برلمان الكويت الجديد: هل ينهي الأزمة السياسية المستمرة؟

::cck::2387::/cck::
::introtext::

لم تكن الأزمة السياسية التي تمر بها الكويت حالياً، والتي أدت إلى حل البرلمان (مجلس الأمة) والدعوة إلى انتخابات مبكرة ستجرى في يوم السابع عشر من مايو الماضي، إلا حلقة في سلسلة من الأزمات المتلاحقة والتي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة وذلك بسبب تصاعد نبرة المواجهة بين البرلمان والحكومة.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن الأزمة السياسية التي تمر بها الكويت حالياً، والتي أدت إلى حل البرلمان (مجلس الأمة) والدعوة إلى انتخابات مبكرة ستجرى في يوم السابع عشر من مايو الماضي، إلا حلقة في سلسلة من الأزمات المتلاحقة والتي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة وذلك بسبب تصاعد نبرة المواجهة بين البرلمان والحكومة.

لقد كشفت تلك الأزمات عن ثقوب في ثوب الديمقراطية الكويتية، بعضها يرتبط بمفهوم العملية الديمقراطية ذاتها لدى كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، والبعض الآخر يرتبط بالخطوط الحمراء التي تتوقف عندها التجربة الديمقراطية في هذه الإمارة الصغيرة.

أزمات متلاحقة

في بداية عام 2006 شهدت الكويت أزمة سياسية كانت من نوع خاص، وهي أزمة خلافة الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، حيث إنه وفقاً لقواعد العرف والدستور المعمول بها فإنه يجب المناداة بولي عهد البلاد لخلافة الأمير في حال وفاة الأخير، لكن نظراً للظروف الصحية التي كان يمر بها ولي العهد آنذاك الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، اتجه رئيس الوزراء والرجل القوي في الكويت الشيخ صباح الأحمد الذي كان يتولى المسؤولية الفعلية لإدارة البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، إلى اتخاذ الإجراءات القانونية والدستورية التي من شأنها عزل الأمير الجديد الشيخ سعد من منصبه ليحل محله، بدعم من أغلبية أفراد الأسرة الحاكمة. وبالفعل وافق البرلمان على ذلك وقام بتنحية الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح وتولية الشيخ صباح الأحمد أميراً للبلاد.

ورغم أن البرلمان كان الأداة القانونية التي من خلالها تمت تسوية تلك الأزمة السياسية مما دفع كثيرين إلى القول إن هذا الأمر سيدفع باتجاه تعزيز التقارب بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد، إلا أن هذه التوقعات لم تستمر كثيراً، إذ إنه بعد شهور قليلة دخلت البلاد في أزمة سياسية جديدة كان بطلها هذه المرة البرلمان نفسه في مواجهة الحكومة.

وقد تفجرت الأزمة بُعيد تقديم الحكومة طلباً لعقد مجلس الأمة (جلسة خاصة) لإعادة مناقشة مشروع تعديل الدوائر الانتخابية المثير للجدل، ونص المقترح الحكومي على خفض الدوائر الانتخابية من 25 إلى 10 دوائر، لكن كانت هناك معارضة كبيرة للمشروع الحكومي، حيث طالب 29 نائباً معارضاً بخفض الدوائر إلى خمس فقط.

ومع إصرار الحكومة على الدفع بمقترحها لإقراره من قبل المجلس ثم رفعه إلى المحكمة الدستورية للبت فيه، تقدمت المعارضة بطلب استجواب لرئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح، وهو من الأسرة الحاكمة، الأمر الذي دفع أمير الكويت إلى حل المجلس استناداً إلى صلاحياته الدستورية.

برلمان أكثر تدجيناً

رغم أن الهدف من حل البرلمان كان الرغبة في وجود برلمان أقل معارضة لسياسات الحكومة، إلا أن الأمور كانت تجري بعكس ذلك، حيث يأتي برلمان أكثر معارضة لهذه السياسات. وهذا ما جرى خلال أزمة عام 2006 حيث جاءت الانتخابات التي جرت في يونيو من العام نفسه ببرلمان تسيطر عليه المعارضة التي حصلت على 33 مقعداً بعد أن كان لها 29 مقعداً فقط في البرلمان السابق.

