البطالة في دول الخليج العربية وسبل مواجهتها
::cck::1478::/cck::
::introtext::
وفرت العائدات النفطية الهائلة -الناجمة عن الارتفاع الكبير المتسارع في أسعار النفط- موارد إضافية ضخمة داعمة لميزانيات الدول الخليجية التي تعتمد بمعظمها على تصدير النفط والصناعات النفطية الملحقة به حيث تملك دول مجلس التعاون حوالي 44 في المائة من الاحتياطياتالمؤكدة من النفط الخام في العالم، وحوالي 15 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي.
::/introtext::
::fulltext::
وفرت العائدات النفطية الهائلة -الناجمة عن الارتفاع الكبير المتسارع في أسعار النفط- موارد إضافية ضخمة داعمة لميزانيات الدول الخليجية التي تعتمد بمعظمها على تصدير النفط والصناعات النفطية الملحقة به حيث تملك دول مجلس التعاون حوالي 44 في المائة من الاحتياطياتالمؤكدة من النفط الخام في العالم، وحوالي 15 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي.
تنتج دول الخليج حوالي 15 في المائة من الناتج العالمي للنفط الخام، وتصل صادراتها من النفط الخام إلى حوالي 20 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية، وهو ما تجسد عملياً في مضاعفة العائدات المالية من النفط إلى أرقام قياسية، وتحقيق فوائض في الميزانية العامة والحساب الجاري والناتج المحلي الإجمالي.
وقد أحدث هذا الوفر الكبير (الذي يمكن تسميته بالطفرة النفطية) صدمةً حقيقية عملية لدى كثير من النخبة الاقتصادية وصناع القرار السياسي والاقتصادي الخليجي ممن يعملون على تطوير مجتمعاتهم على مختلف الصعد والمستويات الاقتصادية والتنموية، بما يزيد من فرص ازدهارها وتقدمها وتأمين مستقبلها، وتمكنها من الاندماج التقني والاقتصادي في السوق الدولية، ويوفر لأبنائها عمالة متقدمة علمياً وتكنولوجياً.
وقد لاحظنا أن معظم الدول الخليجية أنشأت مؤسسات وشركات إعمارية وبنائية عملاقة وتكتلات صناعية (ظاهرة المدن الصناعية والعلمية في السعودية والكويت مثلاً) وصناديق تنموية ليس في داخل بلدانها فقط وإنما تخطت حدودها لتستثمر في بلدان مجاورة عربية وإقليمية وحتى في كثير من الدول الكبرى في أوروبا وأمريكا.
ولكن السؤال المطروح هنا، أنه مع ازدياد أعداد سكان دول مجلس التعاون الخليجي، والحجم الهائل في زيادة الطلب على الاستهلاكيات والاحتياجات اليومية، وتعاظم القوة الشرائية لدى المواطن الخليجي الذي أدى إلى إقباله الشديد على الشراء في ظل تنوع و(ضخامة) العروض المقدمة: كيف يمكن في ظل ذلك كله معالجة الخلل الهيكلي القائم في أسواق العمل الخليجية المتمثل حصراً في ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل من المواطنين مع الازدياد المطرد في أعداد الأيدي العاملة الخارجية المستقدمة من دول عربية مجاورة ودول أخرى آسيوية، حيث نلاحظ مثلاً وجود ما نسبته 60 في المائة من الأيدي العاملة الخارجية تقوم بتشغيل مختلف القطاعات الاقتصادية في كل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عمان؟ ثم وفي حال قررت الدول الخليجية الاعتماد على عمالة مواطنيها، فهل تتوفر لدى هؤلاء الخبرة العلمية الميدانية خاصة وأن الشركات والمؤسسات الاقتصادية الخاصة تطلب خبرات علمية وكوادر مدربة ذات مواصفات دولية محددة، حيث إن ميزان الربح والخسارة في النهاية هو المعيار الحاكم في أية شركة تجارية أو صناعية أو زراعية، أما منطق الشعارات والخطابات فهو أمر لا طائل منه إطلاقاً؟ إذاً أين الخلل: هل هو موجود في ذهنية وعقلية الفرد والمواطن الخليجي و(طبيعة تصوراته وثقافة العمل عنده) العازف عن الانخراط في بعض مجالات العمل، أم أن الخلل قائم في طبيعة السياسات التعليمية والاقتصادية المطبقة في البلدان الخليجية والتي لا يمكن أن تساهم في تأمين شروط التأهيل العلمي الحقيقي لأبنائها ومجتمعاتها كشرط للانخراط في العمل الميداني مما يساهم في زيادة الطلب على تأمين العمالة الوافدة المدربة والمؤهلة لتنفيذ مشاريع التنمية والإعمار والبناء في دول الخليج؟
في الواقع لقد أدى الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة إلى زيادة تعقيد عملية تجزئة أسواق العمل في تلك الدول، حيث لاحظنا أن القطاع الخاص الخليجي هو الذي يستقدم ويستقطب العمالة الوافدة، بينما تركزت العمالة الوطنية فيالقطاعات الحكومية العامة، وهذا ما جعل من غير الممكن الاستمرار في توظيف كامل العمالة الوطنية عندما بلغت قيود الميزانية حدودها القصوى، وازدادت بالتالي معدلات البطالة بينالمواطنين.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حكومات مجلس التعاون الخليجي – وفي سياق سعيها إلى حل إشكالية البطالة وعدم الاعتماد الكلي على النفط في تطوير مختلف أوجه نشاطات مجتمعاتها- استفادت من تلك الزيادات الهائلة للإيرادات النفطية في تأمين النمو للكثير من القطاعات غير النفطية، لكن ما ظهر هناك أن الهياكل الاقتصادية الحالية لتلك الدول غير جاهزة فعلياً للتحول المذكور، مما أثر سلباً في تلك التغيرات المطلوبة في هيكل توزيع الناتج، ثم إن النفط مملوك حصرياً للدولة، أي أن القطاع العام هو المسيطر والمهيمن كلياً على مجمل النشاط الاقتصادي على الرغم من وجود بعض الشركات الخاصة العاملة، لكن دور القطاع الخاص تراجع بشكل ملحوظ في هذا المجال.
وطبعاً القطاع الخاص الخليجي –وغير الخليجي- يريد لسهمه أن يبقى في حالة ربح وصعود، ولذلك فهو يفضل توظيف العمالة الوافدة الخبيرة على العمالة الوطنية غير الخبيرة التي تطلب –في حال توفرت الخبرة والتدريب عندها- أرقاماً كبيرة لا تقارن بمستويات الأجور المعطاة لنظرائهم الأجانب. وفي المقابل نجد أن أجور العمال الأجانب أقل من نظرائهم الوطنيين، وأنهم يعملون لساعات أطول خاصة في القطاع الخاص، فضلاً عن انخفاض المزايا الممنوحة لهم بالمقارنة بالعمالة الوطنية. وهذا ما أسهم أيضاً في زيادة نسبة البطالة بين صفوف الشباب الخليجي.
ويبدو أن استمرار القطاع العام الخليجي في الهيمنة على مختلف القطاعات الإنتاجية، وقبوله توظيف العمالة المحلية من دون خبرات علمية سيؤديان إلى تضخمه ولاحقاً إلى انخفاض كفاءة المشروعات التي ينفذها، وذلك بالمقارنة بالقطاع الخاص.
ومما لا شك فيه أن تضخم القطاع العام لهأيضاً آثار سلبية في مستويات الرفاهية العامة، لأنه سيجعلمن عملية التحول إلى الخصخصة مسألة معقدة بسبب تزايد فاتورة عملية إعادة هيكلة المشروعات العامة، والتكلفة الفادحة التي ستترتب على تحويل العمالة الوطنية في القطاعالعام نحو القطاع الخاص، وتعد النقطة الأخيرة من الأسباب الأساسية لبطء عملياتالتحول نحو القطاع الخاص.
انطلاقاً من ذلك لابد من البدء بتطوير التعليم وتنمية القوة البشرية، لأن ذلك سيسهم مساهمة فعالة في عملية الإصلاح الاقتصادي وتصحيح الاختلالات الهيكلية القائمة في صلب الاقتصاد الخليجي وتحديداً منها مشكلة البطالة.
فالفرد هو العنصر الحاسم في أي عمل، وهو الثروة الحقيقية لأي مجتمع على مستوى الهدف والغاية والطموح. وبقدر ما ينجح أي مجتمع في تفعيل قدرات أفراده والارتقاء بإمكانياته فإن النجاح والفلاح سيكونان من نصيبه، وسيحقق في النهاية طموحاته وأهدافه المتوخاة في التنمية والتطور والازدهار. كما أن الفرد القادر على العطاء والإنتاج هو الفرد الخبير المدرب، ومن هنا تتأكد أهمية التعليم والتدريب كنشاط رائد في عملية التنمية، حيث يقع على كاهل النظام التعليمي مهمةتأهيل القوى البشرية الوطنية لمواجهة احتياجات التنمية في الأجلين المتوسط والطويل،كما تبرز أهمية التدريب في ضوء الحاجة لإعادة تأهيل وتدريب مخرجات التعليم لمواجهة احتياجات سوق العمل على المدى القصير، فضلاً عن التهيئة المستمرة لقوة العمل لمواجهةالاحتياجات المتطورة لأسواق العمل في ظل التقدم التكنولوجي المتواصل. وبالإضافة إلى التأهيل العلمي الحديث، تحتاج نظم التعليم إلى تطوير مناهجها بشكل واضح كي يتماشى مع متطلبات العصر، والانتقال من التركيز على الحفظ إلى الفهم والاستيعاب والابتكار، وتنمية مواهب الابتكار والتعامل مع وسائل التعليم الحديثة والحاسب الآلي ووسائل الاتصال الحديثة واللغات الأجنبية.
يقع على كاهل النظام التعليمي مهمةتأهيل القوى البشرية الوطنية لمواجهة احتياجات التنمية
وعندما يتوفر العنصر البشري الخبير والمدرب، سيكون من الطبيعي جداً أن تعتمد عليه قطاعات العمل الخاصة في مجتمعاته، وسيحدث نوع من الشراكة والتكامل بين القطاعين العام والخاص على مستوى التنافس في الاعتماد على العمالة الداخلية المستقرة في بلدانها.
كما أن توفر العمالة الداخلية سيسهم من جهة ثانية في معالجة الخلل السكاني القائم في الدول الخليجية على مستوى ترشيد استخدام العمالة الوافدة، والعمل على توطين الوظائف من خلال تشجيععمليات الإحلال، وتنمية القوى البشرية في المنطقة من خلالالدعوة إلى إلزامية التعليم لكل من البنين والبنات، والاهتمام بالتعليم الفنيوالمهني، وفتح مجالات العمل أمام المرأة، والعناية بمراكز التدريب. وعلى الرغم منالدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في هذا الجانب إلا أن استعداد القطاعالخاص في هذا المجال لا يزال محدوداً. وتلعب السياسات الحكومية دوراً مهماً في تعقيدهذه المشكلة، حيث أدى ارتفاع معدلات الأجور للوطنيين –كما ذكرنا سابقاً- إلى عزوف القطاع الخاص عن توظيف مواطني دول المجلس، كما ساعد هيكل الحوافز للعاملين في الحكومة على عزوفالعمالة المحلية عن الانخراط الميداني في العمل لصالح القطاع الخاص، وجاءت مخرجات قطاع التعليم لتعقد من المشكلة، حيث يوجد تفاوت واضح وصريح بين مستوى وطبيعة مخرجات التعليم واحتياجات القطاع الخاص. لذاينبغي التركيز في المستقبل على قضايا التعليم والتدريب وحل مشكلة البطالة، وذلكبهدف التغلب على اختلالات هيكل البنية السكانية واختلالات سوق العمل بما له منانعكاسات سلبية على دول المجلس.
ومن الممكن أن تلعب الاتفاقية الاقتصادية الموحدة دوراً مركزياً في هذا المجال من خلال تفعيل اتفاقيات حرية انتقال عنصر العمل بين الدولالأعضاء، ويمكن الاستفادة من التجربة الأوروبية في هذا المجال عن طريق الإعلان عنالوظائف المتاحة بكافة دول المجلس بشكل مركزي، وبحيث يتم إعطاء أفضلية في عملية شغلالوظائف في دولة ما إلى مواطني تلك الدولة أولاً ثم مواطني دول المجلس الآخرين ثانياً، قبل أن يتم شغل تلك الوظائف من خلال العمالة الوافدة.
ولا بد من التأكيد أخيراً على أن بداية الحل الذي يمكن تصوره لمشكلة البطالة (التي تفتح أمامها مشكلات أخرى على الطريق نفسه) هي في الاعتراف الحقيقي بحجم المشكلة التي تواجهها الهياكل الاقتصادية الخليجية، وهي وجود بون شاسع وواسع لا يزال قائماً بيننا وبين أسس ومعايير قواعد التقدم العلمي والتقني الحديث بالمعنى العملي، ولذلك سنبقى ولسنوات طويلة بحاجة ماسة للكثير من الخبرات والكفاءات والكوادر الأجنبية غربية أم غير غربية وفي كافة المجالات. أما ادعاؤنا بأن لدينا ثروات هائلة طبيعية كـ (النفط مثلاً) فإنه لن يمكننا من الاستمرار في العيش الطويل والآمن في بلداننا عند مستويات رفاهيتنا المتوفرة حالياً بين أيدينا، ما لم نعمل مباشرةً وعلى الفور، على إعادة النظر النقدي في طريقة تفكيرنا في مجمل القدرات والإمكانيات والمهارات والطاقات الهائلة التي لا نزال نمتلكها حالياً أو تلك التي يمكن أن نوفرها لأنفسنا في المجالات الأخرى في الحاضر والمستقبل ضماناً لنا ولأجيالنا اللاحقة التي يجب أن نورثها شيئاً يستحق معه الذكر الطيب والصدقة الجارية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1478::/cck::
::introtext::
وفرت العائدات النفطية الهائلة -الناجمة عن الارتفاع الكبير المتسارع في أسعار النفط- موارد إضافية ضخمة داعمة لميزانيات الدول الخليجية التي تعتمد بمعظمها على تصدير النفط والصناعات النفطية الملحقة به حيث تملك دول مجلس التعاون حوالي 44 في المائة من الاحتياطياتالمؤكدة من النفط الخام في العالم، وحوالي 15 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي.
::/introtext::
::fulltext::
وفرت العائدات النفطية الهائلة -الناجمة عن الارتفاع الكبير المتسارع في أسعار النفط- موارد إضافية ضخمة داعمة لميزانيات الدول الخليجية التي تعتمد بمعظمها على تصدير النفط والصناعات النفطية الملحقة به حيث تملك دول مجلس التعاون حوالي 44 في المائة من الاحتياطياتالمؤكدة من النفط الخام في العالم، وحوالي 15 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي.
تنتج دول الخليج حوالي 15 في المائة من الناتج العالمي للنفط الخام، وتصل صادراتها من النفط الخام إلى حوالي 20 في المائة من إجمالي الصادرات العالمية، وهو ما تجسد عملياً في مضاعفة العائدات المالية من النفط إلى أرقام قياسية، وتحقيق فوائض في الميزانية العامة والحساب الجاري والناتج المحلي الإجمالي.
وقد أحدث هذا الوفر الكبير (الذي يمكن تسميته بالطفرة النفطية) صدمةً حقيقية عملية لدى كثير من النخبة الاقتصادية وصناع القرار السياسي والاقتصادي الخليجي ممن يعملون على تطوير مجتمعاتهم على مختلف الصعد والمستويات الاقتصادية والتنموية، بما يزيد من فرص ازدهارها وتقدمها وتأمين مستقبلها، وتمكنها من الاندماج التقني والاقتصادي في السوق الدولية، ويوفر لأبنائها عمالة متقدمة علمياً وتكنولوجياً.
وقد لاحظنا أن معظم الدول الخليجية أنشأت مؤسسات وشركات إعمارية وبنائية عملاقة وتكتلات صناعية (ظاهرة المدن الصناعية والعلمية في السعودية والكويت مثلاً) وصناديق تنموية ليس في داخل بلدانها فقط وإنما تخطت حدودها لتستثمر في بلدان مجاورة عربية وإقليمية وحتى في كثير من الدول الكبرى في أوروبا وأمريكا.
ولكن السؤال المطروح هنا، أنه مع ازدياد أعداد سكان دول مجلس التعاون الخليجي، والحجم الهائل في زيادة الطلب على الاستهلاكيات والاحتياجات اليومية، وتعاظم القوة الشرائية لدى المواطن الخليجي الذي أدى إلى إقباله الشديد على الشراء في ظل تنوع و(ضخامة) العروض المقدمة: كيف يمكن في ظل ذلك كله معالجة الخلل الهيكلي القائم في أسواق العمل الخليجية المتمثل حصراً في ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل من المواطنين مع الازدياد المطرد في أعداد الأيدي العاملة الخارجية المستقدمة من دول عربية مجاورة ودول أخرى آسيوية، حيث نلاحظ مثلاً وجود ما نسبته 60 في المائة من الأيدي العاملة الخارجية تقوم بتشغيل مختلف القطاعات الاقتصادية في كل من المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين وسلطنة عمان؟ ثم وفي حال قررت الدول الخليجية الاعتماد على عمالة مواطنيها، فهل تتوفر لدى هؤلاء الخبرة العلمية الميدانية خاصة وأن الشركات والمؤسسات الاقتصادية الخاصة تطلب خبرات علمية وكوادر مدربة ذات مواصفات دولية محددة، حيث إن ميزان الربح والخسارة في النهاية هو المعيار الحاكم في أية شركة تجارية أو صناعية أو زراعية، أما منطق الشعارات والخطابات فهو أمر لا طائل منه إطلاقاً؟ إذاً أين الخلل: هل هو موجود في ذهنية وعقلية الفرد والمواطن الخليجي و(طبيعة تصوراته وثقافة العمل عنده) العازف عن الانخراط في بعض مجالات العمل، أم أن الخلل قائم في طبيعة السياسات التعليمية والاقتصادية المطبقة في البلدان الخليجية والتي لا يمكن أن تساهم في تأمين شروط التأهيل العلمي الحقيقي لأبنائها ومجتمعاتها كشرط للانخراط في العمل الميداني مما يساهم في زيادة الطلب على تأمين العمالة الوافدة المدربة والمؤهلة لتنفيذ مشاريع التنمية والإعمار والبناء في دول الخليج؟
في الواقع لقد أدى الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة إلى زيادة تعقيد عملية تجزئة أسواق العمل في تلك الدول، حيث لاحظنا أن القطاع الخاص الخليجي هو الذي يستقدم ويستقطب العمالة الوافدة، بينما تركزت العمالة الوطنية فيالقطاعات الحكومية العامة، وهذا ما جعل من غير الممكن الاستمرار في توظيف كامل العمالة الوطنية عندما بلغت قيود الميزانية حدودها القصوى، وازدادت بالتالي معدلات البطالة بينالمواطنين.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حكومات مجلس التعاون الخليجي – وفي سياق سعيها إلى حل إشكالية البطالة وعدم الاعتماد الكلي على النفط في تطوير مختلف أوجه نشاطات مجتمعاتها- استفادت من تلك الزيادات الهائلة للإيرادات النفطية في تأمين النمو للكثير من القطاعات غير النفطية، لكن ما ظهر هناك أن الهياكل الاقتصادية الحالية لتلك الدول غير جاهزة فعلياً للتحول المذكور، مما أثر سلباً في تلك التغيرات المطلوبة في هيكل توزيع الناتج، ثم إن النفط مملوك حصرياً للدولة، أي أن القطاع العام هو المسيطر والمهيمن كلياً على مجمل النشاط الاقتصادي على الرغم من وجود بعض الشركات الخاصة العاملة، لكن دور القطاع الخاص تراجع بشكل ملحوظ في هذا المجال.
وطبعاً القطاع الخاص الخليجي –وغير الخليجي- يريد لسهمه أن يبقى في حالة ربح وصعود، ولذلك فهو يفضل توظيف العمالة الوافدة الخبيرة على العمالة الوطنية غير الخبيرة التي تطلب –في حال توفرت الخبرة والتدريب عندها- أرقاماً كبيرة لا تقارن بمستويات الأجور المعطاة لنظرائهم الأجانب. وفي المقابل نجد أن أجور العمال الأجانب أقل من نظرائهم الوطنيين، وأنهم يعملون لساعات أطول خاصة في القطاع الخاص، فضلاً عن انخفاض المزايا الممنوحة لهم بالمقارنة بالعمالة الوطنية. وهذا ما أسهم أيضاً في زيادة نسبة البطالة بين صفوف الشباب الخليجي.
ويبدو أن استمرار القطاع العام الخليجي في الهيمنة على مختلف القطاعات الإنتاجية، وقبوله توظيف العمالة المحلية من دون خبرات علمية سيؤديان إلى تضخمه ولاحقاً إلى انخفاض كفاءة المشروعات التي ينفذها، وذلك بالمقارنة بالقطاع الخاص.
ومما لا شك فيه أن تضخم القطاع العام لهأيضاً آثار سلبية في مستويات الرفاهية العامة، لأنه سيجعلمن عملية التحول إلى الخصخصة مسألة معقدة بسبب تزايد فاتورة عملية إعادة هيكلة المشروعات العامة، والتكلفة الفادحة التي ستترتب على تحويل العمالة الوطنية في القطاعالعام نحو القطاع الخاص، وتعد النقطة الأخيرة من الأسباب الأساسية لبطء عملياتالتحول نحو القطاع الخاص.
انطلاقاً من ذلك لابد من البدء بتطوير التعليم وتنمية القوة البشرية، لأن ذلك سيسهم مساهمة فعالة في عملية الإصلاح الاقتصادي وتصحيح الاختلالات الهيكلية القائمة في صلب الاقتصاد الخليجي وتحديداً منها مشكلة البطالة.
فالفرد هو العنصر الحاسم في أي عمل، وهو الثروة الحقيقية لأي مجتمع على مستوى الهدف والغاية والطموح. وبقدر ما ينجح أي مجتمع في تفعيل قدرات أفراده والارتقاء بإمكانياته فإن النجاح والفلاح سيكونان من نصيبه، وسيحقق في النهاية طموحاته وأهدافه المتوخاة في التنمية والتطور والازدهار. كما أن الفرد القادر على العطاء والإنتاج هو الفرد الخبير المدرب، ومن هنا تتأكد أهمية التعليم والتدريب كنشاط رائد في عملية التنمية، حيث يقع على كاهل النظام التعليمي مهمةتأهيل القوى البشرية الوطنية لمواجهة احتياجات التنمية في الأجلين المتوسط والطويل،كما تبرز أهمية التدريب في ضوء الحاجة لإعادة تأهيل وتدريب مخرجات التعليم لمواجهة احتياجات سوق العمل على المدى القصير، فضلاً عن التهيئة المستمرة لقوة العمل لمواجهةالاحتياجات المتطورة لأسواق العمل في ظل التقدم التكنولوجي المتواصل. وبالإضافة إلى التأهيل العلمي الحديث، تحتاج نظم التعليم إلى تطوير مناهجها بشكل واضح كي يتماشى مع متطلبات العصر، والانتقال من التركيز على الحفظ إلى الفهم والاستيعاب والابتكار، وتنمية مواهب الابتكار والتعامل مع وسائل التعليم الحديثة والحاسب الآلي ووسائل الاتصال الحديثة واللغات الأجنبية.
يقع على كاهل النظام التعليمي مهمةتأهيل القوى البشرية الوطنية لمواجهة احتياجات التنمية
وعندما يتوفر العنصر البشري الخبير والمدرب، سيكون من الطبيعي جداً أن تعتمد عليه قطاعات العمل الخاصة في مجتمعاته، وسيحدث نوع من الشراكة والتكامل بين القطاعين العام والخاص على مستوى التنافس في الاعتماد على العمالة الداخلية المستقرة في بلدانها.
كما أن توفر العمالة الداخلية سيسهم من جهة ثانية في معالجة الخلل السكاني القائم في الدول الخليجية على مستوى ترشيد استخدام العمالة الوافدة، والعمل على توطين الوظائف من خلال تشجيععمليات الإحلال، وتنمية القوى البشرية في المنطقة من خلالالدعوة إلى إلزامية التعليم لكل من البنين والبنات، والاهتمام بالتعليم الفنيوالمهني، وفتح مجالات العمل أمام المرأة، والعناية بمراكز التدريب. وعلى الرغم منالدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه القطاع الخاص في هذا الجانب إلا أن استعداد القطاعالخاص في هذا المجال لا يزال محدوداً. وتلعب السياسات الحكومية دوراً مهماً في تعقيدهذه المشكلة، حيث أدى ارتفاع معدلات الأجور للوطنيين –كما ذكرنا سابقاً- إلى عزوف القطاع الخاص عن توظيف مواطني دول المجلس، كما ساعد هيكل الحوافز للعاملين في الحكومة على عزوفالعمالة المحلية عن الانخراط الميداني في العمل لصالح القطاع الخاص، وجاءت مخرجات قطاع التعليم لتعقد من المشكلة، حيث يوجد تفاوت واضح وصريح بين مستوى وطبيعة مخرجات التعليم واحتياجات القطاع الخاص. لذاينبغي التركيز في المستقبل على قضايا التعليم والتدريب وحل مشكلة البطالة، وذلكبهدف التغلب على اختلالات هيكل البنية السكانية واختلالات سوق العمل بما له منانعكاسات سلبية على دول المجلس.
ومن الممكن أن تلعب الاتفاقية الاقتصادية الموحدة دوراً مركزياً في هذا المجال من خلال تفعيل اتفاقيات حرية انتقال عنصر العمل بين الدولالأعضاء، ويمكن الاستفادة من التجربة الأوروبية في هذا المجال عن طريق الإعلان عنالوظائف المتاحة بكافة دول المجلس بشكل مركزي، وبحيث يتم إعطاء أفضلية في عملية شغلالوظائف في دولة ما إلى مواطني تلك الدولة أولاً ثم مواطني دول المجلس الآخرين ثانياً، قبل أن يتم شغل تلك الوظائف من خلال العمالة الوافدة.
ولا بد من التأكيد أخيراً على أن بداية الحل الذي يمكن تصوره لمشكلة البطالة (التي تفتح أمامها مشكلات أخرى على الطريق نفسه) هي في الاعتراف الحقيقي بحجم المشكلة التي تواجهها الهياكل الاقتصادية الخليجية، وهي وجود بون شاسع وواسع لا يزال قائماً بيننا وبين أسس ومعايير قواعد التقدم العلمي والتقني الحديث بالمعنى العملي، ولذلك سنبقى ولسنوات طويلة بحاجة ماسة للكثير من الخبرات والكفاءات والكوادر الأجنبية غربية أم غير غربية وفي كافة المجالات. أما ادعاؤنا بأن لدينا ثروات هائلة طبيعية كـ (النفط مثلاً) فإنه لن يمكننا من الاستمرار في العيش الطويل والآمن في بلداننا عند مستويات رفاهيتنا المتوفرة حالياً بين أيدينا، ما لم نعمل مباشرةً وعلى الفور، على إعادة النظر النقدي في طريقة تفكيرنا في مجمل القدرات والإمكانيات والمهارات والطاقات الهائلة التي لا نزال نمتلكها حالياً أو تلك التي يمكن أن نوفرها لأنفسنا في المجالات الأخرى في الحاضر والمستقبل ضماناً لنا ولأجيالنا اللاحقة التي يجب أن نورثها شيئاً يستحق معه الذكر الطيب والصدقة الجارية.
::/fulltext::
::cck::1478::/cck::
