مرتكزات السياسة السعودية لتعزيز السلام
::cck::1448::/cck::
::introtext::
نظراً لكونها مشكلة الشرق الأوسط الرئيسية وأعقد الأزمات في تاريخ العالم المعاصر، فقد تعاملت المملكة العربية السعودية مع الصراع العربي– الإسرائيلي منذ اندلاعه بحنكة واهتمام بالغين على أمل إنهائه وتجاوز تبعاته السيئة بعدما شهدت المنطقة العديد من الحروب والمآسي الإنسانية.
::/introtext::
::fulltext::
نظراً لكونها مشكلة الشرق الأوسط الرئيسية وأعقد الأزمات في تاريخ العالم المعاصر، فقد تعاملت المملكة العربية السعودية مع الصراع العربي– الإسرائيلي منذ اندلاعه بحنكة واهتمام بالغين على أمل إنهائه وتجاوز تبعاته السيئة بعدما شهدت المنطقة العديد من الحروب والمآسي الإنسانية.
لقد كانت المملكة سباقة في طرح مواقف جادة لمناصرة دول المواجهة العربية وفلسطين، وربما لا يسعنا المقام هنا سوى في الإشارة إلى طرح المملكة العربية السعودية لمبادرتي سلام: الأولى في قمة فاس العربية في عام 1982 وتبنت مشروع الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله. والثانية في قمة بيروت العربية التي تبنت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز كمبادرة عربية للسلام. ولم تستسلم السعودية لإفرازات تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي من ويلات ومآس فلسطينية وعربية، والأهم أنها لم تستسلم لتعثر المبادرات والحلول السلمية العربية خاصة والعالمية عامة، بل اجتهدت في رسم ملامح مستقبل المنطقة على أن يكون مغايراً لماضيها المؤلم. مستقبل يستمد شرعيته من السلام والأمن والاستقرار، ويرجع هذا التعثر المشار إليه، إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
الأول: هو استمرار التعنت الإسرائيلي في الاستجابة لمبادرات ودعوات السلام.
الثاني: تركيز بعض المشاريع السلمية الأخرى على حل تداعيات النزاع دون جوهره مما أدى إلى استمرار حالة التوتر والصراع.
الثالث: رفض النخب العربية لمثل هذه المبادرات
وللتغلب على هذه العثرات، شكّلت مبادرة السلام العربية الأخيرة، والتي بدأت كمشروع سعودي للسلام، فرصة تاريخية لشموليتها من جانب وتركيزها على أساس النزاع من جانب آخر. فهي لم تتوقف على قضية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، حيث شملت إعادة كل الأراضي العربية المحتلة في سوريا ولبنان وفلسطين، ثم ركزت على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وارتباط ذلك بحلول عملية لقضايا اللاجئين والحدود والمياه.
ثبات المواقف السعودية تجاه السلام
لقد اتسمت المواقف السعودية من قضية فلسطين والقدس بالثبات، ولم يكن الوضوح والصراحة غائبين عن الرؤية السعودية وهي تطرح مبادراتها للسلام، حيث عمدت إلى أن يتسق القول والفعل مع الوفاء بالالتزامات السياسية والاقتصادية. إضافة إلى ذلك كان، ولا يزال، صانع القرار السعودي يلتزم بتقاليد العمل العربي الجماعي في ما يتصل بجوانب الصراع العربي-الإسرائيلي مع وضوح الطابع الإسلامي والعربي في منطلقات الدور السعودي في الصراع. وقد حملت المملكة على عاتقها هموم القدس وقضيتها. ومن هنا رأينا أن الدور السعودي الساعي إلى إقرار السلام الشامل في الشرق الأوسط ينطلق من اعتبارات عدة:
1- مكانة المملكة الدينية على صعيد العالم الإسلامي ووجود الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
2- الثقل السياسي السعودي، وهو الثقل الذي كوّنه عدد من المحددات منهاأهميتها الدينية والاقتصادية.
3- رغبة السعودية ذاتها في تكوين دور إقليمي ودولي تستثمر فيه محددات قوتها ونفوذها السياسي والديني والاقتصادي.
4- أيضاً تمثل قضية القدس بذاتها واجباً إسلامياً وسياسياً يجب على كل مسلم في أنحاء العالم الواسع أن ينهض بتبعاتها.
وهناك جملة من مبادئ السياسة الخارجية السعودية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي، فيما يحدد موقف المملكة في سياساتها تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي عدد من الثوابت والمبادئ منها:
* لم تكن القضية الفلسطينية سوى مؤامرة تضافرت على تنفيذها الصهيونية والاستعمار والشيوعية العالمية، كما أن إشكالية الشرق الأوسط هي إحدى نتائج القضية الفلسطينية، ومن مضاعفاتها الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومذابح الفلسطينيين في مخيماتهم في لبنان.
* تأثير الخلافات العربية–العربية في كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل، علاوة على عدم عدالة الدور الأمريكي المنحاز لإسرائيل.
أما في ما يتصل بعملية التسوية بين العرب و(الفلسطينيين بالأساس) وإسرائيل، فإن السعودية عبّرت عن موقفها من الشروط الخاصة بها في تصريحات متفرقة وسياسات عدة لقادة المملكة. منها على سبيل المثال:
* تشترط المملكة أساسين لتحقيق تسوية سلمية شاملة وعادلة هما: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة بما فيها مدينة القدس العربية، وإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في العودة إلى بلاده وتقرير مصيره.
* شهدت السياسة الخارجية السعودية تحولاً كبيراً منذ أواخر السبعينات وحتى الآن في ما يتصل بموقف المملكة من التسوية من مرحلة الرفض الكامل إلى مرحلة النظر الرشيد في شروط التسوية وسبل تطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية على أساس الاعتراف الإسرائيلي بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
تعاملت المملكة العربية السعودية مع الصراع العربي–الإسرائيلي منذ اندلاعه بحنكة واهتمام بالغين
نواة المبادرات السعودية
هذه المواقف السعودية القوية هي التي شكّلت النواة لمبادرتي الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله والملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله، فقد انطلقت مكونات المبادرتين أساساً من كون أن السلام العادل والشامل خيار استراتيجي للدول العربية يتحقق في ظل الشرعية الدولية، ويستوجب التزاماً مقابلاً تؤكده إسرائيل في هذا الصدد. مع ضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة منذ 1967، تنفيذاً لقراري مجلس الأمن (242 و338)، ودعوة إسرائيل إلى قبولها قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية. وذلك مقابل قيام الدول العربية بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل، بالإضافة إلى ضرورة التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة. والأهم من كل ذلك هو قبول إسرائيل حكومة وشعباً بمضمون المبادرتين من أجل حماية فرص السلام وحقن الدماء، بما يمكّن الدول العربية وإسرائيل من العيش في سلام جنباً إلى جنب، ويوفر للأجيال القادمة مستقبلاً آمناً يسوده الرخاء والاستقرار. وكانت مبادرة الملك فهد بن عبدالعزيز قد أكدت في نصها ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية كل الأديان في الأماكن المقدسة في القدس وفلسطين المحتلة.
الضغوط الأمريكية على السعودية
لا يستطيع أي متابع للتوجهات السعودية نحو إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي، أن ينكر مدى الضغوط التي تعرضت لها الرياض خاصة الضغط الأمريكي الساعي إلى الحد من الدعم السعودي للشعب الفلسطيني.
فثمة ضغوط أمريكية هائلة على المملكة بعد إعلان كل مبادرة، من أجل تحجيم دورها العربي والإسلامي وإبعادها عن بؤر الاهتمام وخاصة القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني. فالولايات المتحدة لا تريد للمملكة أن تخفف معاناة الشعب الفلسطيني ودعم صموده في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لكن المملكة العربية السعودية بقيت رافضة أن تحصر همّها في الساحة السعودية فقط، فهي تمثل عمقاً استراتيجياً للقضية الفلسطينية، نظراً لتقديرها التام بأن الصراع الحاصل الآن في الأراضي المحتلة ليس صراعاً فلسطينياً-إسرائيلياً فقط، بل هو أيضاً صراع حضاري يستهدف الأمتين العربية والإسلامية.
تضاف إلى ذلكقضية القدس والتصدي السعودي للمخططات والسياسات الإسرائيلية حيال المدينة المقدسة، حيث أثر ذلك بشكل كبير في العلاقات العربية-الأمريكية بوجه عام، والسعودية-الأمريكية بشكل خاص، وهو ما وضع المملكة في نطاق الاستهداف الإسرائيلي الذي أخذ وجوهاً عدة منها:
أولاً: محاولات التخريب الإسرائيلي المتعمد للعلاقات السعودية-الأمريكية حتى لا تستغلها المملكة العربية السعودية في توجيه الولايات المتحدة إلى ما يخالف المصالح الإسرائيلية.
ثانياً: سعي إسرائيل إلى التأثير في معطيات الاقتصاد السعودي، نظراً لتأثير المملكة العالمي المعتمد على أدوات منها الطاقة واحتياطيات وإنتاج المملكة الضخمين منها، واللذان يسمحان للعملة السعودية بالتأثير على صعيد المجتمعات الغربية الصناعية.
ثالثاً: محاولة تعطيل إسرائيل لعدد من صفقات التسلح السعودي، وخاصة في مجال الطيران الحربي والصواريخ مع الضغط على البلدان الأوروبية والولايات المتحدة المصدّرين للسلاح إلى المملكة لحمل هذه الدول على إضعاف قدرات السعودية التسليحية، مع حثّ هذه البلدان على الضغط على السعودية نحو تحجيم برامجها الطموحة للتسلح.
المؤامرات الصهيونية
ولطالما حاكت إسرائيل والصهيونية العالمية العديد من المؤامرات ضد السعودية نظراً لقوة الموقف السعودي الداعم للحق العربي في القدس وسائر الأراضي العربية المحتلة من قبل إسرائيل، كما أن السعودية تقف أيضاً كحجر عثرة في مواجهة مشروعات التسوية والتطبيع التي تطرحها إسرائيل بشروطها ووفقاًلمصالحها، لا وفق المصالح والحقوق العربية والإسلامية المشروعة في القدس وفلسطين والجولان. وتعلم الأوساط الصهيونية العالمية أن المملكة العربية السعودية – حكومةً وشعباً – ظلت دائماً أشد البلاد العربية عداءً لإسرائيل وللحركة الصهيونية، وهي في ذلك لا تمارس موقفاً في الخفاء، بل هو تعامل في العلن، دفعت ثمنه من مواقف عدائية مناهضة لها في أوساط الكونغرس الأمريكي، ومن حملات إعلامية شرسة تنظمها الأوساط الصهيونية تهديداً للمملكة وابتزازاً لها.
أدوات التعامل السعودي مع الصراع
إذا كانت القضية الفلسطينية قد تحولت مع السنين إلى مكون أساسي من مكونات العمل السياسي للدول العربية، فإن المملكة ظلت على عهدها في التعامل الواقعي الصادق مع هذه القضية. وقد تنوعت وسائل التعاطي السعودي مع الصراع العربي-الإسرائيلي، على مر تاريخ هذا الصراع، إذ استخدمت المملكة الوسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية وسلاح البترول في الصراع. ومن الوسائل السياسية على سبيل المثال العمل على حصار إسرائيل سياسياً ودبلوماسياً، والدعم السياسي للموقفين العربي والفلسطيني، مع توفير الحشد الإسلامي اللازم لذلك، ثم مساندة دول المواجهة العملية ضد سياسة الاختراق والانفراد الصهيوني بكل منها على حدة لإضعاف الجبهة العربية. وقد كان لقضية فلسطين، وقضية القدس على وجه الخصوص، بعد رئيسي في الفكر السياسي السعودي، وذلك انطلاقاً من الأبعاد الدينية والإسلامية والقومية والعربية. ودعا هذا البعد المملكة إلى احتضان اللاجئين الفلسطينيين ورعايتهم ودعم الكفاح الفلسطيني المسلح، وتكريس كيان منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كممثل شرعي للشعب الفلسطيني.
ثمة ضغوط أمريكية هائلة على المملكة بعد إعلان كل مبادرة من أجل تحجيم دورها العربي والإسلامي
وقد مثلت الدوافع الأمنية والاستراتيجية لتعاطي المملكة مع القضية الفلسطينية عاملاً مهماً نظراً لما يمثله الوجود الإسرائيلي وسياسته العدوانية والتوسعية من مخاطر على البلدان العربية بما فيها المملكة العربية السعودية، مما أدى إلى دعم القدرة العسكرية لديها. وبعدما أيقن العقلاء في العالم العربي – ومنهم المملكة السعودية العربية – بعد خمس حروب دامية مع إسرائيل، ونحو ستين عاماً من الصراع السياسي، أن المعركة في ظل ما يعانيه العالم العربي من ارتباك سياسي، وتخلف اقتصادي وعسكري، واندحار نفسي متواصل، وما توافر لإسرائيل من دعم دولي ومناصرة أمريكية بلا حدود هي معركة غير متكافئة، وأنه لا بد من وضع نهاية عادلة لهذا الصراع، وأن السلام خيار لا جدال فيه، وأن إسرائيل حقيقةً لا بد من قبولها والتعايش معها.
إنهاء حالة استنزاف الموارد العربية
ومن هذا المنطلق، يأتي الحديث عن المبادرة العربية للسلام، فلم يكن السؤال هو (هل شكلت المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت في مارس 2002 أرضية لموقف عربي موحد يسعى للسلام؟). ومن ثم يتولد سؤال آخر عن مدى استفادة العرب من هذا السلام؟ وهل يتحقق الاستقرار المنشود وفتح آفاق الأمل للتقدم ودخول مرحلة جديدة من الازدهار ومنافسة الغرب في الإنتاج بشتى مجالاته؟ كل هذه الأسئلة لم تتوقف لأن ثمة سؤال مهم آخر هو (هل ستؤدي مبادرة السلام العربية إلى إنهاء حالة الاستنزاف في الموارد البشرية والمادية والمعنوية والنفسية والمجتمعية في الوطن العربي وذلك في حالة قبول إسرائيل بها؟
التحليل المنطقي للتطورات التي تلت طرح مبادرة السعودية في فبراير عام 2002 يؤكد أن كلا الطرفين – العرب والإسرائيليين – لم يتقبلوا المبادرة في وقتها. فالموقف الإسرائيلي الغالب هو رفض أي مبادرة أياً كان مصدرها، فما بالنا إذا كانت المملكة هي وراء طرح هذه المبادرة. ونحن لا نتحدث عن الموافقة الرسمية العربية، لأن قمة بيروت تبنت المبادرة وأكدت عليها مرة أخرى قمة الخرطوم ثم الرياض، حتى أصبحت المبادرة بنداً أساسياً في كل الاجتماعات العربية. بيد أن الخلاف هو مع الموقف العربي غير الرسمي، وهو النخبة والشعوب العربية قاطبة. فالنخبة تضم القوميين والناصريين والإسلاميين، وكل منهم يؤكد تمسكه بالسلام الشامل العادل الذي يعيد الحقوق العربية لأصحابها وينهي الصراع، ولكن العقل الباطن لهذه النخبة والشعوب العربية كذلك يرفض مثل هذا السلام نظراً لتخوفه من (الهيمنة الإسرائيلية). وإذا كانت النظم العربية تقر بالسلام وتنادي به رسمياً وفعلياً، فإن هذه النخب ترفضه، على أساس أنه قد يؤدي بلا شك إلى تطبيع مع إسرائيل، ومن ثم القبول بها على المستوى غير الرسمي – أي الشعبي – وهذا مربط الفرس الذي سيعطل مسألة التطبيع. فهذه الأطراف سالفة الذكر تتمسك بالماضي والحاضر الرافض للقبول بإسرائيل كدولة في المنطقة، ولا تريد تغيير نظرتها. علماً أن تجربة التطبيع في مصر والأردن وهما الدولتان اللتان وقعتا اتفاق سلام مع إسرائيل، تعد تجربة مؤلمة لإسرائيل، لأن إسرائيل تواجه حالة رفض شعبي يدعوها للشكوى الدائمة من حالة البرود حتى في العلاقات الرسمية.
وللأسف الشديد، فإن إسرائيل تساهم بقوة في جعل نفسها قوة مكروهة ومنبوذة في المنطقة، فغداة إقرار المبادرة السعودية للسلام في قمة بيروت، اجتاح الجيش الإسرائيلي مدن الضفة الغربية وقطاع غزة تحت مسمى (حملة السور الواقي) وقتل المئات من الفلسطينيين وحاصر المدن الفلسطينية وقطع أوصالها، وبدأ وقتها حصار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقره في رام الله إلى أن غادره على متن طائرة مروحية إلى الأردن ومنها إلى باريس للعلاج من التسمم الذي أودى بحياته. فإسرائيل ترفض المبادرة رسمياً وربما إعلامياً وشعبياً. فحسب استطلاعات الرأي الإسرائيلية عقب إعلان المبادرة، رفضها 60 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، بينما قال 40 في المائة فقط إنها إيجابية. وبدا الانقسام واضحاً في صفوف النخبة الإسرائيلية أيضاً فيما شكك فيها اليمين الإسرائيلي واعتبرها مناورة سعودية لتحسين العلاقات المتدهورة مع الولايات المتحدة، ولم يروا فيها ما هو إيجابي.
ومعلوم أن إقرار المبادرة إسرائيلياً سيضع الحكم هناك أمام المحك الأساسي وهو التوقف عن ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وقتل وتشريد الفلسطينيين وتعذيبهم واعتقالهم واجتياح أراضيهم. فإسرائيل تعمد إلى المواجهة العسكرية رغبة منها في إظهار ما لديها من قوة عسكرية وإمكانيات تسليحية أخرى يفتقر إليها العرب. وكان هذا حتى ما قبل شنها حربها الغاشمة ضد لبنان في يوليو 2006، نظراً لما أظهرته هذه الحرب من تآكل القوة العسكرية للإسرائيليين وتراجع مستوى القوة القتالية للجنود الإسرائيليين.
ادعاءات الخوف من التطبيع
ونأتي إلى رفض الأطراف العربية المذكورة – القوميين والناصريين والإسلاميين – والتي ترفض مبادرة السلام، فهي تعلل هذا الرفض بالأسباب التالية:
* إن السلام وإقامة الدولة الفلسطينية سيقومان إلى التطبيع مع إسرائيل مما سيضعف الهوية الثقافية العربية الإسلامية.
* القبول بإسرائيل سيؤدي إلى تدشين نظام الشرق الأوسط الكبير الذي سيمنح إسرائيل هيمنة اقتصادية على المنطقة.
* تنامي المخاوف والشكوك بين الشعبين العربي والإسرائيلي، أوجد حالة من المخاوف والشكوك أيضاً أدت إلى تأزيم العلاقة بين الدينين الإسلامي واليهودي، وهي المخاوف والذكريات الأليمة نتيجة للحروب التي أسهمت في ابتعاد الطرفين عن استيعاب أو تخيل آفاق السلام ومكتسباته الاقتصادية لشعوب المنطقة.
ولعل من المفيد في وقتنا الراهن وفي ظل حالة الابتعاد بين الفلسطينيين أنفسهم ثم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أن يعاد طرح المبادرة العربية من جانب المملكة مع التغلب على معوقات الفترة الماضية، وذلك عن طريق:
* إشراك الفلسطينيين في تسويق المبادرة داخل المجتمع الإسرائيلي، فالفلسطينيون هم الأقدر على القيام بمثل هذه المهمة. بالإضافة إلى إقناع جماعات السلام الإسرائيلية بالعمل بقوة داخل إسرائيل وحث الشعب اليهودي وأحزابه وقواه السياسية والاقتصادية على ضرورة التخلي عن القوة العسكرية والضغط على حكوماتهم اليمينية للاتجاه نحو السلام. ومعروف أن مخاطبة القوى المعتدلة في إسرائيل وإقناعها بالطرح العربي الجديد سيكون رافداً مهماً لإقناع العالم بجدوى السلام.
* إقناع قوى الاعتدال الإسرائيلية نفسها بالعمل على ضرورة طرح مبادرات سلام من الداخل وطرحها على الحكومات هناك سواء (ليكودية) أو (عمالية) أو من طرف (كاديما). مع العمل على الالتقاء في نقاط وسط مع المبادرات العربية. فحتى الآن لم نر مبادرة سلام تخرج من إسرائيل على مر تاريخ الصراع، فهم – أي الإسرائيليون – يكتفون بمراجعة ورفض المبادرات الدولية والعربية والروسية والأوروبية والأمريكية وآخرها خريطة الطريق التي تحفظوا كثيراً عليها ولم ينفذوها حتى الآن.
* بالتوازي مع مخاطبة قوى الاعتدال الإسرائيلية، هناك خطوة مهمة وهي تدشين حوار عربي–عربي لتمرير المبادرة العربية، لإقناع المواطن العربي بها والتغلب على قوى الرفض الإسلامية والقومية والناصرية.
* إقناع الأطراف الدولية والأمم المتحدة بضرورة تبني المبادرة بصورة فعلية لإنقاذ المنطقة من براثن الحروب المستمرة والصراع الممتد على مدى أكثر من 60 عاماً الذي أكل الأخضر واليابس.
وأعتقد أن هذا الدور منوط بالجامعة العربية عبر ممثلياتها في أوروبا وأمريكا والعالم. ثم السعودية باعتبارها الدولة التي سبق وطرحت المبادرة العربية في البداية ولما لها من ثقل دولي ودور عالمي يمكنها من المساهمة في قبول المبادرة عالمياً وجعلها المرجعية الوحيدة للسلام. والهدف هو إقناع الغرب بجدوى السلام والتفرغ لما بعد مرحلة الصراع من أجل حصد ثمار السلام والتنمية والاستقرار.
تمثل قضية القدس بذاتها واجباً إسلامياً وسياسياً يجب على كل مسلم في أنحاء العالم أن ينهض بتبعاتها
وفي الختام علينا الاعتراف بأن تراجع أفق صنع السلام بين العرب والإسرائيليين في ظل الحكومات الإسرائيلية المتشددة واليمينية، لا يفقد مبادرة السلام السعودية قيمتها، حتى عندما تحولت إلى مبادرة عربية رسمية، فقد وفرت للعرب قاعدة أساسية لاستعادة زمام المبادرة السياسية بعد أن فقدوه لفترات طويلة، وهيأت لهم أيضاً المناخ المناسب لإدارة الصراع في الحقل الدولي بصورة أكثر فاعلية. كما أنها حركت الجهود الدولية لحل النزاع العربي-الإسرائيلي، وفرضت على الإدارة الأمريكية القيام بخطوة ولو شكلية وهي الترحيب بالمبادرة. ولم يكن الأمر أقل أهمية بالنسبة للداخل الإسرائيلي، فقد كشفت للمجتمع الإسرائيلي زيف ادعاءات حكوماتهم بأن العرب يرفضون السلام، ويرفضون أيضاً الاعتراف بإسرائيل ووجودها والسعي إلى تدميرها، ووفرت لدعاة السلام في الداخل الإسرائيلي سلاحاً سياسياً يمكنهم استخدامه في تفعيل حركتهم لفك التحالف غير المقدس بين الأحزاب اليمينية والمتطرفة وهو التحالف الضار بالسلام، فهذه الأحزاب لا يهمها أمن واستقرار المواطن الإسرائيلي بقدر البقاء أطول مدة في الحكم على حساب السلام.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1448::/cck::
::introtext::
نظراً لكونها مشكلة الشرق الأوسط الرئيسية وأعقد الأزمات في تاريخ العالم المعاصر، فقد تعاملت المملكة العربية السعودية مع الصراع العربي– الإسرائيلي منذ اندلاعه بحنكة واهتمام بالغين على أمل إنهائه وتجاوز تبعاته السيئة بعدما شهدت المنطقة العديد من الحروب والمآسي الإنسانية.
::/introtext::
::fulltext::
نظراً لكونها مشكلة الشرق الأوسط الرئيسية وأعقد الأزمات في تاريخ العالم المعاصر، فقد تعاملت المملكة العربية السعودية مع الصراع العربي– الإسرائيلي منذ اندلاعه بحنكة واهتمام بالغين على أمل إنهائه وتجاوز تبعاته السيئة بعدما شهدت المنطقة العديد من الحروب والمآسي الإنسانية.
لقد كانت المملكة سباقة في طرح مواقف جادة لمناصرة دول المواجهة العربية وفلسطين، وربما لا يسعنا المقام هنا سوى في الإشارة إلى طرح المملكة العربية السعودية لمبادرتي سلام: الأولى في قمة فاس العربية في عام 1982 وتبنت مشروع الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله. والثانية في قمة بيروت العربية التي تبنت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز كمبادرة عربية للسلام. ولم تستسلم السعودية لإفرازات تاريخ الصراع العربي–الإسرائيلي من ويلات ومآس فلسطينية وعربية، والأهم أنها لم تستسلم لتعثر المبادرات والحلول السلمية العربية خاصة والعالمية عامة، بل اجتهدت في رسم ملامح مستقبل المنطقة على أن يكون مغايراً لماضيها المؤلم. مستقبل يستمد شرعيته من السلام والأمن والاستقرار، ويرجع هذا التعثر المشار إليه، إلى ثلاثة عوامل رئيسية:
الأول: هو استمرار التعنت الإسرائيلي في الاستجابة لمبادرات ودعوات السلام.
الثاني: تركيز بعض المشاريع السلمية الأخرى على حل تداعيات النزاع دون جوهره مما أدى إلى استمرار حالة التوتر والصراع.
الثالث: رفض النخب العربية لمثل هذه المبادرات
وللتغلب على هذه العثرات، شكّلت مبادرة السلام العربية الأخيرة، والتي بدأت كمشروع سعودي للسلام، فرصة تاريخية لشموليتها من جانب وتركيزها على أساس النزاع من جانب آخر. فهي لم تتوقف على قضية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، حيث شملت إعادة كل الأراضي العربية المحتلة في سوريا ولبنان وفلسطين، ثم ركزت على إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية وارتباط ذلك بحلول عملية لقضايا اللاجئين والحدود والمياه.
ثبات المواقف السعودية تجاه السلام
لقد اتسمت المواقف السعودية من قضية فلسطين والقدس بالثبات، ولم يكن الوضوح والصراحة غائبين عن الرؤية السعودية وهي تطرح مبادراتها للسلام، حيث عمدت إلى أن يتسق القول والفعل مع الوفاء بالالتزامات السياسية والاقتصادية. إضافة إلى ذلك كان، ولا يزال، صانع القرار السعودي يلتزم بتقاليد العمل العربي الجماعي في ما يتصل بجوانب الصراع العربي-الإسرائيلي مع وضوح الطابع الإسلامي والعربي في منطلقات الدور السعودي في الصراع. وقد حملت المملكة على عاتقها هموم القدس وقضيتها. ومن هنا رأينا أن الدور السعودي الساعي إلى إقرار السلام الشامل في الشرق الأوسط ينطلق من اعتبارات عدة:
1- مكانة المملكة الدينية على صعيد العالم الإسلامي ووجود الحرمين الشريفين في مكة المكرمة والمدينة المنورة.
2- الثقل السياسي السعودي، وهو الثقل الذي كوّنه عدد من المحددات منهاأهميتها الدينية والاقتصادية.
3- رغبة السعودية ذاتها في تكوين دور إقليمي ودولي تستثمر فيه محددات قوتها ونفوذها السياسي والديني والاقتصادي.
4- أيضاً تمثل قضية القدس بذاتها واجباً إسلامياً وسياسياً يجب على كل مسلم في أنحاء العالم الواسع أن ينهض بتبعاتها.
وهناك جملة من مبادئ السياسة الخارجية السعودية تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي، فيما يحدد موقف المملكة في سياساتها تجاه القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي عدد من الثوابت والمبادئ منها:
* لم تكن القضية الفلسطينية سوى مؤامرة تضافرت على تنفيذها الصهيونية والاستعمار والشيوعية العالمية، كما أن إشكالية الشرق الأوسط هي إحدى نتائج القضية الفلسطينية، ومن مضاعفاتها الاجتياح الإسرائيلي للبنان، ومذابح الفلسطينيين في مخيماتهم في لبنان.
* تأثير الخلافات العربية–العربية في كيفية إدارة الصراع مع إسرائيل، علاوة على عدم عدالة الدور الأمريكي المنحاز لإسرائيل.
أما في ما يتصل بعملية التسوية بين العرب و(الفلسطينيين بالأساس) وإسرائيل، فإن السعودية عبّرت عن موقفها من الشروط الخاصة بها في تصريحات متفرقة وسياسات عدة لقادة المملكة. منها على سبيل المثال:
* تشترط المملكة أساسين لتحقيق تسوية سلمية شاملة وعادلة هما: الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي العربية المحتلة بما فيها مدينة القدس العربية، وإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في العودة إلى بلاده وتقرير مصيره.
* شهدت السياسة الخارجية السعودية تحولاً كبيراً منذ أواخر السبعينات وحتى الآن في ما يتصل بموقف المملكة من التسوية من مرحلة الرفض الكامل إلى مرحلة النظر الرشيد في شروط التسوية وسبل تطبيع العلاقات العربية-الإسرائيلية على أساس الاعتراف الإسرائيلي بقيام دولة فلسطينية مستقلة.
تعاملت المملكة العربية السعودية مع الصراع العربي–الإسرائيلي منذ اندلاعه بحنكة واهتمام بالغين
نواة المبادرات السعودية
هذه المواقف السعودية القوية هي التي شكّلت النواة لمبادرتي الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله والملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله، فقد انطلقت مكونات المبادرتين أساساً من كون أن السلام العادل والشامل خيار استراتيجي للدول العربية يتحقق في ظل الشرعية الدولية، ويستوجب التزاماً مقابلاً تؤكده إسرائيل في هذا الصدد. مع ضرورة انسحاب إسرائيل الكامل من كل الأراضي العربية المحتلة منذ 1967، تنفيذاً لقراري مجلس الأمن (242 و338)، ودعوة إسرائيل إلى قبولها قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة وعاصمتها القدس الشرقية. وذلك مقابل قيام الدول العربية بإنشاء علاقات طبيعية في إطار سلام شامل مع إسرائيل، بالإضافة إلى ضرورة التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، وضمان رفض كل أشكال التوطين الفلسطيني الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة. والأهم من كل ذلك هو قبول إسرائيل حكومة وشعباً بمضمون المبادرتين من أجل حماية فرص السلام وحقن الدماء، بما يمكّن الدول العربية وإسرائيل من العيش في سلام جنباً إلى جنب، ويوفر للأجيال القادمة مستقبلاً آمناً يسوده الرخاء والاستقرار. وكانت مبادرة الملك فهد بن عبدالعزيز قد أكدت في نصها ضمان حرية العبادة وممارسة الشعائر الدينية كل الأديان في الأماكن المقدسة في القدس وفلسطين المحتلة.
الضغوط الأمريكية على السعودية
لا يستطيع أي متابع للتوجهات السعودية نحو إنهاء الصراع العربي-الإسرائيلي، أن ينكر مدى الضغوط التي تعرضت لها الرياض خاصة الضغط الأمريكي الساعي إلى الحد من الدعم السعودي للشعب الفلسطيني.
فثمة ضغوط أمريكية هائلة على المملكة بعد إعلان كل مبادرة، من أجل تحجيم دورها العربي والإسلامي وإبعادها عن بؤر الاهتمام وخاصة القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني. فالولايات المتحدة لا تريد للمملكة أن تخفف معاناة الشعب الفلسطيني ودعم صموده في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، لكن المملكة العربية السعودية بقيت رافضة أن تحصر همّها في الساحة السعودية فقط، فهي تمثل عمقاً استراتيجياً للقضية الفلسطينية، نظراً لتقديرها التام بأن الصراع الحاصل الآن في الأراضي المحتلة ليس صراعاً فلسطينياً-إسرائيلياً فقط، بل هو أيضاً صراع حضاري يستهدف الأمتين العربية والإسلامية.
تضاف إلى ذلكقضية القدس والتصدي السعودي للمخططات والسياسات الإسرائيلية حيال المدينة المقدسة، حيث أثر ذلك بشكل كبير في العلاقات العربية-الأمريكية بوجه عام، والسعودية-الأمريكية بشكل خاص، وهو ما وضع المملكة في نطاق الاستهداف الإسرائيلي الذي أخذ وجوهاً عدة منها:
أولاً: محاولات التخريب الإسرائيلي المتعمد للعلاقات السعودية-الأمريكية حتى لا تستغلها المملكة العربية السعودية في توجيه الولايات المتحدة إلى ما يخالف المصالح الإسرائيلية.
ثانياً: سعي إسرائيل إلى التأثير في معطيات الاقتصاد السعودي، نظراً لتأثير المملكة العالمي المعتمد على أدوات منها الطاقة واحتياطيات وإنتاج المملكة الضخمين منها، واللذان يسمحان للعملة السعودية بالتأثير على صعيد المجتمعات الغربية الصناعية.
ثالثاً: محاولة تعطيل إسرائيل لعدد من صفقات التسلح السعودي، وخاصة في مجال الطيران الحربي والصواريخ مع الضغط على البلدان الأوروبية والولايات المتحدة المصدّرين للسلاح إلى المملكة لحمل هذه الدول على إضعاف قدرات السعودية التسليحية، مع حثّ هذه البلدان على الضغط على السعودية نحو تحجيم برامجها الطموحة للتسلح.
المؤامرات الصهيونية
ولطالما حاكت إسرائيل والصهيونية العالمية العديد من المؤامرات ضد السعودية نظراً لقوة الموقف السعودي الداعم للحق العربي في القدس وسائر الأراضي العربية المحتلة من قبل إسرائيل، كما أن السعودية تقف أيضاً كحجر عثرة في مواجهة مشروعات التسوية والتطبيع التي تطرحها إسرائيل بشروطها ووفقاًلمصالحها، لا وفق المصالح والحقوق العربية والإسلامية المشروعة في القدس وفلسطين والجولان. وتعلم الأوساط الصهيونية العالمية أن المملكة العربية السعودية – حكومةً وشعباً – ظلت دائماً أشد البلاد العربية عداءً لإسرائيل وللحركة الصهيونية، وهي في ذلك لا تمارس موقفاً في الخفاء، بل هو تعامل في العلن، دفعت ثمنه من مواقف عدائية مناهضة لها في أوساط الكونغرس الأمريكي، ومن حملات إعلامية شرسة تنظمها الأوساط الصهيونية تهديداً للمملكة وابتزازاً لها.
أدوات التعامل السعودي مع الصراع
إذا كانت القضية الفلسطينية قد تحولت مع السنين إلى مكون أساسي من مكونات العمل السياسي للدول العربية، فإن المملكة ظلت على عهدها في التعامل الواقعي الصادق مع هذه القضية. وقد تنوعت وسائل التعاطي السعودي مع الصراع العربي-الإسرائيلي، على مر تاريخ هذا الصراع، إذ استخدمت المملكة الوسائل السياسية والعسكرية والاقتصادية وسلاح البترول في الصراع. ومن الوسائل السياسية على سبيل المثال العمل على حصار إسرائيل سياسياً ودبلوماسياً، والدعم السياسي للموقفين العربي والفلسطيني، مع توفير الحشد الإسلامي اللازم لذلك، ثم مساندة دول المواجهة العملية ضد سياسة الاختراق والانفراد الصهيوني بكل منها على حدة لإضعاف الجبهة العربية. وقد كان لقضية فلسطين، وقضية القدس على وجه الخصوص، بعد رئيسي في الفكر السياسي السعودي، وذلك انطلاقاً من الأبعاد الدينية والإسلامية والقومية والعربية. ودعا هذا البعد المملكة إلى احتضان اللاجئين الفلسطينيين ورعايتهم ودعم الكفاح الفلسطيني المسلح، وتكريس كيان منظمة التحرير الفلسطينية بزعامة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كممثل شرعي للشعب الفلسطيني.
ثمة ضغوط أمريكية هائلة على المملكة بعد إعلان كل مبادرة من أجل تحجيم دورها العربي والإسلامي
وقد مثلت الدوافع الأمنية والاستراتيجية لتعاطي المملكة مع القضية الفلسطينية عاملاً مهماً نظراً لما يمثله الوجود الإسرائيلي وسياسته العدوانية والتوسعية من مخاطر على البلدان العربية بما فيها المملكة العربية السعودية، مما أدى إلى دعم القدرة العسكرية لديها. وبعدما أيقن العقلاء في العالم العربي – ومنهم المملكة السعودية العربية – بعد خمس حروب دامية مع إسرائيل، ونحو ستين عاماً من الصراع السياسي، أن المعركة في ظل ما يعانيه العالم العربي من ارتباك سياسي، وتخلف اقتصادي وعسكري، واندحار نفسي متواصل، وما توافر لإسرائيل من دعم دولي ومناصرة أمريكية بلا حدود هي معركة غير متكافئة، وأنه لا بد من وضع نهاية عادلة لهذا الصراع، وأن السلام خيار لا جدال فيه، وأن إسرائيل حقيقةً لا بد من قبولها والتعايش معها.
إنهاء حالة استنزاف الموارد العربية
ومن هذا المنطلق، يأتي الحديث عن المبادرة العربية للسلام، فلم يكن السؤال هو (هل شكلت المبادرة العربية للسلام التي أقرتها قمة بيروت في مارس 2002 أرضية لموقف عربي موحد يسعى للسلام؟). ومن ثم يتولد سؤال آخر عن مدى استفادة العرب من هذا السلام؟ وهل يتحقق الاستقرار المنشود وفتح آفاق الأمل للتقدم ودخول مرحلة جديدة من الازدهار ومنافسة الغرب في الإنتاج بشتى مجالاته؟ كل هذه الأسئلة لم تتوقف لأن ثمة سؤال مهم آخر هو (هل ستؤدي مبادرة السلام العربية إلى إنهاء حالة الاستنزاف في الموارد البشرية والمادية والمعنوية والنفسية والمجتمعية في الوطن العربي وذلك في حالة قبول إسرائيل بها؟
التحليل المنطقي للتطورات التي تلت طرح مبادرة السعودية في فبراير عام 2002 يؤكد أن كلا الطرفين – العرب والإسرائيليين – لم يتقبلوا المبادرة في وقتها. فالموقف الإسرائيلي الغالب هو رفض أي مبادرة أياً كان مصدرها، فما بالنا إذا كانت المملكة هي وراء طرح هذه المبادرة. ونحن لا نتحدث عن الموافقة الرسمية العربية، لأن قمة بيروت تبنت المبادرة وأكدت عليها مرة أخرى قمة الخرطوم ثم الرياض، حتى أصبحت المبادرة بنداً أساسياً في كل الاجتماعات العربية. بيد أن الخلاف هو مع الموقف العربي غير الرسمي، وهو النخبة والشعوب العربية قاطبة. فالنخبة تضم القوميين والناصريين والإسلاميين، وكل منهم يؤكد تمسكه بالسلام الشامل العادل الذي يعيد الحقوق العربية لأصحابها وينهي الصراع، ولكن العقل الباطن لهذه النخبة والشعوب العربية كذلك يرفض مثل هذا السلام نظراً لتخوفه من (الهيمنة الإسرائيلية). وإذا كانت النظم العربية تقر بالسلام وتنادي به رسمياً وفعلياً، فإن هذه النخب ترفضه، على أساس أنه قد يؤدي بلا شك إلى تطبيع مع إسرائيل، ومن ثم القبول بها على المستوى غير الرسمي – أي الشعبي – وهذا مربط الفرس الذي سيعطل مسألة التطبيع. فهذه الأطراف سالفة الذكر تتمسك بالماضي والحاضر الرافض للقبول بإسرائيل كدولة في المنطقة، ولا تريد تغيير نظرتها. علماً أن تجربة التطبيع في مصر والأردن وهما الدولتان اللتان وقعتا اتفاق سلام مع إسرائيل، تعد تجربة مؤلمة لإسرائيل، لأن إسرائيل تواجه حالة رفض شعبي يدعوها للشكوى الدائمة من حالة البرود حتى في العلاقات الرسمية.
وللأسف الشديد، فإن إسرائيل تساهم بقوة في جعل نفسها قوة مكروهة ومنبوذة في المنطقة، فغداة إقرار المبادرة السعودية للسلام في قمة بيروت، اجتاح الجيش الإسرائيلي مدن الضفة الغربية وقطاع غزة تحت مسمى (حملة السور الواقي) وقتل المئات من الفلسطينيين وحاصر المدن الفلسطينية وقطع أوصالها، وبدأ وقتها حصار الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في مقره في رام الله إلى أن غادره على متن طائرة مروحية إلى الأردن ومنها إلى باريس للعلاج من التسمم الذي أودى بحياته. فإسرائيل ترفض المبادرة رسمياً وربما إعلامياً وشعبياً. فحسب استطلاعات الرأي الإسرائيلية عقب إعلان المبادرة، رفضها 60 في المائة من المشاركين في الاستطلاع، بينما قال 40 في المائة فقط إنها إيجابية. وبدا الانقسام واضحاً في صفوف النخبة الإسرائيلية أيضاً فيما شكك فيها اليمين الإسرائيلي واعتبرها مناورة سعودية لتحسين العلاقات المتدهورة مع الولايات المتحدة، ولم يروا فيها ما هو إيجابي.
ومعلوم أن إقرار المبادرة إسرائيلياً سيضع الحكم هناك أمام المحك الأساسي وهو التوقف عن ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية وقتل وتشريد الفلسطينيين وتعذيبهم واعتقالهم واجتياح أراضيهم. فإسرائيل تعمد إلى المواجهة العسكرية رغبة منها في إظهار ما لديها من قوة عسكرية وإمكانيات تسليحية أخرى يفتقر إليها العرب. وكان هذا حتى ما قبل شنها حربها الغاشمة ضد لبنان في يوليو 2006، نظراً لما أظهرته هذه الحرب من تآكل القوة العسكرية للإسرائيليين وتراجع مستوى القوة القتالية للجنود الإسرائيليين.
ادعاءات الخوف من التطبيع
ونأتي إلى رفض الأطراف العربية المذكورة – القوميين والناصريين والإسلاميين – والتي ترفض مبادرة السلام، فهي تعلل هذا الرفض بالأسباب التالية:
* إن السلام وإقامة الدولة الفلسطينية سيقومان إلى التطبيع مع إسرائيل مما سيضعف الهوية الثقافية العربية الإسلامية.
* القبول بإسرائيل سيؤدي إلى تدشين نظام الشرق الأوسط الكبير الذي سيمنح إسرائيل هيمنة اقتصادية على المنطقة.
* تنامي المخاوف والشكوك بين الشعبين العربي والإسرائيلي، أوجد حالة من المخاوف والشكوك أيضاً أدت إلى تأزيم العلاقة بين الدينين الإسلامي واليهودي، وهي المخاوف والذكريات الأليمة نتيجة للحروب التي أسهمت في ابتعاد الطرفين عن استيعاب أو تخيل آفاق السلام ومكتسباته الاقتصادية لشعوب المنطقة.
ولعل من المفيد في وقتنا الراهن وفي ظل حالة الابتعاد بين الفلسطينيين أنفسهم ثم بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أن يعاد طرح المبادرة العربية من جانب المملكة مع التغلب على معوقات الفترة الماضية، وذلك عن طريق:
* إشراك الفلسطينيين في تسويق المبادرة داخل المجتمع الإسرائيلي، فالفلسطينيون هم الأقدر على القيام بمثل هذه المهمة. بالإضافة إلى إقناع جماعات السلام الإسرائيلية بالعمل بقوة داخل إسرائيل وحث الشعب اليهودي وأحزابه وقواه السياسية والاقتصادية على ضرورة التخلي عن القوة العسكرية والضغط على حكوماتهم اليمينية للاتجاه نحو السلام. ومعروف أن مخاطبة القوى المعتدلة في إسرائيل وإقناعها بالطرح العربي الجديد سيكون رافداً مهماً لإقناع العالم بجدوى السلام.
* إقناع قوى الاعتدال الإسرائيلية نفسها بالعمل على ضرورة طرح مبادرات سلام من الداخل وطرحها على الحكومات هناك سواء (ليكودية) أو (عمالية) أو من طرف (كاديما). مع العمل على الالتقاء في نقاط وسط مع المبادرات العربية. فحتى الآن لم نر مبادرة سلام تخرج من إسرائيل على مر تاريخ الصراع، فهم – أي الإسرائيليون – يكتفون بمراجعة ورفض المبادرات الدولية والعربية والروسية والأوروبية والأمريكية وآخرها خريطة الطريق التي تحفظوا كثيراً عليها ولم ينفذوها حتى الآن.
* بالتوازي مع مخاطبة قوى الاعتدال الإسرائيلية، هناك خطوة مهمة وهي تدشين حوار عربي–عربي لتمرير المبادرة العربية، لإقناع المواطن العربي بها والتغلب على قوى الرفض الإسلامية والقومية والناصرية.
* إقناع الأطراف الدولية والأمم المتحدة بضرورة تبني المبادرة بصورة فعلية لإنقاذ المنطقة من براثن الحروب المستمرة والصراع الممتد على مدى أكثر من 60 عاماً الذي أكل الأخضر واليابس.
وأعتقد أن هذا الدور منوط بالجامعة العربية عبر ممثلياتها في أوروبا وأمريكا والعالم. ثم السعودية باعتبارها الدولة التي سبق وطرحت المبادرة العربية في البداية ولما لها من ثقل دولي ودور عالمي يمكنها من المساهمة في قبول المبادرة عالمياً وجعلها المرجعية الوحيدة للسلام. والهدف هو إقناع الغرب بجدوى السلام والتفرغ لما بعد مرحلة الصراع من أجل حصد ثمار السلام والتنمية والاستقرار.
تمثل قضية القدس بذاتها واجباً إسلامياً وسياسياً يجب على كل مسلم في أنحاء العالم أن ينهض بتبعاتها
وفي الختام علينا الاعتراف بأن تراجع أفق صنع السلام بين العرب والإسرائيليين في ظل الحكومات الإسرائيلية المتشددة واليمينية، لا يفقد مبادرة السلام السعودية قيمتها، حتى عندما تحولت إلى مبادرة عربية رسمية، فقد وفرت للعرب قاعدة أساسية لاستعادة زمام المبادرة السياسية بعد أن فقدوه لفترات طويلة، وهيأت لهم أيضاً المناخ المناسب لإدارة الصراع في الحقل الدولي بصورة أكثر فاعلية. كما أنها حركت الجهود الدولية لحل النزاع العربي-الإسرائيلي، وفرضت على الإدارة الأمريكية القيام بخطوة ولو شكلية وهي الترحيب بالمبادرة. ولم يكن الأمر أقل أهمية بالنسبة للداخل الإسرائيلي، فقد كشفت للمجتمع الإسرائيلي زيف ادعاءات حكوماتهم بأن العرب يرفضون السلام، ويرفضون أيضاً الاعتراف بإسرائيل ووجودها والسعي إلى تدميرها، ووفرت لدعاة السلام في الداخل الإسرائيلي سلاحاً سياسياً يمكنهم استخدامه في تفعيل حركتهم لفك التحالف غير المقدس بين الأحزاب اليمينية والمتطرفة وهو التحالف الضار بالسلام، فهذه الأحزاب لا يهمها أمن واستقرار المواطن الإسرائيلي بقدر البقاء أطول مدة في الحكم على حساب السلام.
::/fulltext::
::cck::1448::/cck::
