فلسـطين: قضية كل العرب الأولى

::cck::1265::/cck::
::introtext::

فلسطين، قلب الوطن العربي ونقطة الوصل الأولى بين مشرقه ومغربه، بالإضافة إلى كونها مركز منطقة الوصل بين قارات العالم القديم الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا. فلسطين، إحدى درر الشرق وأحد أعز الأقطار العربية، وهي البلد الذييضم (زهرة المدائن)، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (بالنسبة للمسلمين)، والتي أوشك الصهاينة، القادمون من شتى بقاع الأرض، على إكمال اغتصابها ومصادرتها تماماً وإلى أجل غير مسمى.

::/introtext::
::fulltext::

فلسطين، قلب الوطن العربي ونقطة الوصل الأولى بين مشرقه ومغربه، بالإضافة إلى كونها مركز منطقة الوصل بين قارات العالم القديم الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا. فلسطين، إحدى درر الشرق وأحد أعز الأقطار العربية، وهي البلد الذييضم (زهرة المدائن)، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (بالنسبة للمسلمين)، والتي أوشك الصهاينة، القادمون من شتى بقاع الأرض، على إكمال اغتصابها ومصادرتها تماماً وإلى أجل غير مسمى.

لم يكتف الصهاينة باقتطاع هذا الجزء الغالي، من جسد الأمة العربية والإسلامية، بل جعلوا من هذه الأرض منطلقاً للكيد لهذه الأمة والهيمنة عليها والإضرار بمصالحها وعقيدتها. وأصبحت فلسطين بوجود الدولة الصهيونية فيها قاعدة متقدمة لأعداء الأمتين العربية والإسلامية، وفي عقر دار هذه الأمة. وهذه (حقائق) دامغة تدحض تحذلقات (المتصهينين) من العرب والعجم، التي أخذت تتزايد مؤخراً بادعاء (السلام) الزائف.

قيام الدولة الفلسطينية المستقلة لا بد أن يحجم من إسرائيل ويقلل من شرورها وأضرارها تجاه محيطها العربي

وحسب تقسيم سايكس – بيكو (البريطاني – الفرنسي) الحدودي للعالم العربي في نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح ما يعرف بـ (فلسطين) يمتد من لبنان شمالاً إلى خليج العقبة جنوباً. ومن شبه جزيرة سيناء (مصر) والبحر الأبيض المتوسط غرباً إلى جنوب سوريا والبحر الميت (والأردن) شرقاً. وتبلغ مساحة فلسطين هذه كاملة (26.323) كيلومتراً مربعاً. أي أنها مساحة صغيرة نسبياً، ولكن كل شبر فيها يعبق بالعراقة، ويفوح بالأهمية الخاصة.

ومنذ عام 1948م، وحتى قبيل 6 يونيو سنة 1967م، كانت إسرائيل تحتل 20.153 كيلومتراً مربعاً، من فلسطين. أي ما يعادل 77 في المائة من كل مساحة هذا القطر. وبقيت الضفة الغربية، التي تبلغ مساحتها 5800 كيلو متراً مربعاً، تحت الإدارة الأردنية، بينما تبلغ مساحة قطاع غزة 365 كيلو متراً مربعاً، التي وضعت تحت الإدارة المصرية، كما هو معروف. وبهذا، نرى أن مجموع مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة هو 6165 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 23 في المائة فقط من كل مساحة فلسطين.

ومعروف أن أهم أسس التسوية السلمية، والمنشودة عربياً وعالمياً، وحتى فلسطينياً، هي أن تنسحب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها عام 1967م، أي من كامل الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية، وأن تمكّن الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة، والخاصة بهم، على الضفة والقطاع، أي على 23 في المائة فقط من مساحة فلسطين الكلية. وهذا يعني إعطاء (إسرائيل) 77 في المائة من أرض فلسطين لتكون عليها الدولة الصهيونية المكونة من يهود مهاجرين من شتى بقاع المعمورة.

الهدف الصهيوني المعلن لا يقتصر على فلسطين فحسب بل يستهدف رأس العروبة والإسلام

ولكن الصهاينة لم يرضوا حتى بذلك، إذ إنهم يسعون إلى ابتلاع كامل فلسطين وإبادة وتشريد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، والسماح لمن بقي منهم بإقامة (محميات) متفرقة فقط، في الضفة والقطاع، وحرمانهم من أن تكون لهم دولة حقيقية خاصة بهم. بل إن خطة غلاة الصهاينة تستهدف كما هو معروف التوسع لأبعد من فلسطين بكثير (من النيل إلى الفرات). إضافة إلى الرغبة الصهيونية الجامحة في السيطرة على كامل المنطقة العربية، سواء عبر التوسع الجغرافي (لما بعد فلسطين) أو من دون ذلك التوسع (والاكتفاء بكامل فلسطين أو معظمها فقط). ويسود الآنفي الوسط السياسي الإسرائيلي توجه استراتيجيينادي باحتفاظ إسرائيل بمرتفعات الجولان السورية، وكذلك بمعظم الضفة الغربية وعدم السماح بقيام دولة فلسطينية لأسباب أمنية أو دفاعية، كما يقول أنصار هذا التوجه الذي يتزعمه قادة حزب (الليكود) وبقية اليمين الإسرائيلي.

ومع ذلك، فإن كل التوجهات الاستراتيجية الإسرائيلية تصر على أن تفرض إسرائيل هيمنتها، العسكرية والاقتصادية والسياسية، على كل المنطقة، وبصرف النظر عن وضع (الحدود) التي ستستقر عليها في النهاية دويلة إسرائيل.

ولعل هذه المقدمة البسيطة تمهد لمحاولة الإجابة عن بعض التساؤلات التي يثيرها الآن البعض عن سبب هذا الاهتمام بفلسطين، ومبرر جعل القضية الفلسطينية هي القضية الأولى للأمة العربية؟ ورغم أن هذه الأسباب والمبررات معروفة، وربما لا تحتاج للمزيد من الإيضاح، إلا أننا ومن قبيل التذكير سوف نتطرق إليها في ما يلي.

بعد أن أوجزنا أهم الملامح الاستراتيجية لفلسطين. زهرة البلاد العربية – كما يسميها بعض العرب المعاصرين لنكبتها – نحاول توضيح مسألة وجوب اعتبار القضية الفلسطينية الآن القضية المركزية الأولى بالنسبة للأمة العربية قاطبة، بما فيها دول الخليج. ولا بد في بداية هذا الحديث من توضيح نقاط جوهرية عدة بالنسبة لهذه الإجابة، وهو أمر ضروري خاصة في ظل قيام إسرائيل وأنصارها والمتعاونين معها بخلط أوراق القضية وبعثرة جزيئاتها وقلب تطوراتها ومفاهيمها رأساً على عقب، الأمر الذي أدى إلى إثارة بعض التساؤلات المغرضة والساذجة، والتي وجدت مؤخراً بيئة ملائمة للتواجد والانتشار.

 وهذه التساؤلات تحظى هذه الأيام بأصداء واسعة في ذكرى النكبة (15 مايو 1948م) هذه الذكرى التي احتفلت إسرائيل بها باعتبارها (عيد استقلالها)،ولعل أهم هذه التساؤلات هو: لماذا يجب على العرب أن يهتموا بالقضية الفلسطينية معتبرين إياها قضية أولى، ويسعون إلى مساعدة الفلسطينيين على استعادة حقوقهم؟

 وأيضا قبل محاولة الإجابة لابد من التذكير بالحقائق التالية:

* إن سوء استخدام أي عقيدة أو فكرة أو قضية لا يعني فساد الفكرة أو القضية وبطلانها، بل يعني استغلالها من قبل انتهازيين لتحقيق أغراض خاصة بهم. فسوء استخدام أي فكرة لا يعني بالضرورة سوءهابقدر ما يعني فساد من يدعي مناصرتها والمنافحة عنها وتحامل من يهاجمها.

* إن في كل شعب (تقريباً) أشرافاً وخونة أسوياء ومنحلين…إلخ. ولذلك يصبح من غير المنطقي وصم أي شعب بما يفعله السفهاء منه، خاصة إذا كان هؤلاء السفهاء أو (العملاء) لا يمثلون إلا قلة ضئيلة من ذلك الشعب.

وإذا سلمنا بذلك وانطلقنا منه ثم طبقناه على فلسطين يصبح من المنطقي التسليم بأن سوء استخدام بعض (الزعامات) الفلسطينية والعربية لهذه القضية يجب ألا يجرح عدالتها أو يقلل من أهميتها. كما أن مساهمة قلة لا تذكر من الفلسطينيين في قيام ونمو وعربدة إسرائيل لا تعني أن هذا الشعب هو الذي فرّط في حقوقه. العكس في حالة فلسطين هو الصحيح، فلا يزال شعب الجبارين أو غالبيته متمسكاً بهذه الحقوق مدافعاً عنها بدمه وبكل ما يملك بمن في ذلك فلذات كبده. ولو تعرض شعب لما تعرض له هذا الشعب الباسل من ظلم دولي وجبروت أممي وعدوان مبيت لربما لم يصمد مثلما صمد الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من ستين عاماً.

وباختصار، فإننا عندما نحاول الإجابة عن التساؤل: لماذا يجب أن يهتم العرب (بمن فيهم الخليجيون) بالقضية الفلسطينية ويعملون ما بوسعهم على استعادة إخوانهم الفلسطينيين لحقوقهم أو للحد الأدنى منها؟ ولماذا ينبغي اعتبار هذه القضية بالنسبة للعرب والمسلمين القضية المركزية؟ فإن الجواب هو أن لذلك مبررات قوية عدة وأسباباً في منتهى الصحة والوجاهة أهمها:

أولاً:كون قيام ونمو وعربدة إسرائيل يمثل جريمة كبرى، يصفها البعض بـ (جريمة العصر)، لأن ذلك تم عبر استئصال شعب بأكمله من أرضه ونهب ممتلكاته وتشريده وملاحقته بالقتل والإيذاء على مدار الساعة. فمن الناحية الإنسانية على الأقل لا يمكن لأي إنسان سوى قبول هذه الفعلة، حتى إن لم تطل إخواناً له في الدين والدم. إن هذا الجرم يدفع الخيرين، بل حتى قساة القلوب، إلى بذل كل ما يمكنهم بذله لوقف هذا الظلم البين والعدوان الغاشم ومعاقبة مرتكبيه.

ثانياً: إن الهدف الصهيوني المعلن لا يقتصر على فلسطين فحسب، بل إن إسرائيل تستهدف رأس العروبة والإسلام، وتحتل القدس ثالث الحرمين الشريفين، وتسعى بإصرار عجيب ومثابرة جلية إلى الهيمنة التامة على المنطقة، والسيطرة على مقدراتها وتسخير إمكاناتها لخدمة الصهاينة عبر استعباد شعوب المنطقة وفرض الإرادة الصهيونية على أجيالهم القادمة. ومن ذلك وقوف الكيان الصهيوني وراء معظم مآسي المنطقة وسعي إسرائيل إلى تمزيق وشرذمة الوطن العربي وعملها على تحويل معظم دوله إلى دويلات لا حول لها ولا قوة أمام إسرائيل القوة الإقليمية العظمى الآمرة الناهية في المنطقة والمدججة بكل أنواع الأسلحة الفتاكة.

هذا هو المشروع الصهيوني ومن يظن أن ذلك المخطط يقتصر على فلسطين فهو واهم إن لم نقل غير ذلك. وبالمناسبة فإن معظم شعوب وأمم العالم تتعاطف مع الفلسطينيين. ومنهم شعوب غربية كبرى. مثال ذلك ما تحظى به القضية الفلسطينية من تأييد لدى الشعب الإيطالي والشعب اليوناني وشعب نيكاراغوا وشعب الهند.

وهناك من العرب من ينادي بأن القضية المركزية الأولى لدى الأمة العربية (وباعتبار أنها أمة نامية) يجب أن تكون التنمية الشاملة في مجالات الحياة العامة الرئيسية (الاقتصاد، الاجتماع، الأمن، والسياسة) وفي كل الجوانب المندرجة ضمن هذه المجالات. وهذه مقولة صحيحة، لكنها تقال أحياناً ككلمة حق يراد بها باطل. حيث إن من يقولونها من هذا المنطلق يتجاهلون بخبث دور إسرائيل في عرقلة أي تنمية عربية سواء شاملة أو جزئية، فكأننا لو تركنا إسرائيل تواصل تنفيذ مشروعها، وتركنا أيضاً الفلسطينيين لتطحنهم الآلة العسكرية الإسرائيلية وتبيدهم وقلنا ما شأننا بحالهملمضت التنمية الشاملة، وتحولت البلاد العربية في سنوات إلى دول متقدمة وقوية ومزدهرة.

إن ذلك بالطبع غير صحيح.، فإسرائيل أثبتت أنها العدو الأول للتنمية الحقيقية الشاملة في أغلب البلاد العربية، والشواهد والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى. إن الصحيح هو أن المضي في التنمية يقتضي الحذر من إسرائيل ومقاومة تدخلها السافر والخفي في شؤون معظم الدول العربية، ذلك التدخل الهادفأصلاً إلى عرقلة أي تنمية إيجابية في هذه الدول.

كانت المقاطعة العربية وستظل أقوى أسلحة المقاومة العربية في مواجهة العدوان الصهيوني

 ومعروف أن دول مجلس التعاون الخليجي (شعوباً وحكومات) كانت ولا تزال من أكثر الدول العربية دعماً للقضية الفلسطينية وتأييداً للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبذلت الكثير من الجهد والمال في سبيل تمكين الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه في أرضه. وعلى مدار الستين عاماً الماضية التزمت هذه الدول بصفة عامة بهذه المبادئ، وتمسكت بهذه السياسة في كل المحافل.

وكانت دول الخليج أول من بادر إلى تأييد التسوية السلمية لهذه القضية، أي التسوية القائمة على مبادئ وقرارات الشرعية الدولية (وخاصة القرار الأممي رقم 194 عام 1948م، و242 عام 1967م، و338 عام 1973م). وأعربت عن استعدادها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل إن التزمت الأخيرة بالانسحاب من كل الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967م، ومكنت الشعب الفلسطيني من العودةوإقامة دولته المستقلة في الضفة والقطاع بعاصمتها القدس الشرقية، لكن إسرائيل ترفض كما هو معروف هذه المتطلبات وتعرقل إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وهذا الرفض الإسرائيلي للسلام المنشود عالمياً يؤكد بوضوحعدوانية هذا الكيان ورغبته في التوسع والهيمنة.

وقد كانت المقاطعة العربية وستظل أقوى أسلحة المقاومة العربية في مواجهة العدوان الصهيوني. وهي أداة الضغط العربية الرئيسية، والتي يجب أن تستخدم لجر إسرائيل لقبول التسوية السلمية، رغم أن هذه التسوية تعطي الكيان الصهيوني ثلاثة أرباع فلسطين (كما ذكرنا) وتخصص الربع الباقي للفلسطينيين، ولذلك تظل هذه الورقة هي أفضل الأوراق في يد الجانب العربي في هذه القضية، وأمسى التفريط في هذه الورقة تخاذلاً وتهاوناً في الحقوق العربية، عكس ما يقوله (المطبعون) مجاناً بأن تقاربهم مع إسرائيل إنما (يخدم القضية الفلسطينية).

ويؤخذ على بعض دول الخليج بعض التهاون في استعمال هذه الورقة ومد جسور تقارب مع إسرائيل،رغم استمرار الصهاينة في سياساتهم العدوانية المعتادة وعلى مدار الساعة. لكن وبصفة عامة فإن أغلب هذه الدول وكل شعوبها تؤيد الحق الفلسطيني، وتعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الأولى وخاصة باعتبار أن هذه الدول جزء لا يتجزأ من الأمتين العربية والإسلامية اللتين لهما النظرة ذاتها تجاه هذه القضية.

 وختاماً نقول لقد ابتليت الأمة العربية بهذا الأخطبوط السرطاني، وأمسى مقدراً عليها أن تواجهه وتقاومه بكل الأساليب الممكنة إن كانت تريد ضمان بقائها، وحفظ أمنها وصون كرامتها وحماية أجيالها المقبلة. فالمعركة مع هذا العدو المتربص تكاد أن تكون (صفرية) النتيجة،خاصة إذا استمر الكيان الصهيوني في سياساته العدائية المعروفة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1265::/cck::
::introtext::

فلسطين، قلب الوطن العربي ونقطة الوصل الأولى بين مشرقه ومغربه، بالإضافة إلى كونها مركز منطقة الوصل بين قارات العالم القديم الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا. فلسطين، إحدى درر الشرق وأحد أعز الأقطار العربية، وهي البلد الذييضم (زهرة المدائن)، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (بالنسبة للمسلمين)، والتي أوشك الصهاينة، القادمون من شتى بقاع الأرض، على إكمال اغتصابها ومصادرتها تماماً وإلى أجل غير مسمى.

::/introtext::
::fulltext::

فلسطين، قلب الوطن العربي ونقطة الوصل الأولى بين مشرقه ومغربه، بالإضافة إلى كونها مركز منطقة الوصل بين قارات العالم القديم الثلاث آسيا وإفريقيا وأوروبا. فلسطين، إحدى درر الشرق وأحد أعز الأقطار العربية، وهي البلد الذييضم (زهرة المدائن)، وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين (بالنسبة للمسلمين)، والتي أوشك الصهاينة، القادمون من شتى بقاع الأرض، على إكمال اغتصابها ومصادرتها تماماً وإلى أجل غير مسمى.

لم يكتف الصهاينة باقتطاع هذا الجزء الغالي، من جسد الأمة العربية والإسلامية، بل جعلوا من هذه الأرض منطلقاً للكيد لهذه الأمة والهيمنة عليها والإضرار بمصالحها وعقيدتها. وأصبحت فلسطين بوجود الدولة الصهيونية فيها قاعدة متقدمة لأعداء الأمتين العربية والإسلامية، وفي عقر دار هذه الأمة. وهذه (حقائق) دامغة تدحض تحذلقات (المتصهينين) من العرب والعجم، التي أخذت تتزايد مؤخراً بادعاء (السلام) الزائف.

قيام الدولة الفلسطينية المستقلة لا بد أن يحجم من إسرائيل ويقلل من شرورها وأضرارها تجاه محيطها العربي

وحسب تقسيم سايكس – بيكو (البريطاني – الفرنسي) الحدودي للعالم العربي في نهاية الحرب العالمية الثانية أصبح ما يعرف بـ (فلسطين) يمتد من لبنان شمالاً إلى خليج العقبة جنوباً. ومن شبه جزيرة سيناء (مصر) والبحر الأبيض المتوسط غرباً إلى جنوب سوريا والبحر الميت (والأردن) شرقاً. وتبلغ مساحة فلسطين هذه كاملة (26.323) كيلومتراً مربعاً. أي أنها مساحة صغيرة نسبياً، ولكن كل شبر فيها يعبق بالعراقة، ويفوح بالأهمية الخاصة.

ومنذ عام 1948م، وحتى قبيل 6 يونيو سنة 1967م، كانت إسرائيل تحتل 20.153 كيلومتراً مربعاً، من فلسطين. أي ما يعادل 77 في المائة من كل مساحة هذا القطر. وبقيت الضفة الغربية، التي تبلغ مساحتها 5800 كيلو متراً مربعاً، تحت الإدارة الأردنية، بينما تبلغ مساحة قطاع غزة 365 كيلو متراً مربعاً، التي وضعت تحت الإدارة المصرية، كما هو معروف. وبهذا، نرى أن مجموع مساحة الضفة الغربية وقطاع غزة هو 6165 كيلومتراً مربعاً، أي ما يعادل 23 في المائة فقط من كل مساحة فلسطين.

ومعروف أن أهم أسس التسوية السلمية، والمنشودة عربياً وعالمياً، وحتى فلسطينياً، هي أن تنسحب إسرائيل من كل الأراضي التي احتلتها عام 1967م، أي من كامل الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية، وأن تمكّن الفلسطينيين من إقامة دولتهم المستقلة، والخاصة بهم، على الضفة والقطاع، أي على 23 في المائة فقط من مساحة فلسطين الكلية. وهذا يعني إعطاء (إسرائيل) 77 في المائة من أرض فلسطين لتكون عليها الدولة الصهيونية المكونة من يهود مهاجرين من شتى بقاع المعمورة.

الهدف الصهيوني المعلن لا يقتصر على فلسطين فحسب بل يستهدف رأس العروبة والإسلام

ولكن الصهاينة لم يرضوا حتى بذلك، إذ إنهم يسعون إلى ابتلاع كامل فلسطين وإبادة وتشريد أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، والسماح لمن بقي منهم بإقامة (محميات) متفرقة فقط، في الضفة والقطاع، وحرمانهم من أن تكون لهم دولة حقيقية خاصة بهم. بل إن خطة غلاة الصهاينة تستهدف كما هو معروف التوسع لأبعد من فلسطين بكثير (من النيل إلى الفرات). إضافة إلى الرغبة الصهيونية الجامحة في السيطرة على كامل المنطقة العربية، سواء عبر التوسع الجغرافي (لما بعد فلسطين) أو من دون ذلك التوسع (والاكتفاء بكامل فلسطين أو معظمها فقط). ويسود الآنفي الوسط السياسي الإسرائيلي توجه استراتيجيينادي باحتفاظ إسرائيل بمرتفعات الجولان السورية، وكذلك بمعظم الضفة الغربية وعدم السماح بقيام دولة فلسطينية لأسباب أمنية أو دفاعية، كما يقول أنصار هذا التوجه الذي يتزعمه قادة حزب (الليكود) وبقية اليمين الإسرائيلي.

ومع ذلك، فإن كل التوجهات الاستراتيجية الإسرائيلية تصر على أن تفرض إسرائيل هيمنتها، العسكرية والاقتصادية والسياسية، على كل المنطقة، وبصرف النظر عن وضع (الحدود) التي ستستقر عليها في النهاية دويلة إسرائيل.

ولعل هذه المقدمة البسيطة تمهد لمحاولة الإجابة عن بعض التساؤلات التي يثيرها الآن البعض عن سبب هذا الاهتمام بفلسطين، ومبرر جعل القضية الفلسطينية هي القضية الأولى للأمة العربية؟ ورغم أن هذه الأسباب والمبررات معروفة، وربما لا تحتاج للمزيد من الإيضاح، إلا أننا ومن قبيل التذكير سوف نتطرق إليها في ما يلي.

بعد أن أوجزنا أهم الملامح الاستراتيجية لفلسطين. زهرة البلاد العربية – كما يسميها بعض العرب المعاصرين لنكبتها – نحاول توضيح مسألة وجوب اعتبار القضية الفلسطينية الآن القضية المركزية الأولى بالنسبة للأمة العربية قاطبة، بما فيها دول الخليج. ولا بد في بداية هذا الحديث من توضيح نقاط جوهرية عدة بالنسبة لهذه الإجابة، وهو أمر ضروري خاصة في ظل قيام إسرائيل وأنصارها والمتعاونين معها بخلط أوراق القضية وبعثرة جزيئاتها وقلب تطوراتها ومفاهيمها رأساً على عقب، الأمر الذي أدى إلى إثارة بعض التساؤلات المغرضة والساذجة، والتي وجدت مؤخراً بيئة ملائمة للتواجد والانتشار.

 وهذه التساؤلات تحظى هذه الأيام بأصداء واسعة في ذكرى النكبة (15 مايو 1948م) هذه الذكرى التي احتفلت إسرائيل بها باعتبارها (عيد استقلالها)،ولعل أهم هذه التساؤلات هو: لماذا يجب على العرب أن يهتموا بالقضية الفلسطينية معتبرين إياها قضية أولى، ويسعون إلى مساعدة الفلسطينيين على استعادة حقوقهم؟

 وأيضا قبل محاولة الإجابة لابد من التذكير بالحقائق التالية:

* إن سوء استخدام أي عقيدة أو فكرة أو قضية لا يعني فساد الفكرة أو القضية وبطلانها، بل يعني استغلالها من قبل انتهازيين لتحقيق أغراض خاصة بهم. فسوء استخدام أي فكرة لا يعني بالضرورة سوءهابقدر ما يعني فساد من يدعي مناصرتها والمنافحة عنها وتحامل من يهاجمها.

* إن في كل شعب (تقريباً) أشرافاً وخونة أسوياء ومنحلين…إلخ. ولذلك يصبح من غير المنطقي وصم أي شعب بما يفعله السفهاء منه، خاصة إذا كان هؤلاء السفهاء أو (العملاء) لا يمثلون إلا قلة ضئيلة من ذلك الشعب.

وإذا سلمنا بذلك وانطلقنا منه ثم طبقناه على فلسطين يصبح من المنطقي التسليم بأن سوء استخدام بعض (الزعامات) الفلسطينية والعربية لهذه القضية يجب ألا يجرح عدالتها أو يقلل من أهميتها. كما أن مساهمة قلة لا تذكر من الفلسطينيين في قيام ونمو وعربدة إسرائيل لا تعني أن هذا الشعب هو الذي فرّط في حقوقه. العكس في حالة فلسطين هو الصحيح، فلا يزال شعب الجبارين أو غالبيته متمسكاً بهذه الحقوق مدافعاً عنها بدمه وبكل ما يملك بمن في ذلك فلذات كبده. ولو تعرض شعب لما تعرض له هذا الشعب الباسل من ظلم دولي وجبروت أممي وعدوان مبيت لربما لم يصمد مثلما صمد الشعب الفلسطيني على مدار أكثر من ستين عاماً.

وباختصار، فإننا عندما نحاول الإجابة عن التساؤل: لماذا يجب أن يهتم العرب (بمن فيهم الخليجيون) بالقضية الفلسطينية ويعملون ما بوسعهم على استعادة إخوانهم الفلسطينيين لحقوقهم أو للحد الأدنى منها؟ ولماذا ينبغي اعتبار هذه القضية بالنسبة للعرب والمسلمين القضية المركزية؟ فإن الجواب هو أن لذلك مبررات قوية عدة وأسباباً في منتهى الصحة والوجاهة أهمها:

أولاً:كون قيام ونمو وعربدة إسرائيل يمثل جريمة كبرى، يصفها البعض بـ (جريمة العصر)، لأن ذلك تم عبر استئصال شعب بأكمله من أرضه ونهب ممتلكاته وتشريده وملاحقته بالقتل والإيذاء على مدار الساعة. فمن الناحية الإنسانية على الأقل لا يمكن لأي إنسان سوى قبول هذه الفعلة، حتى إن لم تطل إخواناً له في الدين والدم. إن هذا الجرم يدفع الخيرين، بل حتى قساة القلوب، إلى بذل كل ما يمكنهم بذله لوقف هذا الظلم البين والعدوان الغاشم ومعاقبة مرتكبيه.

ثانياً: إن الهدف الصهيوني المعلن لا يقتصر على فلسطين فحسب، بل إن إسرائيل تستهدف رأس العروبة والإسلام، وتحتل القدس ثالث الحرمين الشريفين، وتسعى بإصرار عجيب ومثابرة جلية إلى الهيمنة التامة على المنطقة، والسيطرة على مقدراتها وتسخير إمكاناتها لخدمة الصهاينة عبر استعباد شعوب المنطقة وفرض الإرادة الصهيونية على أجيالهم القادمة. ومن ذلك وقوف الكيان الصهيوني وراء معظم مآسي المنطقة وسعي إسرائيل إلى تمزيق وشرذمة الوطن العربي وعملها على تحويل معظم دوله إلى دويلات لا حول لها ولا قوة أمام إسرائيل القوة الإقليمية العظمى الآمرة الناهية في المنطقة والمدججة بكل أنواع الأسلحة الفتاكة.

هذا هو المشروع الصهيوني ومن يظن أن ذلك المخطط يقتصر على فلسطين فهو واهم إن لم نقل غير ذلك. وبالمناسبة فإن معظم شعوب وأمم العالم تتعاطف مع الفلسطينيين. ومنهم شعوب غربية كبرى. مثال ذلك ما تحظى به القضية الفلسطينية من تأييد لدى الشعب الإيطالي والشعب اليوناني وشعب نيكاراغوا وشعب الهند.

وهناك من العرب من ينادي بأن القضية المركزية الأولى لدى الأمة العربية (وباعتبار أنها أمة نامية) يجب أن تكون التنمية الشاملة في مجالات الحياة العامة الرئيسية (الاقتصاد، الاجتماع، الأمن، والسياسة) وفي كل الجوانب المندرجة ضمن هذه المجالات. وهذه مقولة صحيحة، لكنها تقال أحياناً ككلمة حق يراد بها باطل. حيث إن من يقولونها من هذا المنطلق يتجاهلون بخبث دور إسرائيل في عرقلة أي تنمية عربية سواء شاملة أو جزئية، فكأننا لو تركنا إسرائيل تواصل تنفيذ مشروعها، وتركنا أيضاً الفلسطينيين لتطحنهم الآلة العسكرية الإسرائيلية وتبيدهم وقلنا ما شأننا بحالهملمضت التنمية الشاملة، وتحولت البلاد العربية في سنوات إلى دول متقدمة وقوية ومزدهرة.

إن ذلك بالطبع غير صحيح.، فإسرائيل أثبتت أنها العدو الأول للتنمية الحقيقية الشاملة في أغلب البلاد العربية، والشواهد والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصى. إن الصحيح هو أن المضي في التنمية يقتضي الحذر من إسرائيل ومقاومة تدخلها السافر والخفي في شؤون معظم الدول العربية، ذلك التدخل الهادفأصلاً إلى عرقلة أي تنمية إيجابية في هذه الدول.

كانت المقاطعة العربية وستظل أقوى أسلحة المقاومة العربية في مواجهة العدوان الصهيوني

 ومعروف أن دول مجلس التعاون الخليجي (شعوباً وحكومات) كانت ولا تزال من أكثر الدول العربية دعماً للقضية الفلسطينية وتأييداً للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وبذلت الكثير من الجهد والمال في سبيل تمكين الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه في أرضه. وعلى مدار الستين عاماً الماضية التزمت هذه الدول بصفة عامة بهذه المبادئ، وتمسكت بهذه السياسة في كل المحافل.

وكانت دول الخليج أول من بادر إلى تأييد التسوية السلمية لهذه القضية، أي التسوية القائمة على مبادئ وقرارات الشرعية الدولية (وخاصة القرار الأممي رقم 194 عام 1948م، و242 عام 1967م، و338 عام 1973م). وأعربت عن استعدادها لتطبيع العلاقات مع إسرائيل إن التزمت الأخيرة بالانسحاب من كل الأراضي العربية التي احتلتها عام 1967م، ومكنت الشعب الفلسطيني من العودةوإقامة دولته المستقلة في الضفة والقطاع بعاصمتها القدس الشرقية، لكن إسرائيل ترفض كما هو معروف هذه المتطلبات وتعرقل إقامة دولة فلسطينية مستقلة. وهذا الرفض الإسرائيلي للسلام المنشود عالمياً يؤكد بوضوحعدوانية هذا الكيان ورغبته في التوسع والهيمنة.

وقد كانت المقاطعة العربية وستظل أقوى أسلحة المقاومة العربية في مواجهة العدوان الصهيوني. وهي أداة الضغط العربية الرئيسية، والتي يجب أن تستخدم لجر إسرائيل لقبول التسوية السلمية، رغم أن هذه التسوية تعطي الكيان الصهيوني ثلاثة أرباع فلسطين (كما ذكرنا) وتخصص الربع الباقي للفلسطينيين، ولذلك تظل هذه الورقة هي أفضل الأوراق في يد الجانب العربي في هذه القضية، وأمسى التفريط في هذه الورقة تخاذلاً وتهاوناً في الحقوق العربية، عكس ما يقوله (المطبعون) مجاناً بأن تقاربهم مع إسرائيل إنما (يخدم القضية الفلسطينية).

ويؤخذ على بعض دول الخليج بعض التهاون في استعمال هذه الورقة ومد جسور تقارب مع إسرائيل،رغم استمرار الصهاينة في سياساتهم العدوانية المعتادة وعلى مدار الساعة. لكن وبصفة عامة فإن أغلب هذه الدول وكل شعوبها تؤيد الحق الفلسطيني، وتعتبر القضية الفلسطينية قضيتها الأولى وخاصة باعتبار أن هذه الدول جزء لا يتجزأ من الأمتين العربية والإسلامية اللتين لهما النظرة ذاتها تجاه هذه القضية.

 وختاماً نقول لقد ابتليت الأمة العربية بهذا الأخطبوط السرطاني، وأمسى مقدراً عليها أن تواجهه وتقاومه بكل الأساليب الممكنة إن كانت تريد ضمان بقائها، وحفظ أمنها وصون كرامتها وحماية أجيالها المقبلة. فالمعركة مع هذا العدو المتربص تكاد أن تكون (صفرية) النتيجة،خاصة إذا استمر الكيان الصهيوني في سياساته العدائية المعروفة.

::/fulltext::
::cck::1265::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *