تحديات قادمة في وجه النفوذ الإيراني في العراق

::cck::2393::/cck::
::introtext::

الاتهامات التي وجهها العراق لإيران بتسليح الميليشيات العراقية خلال اجتماع لجنة التعاون والتنسيق الأمني لدول جوار العراق في سوريا، في إبريل الماضي، والتي أكد الجانب العراقي أنه يمتلك أدلة دامغة تتعلق بدعم إيران للميليشيات المسلحة في العراق وتسليحها، تشير إلى دلالات مهمة على أكثر من مستوى، بأن آراء ومواقف كثيرة  للولايات المتحدة الأمريكية، وحكومة المالكي والصدر و(قوات الصحوة) ماضية في مواجهة هذا النفوذ، علماً بأن هذه الأطراف كلها لا تجمعها رؤية واحدة، بل بينها خلافات وصراعات كبيرة.

::/introtext::
::fulltext::

الاتهامات التي وجهها العراق لإيران بتسليح الميليشيات العراقية خلال اجتماع لجنة التعاون والتنسيق الأمني لدول جوار العراق في سوريا، في إبريل الماضي، والتي أكد الجانب العراقي أنه يمتلك أدلة دامغة تتعلق بدعم إيران للميليشيات المسلحة في العراق وتسليحها، تشير إلى دلالات مهمة على أكثر من مستوى، بأن آراء ومواقف كثيرة  للولايات المتحدة الأمريكية، وحكومة المالكي والصدر و(قوات الصحوة) ماضية في مواجهة هذا النفوذ، علماً بأن هذه الأطراف كلها لا تجمعها رؤية واحدة، بل بينها خلافات وصراعات كبيرة.

على الرغم من أن إيران كانت هي أكبر المستفيدين جراء الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، لأن حلفاءها من الشيعة هم الذين سيطروا على الحكم في بغداد، وأتاح لها الوضع الأمني المضطرب فرصة كبيرة لتقوية نفوذها ووجودها على الساحة العراقية، إلا أن هذا النفوذ أصبح خلال الفترة الأخيرة يواجه تحدياً متعدد الجوانب، بحيث يمكن القول إن إيران تحارب على أكثر من اتجاه في العراق، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى العديد من الملاحظات:

أولاً: على الرغم من أن التحدي الأمريكي لإيران في العراق ليس جديداً، حيث يخوض البلدان مواجهة غير مباشرة على الأراضي العراقية منذ عام 2003، إلا أنه بدأ يأخذ أبعاداً تصاعدية خلال الآونة الأخيرة، حيث تزايدت الاتهامات الأمريكية التي توجه إلى إيران بخصوص دورها في العراق، ليس من قبل سياسيين فقط، وإنما من قبل عسكريين، حيث تشير تقارير إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية تفكر في توجيه إنذار نهائي إلى إيران بشأن سياستها في العراق خلال الفترة المقبلة، وأنها تنتظر مزيداً من المعلومات التي تقدمها الحكومة العراقية حول تورط إيران بدعم أعمال العنف.

ثانياً: لا تزال إيران محل خلاف بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي الذي كان يرفض التقديرات الأمريكية حول دعم إيران لعمليات العنف والتمرد في العراق، ويرى أن مصدر الاضطراب الأساسي هو تنظيم (القاعدة)، إلا أن الفترة القصيرة الماضية كشفت عن تحول كبير في موقف حكومة المالكي نحو توجيه الانتقادات المباشرة إلى إيران وإلى دورها على الساحة العراقية، مما يعني أنها أصبحت تتفق مع الرؤية الأمريكية بهذا الخصوص، خاصة بعد أن بدأ المالكي حملته ضد الميليشيات المسلحة، وأيضاً بعد أن أشارت التقديرات إلى تراجع دور وقدرة (القاعدة) في العراق.

ثالثاً: بعد أن كان الزعيم الشيعي مقتدى الصدر ينظر إليه على أنه من حلفاء إيران في العراق، وتحدثت تقارير عديدة عن مساعدات مالية وعسكرية إيرانية للميليشيا العسكرية التابعة له والتي يطلق عليها اسم (جيش المهدي)، أدت الحملة العسكرية الأمريكية – العراقية المشتركة على (جيش المهدي) وما أثير حول ترتيبات عراقية – إيرانية أفضت إلى موافقة إيران على هذه الحملة أو على الأقل عدم منعها أو معارضتها، إلى انقلاب الصدر على إيران، حيث اتهم ناطق باسم (التيار الصدري) إيران بأنها تعمل على تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة في العراق، معتبراً أن عدم اعتراضها على الاتفاقية طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة دليل على ما ذهب إليه. ومن هنا، تعد أهمية موقف (التيار الصدري) في هذا السياق تنبع من اعتبارات عدة، لعل أهمها أنه يعارض بعض المشروعات التي تؤيدها إيران في العراق، ويأتي في مقدمتها مشروع الأقاليم الذي تدفع في اتجاهه القوى الشيعية العراقية القريبة من إيران، مما أكسب الصدر تعاطف السنّة داخل العراق وخارجه.

رابعاً : التحول الذي لحق بتوجهات تيار عبدالعزيز الحكيم، التي تبعده نسبياً عن إيران من الناحية الأيديولوجية، فقد تم تغيير التنظيم الذي يرأسه من (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، بما كان يحمله من دلالات وإشارات إيرانية، إلى (المجلس الأعلى في العراق). حيث أشارت تقارير عديدة إلى أن هذا التغيير انطوى على تحول الحكيم عن مرجعية المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي إلى المرجعية العراقية الممثلة في علي السيستاني، وعلى الرغم من أن السيستاني يحمل الجنسية الإيرانية، وله مقره في مدينة (قم)، فإنه يعارض مبدأ (ولاية الفقيه المطلقة)، التي تطبقها إيران، ويؤمن بدلاً من ذلك بـ (ولاية الفقيه الجزئية)، التي تبعد الفقيه عن الأمور السياسية.

خامساً: أضافت اتهامات تنظيم (القاعدة) التي صدرت مؤخراً في أحاديث الرجل الثاني في التنظيم أيمن الظواهري، تحدياً جديداً للنفوذ الإيراني في العراق، حيث اتهم الظواهري إيران بالتخطيط لضم جنوب العراق والمنطقة الشرقية من السعودية، والتورط مع الولايات المتحدة الأمريكية بغزو أفغانستان والعراق، وقال إنها تعمل على تشويه صورة (القاعدة) من خلال ترويجها لمقولة: (إن إسرائيل هي المسؤولة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر). وأياً كانت الاعتبارات التي تقف وراء هذه الاتهامات وتصاعد العداء لإيران من قبل تنظيم (القاعدة) فإنها تشير إلى أن التنظيم ربما مقدم على مواجهة مع إيران على الساحة العراقية، يمكن أن تتجه إلى مناطق أخرى في أفغانستان ولبنان، خاصة أن الظواهري أشار إلى أن الساحة اللبنانية هي الساحة التالية لنشاطات تنظيم (القاعدة)، وإذا ما حدث ذلك، فإن النفوذ الإيراني الإقليمي سيواجه تحدياً جديداً.

سادساً: يمثل تشكيل الولايات المتحدة الأمريكية لـ (قوات الصحوة) العشائرية السنية، تحدياً آخر للنفوذ الإيراني في العراق، فعلى الرغم من أن هذه القوات تشكلت في الأساس لمقاتلة (تنظيم القاعدة) في الأماكن التي يوجد فيها، فإنها عبّرت عن مواقف عدائية تجاه إيران، ووجهت إليها اتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية العراقية، ولعل هذا ما يفسر ما أشارت إليه بعض المصادر من أن إيران أعدت خطة لتفكيك (قوات الصحوة)، لأنها ترى فيها خطراً على نفوذها على الساحة العراقية. كما يلفت التحدي الذي تمثله (قوات الصحوة) لإيران النظر إلى مسألة مهمة هي رفض العشائر العراقية للنفوذ الإيراني، ليس السنّة فقط، بل الشيعة أيضاً، فقد اتهمت عشائر شيعية في الجنوب الأحزاب الدينية بأنها تساعد على التغلغل الإيراني في العراق. وجاء في بيان صدر عن (تجمع العشائر الوطني المستقل)، في الحادي عشر من نوفمبر 2007، وهو تجمع يضم عشائر جنوب العراق الشيعية، أن (النظام الإيراني يمارس إرهاباً من خلال تدخله لنشوء الفوضى الأمنية في مناطق وسط البلاد وجنوبها.

سابعاً: السنّة في العراق هم تحدً قديم – جديد للنفوذ الإيراني على الساحة العراقية، ولاشك في أن انخراطهم النسبي في العملية السياسية، بعد أن كانوا متحفظين على المشاركة فيها، يوفر لهم فرصة للتصدي لهذا النفوذ، خاصة مع الدعم المقدم لهم من قبل قوى إقليمية سنية ترى في تمدد إيران في العراق تهديداً لمصالحها من ناحية، وإخلالاً بالتوازن الإقليمي في الشرق الأوسط من ناحية أخرى. وإذا كانت إيران قد استغلت خطأ أمريكياً لم تدرك واشنطن عواقبه حينما جاءت إلى العراق، وهو تحالفها مع الشيعة وتهميشها لدور السنة، بناء على رؤية قامت على أن (الإسلام السني) هو الخطر  بينما يمكن التعامل مع (الإسلام الشيعي)، فإن هذه الرؤية تعرضت للنقد والتغيير بدءاً من عام 2005، حيث بدأت الولايات المتحدة مراجعة سياستها عبر إدماج السنة العراقيين في العملية السياسية، والتقرب إلى السنّة على المستوى الإقليمي بشكل عام. ولا شك في أن هذه المراجعة تصب في اتجاه تضييق الخناق على نفوذ إيران الإقليمي خاصة في العراق.

إيران استشعرت مبكراً إمكانية انحياز بعض حلفائها إلى السياسة الأمريكية وانتقالهم نهائياً إلى جبهة أعداء إيران

الصراع الخفي بين الحلفاء

بينت وقائع الأيام الماضية من الشد والجذب بين إيران وبعض أطراف الائتلاف الشيعي -وبشكل خاص حزب الدعوة / جناح المالكي- على خلفية المعارك الدامية في البصرة ومدينة الصدر، وقد تبين أن إيران تخوض صراعاً خفياً ضد بعض حلفائها، وأنها تقترب من موعد مواجهة شبه محتومة معهم، وقد تصبح على أعتاب مواجهة مكشوفة مع قوى أخرى داخل الائتلاف نفسه. ولعل إصرار حكومة المالكي على المضي قدماً في التعاون مع الأمريكيين والاعتماد المكشوف على دعمهم وحمايتهم من أجل مواصلة الحرب على الصدريين، بل وإصرارها على الاستمرار في عمليات القصف الوحشي لمنازل المدنيين في بعض المدن الشيعية، وبشكل خاص مدينة الصدر الفقيرة والمنكوبة، هو من بين إشارات كثيرة تدل على بداية مرحلة (قطيعة) متوقعة بين إيران وحلفائها.

وليس بلا معنى أن يختار السفير الإيراني في بغداد في مؤتمره الصحفي مؤخراً موضوع مجالس الصحوة ليسدد بعض (اللكمات الخفيفة) لحكومة المالكي، حين شن هجوماً لاذعاً على محاولتها دمج المجالس في أجهزة الجيش والشرطة. وقد ردّ عليه مستشار الأمن القومي موفق الربيعي بشكل غير مباشر وبعد أيام قليلة فقط، باتهامات نارية عن (دعم إيران للقاعدة) وأنها (تجلب الموت للعراقيين). ولذلك يبدو خط التطور المحتمل للتحالفات السياسية في العراق وكأنه يشير إلى بداية مرحلة جديدة من الاصطفاف السياسي، قد تصبح فيها إيران في قلب مواجهة مع (حلفائها) لا خصومها فحسب. كما يبدو من جملة وقائع أخرى أن كل أطراف الصراع تتجه إلى إعادة ترتيب أوراقها استعداداً لهذه المرحلة. ليس التيار الصدري وحده إذن، من سيبادر إلى حسم خياراته مضطراً ومُرغماً أو راغباً، بل إن كل اللاعبين سيتجهون نتيجة هذا التطور المفاجئ في خطوط الصراع واتجاهاته إلى تسريع درجة انتقالهم إلى طور جديد من أطوار النزاع، لكن إيران تبدو – في إطار هذا الاستعداد- من بين أكثر الأطراف إحساساً باقتراب استحقاق حسم الخيارات، وهي لهذا السبب ستبادر إلى إعادة تقييم وفحص درجة (ولاء بعض القوى الشيعية) لسياساتها، خاصة أن بعض هذه القوى -مثل حزب الدعوة- أخذت في الآونة الأخيرة تبدي ما يكفي من الإشارات والمواقف بأنها تستجيب لأوامر واشنطن أكثر مما تستجيب لنصائح طهران وضغوطها.

وثمة في هذا السياق الكثير من علامات عدم الرضا الإيراني عن سياسات المالكي مثلاً، فهو من وجهة نظر إيرانية يتحول بسرعة إلى (أداة في يد الأمريكيين) أكثر مما يحافظ على (دوره كوكيل محلي) نصّبه الصدريون بغطاء إيراني. كما أن معارك البصرة لم تكشف للإيرانيين درجة هشاشة حليفهم فقط، وإنما درجة اعتماده العسكري والسياسي على دعم واشنطن، وربما استعداده لاستجداء المساعدة منها بأي ثمن ولو على حساب طهران. أما المجلس الأعلى (جماعة الحكيم) فلا يبدو أفضل حالاً من منافسه حزب الدعوة، فهو يظهر كل يوم ما يكفي من الأدلة الميدانية على ضعفه المخزي أمام الصدريين، بل يظهر كذلك درجة مخزية من الانتهازية السياسية والتملق للأمريكيين.  ولذلك قد لا يبدو التعبير الغاضب الذي استخدمه مقتدى الصدر، وهو يوجه تحذيراً أخيراً إلى حكومة المالكي بشن حرب مفتوحة في حال استمرارها في الأعمال العسكرية ضد أنصاره، مجرد تعبير غاضب ومُتفجر فرضته ظروف المواجهة العنيفة في بغداد ومدن الجنوب.

وعلى الأرجح أن التحذير الذي صدر من قم في إيران -حيث يقيم مقتدى الصدر – يكتسب دلالة خاصة من جملة وقائع كانت تتشكل داخل المشهد السياسي العراقي، فهو يشير إلى أن إيران غاضبة بالفعل من بعض حلفائها الشيعة لأنهم أصبحوا بالكامل (أدوات في يد الشيطان الأكبر). ويُلاحظ أن التحذير صدر في وقت كان فيه السفير الإيراني كاظمي قُمي يعقد مؤتمراً صحفياً في بغداد، يهاجم فيه علناً (مجالس الصحوة) ويتهمها بأنها ميليشيا جديدة. لقد فهم بعض المراقبين والمتابعين للشأن السياسي في العراق أن هجوم السفير الإيراني غير المسبوق على مجالس الصحوة واتهامها بأنها ميليشيا مسلحة بأنهما دفاع مبُطن عن حق التيار الصدري في الاحتفاظ بسلاحه أسوة ببقية الميليشيات.

اتهمت عشائر شيعية في الجنوب الأحزاب الدينية بأنها تساعد على التغلغل الإيراني في العراق

بيد أن المضمون الحقيقي لهذا الهجوم يتحدد في نقطة أخرى أشد حساسية من مسألة الصدريين هذه، ذلك أن إعطاء (ميليشيا سنية) كارهة ومعادية لطهران، غطاء شرعياً بحيث تصبح جزءاً من بنية المؤسسة الأمنية، يعد تطوراً مثيراً لقلق الإيرانيين، لأنه سيعني من بين ما يعنيه أن حكومة المالكي تقوم علناً بدعم جماعة مسلحة سياستها المعلنة هي (الحرب على النفوذ الإيراني)، وترى في طهران عدواً أشد خطراً من العدو الأمريكي. ثم جاء الهجوم الناري الذي قاده مستشار الأمن القومي موفق الربيعي ضد (السياسة الإيرانية) فأوضح فيه كيف أن طهران تدعم (القاعدة) وأنها (لا تجلب للعراقيين سوى الموت)، ليدعم حقيقة أن إيران قد تكون أصبحت بالفعل على أعتاب مرحلة من المواجهة مع أقرب حلفائها في الائتلاف الشيعي.

ومن الناحية التاريخية، كان هناك وباستمرار عداء خفيّ شبه مُستحكم بين إيران وحزب الدعوة، يعود في جذوره إلى الأيام الأولى من الثورة الخمينية، عندما فجّر بعض قادة الثورة -استناداً إلى وثائق رسمية- فضيحة (ارتباط حزب الدعوة بالمخابرات البريطانية والسافاك)، وأن هذا الحزب لم يتأسس في العراق في خمسينات القرن قبل الماضي إلا نتيجة تواطؤ الشاه مع البريطانيين.

ولذلك سارع الخميني بحلول صيف عام 1980 إلى دعم خطة تقدم بها الحرس الثوري لتأسيس (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بقيادة باقر الحكيم (الشقيق الأكبر لعبدالعزيز الحكيم الذي قتل في انفجار سيارة مفخخة). وفي هذا الوقت كان موفق الربيعي يترك صفوف حزب الدعوة ويعيد تقديم نفسه من لندن كطرف مستقل، ولكن أكثر ارتباطاً بالبريطانيين الذين سيعيدون تقديمه مع مطلع التسعينات إلى الأمريكيين بصفته قناة الاتصال الفعالة مع الأحزاب الشيعية. وبالفعل قاد الربيعي الاتصالات الرسمية الأولى بين الجماعات الشيعية والأمريكيين في مارس 1992، وتوج ذلك بلقاء في واشنطن مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر. وكان الوفد الذي التقى بيكر مؤلفاً من شخصيات معروفة من بينها: محمد بحر العلوم العضو السابق في مجلس الحكم، وعزت الشهبندر، النائب في البرلمان الحالي عن قائمة علاوي، ورجل الدين الراحل مصطفى جمال الدين وآخرون. وفي هذه الاتصالات وضع الربيعي لمساته على أول وأخطر وثيقة تعاون رسمي بين القيادات الشيعية والأمريكيين، جرى النص فيها على (التخلص من الجيش العراقي السني) والسماح (للشيعة بتجربة الحكم في العراق).

واليوم، مع تصاعد نبرة العداء لسياساتهم في العراق -وهذه أخذت مؤخراً صورة نقد لاذع يصدر باستمرار عن أطراف وجماعات وعشائر شيعية- ومع استمرار وزارة الداخلية في سياسة (الكشف عن عمليات تهريب أسلحة إيرانية إلى الميليشيات الشيعية)، يشعر الإيرانيون بأنهم قد ينزلقون نحو صراع مكشوف ضد أقرب حلفائهم، ولأن مثل هذا التطور يعكس بدرجة كافية من الوضوح مدى استعداد كل أطراف الصراع في العراق لإعادة ترتيب أوراقها استعداداً لمرحلة جديدة، فقد يكون من المحتمل أن إيران استشعرت مبكراً إمكانية انحياز بعض حلفائها إلى السياسة الأمريكية وانتقالهم نهائياً إلى (جبهة أعداء إيران). والمثير للسخرية أن بعض الأطراف الشيعية الحاكمة في العراق أخذت في الآونة الأخيرة تستخدم كلمات مثل الحفاظ على عروبة العراق في سياق نقدها للنفوذ الإيراني، وهو التعبير نفسه الذي استخدمته كونداليزا رايس، أثناء زيارتها إلى بغداد عشية اجتماع دول الجوار في الكويت، حين خاطبت المسؤولين الحكوميين بأن عليهم (الحفاظ على عروبة العراق).

وأخيراً، نقول إن العراق يريد حضوراً عربياً قوياً والتواصل بشكل أكبر معه، لأن هذا الابتعاد العربي أفسح المجال لتمدد النفوذ الإيراني داخل العراق، وهو ما انتقده السفير الأمريكي في العراق رايان كروكر، وطالب العرب بالتدخل لمساعدة العراقيين سياسياً واقتصادياً لمعادلة النفوذ الإيراني.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2393::/cck::
::introtext::

الاتهامات التي وجهها العراق لإيران بتسليح الميليشيات العراقية خلال اجتماع لجنة التعاون والتنسيق الأمني لدول جوار العراق في سوريا، في إبريل الماضي، والتي أكد الجانب العراقي أنه يمتلك أدلة دامغة تتعلق بدعم إيران للميليشيات المسلحة في العراق وتسليحها، تشير إلى دلالات مهمة على أكثر من مستوى، بأن آراء ومواقف كثيرة  للولايات المتحدة الأمريكية، وحكومة المالكي والصدر و(قوات الصحوة) ماضية في مواجهة هذا النفوذ، علماً بأن هذه الأطراف كلها لا تجمعها رؤية واحدة، بل بينها خلافات وصراعات كبيرة.

::/introtext::
::fulltext::

الاتهامات التي وجهها العراق لإيران بتسليح الميليشيات العراقية خلال اجتماع لجنة التعاون والتنسيق الأمني لدول جوار العراق في سوريا، في إبريل الماضي، والتي أكد الجانب العراقي أنه يمتلك أدلة دامغة تتعلق بدعم إيران للميليشيات المسلحة في العراق وتسليحها، تشير إلى دلالات مهمة على أكثر من مستوى، بأن آراء ومواقف كثيرة  للولايات المتحدة الأمريكية، وحكومة المالكي والصدر و(قوات الصحوة) ماضية في مواجهة هذا النفوذ، علماً بأن هذه الأطراف كلها لا تجمعها رؤية واحدة، بل بينها خلافات وصراعات كبيرة.

على الرغم من أن إيران كانت هي أكبر المستفيدين جراء الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، لأن حلفاءها من الشيعة هم الذين سيطروا على الحكم في بغداد، وأتاح لها الوضع الأمني المضطرب فرصة كبيرة لتقوية نفوذها ووجودها على الساحة العراقية، إلا أن هذا النفوذ أصبح خلال الفترة الأخيرة يواجه تحدياً متعدد الجوانب، بحيث يمكن القول إن إيران تحارب على أكثر من اتجاه في العراق، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى العديد من الملاحظات:

أولاً: على الرغم من أن التحدي الأمريكي لإيران في العراق ليس جديداً، حيث يخوض البلدان مواجهة غير مباشرة على الأراضي العراقية منذ عام 2003، إلا أنه بدأ يأخذ أبعاداً تصاعدية خلال الآونة الأخيرة، حيث تزايدت الاتهامات الأمريكية التي توجه إلى إيران بخصوص دورها في العراق، ليس من قبل سياسيين فقط، وإنما من قبل عسكريين، حيث تشير تقارير إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية تفكر في توجيه إنذار نهائي إلى إيران بشأن سياستها في العراق خلال الفترة المقبلة، وأنها تنتظر مزيداً من المعلومات التي تقدمها الحكومة العراقية حول تورط إيران بدعم أعمال العنف.

ثانياً: لا تزال إيران محل خلاف بين الولايات المتحدة والحكومة العراقية برئاسة نوري المالكي الذي كان يرفض التقديرات الأمريكية حول دعم إيران لعمليات العنف والتمرد في العراق، ويرى أن مصدر الاضطراب الأساسي هو تنظيم (القاعدة)، إلا أن الفترة القصيرة الماضية كشفت عن تحول كبير في موقف حكومة المالكي نحو توجيه الانتقادات المباشرة إلى إيران وإلى دورها على الساحة العراقية، مما يعني أنها أصبحت تتفق مع الرؤية الأمريكية بهذا الخصوص، خاصة بعد أن بدأ المالكي حملته ضد الميليشيات المسلحة، وأيضاً بعد أن أشارت التقديرات إلى تراجع دور وقدرة (القاعدة) في العراق.

ثالثاً: بعد أن كان الزعيم الشيعي مقتدى الصدر ينظر إليه على أنه من حلفاء إيران في العراق، وتحدثت تقارير عديدة عن مساعدات مالية وعسكرية إيرانية للميليشيا العسكرية التابعة له والتي يطلق عليها اسم (جيش المهدي)، أدت الحملة العسكرية الأمريكية – العراقية المشتركة على (جيش المهدي) وما أثير حول ترتيبات عراقية – إيرانية أفضت إلى موافقة إيران على هذه الحملة أو على الأقل عدم منعها أو معارضتها، إلى انقلاب الصدر على إيران، حيث اتهم ناطق باسم (التيار الصدري) إيران بأنها تعمل على تقاسم النفوذ مع الولايات المتحدة في العراق، معتبراً أن عدم اعتراضها على الاتفاقية طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة دليل على ما ذهب إليه. ومن هنا، تعد أهمية موقف (التيار الصدري) في هذا السياق تنبع من اعتبارات عدة، لعل أهمها أنه يعارض بعض المشروعات التي تؤيدها إيران في العراق، ويأتي في مقدمتها مشروع الأقاليم الذي تدفع في اتجاهه القوى الشيعية العراقية القريبة من إيران، مما أكسب الصدر تعاطف السنّة داخل العراق وخارجه.

رابعاً : التحول الذي لحق بتوجهات تيار عبدالعزيز الحكيم، التي تبعده نسبياً عن إيران من الناحية الأيديولوجية، فقد تم تغيير التنظيم الذي يرأسه من (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق)، بما كان يحمله من دلالات وإشارات إيرانية، إلى (المجلس الأعلى في العراق). حيث أشارت تقارير عديدة إلى أن هذا التغيير انطوى على تحول الحكيم عن مرجعية المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي إلى المرجعية العراقية الممثلة في علي السيستاني، وعلى الرغم من أن السيستاني يحمل الجنسية الإيرانية، وله مقره في مدينة (قم)، فإنه يعارض مبدأ (ولاية الفقيه المطلقة)، التي تطبقها إيران، ويؤمن بدلاً من ذلك بـ (ولاية الفقيه الجزئية)، التي تبعد الفقيه عن الأمور السياسية.

خامساً: أضافت اتهامات تنظيم (القاعدة) التي صدرت مؤخراً في أحاديث الرجل الثاني في التنظيم أيمن الظواهري، تحدياً جديداً للنفوذ الإيراني في العراق، حيث اتهم الظواهري إيران بالتخطيط لضم جنوب العراق والمنطقة الشرقية من السعودية، والتورط مع الولايات المتحدة الأمريكية بغزو أفغانستان والعراق، وقال إنها تعمل على تشويه صورة (القاعدة) من خلال ترويجها لمقولة: (إن إسرائيل هي المسؤولة عن أحداث الحادي عشر من سبتمبر). وأياً كانت الاعتبارات التي تقف وراء هذه الاتهامات وتصاعد العداء لإيران من قبل تنظيم (القاعدة) فإنها تشير إلى أن التنظيم ربما مقدم على مواجهة مع إيران على الساحة العراقية، يمكن أن تتجه إلى مناطق أخرى في أفغانستان ولبنان، خاصة أن الظواهري أشار إلى أن الساحة اللبنانية هي الساحة التالية لنشاطات تنظيم (القاعدة)، وإذا ما حدث ذلك، فإن النفوذ الإيراني الإقليمي سيواجه تحدياً جديداً.

سادساً: يمثل تشكيل الولايات المتحدة الأمريكية لـ (قوات الصحوة) العشائرية السنية، تحدياً آخر للنفوذ الإيراني في العراق، فعلى الرغم من أن هذه القوات تشكلت في الأساس لمقاتلة (تنظيم القاعدة) في الأماكن التي يوجد فيها، فإنها عبّرت عن مواقف عدائية تجاه إيران، ووجهت إليها اتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية العراقية، ولعل هذا ما يفسر ما أشارت إليه بعض المصادر من أن إيران أعدت خطة لتفكيك (قوات الصحوة)، لأنها ترى فيها خطراً على نفوذها على الساحة العراقية. كما يلفت التحدي الذي تمثله (قوات الصحوة) لإيران النظر إلى مسألة مهمة هي رفض العشائر العراقية للنفوذ الإيراني، ليس السنّة فقط، بل الشيعة أيضاً، فقد اتهمت عشائر شيعية في الجنوب الأحزاب الدينية بأنها تساعد على التغلغل الإيراني في العراق. وجاء في بيان صدر عن (تجمع العشائر الوطني المستقل)، في الحادي عشر من نوفمبر 2007، وهو تجمع يضم عشائر جنوب العراق الشيعية، أن (النظام الإيراني يمارس إرهاباً من خلال تدخله لنشوء الفوضى الأمنية في مناطق وسط البلاد وجنوبها.

سابعاً: السنّة في العراق هم تحدً قديم – جديد للنفوذ الإيراني على الساحة العراقية، ولاشك في أن انخراطهم النسبي في العملية السياسية، بعد أن كانوا متحفظين على المشاركة فيها، يوفر لهم فرصة للتصدي لهذا النفوذ، خاصة مع الدعم المقدم لهم من قبل قوى إقليمية سنية ترى في تمدد إيران في العراق تهديداً لمصالحها من ناحية، وإخلالاً بالتوازن الإقليمي في الشرق الأوسط من ناحية أخرى. وإذا كانت إيران قد استغلت خطأ أمريكياً لم تدرك واشنطن عواقبه حينما جاءت إلى العراق، وهو تحالفها مع الشيعة وتهميشها لدور السنة، بناء على رؤية قامت على أن (الإسلام السني) هو الخطر  بينما يمكن التعامل مع (الإسلام الشيعي)، فإن هذه الرؤية تعرضت للنقد والتغيير بدءاً من عام 2005، حيث بدأت الولايات المتحدة مراجعة سياستها عبر إدماج السنة العراقيين في العملية السياسية، والتقرب إلى السنّة على المستوى الإقليمي بشكل عام. ولا شك في أن هذه المراجعة تصب في اتجاه تضييق الخناق على نفوذ إيران الإقليمي خاصة في العراق.

إيران استشعرت مبكراً إمكانية انحياز بعض حلفائها إلى السياسة الأمريكية وانتقالهم نهائياً إلى جبهة أعداء إيران

الصراع الخفي بين الحلفاء

بينت وقائع الأيام الماضية من الشد والجذب بين إيران وبعض أطراف الائتلاف الشيعي -وبشكل خاص حزب الدعوة / جناح المالكي- على خلفية المعارك الدامية في البصرة ومدينة الصدر، وقد تبين أن إيران تخوض صراعاً خفياً ضد بعض حلفائها، وأنها تقترب من موعد مواجهة شبه محتومة معهم، وقد تصبح على أعتاب مواجهة مكشوفة مع قوى أخرى داخل الائتلاف نفسه. ولعل إصرار حكومة المالكي على المضي قدماً في التعاون مع الأمريكيين والاعتماد المكشوف على دعمهم وحمايتهم من أجل مواصلة الحرب على الصدريين، بل وإصرارها على الاستمرار في عمليات القصف الوحشي لمنازل المدنيين في بعض المدن الشيعية، وبشكل خاص مدينة الصدر الفقيرة والمنكوبة، هو من بين إشارات كثيرة تدل على بداية مرحلة (قطيعة) متوقعة بين إيران وحلفائها.

وليس بلا معنى أن يختار السفير الإيراني في بغداد في مؤتمره الصحفي مؤخراً موضوع مجالس الصحوة ليسدد بعض (اللكمات الخفيفة) لحكومة المالكي، حين شن هجوماً لاذعاً على محاولتها دمج المجالس في أجهزة الجيش والشرطة. وقد ردّ عليه مستشار الأمن القومي موفق الربيعي بشكل غير مباشر وبعد أيام قليلة فقط، باتهامات نارية عن (دعم إيران للقاعدة) وأنها (تجلب الموت للعراقيين). ولذلك يبدو خط التطور المحتمل للتحالفات السياسية في العراق وكأنه يشير إلى بداية مرحلة جديدة من الاصطفاف السياسي، قد تصبح فيها إيران في قلب مواجهة مع (حلفائها) لا خصومها فحسب. كما يبدو من جملة وقائع أخرى أن كل أطراف الصراع تتجه إلى إعادة ترتيب أوراقها استعداداً لهذه المرحلة. ليس التيار الصدري وحده إذن، من سيبادر إلى حسم خياراته مضطراً ومُرغماً أو راغباً، بل إن كل اللاعبين سيتجهون نتيجة هذا التطور المفاجئ في خطوط الصراع واتجاهاته إلى تسريع درجة انتقالهم إلى طور جديد من أطوار النزاع، لكن إيران تبدو – في إطار هذا الاستعداد- من بين أكثر الأطراف إحساساً باقتراب استحقاق حسم الخيارات، وهي لهذا السبب ستبادر إلى إعادة تقييم وفحص درجة (ولاء بعض القوى الشيعية) لسياساتها، خاصة أن بعض هذه القوى -مثل حزب الدعوة- أخذت في الآونة الأخيرة تبدي ما يكفي من الإشارات والمواقف بأنها تستجيب لأوامر واشنطن أكثر مما تستجيب لنصائح طهران وضغوطها.

وثمة في هذا السياق الكثير من علامات عدم الرضا الإيراني عن سياسات المالكي مثلاً، فهو من وجهة نظر إيرانية يتحول بسرعة إلى (أداة في يد الأمريكيين) أكثر مما يحافظ على (دوره كوكيل محلي) نصّبه الصدريون بغطاء إيراني. كما أن معارك البصرة لم تكشف للإيرانيين درجة هشاشة حليفهم فقط، وإنما درجة اعتماده العسكري والسياسي على دعم واشنطن، وربما استعداده لاستجداء المساعدة منها بأي ثمن ولو على حساب طهران. أما المجلس الأعلى (جماعة الحكيم) فلا يبدو أفضل حالاً من منافسه حزب الدعوة، فهو يظهر كل يوم ما يكفي من الأدلة الميدانية على ضعفه المخزي أمام الصدريين، بل يظهر كذلك درجة مخزية من الانتهازية السياسية والتملق للأمريكيين.  ولذلك قد لا يبدو التعبير الغاضب الذي استخدمه مقتدى الصدر، وهو يوجه تحذيراً أخيراً إلى حكومة المالكي بشن حرب مفتوحة في حال استمرارها في الأعمال العسكرية ضد أنصاره، مجرد تعبير غاضب ومُتفجر فرضته ظروف المواجهة العنيفة في بغداد ومدن الجنوب.

وعلى الأرجح أن التحذير الذي صدر من قم في إيران -حيث يقيم مقتدى الصدر – يكتسب دلالة خاصة من جملة وقائع كانت تتشكل داخل المشهد السياسي العراقي، فهو يشير إلى أن إيران غاضبة بالفعل من بعض حلفائها الشيعة لأنهم أصبحوا بالكامل (أدوات في يد الشيطان الأكبر). ويُلاحظ أن التحذير صدر في وقت كان فيه السفير الإيراني كاظمي قُمي يعقد مؤتمراً صحفياً في بغداد، يهاجم فيه علناً (مجالس الصحوة) ويتهمها بأنها ميليشيا جديدة. لقد فهم بعض المراقبين والمتابعين للشأن السياسي في العراق أن هجوم السفير الإيراني غير المسبوق على مجالس الصحوة واتهامها بأنها ميليشيا مسلحة بأنهما دفاع مبُطن عن حق التيار الصدري في الاحتفاظ بسلاحه أسوة ببقية الميليشيات.

اتهمت عشائر شيعية في الجنوب الأحزاب الدينية بأنها تساعد على التغلغل الإيراني في العراق

بيد أن المضمون الحقيقي لهذا الهجوم يتحدد في نقطة أخرى أشد حساسية من مسألة الصدريين هذه، ذلك أن إعطاء (ميليشيا سنية) كارهة ومعادية لطهران، غطاء شرعياً بحيث تصبح جزءاً من بنية المؤسسة الأمنية، يعد تطوراً مثيراً لقلق الإيرانيين، لأنه سيعني من بين ما يعنيه أن حكومة المالكي تقوم علناً بدعم جماعة مسلحة سياستها المعلنة هي (الحرب على النفوذ الإيراني)، وترى في طهران عدواً أشد خطراً من العدو الأمريكي. ثم جاء الهجوم الناري الذي قاده مستشار الأمن القومي موفق الربيعي ضد (السياسة الإيرانية) فأوضح فيه كيف أن طهران تدعم (القاعدة) وأنها (لا تجلب للعراقيين سوى الموت)، ليدعم حقيقة أن إيران قد تكون أصبحت بالفعل على أعتاب مرحلة من المواجهة مع أقرب حلفائها في الائتلاف الشيعي.

ومن الناحية التاريخية، كان هناك وباستمرار عداء خفيّ شبه مُستحكم بين إيران وحزب الدعوة، يعود في جذوره إلى الأيام الأولى من الثورة الخمينية، عندما فجّر بعض قادة الثورة -استناداً إلى وثائق رسمية- فضيحة (ارتباط حزب الدعوة بالمخابرات البريطانية والسافاك)، وأن هذا الحزب لم يتأسس في العراق في خمسينات القرن قبل الماضي إلا نتيجة تواطؤ الشاه مع البريطانيين.

ولذلك سارع الخميني بحلول صيف عام 1980 إلى دعم خطة تقدم بها الحرس الثوري لتأسيس (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق بقيادة باقر الحكيم (الشقيق الأكبر لعبدالعزيز الحكيم الذي قتل في انفجار سيارة مفخخة). وفي هذا الوقت كان موفق الربيعي يترك صفوف حزب الدعوة ويعيد تقديم نفسه من لندن كطرف مستقل، ولكن أكثر ارتباطاً بالبريطانيين الذين سيعيدون تقديمه مع مطلع التسعينات إلى الأمريكيين بصفته قناة الاتصال الفعالة مع الأحزاب الشيعية. وبالفعل قاد الربيعي الاتصالات الرسمية الأولى بين الجماعات الشيعية والأمريكيين في مارس 1992، وتوج ذلك بلقاء في واشنطن مع وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر. وكان الوفد الذي التقى بيكر مؤلفاً من شخصيات معروفة من بينها: محمد بحر العلوم العضو السابق في مجلس الحكم، وعزت الشهبندر، النائب في البرلمان الحالي عن قائمة علاوي، ورجل الدين الراحل مصطفى جمال الدين وآخرون. وفي هذه الاتصالات وضع الربيعي لمساته على أول وأخطر وثيقة تعاون رسمي بين القيادات الشيعية والأمريكيين، جرى النص فيها على (التخلص من الجيش العراقي السني) والسماح (للشيعة بتجربة الحكم في العراق).

واليوم، مع تصاعد نبرة العداء لسياساتهم في العراق -وهذه أخذت مؤخراً صورة نقد لاذع يصدر باستمرار عن أطراف وجماعات وعشائر شيعية- ومع استمرار وزارة الداخلية في سياسة (الكشف عن عمليات تهريب أسلحة إيرانية إلى الميليشيات الشيعية)، يشعر الإيرانيون بأنهم قد ينزلقون نحو صراع مكشوف ضد أقرب حلفائهم، ولأن مثل هذا التطور يعكس بدرجة كافية من الوضوح مدى استعداد كل أطراف الصراع في العراق لإعادة ترتيب أوراقها استعداداً لمرحلة جديدة، فقد يكون من المحتمل أن إيران استشعرت مبكراً إمكانية انحياز بعض حلفائها إلى السياسة الأمريكية وانتقالهم نهائياً إلى (جبهة أعداء إيران). والمثير للسخرية أن بعض الأطراف الشيعية الحاكمة في العراق أخذت في الآونة الأخيرة تستخدم كلمات مثل الحفاظ على عروبة العراق في سياق نقدها للنفوذ الإيراني، وهو التعبير نفسه الذي استخدمته كونداليزا رايس، أثناء زيارتها إلى بغداد عشية اجتماع دول الجوار في الكويت، حين خاطبت المسؤولين الحكوميين بأن عليهم (الحفاظ على عروبة العراق).

وأخيراً، نقول إن العراق يريد حضوراً عربياً قوياً والتواصل بشكل أكبر معه، لأن هذا الابتعاد العربي أفسح المجال لتمدد النفوذ الإيراني داخل العراق، وهو ما انتقده السفير الأمريكي في العراق رايان كروكر، وطالب العرب بالتدخل لمساعدة العراقيين سياسياً واقتصادياً لمعادلة النفوذ الإيراني.

 

::/fulltext::
::cck::2393::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *