السعودية وفلسطين مسؤولية واحدة ومدار متجدد
::cck::1286::/cck::
::introtext::
ربما كان من أبرز المواقف التاريخية في الضمير القومي والإسلامي للرأي العام العربي في مسار الصراع العربي – الإسرائيلي موقف الملك فيصل في حرب رمضان 1973 وما صاحبه من دبلوماسية وحسم في تأييد المعركة المركزية التي خاضها العرب في تاريخهم الحديث.
::/introtext::
::fulltext::
ربما كان من أبرز المواقف التاريخية في الضمير القومي والإسلامي للرأي العام العربي في مسار الصراع العربي – الإسرائيلي موقف الملك فيصل في حرب رمضان 1973 وما صاحبه من دبلوماسية وحسم في تأييد المعركة المركزية التي خاضها العرب في تاريخهم الحديث.
في تقديري كباحث عربي مستقل أرى أن هذا الموقف لم ينل حقه من التوثيق التاريخي في مسار القضية أو في التوقف عند أبعاده الاستراتيجية منذ المعركة حتى التاريخ المعاصر، خاصة إذا ما قورن المشهد الختامي لكل من الزعيمين الملك فيصل والرئيس أنور السادات الذي اختط فيما بعد موقفاً معارضاً كلياً لتوجه فلسفة حرب أكتوبر انتهى إلى ردة فعل عنيفة من قبل القوات المسلحة المصرية التي لم تستوعب صدمة أن هذا النصر جُيّر عن طريق الرئيس السادات إلى قاعدة انطلاق لما اعتبر أكبر انكسار تنازلي في تاريخ القضية العربية في فلسطين.
وفي مقابل ذلك كان استشهاد الملك فيصل في مارس 1975 بعد أقل من سنتين من انتهاء الأعمال العسكرية لحرب أكتوبر في وقت شهد تعبئة كاملة من المؤسسات الأمريكية اليهودية والمحافظة ضد هذه الشخصية وتحديداً تجاه موقفها من الإصرار على التقدم بقوة نحو تحرير القدس. وعند ورود نبأ اغتيال الملك فيصل كانت تل أبيب والدوائر الرسمية الأمريكية في قمة الارتياح وصدارته على المستوى العالمي مما ينقلنا بوضوح إلى أهم مفصل تاريخي في الملف الفلسطيني ببعده السعودي حتى تاريخنا المعاصر واستعادة تفاصيل هذا المشهد يقودنا إلى استنتاج طبيعي لما ورد من مقدمات.
لقد كان البرنامج الذي اعتمده الملك فيصل مزدوجاً في مساره التنفيذي، فلقد فَعّل قضية التضامن الإسلامي في القارتين الآسيوية والإفريقية حتى قيل في دلالة على النجاح الدبلوماسي الذي حققه الملك فيصل في حينه إن طائرته ما كانت تهبط في بلد حتى صدر من البلد السابق بيان بقطع العلاقة مع إسرائيل وهكذا، بالإضافة إلى التحفيز الشديد الذي اقترن بموقفه تجاه مجمل النظام الرسمي العربي، فضلاً عن الرأي العام الشعبي مما أسهم في دعم أجواء التفاعل التي عاشها الوطن العربي في حينه تجاه هذه المعركة المركزية وجعل مجرد التراجع من بعض دول الطوق المؤثرة مسألة حرجة جداً للغاية في استقرار نظامها السياسي.

محور النفط
ثم باشر الملك فيصلبعد سلسلةمن التحذيرات للعالم الغربي المتحالف كلياً مع تل أبيب بتفعيل الثروة القومية الطبيعية للوطن العربي كاستحقاق مشروع لردع الاعتداء التاريخي عليها وهو ما أدى بالفعلإلى ما شهده العالم الغربي من تحقيق فعلي للتهديد وتوقف الإمدادات النفطية عن الولايات المتحدة الأمريكية وهي النقطة الحاسمة لدى فلسفة المشروع الإمبريالي الذي عكف الأمريكيون على ترسيخه ورفض أي استفزاز لهم في هذا البعد من استقلال الثروة القومية للعالم الآخر عن إرادتهم.
وكان الملك فيصل يدرك تماماً ردة الفعل الأمريكية تجاه قراره التحرري، وبرز ذلك في نقل الحوار الذي دار بينه وبين وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر وتعليق الإعلام والساسة الأمريكيين عليه مراراً وخاصة حين قوله (إني رجل قد تقدمت بي السن وأريد أن أصلي قبل أن أموت في المسجد الأقصى) ثم سخريته من التهديد الأمريكي بتفجير آبار النفط وتذكيرهم بالخاسر الأكبر.
حينها أدرك الأمريكيون أن المسألة ليست متوقفة على توقف النفط الذي استؤنف فيما بعد بل في مواجهة رجل جاد كلياً في العمل على تحقيق حلمه، لذا فقد كان من أهم الأمور لديهم وضع حد نهائي لمن يحمل هذا المشروع.
ومع أن الفارق الزمني والواقع السياسي كبير بين تلك المرحلة وهذه الظروف إلا أن حاجة القضية الفلسطينية لإنهاء الحصار على قطاع غزة والتحريض الأمريكي لفريق فلسطيني على الغالبية الشعبية تبرز دور المملكة العربية السعودية من خلال اتفاق مكة وما يترتب عليه من حماية المصالح العليا للقضية الفلسطينية، فهل إعادة الاتفاق في نسخة جديدة أو رعاية مستقلة واردة؟ هذا ما سيتبين لنا من خلال استعراض هذا المحور وموقع المملكة في النظام الإقليمي العربي.
استئناف الرعاية لاتفاق مكة والمرحلة الجديدة
إن ما تعيشه مرحلة الصراع العربي-الإسرائيلي تأثر بحالة اضطراب الساحة الإقليمية والدولية وخاصة في القضية الفلسطينية، كما هو حاصل خلال هذه الفترة الزمنية الحساسة، لكن ما يهم الشأن السعودي كثيراً في هذا السياق هو تكثف الدلائل على أن ما يصنع النفوذ ويحمي المكانة للدول المركزية هو بطاقات القوة من خلال تقاطعها مع الدول أو الحركات السياسية ذات التأثير المركزي في مسيرة الأحداث في المنطقة العربية.
خاصة بعد عقد التوافقات بين واشنطن والمحور الإقليمي من جهة وارتباك الموقف الأمريكي من جهة أخرى وعجزه عن مواجهة هذه الحالة أو تلك مما أعطى انطباعاً قوياً لم يُسجل منذ علاقة الصعود الأمريكي بهيمنته على المنطقة مطلع التسعينات، وأصبح تكرار هذا الاضطراب سمة بارزة للسياسة الأمريكية. والمهم هو أن الولايات المتحدة بدأت -خلافاً للضجيج الإعلامي المصاحب للحراك السياسي- بالتعاطي مع تشكل قواعد اللعبة الجديدة وإن لم يكن ذلك حالة نادرة، فقد سبق أن سجل ذلك التوافق مع الجمهورية الإسلامية – الإيرانية في غزو أفغانستان والعراق، وحدد تقرير بيكر – هاملتون هذه العلاقة كجزء من استراتيجية الولايات المتحدة في التعامل مع إيران.
لكن الجديد هو ارتفاع هذا السقف من التعامل والإقرار إلى حالة متقدمة من المشاريع السياسية انقلبت مباشرة على حالة الاستقرار في الإقليم ومستقبله، ما يعني أن كل ما يطرحه الأمريكيون على أنه قضايا محسومة للتنفيذ يتم التراجع عنه بموافقة أمريكية عملية تتجاوز الضجيج الإعلامي الذي تطلقه واشنطن عبر دبلوماسييها أو آلتها الإعلامية الضخمة.
وهنا تبدأ الصورة تتكرس في سباق زمني حساس: من يملك فرص القوة في المكانة الدبلوماسية والاستراتيجية هو من يبادر على الأرض إلى التقاط هذه الفرص وترجمتها على الواقع السياسي مع الجانب الآخر الممسك بطرف البطاقة من جهة أخرى، وأن التفريط في لعب الدور المحوري مع قوى الصعود الشعبية سيفقد الدولة المركزية فرصاً تاريخية لا يمكن تداركها ليس للوضع العربي في قضاياه المركزية فحسب ولكن من خلال مكانة هذه الدولة المركزية في المشرق العربي وهي هنا بكل تأكيد المملكة العربية السعودية، وأبرز ما ينطلق في المشهد الحالي لممارسة هذه المبادرات الحيوية هو إعادة المملكة لرعاية اتفاق مكة والمصالحة الوطنية الفلسطينية بثوب جديد.
الوضع الفلسطيني والمدخل المركزي للمبادرة
التغير على الأرض في فلسطين المحتلة لن يرجع إلى الوراء وصعود قيادة (حماس) كأبرز ممثل شرعي لعامة الشعب الفلسطيني في كل فلسطين وفي الشتات، بالإضافة إلى قوة قاعدتها وشعبيتها الانتخابية، والأهم من ذلك قيامها كحركة تحرر على الأرض تبسط سلطتها على كل قطاع غزة بغض النظر عن الحصار الدولي والعربي العنيف المُطبق على غزة، فهذا الوجود لن يتراجع استراتيجياً لأسباب عديدة تتصل بطبيعة تطورات الصراع وفلسفة حماس، لذا فإن التردد الذي تعيشه تل أبيب هو خشية حالة التمدد لحماس، وليس قناعتها بقدرتهم على إعادة الأوضاع إلى ما قبل الحسم العسكري في غزة.
ويقابل ذلك انهيار كامل لمشروع (أنابوليس) وضعف متزايد في سلطة الرئيس محمود عباس واضطراب شديد في الصف الداخلي لمجموعة أوسلو تزامن مع ما سَرّ به الأمريكيون والإسرائيليون أنفسهم برغبة (أبو مازن) في التخلي عن ترشيح نفسه ووجود معارضة صلبة من داخل مجموعة أوسلو ومن إطار (فتح) للمرشح الإسرائيلي لخلفه محمد دحلان مع تأخر تنظيم مؤتمرها العام بسبب الخلافات التي تعصف بالحركة.
إذاً تبرز حماس كقوة متماسكة ذات طرح محدد تستطيع تطبيق التزاماتها على الأرض، في مقابل كل ذلك هناك اضطراب شديد فيما يسمى مباحثات السلام التي وصلت إلى الحد الأدنى من الامتهان والاستدعاء المتكرر للرئيس محمود عباس لإجراء مفاوضات اتضح أنها عبثية كلياً ثم اختتمت بتأزم الحالة السياسية في تل أبيب ومستقبل أولمرت السياسي، وسواء استقال أولمرت أو بقي فإن ثقة الإسرائيليين أنفسهم بقدرة مجموعة أوسلو انهارت كلياً.
موقف حماس الإيجابي تجاه المملكة
من قبل توقيع اتفاق مكة الذي قوبل في حينه برفض أمريكي وإسرائيلي وامتعاض إيراني شديد تعاملت حماس بمسؤولية واعية كمنهجها المعروف ودبلوماسيتها المرنة مع الجانب العربي، وعززت منهجها بوضوح وبرنامج عملي لتطبيق اتفاق مكة، لكن استجابة عباس لتوجيهات الطرف الآخر عجلت بسقوطه، ورغم ذلك كانت حماس على اتصال مباشر ومن خلال شفافية عالية أطلعت القيادة السعودية على التداعيات التي كان يدفع بها الطرف الإسرائيلي الجامح لإسقاط اتفاق مكة الذي كانت حماس تُعبر بأخلاقية عالية عن تثمينها للدور السعودي في رعايته.
إضافة إلى ذلك كانت حماس تؤكد استقلالها عبر ما سمته (محور الأمة) ولا تخضع للاندماج تحت أي محور إقليمي آخر رغم الضغوط العنيفة التي مارسها بعض أطراف النظام الرسمي العربي على غزة وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، وتجلى هذا الموقف في زيارة أسامة حمدان ممثل الحركة في لبنان إلى الرياض، وما طرحه خلال الفعاليات الثقافية لمهرجان الجنادرية عكس مجدداً موقف حماس الحريص على الرعاية السعودية للمصالحة وعلى تحمّل الآلام المعنوية الكبيرة وبقاء الرابط مع الجانب العربي الرسمي.
تطابق المصلحتين من أجل القضية
إذاً فإن المملكة ستكون مؤهلة جداً للعودة إلى رعاية هذه المصالحة ورفع الحصار تحديداً عن غزة عربياً وهو ما سيكفل رفع هذا الضيم ويكون مخرجاً حتى للطرف الدولي التائه من خلال إقرار هدنة حماس بشروطها المعروفة وهي أيضاً ستضع هذه المبادرة السعودية في سياق المكانة الطبيعية المفترضة لقدراتها وموقعها في السياسة العربية والإسلامية.
وبالمحصلة ما يهم أبناء الأمة جميعاً هو أن يتحقق اختراق لمصلحة القضية الفلسطينية بناء على ثوابتها القطعية، وأن اجتماع المصلحة السياسية والاستراتيجية للمملكة يبر دافعاً جيداً لتبني مثل هذا العمل المُقدس حين يخدم القضية ضد المشروع الصهيوني وكما أن العرب حفظوا للملك فيصل موقفه التاريخي مع هنري كيسنجر فإن ذلك سيكون موقفاً يُسجل باسم الملك عبدالله بن عبدالعزيز في سبيل القدس وبظروف أنسب وأقل مواجهة، فلعلها تنطلق من الرياض وتقتنص المبادرة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1286::/cck::
::introtext::
ربما كان من أبرز المواقف التاريخية في الضمير القومي والإسلامي للرأي العام العربي في مسار الصراع العربي – الإسرائيلي موقف الملك فيصل في حرب رمضان 1973 وما صاحبه من دبلوماسية وحسم في تأييد المعركة المركزية التي خاضها العرب في تاريخهم الحديث.
::/introtext::
::fulltext::
ربما كان من أبرز المواقف التاريخية في الضمير القومي والإسلامي للرأي العام العربي في مسار الصراع العربي – الإسرائيلي موقف الملك فيصل في حرب رمضان 1973 وما صاحبه من دبلوماسية وحسم في تأييد المعركة المركزية التي خاضها العرب في تاريخهم الحديث.
في تقديري كباحث عربي مستقل أرى أن هذا الموقف لم ينل حقه من التوثيق التاريخي في مسار القضية أو في التوقف عند أبعاده الاستراتيجية منذ المعركة حتى التاريخ المعاصر، خاصة إذا ما قورن المشهد الختامي لكل من الزعيمين الملك فيصل والرئيس أنور السادات الذي اختط فيما بعد موقفاً معارضاً كلياً لتوجه فلسفة حرب أكتوبر انتهى إلى ردة فعل عنيفة من قبل القوات المسلحة المصرية التي لم تستوعب صدمة أن هذا النصر جُيّر عن طريق الرئيس السادات إلى قاعدة انطلاق لما اعتبر أكبر انكسار تنازلي في تاريخ القضية العربية في فلسطين.
وفي مقابل ذلك كان استشهاد الملك فيصل في مارس 1975 بعد أقل من سنتين من انتهاء الأعمال العسكرية لحرب أكتوبر في وقت شهد تعبئة كاملة من المؤسسات الأمريكية اليهودية والمحافظة ضد هذه الشخصية وتحديداً تجاه موقفها من الإصرار على التقدم بقوة نحو تحرير القدس. وعند ورود نبأ اغتيال الملك فيصل كانت تل أبيب والدوائر الرسمية الأمريكية في قمة الارتياح وصدارته على المستوى العالمي مما ينقلنا بوضوح إلى أهم مفصل تاريخي في الملف الفلسطيني ببعده السعودي حتى تاريخنا المعاصر واستعادة تفاصيل هذا المشهد يقودنا إلى استنتاج طبيعي لما ورد من مقدمات.
لقد كان البرنامج الذي اعتمده الملك فيصل مزدوجاً في مساره التنفيذي، فلقد فَعّل قضية التضامن الإسلامي في القارتين الآسيوية والإفريقية حتى قيل في دلالة على النجاح الدبلوماسي الذي حققه الملك فيصل في حينه إن طائرته ما كانت تهبط في بلد حتى صدر من البلد السابق بيان بقطع العلاقة مع إسرائيل وهكذا، بالإضافة إلى التحفيز الشديد الذي اقترن بموقفه تجاه مجمل النظام الرسمي العربي، فضلاً عن الرأي العام الشعبي مما أسهم في دعم أجواء التفاعل التي عاشها الوطن العربي في حينه تجاه هذه المعركة المركزية وجعل مجرد التراجع من بعض دول الطوق المؤثرة مسألة حرجة جداً للغاية في استقرار نظامها السياسي.

محور النفط
ثم باشر الملك فيصلبعد سلسلةمن التحذيرات للعالم الغربي المتحالف كلياً مع تل أبيب بتفعيل الثروة القومية الطبيعية للوطن العربي كاستحقاق مشروع لردع الاعتداء التاريخي عليها وهو ما أدى بالفعلإلى ما شهده العالم الغربي من تحقيق فعلي للتهديد وتوقف الإمدادات النفطية عن الولايات المتحدة الأمريكية وهي النقطة الحاسمة لدى فلسفة المشروع الإمبريالي الذي عكف الأمريكيون على ترسيخه ورفض أي استفزاز لهم في هذا البعد من استقلال الثروة القومية للعالم الآخر عن إرادتهم.
وكان الملك فيصل يدرك تماماً ردة الفعل الأمريكية تجاه قراره التحرري، وبرز ذلك في نقل الحوار الذي دار بينه وبين وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر وتعليق الإعلام والساسة الأمريكيين عليه مراراً وخاصة حين قوله (إني رجل قد تقدمت بي السن وأريد أن أصلي قبل أن أموت في المسجد الأقصى) ثم سخريته من التهديد الأمريكي بتفجير آبار النفط وتذكيرهم بالخاسر الأكبر.
حينها أدرك الأمريكيون أن المسألة ليست متوقفة على توقف النفط الذي استؤنف فيما بعد بل في مواجهة رجل جاد كلياً في العمل على تحقيق حلمه، لذا فقد كان من أهم الأمور لديهم وضع حد نهائي لمن يحمل هذا المشروع.
ومع أن الفارق الزمني والواقع السياسي كبير بين تلك المرحلة وهذه الظروف إلا أن حاجة القضية الفلسطينية لإنهاء الحصار على قطاع غزة والتحريض الأمريكي لفريق فلسطيني على الغالبية الشعبية تبرز دور المملكة العربية السعودية من خلال اتفاق مكة وما يترتب عليه من حماية المصالح العليا للقضية الفلسطينية، فهل إعادة الاتفاق في نسخة جديدة أو رعاية مستقلة واردة؟ هذا ما سيتبين لنا من خلال استعراض هذا المحور وموقع المملكة في النظام الإقليمي العربي.
استئناف الرعاية لاتفاق مكة والمرحلة الجديدة
إن ما تعيشه مرحلة الصراع العربي-الإسرائيلي تأثر بحالة اضطراب الساحة الإقليمية والدولية وخاصة في القضية الفلسطينية، كما هو حاصل خلال هذه الفترة الزمنية الحساسة، لكن ما يهم الشأن السعودي كثيراً في هذا السياق هو تكثف الدلائل على أن ما يصنع النفوذ ويحمي المكانة للدول المركزية هو بطاقات القوة من خلال تقاطعها مع الدول أو الحركات السياسية ذات التأثير المركزي في مسيرة الأحداث في المنطقة العربية.
خاصة بعد عقد التوافقات بين واشنطن والمحور الإقليمي من جهة وارتباك الموقف الأمريكي من جهة أخرى وعجزه عن مواجهة هذه الحالة أو تلك مما أعطى انطباعاً قوياً لم يُسجل منذ علاقة الصعود الأمريكي بهيمنته على المنطقة مطلع التسعينات، وأصبح تكرار هذا الاضطراب سمة بارزة للسياسة الأمريكية. والمهم هو أن الولايات المتحدة بدأت -خلافاً للضجيج الإعلامي المصاحب للحراك السياسي- بالتعاطي مع تشكل قواعد اللعبة الجديدة وإن لم يكن ذلك حالة نادرة، فقد سبق أن سجل ذلك التوافق مع الجمهورية الإسلامية – الإيرانية في غزو أفغانستان والعراق، وحدد تقرير بيكر – هاملتون هذه العلاقة كجزء من استراتيجية الولايات المتحدة في التعامل مع إيران.
لكن الجديد هو ارتفاع هذا السقف من التعامل والإقرار إلى حالة متقدمة من المشاريع السياسية انقلبت مباشرة على حالة الاستقرار في الإقليم ومستقبله، ما يعني أن كل ما يطرحه الأمريكيون على أنه قضايا محسومة للتنفيذ يتم التراجع عنه بموافقة أمريكية عملية تتجاوز الضجيج الإعلامي الذي تطلقه واشنطن عبر دبلوماسييها أو آلتها الإعلامية الضخمة.
وهنا تبدأ الصورة تتكرس في سباق زمني حساس: من يملك فرص القوة في المكانة الدبلوماسية والاستراتيجية هو من يبادر على الأرض إلى التقاط هذه الفرص وترجمتها على الواقع السياسي مع الجانب الآخر الممسك بطرف البطاقة من جهة أخرى، وأن التفريط في لعب الدور المحوري مع قوى الصعود الشعبية سيفقد الدولة المركزية فرصاً تاريخية لا يمكن تداركها ليس للوضع العربي في قضاياه المركزية فحسب ولكن من خلال مكانة هذه الدولة المركزية في المشرق العربي وهي هنا بكل تأكيد المملكة العربية السعودية، وأبرز ما ينطلق في المشهد الحالي لممارسة هذه المبادرات الحيوية هو إعادة المملكة لرعاية اتفاق مكة والمصالحة الوطنية الفلسطينية بثوب جديد.
الوضع الفلسطيني والمدخل المركزي للمبادرة
التغير على الأرض في فلسطين المحتلة لن يرجع إلى الوراء وصعود قيادة (حماس) كأبرز ممثل شرعي لعامة الشعب الفلسطيني في كل فلسطين وفي الشتات، بالإضافة إلى قوة قاعدتها وشعبيتها الانتخابية، والأهم من ذلك قيامها كحركة تحرر على الأرض تبسط سلطتها على كل قطاع غزة بغض النظر عن الحصار الدولي والعربي العنيف المُطبق على غزة، فهذا الوجود لن يتراجع استراتيجياً لأسباب عديدة تتصل بطبيعة تطورات الصراع وفلسفة حماس، لذا فإن التردد الذي تعيشه تل أبيب هو خشية حالة التمدد لحماس، وليس قناعتها بقدرتهم على إعادة الأوضاع إلى ما قبل الحسم العسكري في غزة.
ويقابل ذلك انهيار كامل لمشروع (أنابوليس) وضعف متزايد في سلطة الرئيس محمود عباس واضطراب شديد في الصف الداخلي لمجموعة أوسلو تزامن مع ما سَرّ به الأمريكيون والإسرائيليون أنفسهم برغبة (أبو مازن) في التخلي عن ترشيح نفسه ووجود معارضة صلبة من داخل مجموعة أوسلو ومن إطار (فتح) للمرشح الإسرائيلي لخلفه محمد دحلان مع تأخر تنظيم مؤتمرها العام بسبب الخلافات التي تعصف بالحركة.
إذاً تبرز حماس كقوة متماسكة ذات طرح محدد تستطيع تطبيق التزاماتها على الأرض، في مقابل كل ذلك هناك اضطراب شديد فيما يسمى مباحثات السلام التي وصلت إلى الحد الأدنى من الامتهان والاستدعاء المتكرر للرئيس محمود عباس لإجراء مفاوضات اتضح أنها عبثية كلياً ثم اختتمت بتأزم الحالة السياسية في تل أبيب ومستقبل أولمرت السياسي، وسواء استقال أولمرت أو بقي فإن ثقة الإسرائيليين أنفسهم بقدرة مجموعة أوسلو انهارت كلياً.
موقف حماس الإيجابي تجاه المملكة
من قبل توقيع اتفاق مكة الذي قوبل في حينه برفض أمريكي وإسرائيلي وامتعاض إيراني شديد تعاملت حماس بمسؤولية واعية كمنهجها المعروف ودبلوماسيتها المرنة مع الجانب العربي، وعززت منهجها بوضوح وبرنامج عملي لتطبيق اتفاق مكة، لكن استجابة عباس لتوجيهات الطرف الآخر عجلت بسقوطه، ورغم ذلك كانت حماس على اتصال مباشر ومن خلال شفافية عالية أطلعت القيادة السعودية على التداعيات التي كان يدفع بها الطرف الإسرائيلي الجامح لإسقاط اتفاق مكة الذي كانت حماس تُعبر بأخلاقية عالية عن تثمينها للدور السعودي في رعايته.
إضافة إلى ذلك كانت حماس تؤكد استقلالها عبر ما سمته (محور الأمة) ولا تخضع للاندماج تحت أي محور إقليمي آخر رغم الضغوط العنيفة التي مارسها بعض أطراف النظام الرسمي العربي على غزة وعلى حقوق الشعب الفلسطيني، وتجلى هذا الموقف في زيارة أسامة حمدان ممثل الحركة في لبنان إلى الرياض، وما طرحه خلال الفعاليات الثقافية لمهرجان الجنادرية عكس مجدداً موقف حماس الحريص على الرعاية السعودية للمصالحة وعلى تحمّل الآلام المعنوية الكبيرة وبقاء الرابط مع الجانب العربي الرسمي.
تطابق المصلحتين من أجل القضية
إذاً فإن المملكة ستكون مؤهلة جداً للعودة إلى رعاية هذه المصالحة ورفع الحصار تحديداً عن غزة عربياً وهو ما سيكفل رفع هذا الضيم ويكون مخرجاً حتى للطرف الدولي التائه من خلال إقرار هدنة حماس بشروطها المعروفة وهي أيضاً ستضع هذه المبادرة السعودية في سياق المكانة الطبيعية المفترضة لقدراتها وموقعها في السياسة العربية والإسلامية.
وبالمحصلة ما يهم أبناء الأمة جميعاً هو أن يتحقق اختراق لمصلحة القضية الفلسطينية بناء على ثوابتها القطعية، وأن اجتماع المصلحة السياسية والاستراتيجية للمملكة يبر دافعاً جيداً لتبني مثل هذا العمل المُقدس حين يخدم القضية ضد المشروع الصهيوني وكما أن العرب حفظوا للملك فيصل موقفه التاريخي مع هنري كيسنجر فإن ذلك سيكون موقفاً يُسجل باسم الملك عبدالله بن عبدالعزيز في سبيل القدس وبظروف أنسب وأقل مواجهة، فلعلها تنطلق من الرياض وتقتنص المبادرة.
::/fulltext::
::cck::1286::/cck::