بل قام أعضاء البرلمان الجديد بإقرار القوانين التي كانت محل تجاذب مع الحكومة قبل حل البرلمان ومنها قانون الدوائر الانتخابية وفقاً للمقترح الذي رفضته الحكومة من قبل، وشجعهم ذلك على تحدي الحكومة بشكل أكبر، فبدأ أعضاء المجلس بتقديم استجوابات بحق الوزراء، الأمر الذي أدى إلى تغيير العديد من الوزراء بل والحكومة نفسها أكثر من مرة. لكن هذا لم يقنع النواب الذين رأوا في هذه التعديلات والتغييرات مجرد التفاف على مطالبهم بشأن عدد من القضايا السياسية والاقتصادية، متهمين الحكومة بالانحياز وعدم العدالة في توزيع عوائد النفط، وكذلك الفساد في عمولات صفقات الأسلحة، وتورط بعض المسؤولين بالموافقة على صفقات بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى تورط بعض المسؤولين بتخصيص أراضي الدولة لأصحاب النفوذ، مما أدى إلى تكبد الدولة خسائر بمليارات الدولارات، وكذلك التورط بتطوير حقول النفط، واصطدم البرلمان أيضاً مع الحكومة حول قضية تطوير النظام السياسي في الكويت، بحيث يكون رئيس الوزراء من خارج الأسرة الحاكمة.

الأزمة الجديدة

لقد أدت تلك الصدامات إلى دخول البلاد في أزمات سياسية متلاحقة انتهت بتقديم الحكومة استقالتها، لكن أمير الكويت فضّل حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة عسى أن يأتي البرلمان الجديد بأعضاء أكثر توافقاً مع التوجهات الحكومية، خاصة في ظل عوامل جديدة من شأنها أن تساعد على تحقيق هذا الهدف.

وأهم هذه العوامل قانون الانتخابات الجديد، الذي كان من المتوقع له أن يؤدي تطبيقه في تلك الانتخابات إلى تغييرات تطال نسبة كبيرة من أعضاء البرلمان القديم، باعتبار أن تلك الانتخابات هي الأولى التي تجرى وفقاً لنظام جديد، يقسم الكويت إلى 5 دوائر بدلاً من 25 مما يتيح الفرصة أمام مرشحي القبائل والتيارات الإسلامية للنجاح والوصول إلى المجلس الجديد.

وظهرت الآثار الكبيرة للقانون من خلال رصد حالة الإرباك غير المسبوقة التي كانت تعيشها الكتل السياسية الكويتية في الأيام السابقة على الانتخابات، والتي دفعت بالكثير منها لإعادة شبه جذرية في خريطة تحالفاتها السياسية والقبلية السابقة، في محاولة للتكيف مع المستجدات التي جاء بها قانون الانتخاب الجديد. وكان من ضمن آثاره أيضاً، تعاظم بعض الظواهر السلبية ومن أبرزها ظاهرة (شراء الأصوات). ورغم أن هذه الظاهرة تتكرر باستمرار مع كل انتخابات نيابية، إلا أنها تزايدت بشكل لافت هذه المرة، وقد رصد أعضاء لجنة مراقبة الانتخابات في الأيام الأخيرة للعملية الانتخابية عمليات شراء واسعة للأصوات، حيث تراوح سعر الصوت ما بين (200 – 2500 دينار كويتي)، وتعددت أشكال وأساليب الشراء ما بين الدفع النقدي مقابل الصوت باشتراط حجز بطاقة الجنسية أو الحصول على خدمات ومكاسب انتخابية بالسفر لأداء العمرة أو الهدايا العينية أو المساهمة في نفقات العلاج أو بناء البيوت أو إعطاء تذاكر سفر للمواطنين.

المرأة لا تزال خارج البرلمان

تعد الكويت من أولى الدول الخليجية التي أعطت المرأة حق الانتخاب والترشح في الانتخابات البرلمانية، حيث وافق المجلس في عام 2005 على قانون أصدره أمير البلاد يسمح للنساء بالتصويت والترشح لمجلس الأمة وتولي مناصب حكومية وذلك للمرة الأولى منذ تأسيس دولة الكويت عام 1962. ومنذ ذلك الحين عُيّنت امرأتان في الحكومة لكن لم تدخل أي امرأة البرلمان بعد.

ورغم أن النساء يشكلن نسبة 55 في المائة من الناخبين المسجلين في الكويت لأن هناك قانوناً يحظر على من يخدمون في الجيش التصويت يصب في صالحهن، حيث يبلغ عدد الناخبات الكويتيات 200 ألف وخمسمائة ناخبة مقابل 161 ألفاً ومائتي ناخب، إلا أنهن لم يتمكنّ من الحصول على عضوية المجلس خلال الانتخابات التي جرت في عام 2006، مما دفع البعض إلى طرح فكرة تخصيص نسبة من المقاعد للنساء في البرلمان وهو نظام معمول به بالفعل في عدد من الدول العربية، لكن الكثير من النساء يعارضن مثل هذا التمييز الإيجابي، ويفضلن الفوز عن استحقاق حتى لو استغرق الأمر سنوات.

وبالفعل تقدمت 27 امرأة لخوض الانتخابات التي جرت في مايو الماضيفي مختلف الدوائر من أصل 257 مرشحاً للفوز بمقاعد البرلمان الخمسين، وخضن حملات دعائية جادة للفوز.

ومع إغلاق مراكز الاقتراع وإعلان اللجنة المنظمة للانتخابات أن نسبة المقترعين وصلت في الدوائر الخمس إلى أكثر من 60 في المائة كان نصيب النساء منها كبيراً، حيث شهدت مراكز الاقتراع المخصصة لهن إقبالاً كثيفاً منذ الساعات الأولى للتصويت، تبين أن المرأة لا تزال بعيدة عن أبواب مجلس الأمة، حيث لم تنجح أي من المرشحات في الحصول على عضوية المجلس.

برلمان قريب من الحكومة

وفقاً للنتائج النهائية للانتخابات يمكن القول إن البرلمان هذه المرة هو أكثر قرباً من الحكومة وذلك بعد فوز المقربين من الحكومة بحوالي نصف أعضاء المجلس وتقلص نسبة القوى الأخرى المعارضة، بالإضافة إلى التغييرات التي طالت 22 عضواً من أعضاء البرلمان السابق.

فقد فاز المرشحون القبليون، والذين يضمون إسلاميين ومحافظين موالين للحكومة، بنصف مقاعد البرلمان تقريباً. كما عزز التيار السلفي مواقعه في البرلمان بعد فوزه وحلفائه بعشرة مقاعد، مضاعفاً تقريباً تمثيله السابق في المجلس. في مقابل ذلك خسرت الحركة الدستورية الإسلامية المنبثقة من الإخوان المسلمين ثلاثة مقاعد لينحسر حجم تمثيلها إلى النصف عما كان في السابق.

أما الشيعة الذين يشكلون ثلث المواطنين تقريباً، فقد ارتفع تمثيلهم في البرلمان من أربعة نواب إلى خمسة. وجميع النواب الشيعة الفائزين هم من التيار الإسلامي الشيعي، وبينهم النائبان اللذان شاركا في مارس الماضي في تجمع تأبيني للقيادي في حزب الله اللبناني عماد مغنية، الأمر الذي كان سبب موجة من التوترات الطائفية.

وفاز الليبراليون وحلفاؤهم بسبعة مقاعد، أي أنهم خسروا مقعداً في البرلمان، في حين خسر الوطنيون الممثلون بكتلة العمل الشعبي بقيادة أحمد السعدون رئيس مجلس الأمة الأسبق مقعداً وباتوا ممثلين بأربعة مقاعد.

ويبدو أن الحكومة الكويتية نجحت هذه المرة في تحقيق المعادلة الصعبة وهي الاحتفاظ بالنظام الديمقراطي الذي يميز الدولة الكويتية، وفي الوقت نفسه المجيء ببرلمان أقل معارضة لسياساتها مما سيساعد على تقليل حدة التوترات السياسية التي تشهدها الكويت منذ فترات طويلة، وأدت إلى حل البرلمان مرات عديدة وعطّلت البت في الإصلاحات الاقتصادية التي تطمح إليها البلاد خاصة تلك المتعلقة بوضع الكويت على الدرب نفسه الذي سارت عليه جاراتها مثل دبي وقطر والبحرين التي استغلت عائدات النفط لتنويع مواردها في القطاعات المالية والسياحية. كما سيساعد البرلمان بصورته الجديدة على التواصل مع الحكومة بشكل أفضل في ما يتعلق بالتعاطي مع مطالب الإصلاح السياسي.

إن هذا ما يأمله كل من شارك في صنع هذا البرلمان الجديد سواء من النخبة الحاكمة أو من قبل المواطنين الذين اختاروا أعضاء هذا البرلمان. فهل يتحقق هذا الأمل؟ الأيام المقبلة سوف تجيب عن هذا التساؤل.

