العوامل المؤثرة في عملية التوافق بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل
::cck::1508::/cck::
::introtext::
التعليم والعمل وجهان أساسيان للنشاط الإنساني في كل المجتمعات البشرية، فالتعليم هو عملية اكتساب المعارف والقدرات والتوجهات الاجتماعية والثقافية، وهو استثمار يهدف إلى زيادة مستوى التراكم في رأس المال البشري الذي يعبر عن المستوى الكلي للمهارة والمتاح للمجتمع، بينما العمل هو عملية المشاركة في النشاط الإنتاجي لإنتاج السلع والخدمات.
::/introtext::
::fulltext::
التعليم والعمل وجهان أساسيان للنشاط الإنساني في كل المجتمعات البشرية، فالتعليم هو عملية اكتساب المعارف والقدرات والتوجهات الاجتماعية والثقافية، وهو استثمار يهدف إلى زيادة مستوى التراكم في رأس المال البشري الذي يعبر عن المستوى الكلي للمهارة والمتاح للمجتمع، بينما العمل هو عملية المشاركة في النشاط الإنتاجي لإنتاج السلع والخدمات.
شهد الفكر التنموي مرحلتين مهمتين في التعامل مع دور التعليم في عملية النمو الاقتصادي، امتدت الأولى من نهاية الأربعينات حتى بداية عقد الستينات من القرن العشرين، وهيمنت فيها نماذج النمو النيوكلاسيكية، وفي مقدمتها نموذج هارود– دومار (Harrod-Domar) ونموذج روبرت سولو (Robert Solow)،والتي أكدت أن الدور الحاسم في عملية النمو الاقتصادي يعود إلى عنصر رأس المال الطبيعي والمالي، وأعطت هذه النماذج أهمية ثانوية للعنصر البشري باعتباره من قبيل المعطيات، أو أن عرضه غير محدود أو كبير المرونة. أما المرحلة الثانية فامتدت من بداية عقد الستينات من القرن العشرين ولا تزال تأثيراتها مستمرة إلى حد الآن، فهيمنت فيها نماذج النمو الحديثة التي اعتمدت على كتابات بول رومرPaul Romer) ) وروبرت لوكاس (Robert Lucas) وأكدت أن رأس المال البشريهو العنصر الحاسم الذي يضمن عنصر الاستدامة في عملية النمو الاقتصادي، والذي يعود إليه الفضل الأكبر في معظم النجاحات التي تحققت في الدول المتقدمة وفي مجموعة النمور الآسيوية.
ولا شك في أن هذا الاهتمام برأس المال البشري تزامن مع عملية التطور الصناعي والتكنولوجي،وما تطلبته من أيدي عاملةماهرة ومتخصصة واستثمار مكثف في تطوير القدرات البشرية. وقد دفع هذا التحول الفكري الدول المتقدمة إلى رفع مستوى استثماراتها في رأس المال البشري بكل أشكاله، فأصبح أكبر من الاستثمار في رأس المال المادي، وشكل هذا التحول المقدمة الضرورية للتحول باتجاه الاقتصاد المعرفي، كما مهّد لظهور مفهوم التنمية البشرية.

وأشارت تلك النماذج إلى أن مستوى التراكم في رأس المال البشري، هو الذي يحدد درجة توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل من خلال تأثيره في عملية إعداد القوى العاملة المؤهلة والخبيرة، ومستويات توظيف أساليب البحث العلمي وتقنياته في رفع مستوى الإنتاجية، وزيادة قدرة الأفراد على التكيف مع متغيرات العمل والنمو الاقتصادي، وتهيئة المواطن للثقافة الأرفع والأكثر قدرة على المنافسة وأيضاً تهيئة المواطن الأكثر وعياً بحقوقه وواجباته المدنية والأكثر مشاركة. وسيتوقف الحكم على نوعية رأس المال البشري على درجة الانتفاع من مخرجات التعليم والتدريب في تغطية احتياجات سوق العمل من العناصر المتخصصة الفنية والإدارية والأيدي العاملة الماهرة وشبه الماهرة ، وبالتالي كلما ارتفعت كفاءة ونوعية تلك المخرجات، وازدادت درجة انتفاع الجهاز الإنتاجي منها، ازدادت درجة توافق نظام التعليم مع سوق العمل. مما يعني أن مجالات التوافق بين مخرجات النظام التعليمي ومتطلبات سوق العمل، تعكس مدى مرونة النظام التعليمي وسرعته في الاستجابة لاحتياجات الجهاز الإنتاجي، بالشكل الذي يعزز من قدراته على مواجهة التغيرات المتلاحقة في سوق العمل، من خلال الاستمرار في توفير تسهيلات التعليم والتدريب الملائمة، وتنمية الوعي لدى قطاع الأعمال ومؤسساته حول أهمية المشاركة الإيجابية والفاعلة في عملية التنمية.
وعندما يخفق النظام التعليمي في أداء هذه المهام بالشكل المطلوب، أو عندما يتخلف النظام الإنتاجي ذاته عن مواكبة التطورات في النظام التعليمي، ويفتقر إلى مرونة استيعاب مخرجات التعليم، عندها ستحدث مشكلة عدم التوافق أو عدم المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وتكون النتيجة الطبيعية المترتبة على حدوث هذه المشكلة زيادة معدلات البطالة بين الخريجين.
ويشير سجل التطور الاقتصادي والاجتماعي في البلدان المتقدمة إلى أن اهتمام كل من السياسات التعليمية والاقتصادية بزيادة مجالات التوافق بين مخرجات التعليم وسوق العمل، أدى إلى زيادة معدلات التفاعل الإيجابي بين اتجاهات التوسع في الطاقات الإنتاجية واتجاهات التراكم في رأس المال البشري، وانعكس بقوة على الارتباط الإيجابي بين معدلات نمو إنتاجية العمل ومعدلات نمو التشغيل، ولعبت حالة النضوج الصناعي والاندماج البنياني والاحتياطي الكافي من مخزون رأس المال البشري، الدور الحاسم في تحقيق هذه النتيجة. وبفعل تلك التطورات دخلت مؤسسات التعليم العالي في البلدان المتقدمة مرحلة جديدة، تهدف إلى تعميق التداخل بين الفروع العلمية، وتوثيق الصلة مع قطاع الأعمال عبر المشروعات والمؤسسات البحثية المشتركة والمنح والاستشارات، وأسهمت تلك المرحلة في خلق الظروف الملائمة لزيادة مرونة الالتحاق بالتعليم العالي، وإتاحته مدى الحياة، من خلال مؤسسات التعليم المفتوح لتوفير الأجواء الكفيلة بتحفيز العاملين على تطوير كفاءتهم الإنتاجية. وجاءت هذه التطورات استجابة لتعاظم دور السوق في سياق العولمة، وتعبيراً عن سيادة قيم السوق والمتاجرة وتحول المعرفة إلى سلعة. وكانت لهذه النقلة آثار عميقة، ليس على الجامعات فقط ولكن على البشرية جمعاء وعلى عملية بناء المعرفة ذاتها.
رأس المال البشريهو العنصر الحاسم الذي يضمن عنصر الاستدامة في عملية النمو الاقتصادي
في مقابل ذلك نجد أن معظم الدول النامية وبخاصة الدول العربية، بعيدة كل البعد عن تلك التطورات، حيث تشير عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي إلى وجود حالة عامة شبه مستقلة على المدى البعيد بين توجهات السياسة التعليمية من ناحية ومتطلبات سوق العمل من ناحية ثانية ، يأتي ذلك في ظل ضعف مرونة الجهاز الإنتاجي وارتباط حلقاته المتقدمة بالمراكز التكنيكية المسيطرة في الخارج، وضعف إمكانيات الاختيار وضآلة قدرات التدريب والتعليم وعدم وجود احتياطي كاف للعمل التكنيكي الماهر، وانخفاض مستويات البحث والتطوير وتدهور كفاءات المنظمين، وشح المعلومات المختلفة حول الأسواق، كما أن أسواق العمل غالباً ما تخضع للمضاربين والوسطاء لتقذف برأس المال البشري من الكوادر والمهارات ومخرجات النظام التعليمي في تلك الدول نحو المجالات الخدمية والمنخفضة الإنتاجية، فيفقد المجتمع كفاءاتهم الإنتاجية، وتزداد الأمور تعقيداً في ظل تزايد معدلات العرض الفائض للقوى العاملة غير الماهرة وضآلة الفرص المتاحة في سوق العمل.
وبشكل عام تتأثر الدرجة التي يتم فيها التوافق بين مخرجات النظام التعليمي وسوق العمل على المدى القصير بالتغيرات في حالة النشاط الاقتصادي، والتغيرات في توجهات السياسة الاقتصادية، ومدى مرونة السياسة التعليمية في مواكبة التطورات في سوق العمل، أما على المدى الطويل فإنها تتأثر بمجموعة معقدة ومتشابكة من العناصر والعلاقات والمتغيرات، التي تعكس وإلى حد بعيد واقع التنمية الاقتصادية بكل ما يتضمنه هذا الواقع من تغيرات هيكلية إنتاجية ومؤسسية وتنظيمية تكنولوجية وأنظمة سوقية واحتياطات (موردية) استاتيكية وديناميكية.
وتشير ظروف أسواق العمل في كل من الدول المتقدمة والنامية إلى بروز مجموعة من الظروف والمستجدات العوامل التي أسهمت في تعقيد مهمة المواءمة بين النظامين التعليمي والإنتاجي، رغم تفاوت حدتها وأبعادها بحسب التفاوت في قوة أو ضعف الاقتصاد وطبيعة السياسات التعليمية والسياسات الاقتصادية المستخدمة ومستوى التراكم في رأس المال البشري، والشوط الذي قطعته عملية التنمية في مراحلها المختلفة، ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك الظروف والعوامل بالنقاط التالية:
1-البعد الموضوعي المتمثل في طبيعة سوق العمل التي تتأثر بشكل مباشر بالتطورات التكنولوجية والإنتاجية، وبالتالي فإنها تتطور بسرعة أكبر من التطور في نظام التعليم والتدريب.
2- تبني السياسات الاقتصادية الانكماشية، الداعية إلى تخفيض مستويات الإنفاق الحكومي نتيجة لظروف الركود الاقتصادي، وتصاعد معدلات العجز في الموازنات الحكومية، وتطبيق برامج الخصخصة والإصلاح الاقتصادي، وما ترتب عليها من تقليص الإنفاق على التعليم، كما خفضت من قابليات أنشطة القطاع العام والأجهزة الحكومية على استيعاب الخريجين الجدد بعد ما كانت الملاذ الرئيسي لهم.
3- تأثير مضاعف الاستثمار الناجم عن عملية التفاعل الديناميكي بين عملية النمو الاقتصادي من ناحية ومستويات الإنفاق على التعليم كمتغير استثماري من ناحية ثانية، فزيادة مستوى الإنفاق على التعليم ستؤدي على المدى الطويل إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي، وبالتالي زيادة معدلات استيعاب مخرجات النظام التعليمي في سوق العمل وتخفيض مستوى البطالة.
4- التضخم الذي أدى إلى تدهور مستويات المعيشة، وبالتالي تسبب في إضعاف حافز أعضاء هيئات التدريس على البحث والتطوير، كما يساهم في تدهور شروط العمل وعائد العمل، وبالتالي تراجع قناعة الأفراد بإمكانية تأمين مستقبلهم عن طريق التعليم واكتساب المهارات.
5- العولمة وتحرير التجارة والتقدم التكنولوجي أدت إلى تغيير متطلبات سوق العمل التكنيكية والمهنية فزادت الفجوة بين مستويات التعليم والتدريب المهني ومتطلبات سوق العمل كنتيجة لارتفاع مستويات جودة الأداء والمعرفة التقنية والمهنية ومستويات التدريب والخبرة المطلوبة لأغراض التوظيف، وأسهمت هذه التطورات في زيادة الاهتمام بتطوير رأس المال البشري وجعلته العنصر الرئيسي في عملية الإنتاج، كما أدت إلى حدوث ثورة في أنماط الطلب على العمل ورفع مستوى أجور العمالة المدربة والماهرة.
6- ظروف الحروب وعدم الاستقرار الأمني السياسي في عدد من الدول النامية وبخاصة الدول العربية، أسهمت في استنزاف قواها العاملة، وتخفيض معدلات الادخار وهروب الاستثمارات الأجنبية، والتأثير سلباً في قدرتها على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة متطلبات التعليم والتدريب.
8- سياسة مجانية التعليم، أسهمت في خفض نوعية التعليم وزيادة أعداد الخريجين غير المؤهلين لمتطلبات أسواق العمل، فرغم أن تبني تلك السياسات جاء لتخفيض مستويات الحرمان من التعليم والتدريب إلا أنها أهملت الجانب النوعي للتعليم وركزت على النواحي الكمية، فزاد عدد الخريجين غير المؤهلين لتلبية شروط سوق العمل، الأمر الذي أدى إلى شيوع البطالة بأشكالها المختلفة سواء البطالة السافرة أو المقنعة.
9- التراجع عن أساليب التخطيط بشكل عام وتخطيط القوى العاملة بشكل خاص، أدى إلى التخلي عن وضع الخطط التفصيلية القصيرة والمتوسطة والطويلة الأجل للربط بين التعليم والتدريب وفرص العمل.
10- القصور في سياسات وبرامج التدريب المهني أدى إلى الدفع بمخرجات ليس عليها طلب في سوق العمل.
11- القصور في سياسات وبرامج التدريب المهني وعشوائية التدريب وعدم التنسيق بين تلك المراكز وعدم توافر مصرف للمعلومات عن سوق العمل واحتياجاته من المهن المختلفة إلى التدريب على مهن لا يحتاج إليها سوق العمل، ونتيجة لذلك أخذت مراكز التدريب المهني ذاتها تساعد على زيادة الخلل في سوق العمل، عندما تدفع سنوياً بمخرجات تدريب ليس عليها طلب في سوق العمل مما يؤدي إلى زيادة أعداد البطالة، وفقدان الثقة بدور مراكز التدريب المهني، فضلاً عن إهدار المال والجهد المنفق عليها.
12- العادات والتقاليد والمظاهر الأخرى للسلوك الاجتماعي، أسهمت في تكريس ظاهرة الاختلال في سوق العمل وخاصة في الدول العربية، بوضع القيود على مشاركة المرأة في سوق العمل، وتركيز المشتغلين في الأجهزة الحكومية وتضخم الجهاز الإداري، ودفع صانعي السياسات التعليمية إلى الاستجابة للشروط الاجتماعية وإن كانت مخالفة لشروط سوق العمل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1508::/cck::
::introtext::
التعليم والعمل وجهان أساسيان للنشاط الإنساني في كل المجتمعات البشرية، فالتعليم هو عملية اكتساب المعارف والقدرات والتوجهات الاجتماعية والثقافية، وهو استثمار يهدف إلى زيادة مستوى التراكم في رأس المال البشري الذي يعبر عن المستوى الكلي للمهارة والمتاح للمجتمع، بينما العمل هو عملية المشاركة في النشاط الإنتاجي لإنتاج السلع والخدمات.
::/introtext::
::fulltext::
التعليم والعمل وجهان أساسيان للنشاط الإنساني في كل المجتمعات البشرية، فالتعليم هو عملية اكتساب المعارف والقدرات والتوجهات الاجتماعية والثقافية، وهو استثمار يهدف إلى زيادة مستوى التراكم في رأس المال البشري الذي يعبر عن المستوى الكلي للمهارة والمتاح للمجتمع، بينما العمل هو عملية المشاركة في النشاط الإنتاجي لإنتاج السلع والخدمات.
شهد الفكر التنموي مرحلتين مهمتين في التعامل مع دور التعليم في عملية النمو الاقتصادي، امتدت الأولى من نهاية الأربعينات حتى بداية عقد الستينات من القرن العشرين، وهيمنت فيها نماذج النمو النيوكلاسيكية، وفي مقدمتها نموذج هارود– دومار (Harrod-Domar) ونموذج روبرت سولو (Robert Solow)،والتي أكدت أن الدور الحاسم في عملية النمو الاقتصادي يعود إلى عنصر رأس المال الطبيعي والمالي، وأعطت هذه النماذج أهمية ثانوية للعنصر البشري باعتباره من قبيل المعطيات، أو أن عرضه غير محدود أو كبير المرونة. أما المرحلة الثانية فامتدت من بداية عقد الستينات من القرن العشرين ولا تزال تأثيراتها مستمرة إلى حد الآن، فهيمنت فيها نماذج النمو الحديثة التي اعتمدت على كتابات بول رومرPaul Romer) ) وروبرت لوكاس (Robert Lucas) وأكدت أن رأس المال البشريهو العنصر الحاسم الذي يضمن عنصر الاستدامة في عملية النمو الاقتصادي، والذي يعود إليه الفضل الأكبر في معظم النجاحات التي تحققت في الدول المتقدمة وفي مجموعة النمور الآسيوية.
ولا شك في أن هذا الاهتمام برأس المال البشري تزامن مع عملية التطور الصناعي والتكنولوجي،وما تطلبته من أيدي عاملةماهرة ومتخصصة واستثمار مكثف في تطوير القدرات البشرية. وقد دفع هذا التحول الفكري الدول المتقدمة إلى رفع مستوى استثماراتها في رأس المال البشري بكل أشكاله، فأصبح أكبر من الاستثمار في رأس المال المادي، وشكل هذا التحول المقدمة الضرورية للتحول باتجاه الاقتصاد المعرفي، كما مهّد لظهور مفهوم التنمية البشرية.

وأشارت تلك النماذج إلى أن مستوى التراكم في رأس المال البشري، هو الذي يحدد درجة توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل من خلال تأثيره في عملية إعداد القوى العاملة المؤهلة والخبيرة، ومستويات توظيف أساليب البحث العلمي وتقنياته في رفع مستوى الإنتاجية، وزيادة قدرة الأفراد على التكيف مع متغيرات العمل والنمو الاقتصادي، وتهيئة المواطن للثقافة الأرفع والأكثر قدرة على المنافسة وأيضاً تهيئة المواطن الأكثر وعياً بحقوقه وواجباته المدنية والأكثر مشاركة. وسيتوقف الحكم على نوعية رأس المال البشري على درجة الانتفاع من مخرجات التعليم والتدريب في تغطية احتياجات سوق العمل من العناصر المتخصصة الفنية والإدارية والأيدي العاملة الماهرة وشبه الماهرة ، وبالتالي كلما ارتفعت كفاءة ونوعية تلك المخرجات، وازدادت درجة انتفاع الجهاز الإنتاجي منها، ازدادت درجة توافق نظام التعليم مع سوق العمل. مما يعني أن مجالات التوافق بين مخرجات النظام التعليمي ومتطلبات سوق العمل، تعكس مدى مرونة النظام التعليمي وسرعته في الاستجابة لاحتياجات الجهاز الإنتاجي، بالشكل الذي يعزز من قدراته على مواجهة التغيرات المتلاحقة في سوق العمل، من خلال الاستمرار في توفير تسهيلات التعليم والتدريب الملائمة، وتنمية الوعي لدى قطاع الأعمال ومؤسساته حول أهمية المشاركة الإيجابية والفاعلة في عملية التنمية.
وعندما يخفق النظام التعليمي في أداء هذه المهام بالشكل المطلوب، أو عندما يتخلف النظام الإنتاجي ذاته عن مواكبة التطورات في النظام التعليمي، ويفتقر إلى مرونة استيعاب مخرجات التعليم، عندها ستحدث مشكلة عدم التوافق أو عدم المواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، وتكون النتيجة الطبيعية المترتبة على حدوث هذه المشكلة زيادة معدلات البطالة بين الخريجين.
ويشير سجل التطور الاقتصادي والاجتماعي في البلدان المتقدمة إلى أن اهتمام كل من السياسات التعليمية والاقتصادية بزيادة مجالات التوافق بين مخرجات التعليم وسوق العمل، أدى إلى زيادة معدلات التفاعل الإيجابي بين اتجاهات التوسع في الطاقات الإنتاجية واتجاهات التراكم في رأس المال البشري، وانعكس بقوة على الارتباط الإيجابي بين معدلات نمو إنتاجية العمل ومعدلات نمو التشغيل، ولعبت حالة النضوج الصناعي والاندماج البنياني والاحتياطي الكافي من مخزون رأس المال البشري، الدور الحاسم في تحقيق هذه النتيجة. وبفعل تلك التطورات دخلت مؤسسات التعليم العالي في البلدان المتقدمة مرحلة جديدة، تهدف إلى تعميق التداخل بين الفروع العلمية، وتوثيق الصلة مع قطاع الأعمال عبر المشروعات والمؤسسات البحثية المشتركة والمنح والاستشارات، وأسهمت تلك المرحلة في خلق الظروف الملائمة لزيادة مرونة الالتحاق بالتعليم العالي، وإتاحته مدى الحياة، من خلال مؤسسات التعليم المفتوح لتوفير الأجواء الكفيلة بتحفيز العاملين على تطوير كفاءتهم الإنتاجية. وجاءت هذه التطورات استجابة لتعاظم دور السوق في سياق العولمة، وتعبيراً عن سيادة قيم السوق والمتاجرة وتحول المعرفة إلى سلعة. وكانت لهذه النقلة آثار عميقة، ليس على الجامعات فقط ولكن على البشرية جمعاء وعلى عملية بناء المعرفة ذاتها.
رأس المال البشريهو العنصر الحاسم الذي يضمن عنصر الاستدامة في عملية النمو الاقتصادي
في مقابل ذلك نجد أن معظم الدول النامية وبخاصة الدول العربية، بعيدة كل البعد عن تلك التطورات، حيث تشير عملية التطور الاقتصادي والاجتماعي إلى وجود حالة عامة شبه مستقلة على المدى البعيد بين توجهات السياسة التعليمية من ناحية ومتطلبات سوق العمل من ناحية ثانية ، يأتي ذلك في ظل ضعف مرونة الجهاز الإنتاجي وارتباط حلقاته المتقدمة بالمراكز التكنيكية المسيطرة في الخارج، وضعف إمكانيات الاختيار وضآلة قدرات التدريب والتعليم وعدم وجود احتياطي كاف للعمل التكنيكي الماهر، وانخفاض مستويات البحث والتطوير وتدهور كفاءات المنظمين، وشح المعلومات المختلفة حول الأسواق، كما أن أسواق العمل غالباً ما تخضع للمضاربين والوسطاء لتقذف برأس المال البشري من الكوادر والمهارات ومخرجات النظام التعليمي في تلك الدول نحو المجالات الخدمية والمنخفضة الإنتاجية، فيفقد المجتمع كفاءاتهم الإنتاجية، وتزداد الأمور تعقيداً في ظل تزايد معدلات العرض الفائض للقوى العاملة غير الماهرة وضآلة الفرص المتاحة في سوق العمل.
وبشكل عام تتأثر الدرجة التي يتم فيها التوافق بين مخرجات النظام التعليمي وسوق العمل على المدى القصير بالتغيرات في حالة النشاط الاقتصادي، والتغيرات في توجهات السياسة الاقتصادية، ومدى مرونة السياسة التعليمية في مواكبة التطورات في سوق العمل، أما على المدى الطويل فإنها تتأثر بمجموعة معقدة ومتشابكة من العناصر والعلاقات والمتغيرات، التي تعكس وإلى حد بعيد واقع التنمية الاقتصادية بكل ما يتضمنه هذا الواقع من تغيرات هيكلية إنتاجية ومؤسسية وتنظيمية تكنولوجية وأنظمة سوقية واحتياطات (موردية) استاتيكية وديناميكية.
وتشير ظروف أسواق العمل في كل من الدول المتقدمة والنامية إلى بروز مجموعة من الظروف والمستجدات العوامل التي أسهمت في تعقيد مهمة المواءمة بين النظامين التعليمي والإنتاجي، رغم تفاوت حدتها وأبعادها بحسب التفاوت في قوة أو ضعف الاقتصاد وطبيعة السياسات التعليمية والسياسات الاقتصادية المستخدمة ومستوى التراكم في رأس المال البشري، والشوط الذي قطعته عملية التنمية في مراحلها المختلفة، ويمكن الإشارة إلى أبرز تلك الظروف والعوامل بالنقاط التالية:
1-البعد الموضوعي المتمثل في طبيعة سوق العمل التي تتأثر بشكل مباشر بالتطورات التكنولوجية والإنتاجية، وبالتالي فإنها تتطور بسرعة أكبر من التطور في نظام التعليم والتدريب.
2- تبني السياسات الاقتصادية الانكماشية، الداعية إلى تخفيض مستويات الإنفاق الحكومي نتيجة لظروف الركود الاقتصادي، وتصاعد معدلات العجز في الموازنات الحكومية، وتطبيق برامج الخصخصة والإصلاح الاقتصادي، وما ترتب عليها من تقليص الإنفاق على التعليم، كما خفضت من قابليات أنشطة القطاع العام والأجهزة الحكومية على استيعاب الخريجين الجدد بعد ما كانت الملاذ الرئيسي لهم.
3- تأثير مضاعف الاستثمار الناجم عن عملية التفاعل الديناميكي بين عملية النمو الاقتصادي من ناحية ومستويات الإنفاق على التعليم كمتغير استثماري من ناحية ثانية، فزيادة مستوى الإنفاق على التعليم ستؤدي على المدى الطويل إلى رفع معدلات النمو الاقتصادي، وبالتالي زيادة معدلات استيعاب مخرجات النظام التعليمي في سوق العمل وتخفيض مستوى البطالة.
4- التضخم الذي أدى إلى تدهور مستويات المعيشة، وبالتالي تسبب في إضعاف حافز أعضاء هيئات التدريس على البحث والتطوير، كما يساهم في تدهور شروط العمل وعائد العمل، وبالتالي تراجع قناعة الأفراد بإمكانية تأمين مستقبلهم عن طريق التعليم واكتساب المهارات.
5- العولمة وتحرير التجارة والتقدم التكنولوجي أدت إلى تغيير متطلبات سوق العمل التكنيكية والمهنية فزادت الفجوة بين مستويات التعليم والتدريب المهني ومتطلبات سوق العمل كنتيجة لارتفاع مستويات جودة الأداء والمعرفة التقنية والمهنية ومستويات التدريب والخبرة المطلوبة لأغراض التوظيف، وأسهمت هذه التطورات في زيادة الاهتمام بتطوير رأس المال البشري وجعلته العنصر الرئيسي في عملية الإنتاج، كما أدت إلى حدوث ثورة في أنماط الطلب على العمل ورفع مستوى أجور العمالة المدربة والماهرة.
6- ظروف الحروب وعدم الاستقرار الأمني السياسي في عدد من الدول النامية وبخاصة الدول العربية، أسهمت في استنزاف قواها العاملة، وتخفيض معدلات الادخار وهروب الاستثمارات الأجنبية، والتأثير سلباً في قدرتها على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومواجهة متطلبات التعليم والتدريب.
8- سياسة مجانية التعليم، أسهمت في خفض نوعية التعليم وزيادة أعداد الخريجين غير المؤهلين لمتطلبات أسواق العمل، فرغم أن تبني تلك السياسات جاء لتخفيض مستويات الحرمان من التعليم والتدريب إلا أنها أهملت الجانب النوعي للتعليم وركزت على النواحي الكمية، فزاد عدد الخريجين غير المؤهلين لتلبية شروط سوق العمل، الأمر الذي أدى إلى شيوع البطالة بأشكالها المختلفة سواء البطالة السافرة أو المقنعة.
9- التراجع عن أساليب التخطيط بشكل عام وتخطيط القوى العاملة بشكل خاص، أدى إلى التخلي عن وضع الخطط التفصيلية القصيرة والمتوسطة والطويلة الأجل للربط بين التعليم والتدريب وفرص العمل.
10- القصور في سياسات وبرامج التدريب المهني أدى إلى الدفع بمخرجات ليس عليها طلب في سوق العمل.
11- القصور في سياسات وبرامج التدريب المهني وعشوائية التدريب وعدم التنسيق بين تلك المراكز وعدم توافر مصرف للمعلومات عن سوق العمل واحتياجاته من المهن المختلفة إلى التدريب على مهن لا يحتاج إليها سوق العمل، ونتيجة لذلك أخذت مراكز التدريب المهني ذاتها تساعد على زيادة الخلل في سوق العمل، عندما تدفع سنوياً بمخرجات تدريب ليس عليها طلب في سوق العمل مما يؤدي إلى زيادة أعداد البطالة، وفقدان الثقة بدور مراكز التدريب المهني، فضلاً عن إهدار المال والجهد المنفق عليها.
12- العادات والتقاليد والمظاهر الأخرى للسلوك الاجتماعي، أسهمت في تكريس ظاهرة الاختلال في سوق العمل وخاصة في الدول العربية، بوضع القيود على مشاركة المرأة في سوق العمل، وتركيز المشتغلين في الأجهزة الحكومية وتضخم الجهاز الإداري، ودفع صانعي السياسات التعليمية إلى الاستجابة للشروط الاجتماعية وإن كانت مخالفة لشروط سوق العمل.
::/fulltext::
::cck::1508::/cck::
