية) سوى أن هذه الصحيفة أو هذا الكاتب يعاني من مشكلة عنصرية أو من فهم خاطئ لثقافة وطبيعة المجتمعات الأخرى، وهذا ينطبق أيضاً على ما تفوهت به الإعلامية الأمريكية المشهورة التي تقدم واحداً من أشهر البرامج التلفزيونية في الولايات المتحدة حين قالت بعد نهاية البرنامج الذي استضافت فيه إعلامية سعودية تعرضت للضرب على يد زوجها، (بأن على السيدات الأمريكيات أن يحمدن الله أنهن أمريكيات وأنهن لا يقمن في المملكة العربية السعودية)، وهي بهذا التطاول السافر تتناسى أن الولايات المتحدة الأمريكية تصنف عالمياً بواحدة من أكثر الدول التي تتعرض فيها المرأة للعنف الزوجي والمنزلي، فأين هي إذن الموضوعية والأمانة الإعلامية في هذا التصريح؟ لاشك في أنها تتبدد، وتتبدد معها حيرتنا إذا ما علمنا أن هذه الإعلامية تعد واحدة من أكثر الداعمين والمتحمسين علناً للكيان الصهيوني.
لكن وعلى الرغم من كل ما ذكرت من وجود سوء نية غربي مبيّت وواضح في تناول أوضاع المرأة في منطقة الخليج إلا أنني لا أستطيع أن أنكر وجود بعض القصور في شؤون المرأة في مجتمعاتنا، وهو قصور ليس ناجماًً عن كره أو عدم تقدير للمرأة في المجتمع الخليجي، فالمرأة في الخليج هي الأم والأخت والزوجة والابنة وهي التي لها من المكانة و المحبة القدر الكبير الذي لا يخفى على أحد ولا يستطيع أن ينكره أحد أيضاً.
ولذلك أقول إن التقصير ليس ناجماً عن قلة الاحترام أو التقدير، ولكنه ناجم عن ثقافة المجتمع البدوية التي لا تزال تنظر إلى المرأة على أنها خُلقت لأدوار محددة في المجتمع لا يحق لها الخروج على نطاقها، وناجم أيضاً عن فقدان الوسطية في فهم هذا النوع من القضايا؛ فنحن ما زلنا في دول الخليج نعيش صراعاً بين تيارين متناحرين في هذه المسألة: الأول تيار متشدد لا يريد للمرأة أن تخرج من بيتها مطلقاً، ولا يؤمن بأي دور لها غير دورها البيولوجي، ويرفض الحديث أيضاً عن التطور وحاجة المجتمع لنصفه الآخر، ويريد لأهله أن يعيشوا وفقاً لما كانت عليه أحوال المرأة قبل عشرات السنين، على الرغم من أنه لا يرفض التطور في مجالات الحياة الأخرى غير المرتبطة بشؤون المرأة.
وعلى الجانب الآخر، هناك التيار الحداثي المتحرر الذي لا يجد حلاً ولا إنصافاً للمرأة الخليجية إلا من خلال طمس هويتها العربية والإسلامية وتحويلها إلى نسخة أخرى هجينة عن المرأة الغربية، ويرى أن ليس لها أن تعمل وتتطور وهي محتشمة لأن ذلك وفق مفهومه الحداثي من نواقض العمل والتطور، ويرى أيضاً أن انحلالها وتبرجها هما من الحرية الشخصية، في حين أن احتشامها وسترها لا يدخلان بأي شكل من الأشكال ضمن حدود هذه الحرية.
وبين هذين التيارين المتناحرين غابت الوسطية التي يطالب بها المعتدلون والتي يمكن أن تكفل للمرأة الخليجية حقوقها وتجعلها تواكب التطور، وتساهم في بناء مجتمعها من دون أن تفقد وقارها وحشمتها وأيضاً من دون أن تطمس شخصيتها وهويتها التي تستند إلى حضارة وثقافة عربية إسلامية عريقة قادرة بقليل من الوسطية والفهم الصحيح لجوهرها على أن تتجاوز كل العقبات والمؤامرات التي تحاك ضدها.
::/fulltext::
::cck::2266::/cck::