 

::/fulltext::

45-65-efb
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2387::/cck::
::introtext::

لم تكن الأزمة السياسية التي تمر بها الكويت حالياً، والتي أدت إلى حل البرلمان (مجلس الأمة) والدعوة إلى انتخابات مبكرة ستجرى في يوم السابع عشر من مايو الماضي، إلا حلقة في سلسلة من الأزمات المتلاحقة والتي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة وذلك بسبب تصاعد نبرة المواجهة بين البرلمان والحكومة.

::/introtext::
::fulltext::

لم تكن الأزمة السياسية التي تمر بها الكويت حالياً، والتي أدت إلى حل البرلمان (مجلس الأمة) والدعوة إلى انتخابات مبكرة ستجرى في يوم السابع عشر من مايو الماضي، إلا حلقة في سلسلة من الأزمات المتلاحقة والتي مرت بها البلاد في السنوات الأخيرة وذلك بسبب تصاعد نبرة المواجهة بين البرلمان والحكومة.

لقد كشفت تلك الأزمات عن ثقوب في ثوب الديمقراطية الكويتية، بعضها يرتبط بمفهوم العملية الديمقراطية ذاتها لدى كل من السلطتين التشريعية والتنفيذية، والبعض الآخر يرتبط بالخطوط الحمراء التي تتوقف عندها التجربة الديمقراطية في هذه الإمارة الصغيرة.

أزمات متلاحقة

في بداية عام 2006 شهدت الكويت أزمة سياسية كانت من نوع خاص، وهي أزمة خلافة الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح، حيث إنه وفقاً لقواعد العرف والدستور المعمول بها فإنه يجب المناداة بولي عهد البلاد لخلافة الأمير في حال وفاة الأخير، لكن نظراً للظروف الصحية التي كان يمر بها ولي العهد آنذاك الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، اتجه رئيس الوزراء والرجل القوي في الكويت الشيخ صباح الأحمد الذي كان يتولى المسؤولية الفعلية لإدارة البلاد منذ أكثر من ثلاث سنوات، إلى اتخاذ الإجراءات القانونية والدستورية التي من شأنها عزل الأمير الجديد الشيخ سعد من منصبه ليحل محله، بدعم من أغلبية أفراد الأسرة الحاكمة. وبالفعل وافق البرلمان على ذلك وقام بتنحية الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح وتولية الشيخ صباح الأحمد أميراً للبلاد.

ورغم أن البرلمان كان الأداة القانونية التي من خلالها تمت تسوية تلك الأزمة السياسية مما دفع كثيرين إلى القول إن هذا الأمر سيدفع باتجاه تعزيز التقارب بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في البلاد، إلا أن هذه التوقعات لم تستمر كثيراً، إذ إنه بعد شهور قليلة دخلت البلاد في أزمة سياسية جديدة كان بطلها هذه المرة البرلمان نفسه في مواجهة الحكومة.

وقد تفجرت الأزمة بُعيد تقديم الحكومة طلباً لعقد مجلس الأمة (جلسة خاصة) لإعادة مناقشة مشروع تعديل الدوائر الانتخابية المثير للجدل، ونص المقترح الحكومي على خفض الدوائر الانتخابية من 25 إلى 10 دوائر، لكن كانت هناك معارضة كبيرة للمشروع الحكومي، حيث طالب 29 نائباً معارضاً بخفض الدوائر إلى خمس فقط.

ومع إصرار الحكومة على الدفع بمقترحها لإقراره من قبل المجلس ثم رفعه إلى المحكمة الدستورية للبت فيه، تقدمت المعارضة بطلب استجواب لرئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد الصباح، وهو من الأسرة الحاكمة، الأمر الذي دفع أمير الكويت إلى حل المجلس استناداً إلى صلاحياته الدستورية.

برلمان أكثر تدجيناً

رغم أن الهدف من حل البرلمان كان الرغبة في وجود برلمان أقل معارضة لسياسات الحكومة، إلا أن الأمور كانت تجري بعكس ذلك، حيث يأتي برلمان أكثر معارضة لهذه السياسات. وهذا ما جرى خلال أزمة عام 2006 حيث جاءت الانتخابات التي جرت في يونيو من العام نفسه ببرلمان تسيطر عليه المعارضة التي حصلت على 33 مقعداً بعد أن كان لها 29 مقعداً فقط في البرلمان السابق.

بل قام أعضاء البرلمان الجديد بإقرار القوانين التي كانت محل تجاذب مع الحكومة قبل حل البرلمان ومنها قانون الدوائر الانتخابية وفقاً للمقترح الذي رفضته الحكومة من قبل، وشجعهم ذلك على تحدي الحكومة بشكل أكبر، فبدأ أعضاء المجلس بتقديم استجوابات بحق الوزراء، الأمر الذي أدى إلى تغيير العديد من الوزراء بل والحكومة نفسها أكثر من مرة. لكن هذا لم يقنع النواب الذين رأوا في هذه التعديلات والتغييرات مجرد التفاف على مطالبهم بشأن عدد من القضايا السياسية والاقتصادية، متهمين الحكومة بالانحياز وعدم العدالة في توزيع عوائد النفط، وكذلك الفساد في عمولات صفقات الأسلحة، وتورط بعض المسؤولين بالموافقة على صفقات بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى تورط بعض المسؤولين بتخصيص أراضي الدولة لأصحاب النفوذ، مما أدى إلى تكبد الدولة خسائر بمليارات الدولارات، وكذلك التورط بتطوير حقول النفط، واصطدم البرلمان أيضاً مع الحكومة حول قضية تطوير النظام السياسي في الكويت، بحيث يكون رئيس الوزراء من خارج الأسرة الحاكمة.

الأزمة الجديدة

لقد أدت تلك الصدامات إلى دخول البلاد في أزمات سياسية متلاحقة انتهت بتقديم الحكومة استقالتها، لكن أمير الكويت فضّل حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة عسى أن يأتي البرلمان الجديد بأعضاء أكثر توافقاً مع التوجهات الحكومية، خاصة في ظل عوامل جديدة من شأنها أن تساعد على تحقيق هذا الهدف.

وأهم هذه العوامل قانون الانتخابات الجديد، الذي كان من المتوقع له أن يؤدي تطبيقه في تلك الانتخابات إلى تغييرات تطال نسبة كبيرة من أعضاء البرلمان القديم، باعتبار أن تلك الانتخابات هي الأولى التي تجرى وفقاً لنظام جديد، يقسم الكويت إلى 5 دوائر بدلاً من 25 مما يتيح الفرصة أمام مرشحي القبائل والتيارات الإسلامية للنجاح والوصول إلى المجلس الجديد.

وظهرت الآثار الكبيرة للقانون من خلال رصد حالة الإرباك غير المسبوقة التي كانت تعيشها الكتل السياسية الكويتية في الأيام السابقة على الانتخابات، والتي دفعت بالكثير منها لإعادة شبه جذرية في خريطة تحالفاتها السياسية والقبلية السابقة، في محاولة للتكيف مع المستجدات التي جاء بها قانون الانتخاب الجديد. وكان من ضمن آثاره أيضاً، تعاظم بعض الظواهر السلبية ومن أبرزها ظاهرة (شراء الأصوات). ورغم أن هذه الظاهرة تتكرر باستمرار مع كل انتخابات نيابية، إلا أنها تزايدت بشكل لافت هذه المرة، وقد رصد أعضاء لجنة مراقبة الانتخابات في الأيام الأخيرة للعملية الانتخابية عمليات شراء واسعة للأصوات، حيث تراوح سعر الصوت ما بين (200 – 2500 دينار كويتي)، وتعددت أشكال وأساليب الشراء ما بين الدفع النقدي مقابل الصوت باشتراط حجز بطاقة الجنسية أو الحصول على خدمات ومكاسب انتخابية بالسفر لأداء العمرة أو الهدايا العينية أو المساهمة في نفقات العلاج أو بناء البيوت أو إعطاء تذاكر سفر للمواطنين.

المرأة لا تزال خارج البرلمان

تعد الكويت من أولى الدول الخليجية التي أعطت المرأة حق الانتخاب والترشح في الانتخابات البرلمانية، حيث وافق المجلس في عام 2005 على قانون أصدره أمير البلاد يسمح للنساء بالتصويت والترشح لمجلس الأمة وتولي مناصب حكومية وذلك للمرة الأولى منذ تأسيس دولة الكويت عام 1962. ومنذ ذلك الحين عُيّنت امرأتان في الحكومة لكن لم تدخل أي امرأة البرلمان بعد.

ورغم أن النساء يشكلن نسبة 55 في المائة من الناخبين المسجلين في الكويت لأن هناك قانوناً يحظر على من يخدمون في الجيش التصويت يصب في صالحهن، حيث يبلغ عدد الناخبات الكويتيات 200 ألف وخمسمائة ناخبة مقابل 161 ألفاً ومائتي ناخب، إلا أنهن لم يتمكنّ من الحصول على عضوية المجلس خلال الانتخابات التي جرت في عام 2006، مما دفع البعض إلى طرح فكرة تخصيص نسبة من المقاعد للنساء في البرلمان وهو نظام معمول به بالفعل في عدد من الدول العربية، لكن الكثير من النساء يعارضن مثل هذا التمييز الإيجابي، ويفضلن الفوز عن استحقاق حتى لو استغرق الأمر سنوات.

وبالفعل تقدمت 27 امرأة لخوض الانتخابات التي جرت في مايو الماضيفي مختلف الدوائر من أصل 257 مرشحاً للفوز بمقاعد البرلمان الخمسين، وخضن حملات دعائية جادة للفوز.

ومع إغلاق مراكز الاقتراع وإعلان اللجنة المنظمة للانتخابات أن نسبة المقترعين وصلت في الدوائر الخمس إلى أكثر من 60 في المائة كان نصيب النساء منها كبيراً، حيث شهدت مراكز الاقتراع المخصصة لهن إقبالاً كثيفاً منذ الساعات الأولى للتصويت، تبين أن المرأة لا تزال بعيدة عن أبواب مجلس الأمة، حيث لم تنجح أي من المرشحات في الحصول على عضوية المجلس.

برلمان قريب من الحكومة

وفقاً للنتائج النهائية للانتخابات يمكن القول إن البرلمان هذه المرة هو أكثر قرباً من الحكومة وذلك بعد فوز المقربين من الحكومة بحوالي نصف أعضاء المجلس وتقلص نسبة القوى الأخرى المعارضة، بالإضافة إلى التغييرات التي طالت 22 عضواً من أعضاء البرلمان السابق.

فقد فاز المرشحون القبليون، والذين يضمون إسلاميين ومحافظين موالين للحكومة، بنصف مقاعد البرلمان تقريباً. كما عزز التيار السلفي مواقعه في البرلمان بعد فوزه وحلفائه بعشرة مقاعد، مضاعفاً تقريباً تمثيله السابق في المجلس. في مقابل ذلك خسرت الحركة الدستورية الإسلامية المنبثقة من الإخوان المسلمين ثلاثة مقاعد لينحسر حجم تمثيلها إلى النصف عما كان في السابق.

أما الشيعة الذين يشكلون ثلث المواطنين تقريباً، فقد ارتفع تمثيلهم في البرلمان من أربعة نواب إلى خمسة. وجميع النواب الشيعة الفائزين هم من التيار الإسلامي الشيعي، وبينهم النائبان اللذان شاركا في مارس الماضي في تجمع تأبيني للقيادي في حزب الله اللبناني عماد مغنية، الأمر الذي كان سبب موجة من التوترات الطائفية.

وفاز الليبراليون وحلفاؤهم بسبعة مقاعد، أي أنهم خسروا مقعداً في البرلمان، في حين خسر الوطنيون الممثلون بكتلة العمل الشعبي بقيادة أحمد السعدون رئيس مجلس الأمة الأسبق مقعداً وباتوا ممثلين بأربعة مقاعد.

ويبدو أن الحكومة الكويتية نجحت هذه المرة في تحقيق المعادلة الصعبة وهي الاحتفاظ بالنظام الديمقراطي الذي يميز الدولة الكويتية، وفي الوقت نفسه المجيء ببرلمان أقل معارضة لسياساتها مما سيساعد على تقليل حدة التوترات السياسية التي تشهدها الكويت منذ فترات طويلة، وأدت إلى حل البرلمان مرات عديدة وعطّلت البت في الإصلاحات الاقتصادية التي تطمح إليها البلاد خاصة تلك المتعلقة بوضع الكويت على الدرب نفسه الذي سارت عليه جاراتها مثل دبي وقطر والبحرين التي استغلت عائدات النفط لتنويع مواردها في القطاعات المالية والسياحية. كما سيساعد البرلمان بصورته الجديدة على التواصل مع الحكومة بشكل أفضل في ما يتعلق بالتعاطي مع مطالب الإصلاح السياسي.

إن هذا ما يأمله كل من شارك في صنع هذا البرلمان الجديد سواء من النخبة الحاكمة أو من قبل المواطنين الذين اختاروا أعضاء هذا البرلمان. فهل يتحقق هذا الأمل؟ الأيام المقبلة سوف تجيب عن هذا التساؤل.

 

::/fulltext::
::cck::2387::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *