خلل هيكلي في سوق العمل
::cck::1524::/cck::
::introtext::
أبدأ كتابة هذا المقال بحديث صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات اعتبر فيه هذه السنة عام (الهوية الوطنية) في دولة الإمارات، مما يعد إعلاناً رسمياً عن القلق الخليجي من تردي الأوضاع السكانية على نحو تحول السكان الأصليون إلى أقليات وهو ما تخشاه بعض دول الخليج أن تصبح نموذجاً مشابهاً لسنغافورة التي تحول سكانها الأصليون الماويون إلى أقلية، وأصبح الصينيون المهاجرون حكام الجزيرة.
أخيراً دقت الأجراس التي ظلت تدق طوال العقدين الماضيين محذرة من تداعيات الخلل في التركيبة السكانية، أي أن مؤشرات الخلل في التركيبة السكانية أصبحت مخيفة نتيجة لسياسات خاطئة اتبعت في بعض دول المجلس كالسماح للأجانب بامتلاك العقارات والقيام بالاستثمار العقاري والموافقة على منح إقامات مفتوحة لكل من يملك شقة سكنية في المناطق المخصصة للشراء غير السكان الأصليين، مثال على ذلك مدينة (الوسيل) في قطر مما جعل سكان قطر مثلاً ينخفضون من 29 في المائة عام 2004 إلى 7 في المائة عام 2008 وهذا الخلل مرشح للتفاقم، وإن كان هذا الوضع لا يختلف عنه في دولة الإمارات، بل إنه أسوأ حالاً من دولة قطر، فقد تضاعف عدد سكان الإمارات من 3,5 مليون نسمة عام 2001 إلى 5 ملايين و631 ألف عام 2007، وانخفضت نسبة المواطنين في الفترة نفسها من 20 في المائة إلى 15,4 في المائة وانعكست على انخفاض قوة العمل من 8,7 إلى 5 في المائة.
::/introtext::
::fulltext::
أبدأ كتابة هذا المقال بحديث صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات اعتبر فيه هذه السنة عام (الهوية الوطنية) في دولة الإمارات، مما يعد إعلاناً رسمياً عن القلق الخليجي من تردي الأوضاع السكانية على نحو تحول السكان الأصليون إلى أقليات وهو ما تخشاه بعض دول الخليج أن تصبح نموذجاً مشابهاً لسنغافورة التي تحول سكانها الأصليون الماويون إلى أقلية، وأصبح الصينيون المهاجرون حكام الجزيرة.
أخيراً دقت الأجراس التي ظلت تدق طوال العقدين الماضيين محذرة من تداعيات الخلل في التركيبة السكانية، أي أن مؤشرات الخلل في التركيبة السكانية أصبحت مخيفة نتيجة لسياسات خاطئة اتبعت في بعض دول المجلس كالسماح للأجانب بامتلاك العقارات والقيام بالاستثمار العقاري والموافقة على منح إقامات مفتوحة لكل من يملك شقة سكنية في المناطق المخصصة للشراء غير السكان الأصليين، مثال على ذلك مدينة (الوسيل) في قطر مما جعل سكان قطر مثلاً ينخفضون من 29 في المائة عام 2004 إلى 7 في المائة عام 2008 وهذا الخلل مرشح للتفاقم، وإن كان هذا الوضع لا يختلف عنه في دولة الإمارات، بل إنه أسوأ حالاً من دولة قطر، فقد تضاعف عدد سكان الإمارات من 3,5 مليون نسمة عام 2001 إلى 5 ملايين و631 ألف عام 2007، وانخفضت نسبة المواطنين في الفترة نفسها من 20 في المائة إلى 15,4 في المائة وانعكست على انخفاض قوة العمل من 8,7 إلى 5 في المائة.
يبلغ عدد السكان الأصليين عام 2007 نحو 800 ألف نسمة من مجموع السكان البالغ نحو 5,631 مليون نسمة وهم لا يشكلون إلا نصف الجالية الهندية بمفردها البالغة 1,5 مليون نسمة باستثناء بقية الجاليات الأخرى مثلما ذكرت نشرة (الإيكونومسيت أنتجلنس) في نوفمبر 2007.
ولا تقل الخطورة في مملكة البحرين، إذ نشرت الصحف البحرينية في 28/2/2008 بأن سكان البحرين قُدّروا في سنة واحدة فقط بنسبة 42 في المائة، فقد كان عددهم عام 2006 بنحو 742 ألفاً وصل هذا العدد إلى 1,5 مليون نسمة عام 2007، أي أن نسبة السكان الأصليين تدنت من الثلثين إلى النصف إلى جانب تدني قوة العمل من 35 في المائة عام 2006 إلى 15 في المائة عام 2007 وهي مؤشرات ليست خطيرة فقط، بل إنها تطورات تحتاج إلى الوقوف عندها، ولا يستبعد أن تكون هذه التطورات تحققت بناء على استشارات وخطط وضعتها شركات ومعاهد أجنبية تنظر إلى هذه الدول كمشروعات تجارية وليست دولاً وطنية مما يدلل على غياب استراتيجية واعية في الفترة الماضية تعالج مشكلة الخلل السكاني ووضع استراتيجيات التنمية المستدامة التي انعكست على انخفاض قوة العمل، وتسببت في تكدس البطالة سنة بعد أخرى مما أفشل أغلب خطط معالجة مشكلة البطالة لأنها كانت تعالج الآثار وليس الأسباب أو جذور المشكلة.
ومنذ السبعينات من القرن الماضي تتوالى الدراسات والتحذيرات من خطورة الخلل السكاني، ولكن لم يتخذ القرار السياسي، بينما أدرك السياسيون الآن خطورة المرحلة، وأنه آن الأوان لمعالجة هذا الخلل قبل أن يزداد الحال سوءاً، ويصبح الحل بتكلفة تفوق قدرة الأنظمة الخليجية على الاحتمال، فعلى سبيل المثال تضغط الولايات المتحدة على دولة الإمارات باتجاه حفظ حقوق العمال الوافدين كشرط لإجراء مفاوضات نهائية لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، وسبق أن رضخت البحرين لشروط الولايات المتحدة قبل توقيع الاتفاقية الثنائية في أغسطس من عام 2006 كإلغاء شرط الكفيل للعامل الأجنبي، حيث إن دول الخليج لا تخشى من إعطاء حقوق العمال الوافدين، لكنها تخشى من استغلالهم استغلالاً مضاداً لسيادة الدول.
أي أن القضية ليست متعلقة بخيارات الجانب الاقتصادي فقط، وإنما الخيارات المتعلقة بالجانبين السياسي والاجتماعي الخطرة. وكل دول العالم تعالج قضايا الهجرة المثيرة للجدل، وتبحث عن حلول جذرية بعد فشل البحث عن حلول وسط، فمثلاً الحكومة الدنماركية فرضت قيوداً قاسية على الزيجات المرتبة، وكذلك الولايات المتحدة تبني سياجاً كبيراً على طول حدودها مع المكسيك، ويتم هذا في مجتمعات مفتوحة وحرة جعلها تتخذ تدابير ضرورية تنطوي غالباً على التضحية بالحرية والراحة.
وفي عام 2007 أبعدت فرنسا 21 ألف مهاجر، وهي لم تصل إلى الرقم الذي خططت له وهو 25 ألف مهاجر، بل إن أوروبا تعد مشروعات واجتماعات ومؤتمرات بينها وبين الدول الإفريقية المصدّرة للمهاجرين لوضع استراتيجيات مشتركة.
إذاً بعد الإضرابات الأخيرة في دولة الإمارات والتي قد تتحول في المستقبل إلى أعمال شغب تطالب بزيادة أجورها رغم رفعها بنسب تتراوح ما بين 10 -17 في المائة، وكذلك المظاهرات التي حدثت في البحرين من قبل الجالية الهندية والتي بسببها تدخل السفير الهندي لدعم مطالب الجالية الهندية برفع الأجور، الأمر الذي جعل دول الخليج تتخوف من أن تحرك الدول المصدّرة للعمالة عمالتها لضمان مصالحها الدائمة. وإن كان نجح اجتماع أبوظبي باتجاه إغلاق الملف الشائك للعمالة الوافدة في دول الخليج، فقد اتفقت 21 دولة مصدّرة ومستقبلة للعمالة في 22/1/2008 على صيغة واحدة لحفظ حقوق العمالة الآسيوية وتعزيز رفاهيتهم، وخرج هذا الاجتماع بتوصيات وقرارات مهمة في مسيرة عقود استقدام العمالة أبرزها موافقة الدول المصدّرة وبشكل نهائي على اعتبار أن مواطنيها عندما يذهبون إلى العمل في دول الخليج هم عمالة مؤقتة وليس لهم حق الإقامة الدائمة، استباقاً لما تنادي به المنظمات الدولية في إطار سعيها لتحقيق العولمة في مجال الموارد البشرية وتوطين العمالة المهاجرة في العالم. أي أن دول الخليج نجحت في هذا الاجتماع باعتبار العمالة الوافدة غير مهاجرة وأنها عمالة مؤقتة وليست دائمة، لكن المشكلة في أن القطاع الخاص دائماً ما يفشل سياسات وخطط الحكومات الخليجية لتعظيم فوائده من أجل الاستمرار في اعتماده على العمالة الرخيصة.
تتوالى منذ السبعينات من القرن الماضي الدراسات والتحذيرات من خطورة الخلل السكاني
وتخطط دولة الإمارات لزيادة سكانها لمعالجة هذا الخلل من 1,6 مليون نسمة في الوقت الراهن إلى 3,1 مليون تبعاً لخطتها المسماة (رؤية أبوظبي لعام 2030) وإن كانت هناك بعض الاقتراحات التي تصب في معالجة المشكلة بل تزيدها، مثل تصريح بعض المسؤولين بأن هناك تفكيراً في استجلاب مليون صيني لموازنة الحضور الهندي الطاغي في البلد وبالطبع مثل هذه التصريحات لا تصب في حل المشكلة، لكنهاتكشف عن مدى القلق المسيطر على المسؤولين. وبالفعل اتخذت دولة الإمارات عدداً من الإجراءات مثل إيقاف منح تأشيرات العاملين في المشاريع الصغيرة من أجل ضبط التركيبة السكانية من ضمن قرارات الستة والستين التي لم تكشف عنها دولة الإمارات إلا تدريجياً، ووضعت ست سنوات الحد الأقصى لإقامة العمال الأجانب خاصة للعمال غير المهرة لتجنب الاستحقاقات التي قد تتوجب على الدولة بسبب إقامتهم المطولة.
هذه المشكلة تسببت في تعثر برامج تنمية الموارد البشرية في ظل تزايد أعداد العمالة الوافدة مما يستوجب وضع استراتيجية تعاونية متكاملة بين دول المجلس للحد من تدفق العمالة المفتوح من دون ضوابط، فقد استبعدت نسبة كبيرة من السكان من قوة العمل خاصة من فئة النساء رغم الطفرات الهائلة في نظم التعليم بكافة مستوياتها، وتعاني دول الخليج أيضاً من عدم التناسب بين أنواع المؤهلات التي يحملها المواطنون الباحثون عن العمل وبين متطلبات سوق العمل والفرص المتاحة فيه. وحسب مصادر منظمة العمل العربية لعام 2006 فإن إجمالي العمالة الوطنية والأجنبية في دول مجلس التعاون بلغت 14,5 مليون عامل تشكل العمالة الوافدة فيها 70,3 في المائة، وتتركز معظمها في القطاع الخاص يبلغ عددها 17 مليوناً في دول المجلس بنسبة 40 في المائة من إجمالي عدد سكان المجلس (بحسب آخر أرقام للأمانة العامة للمجلس لعام 2008).
وفي ظل التزايد المستمر للاستعانة بالعمالة الوافدة ومعرفة دول مجلس التعاون بمدى الآثار السلبية المترتبة عليها اقتصادياً واجتماعياً وتنموياً، فإن الوضع يتطلب إيجاد رؤية خليجية مشتركة لمواجهة قضية العمالة وتفعيل الخطة الإرشادية الموحدة التي اقترحتها دول المجلس لإنشاء نظام نموذجي موحد لمعلومات سوق العمل الخليجي وفق استراتيجية تعاونية شاملة ومتكاملة تشتمل على الخطط الزمنية والإجراءات العملية ذات الرؤية الواضحة والجادة في التنفيذ تستهدف الحد وترشيد تدفق العمالة الوافدة من أجل توطين العمالة الخليجية كهوية مشتركة تحل محل الهوية المحلية من أجل تفعيل السوق الخليجية المشتركة التي بدأت في يناير الماضي تشكل خطوة في تكامل السوق الخليجية المشتركة، وهي تتجاوز الحركة الحرة للسلع والخدمات التي اتفق عليها في الاتحاد الجمركي الخليجي لتشمل العمالة والتوفيق بين الأنظمة من قوانين العمل إلى قوانين معاشات التقاعد واستحقاق الضمان الاجتماعي بدلاً من الحلول الوطنية المنفردة مثل (السعودة) وغيرها التي لم يثبت نجاحها لأنها لا تخضع لقوى السوق والمنافسة غير المتكافئة مع العمالة الرخيصة.
وعند النظر إلى معالجة الخلل السكاني يمكن تلقائياً أن تعالج مشكلة البطالة بعد فشل الحلول السابقة والتي اعتمدت على أساس الراتب الضعيف وليس على أساس الكفاءات والمهارات.
ومن أجل معالجة هذا الخلل السكاني والبطالة يفترض أن يسارع المجلس إلى إنشاء مجالس على غرار الاتحاد الأوروبي مثل المفوضية الخليجية ومجلس الاتحاد الخليجي وغيرها من مجالس تتمكن من معالجة مشكلات محورية ورئيسية، وتساهم في تحقيق مسيرة التنمية المشتركة ولتؤسس تكتلاً اقتصادياً منافساً للكتل الاقتصادية العالمية.
فالجدل الذي ظل لأكثر من 25 عاماً كان مقتصراً على التأثيرات الاقتصادية، بينما الجدل الحالي خرج عن مساره الاقتصادي نحو تحديد المخاطر الاجتماعية والثقافية والأمنية والديموغرافية المحتملة من العمالة الوافدة.
لكن المشكلة أكبر مما يتصورها أو يتخيلها البعض من أن العمالة هي عمالة مؤقتة، بل إن القضية ليست بهذه البساطة، فهناك شرائح كبيرة تجذرت واستقرت وتوالدت وتكاثرت، وأصبح لها كيان اجتماعي يعززه حجمها ونفوذها الاقتصادي والدعم السياسي الخارجي لها من دولها أو من خلال الالتزامات الدولية لدول الخليج تجاه المجتمع الدولي، ومن المتوقع أن يحدث ذلك تأزماً كبيراً بين هذه العمالة المتجذرة والدول التي تتوطن فيها، لأن هذه الدول تجاهلت لمدى زمني بعيد متضمنات تلك العلاقة.
وهناك العديد من الدراسات أوضحت أن العمالة المهاجرة غير الشرعية المستوطنة في دول المجلس، تشكل تهديداً لأمن واستقرار هذه الدول، الأمر الذي يجعلها تشكل (قنابل موقوتة) يمكن أن تثور وتنفجر متى ما استغلت من قبل جهات تستهدف أمن المنطقة أو لديها أجندة تريد تمريرها مما يستلزم التعامل معها بكل جدية من خلال إعداد خطط ودراسات واقعية ومنصفة تحترم كرامة الجاليات المقيمة أو المستوطنة وفي الوقت نفسه تحفظ أمن وسلامة المجتمع.



::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1524::/cck::
::introtext::
أبدأ كتابة هذا المقال بحديث صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات اعتبر فيه هذه السنة عام (الهوية الوطنية) في دولة الإمارات، مما يعد إعلاناً رسمياً عن القلق الخليجي من تردي الأوضاع السكانية على نحو تحول السكان الأصليون إلى أقليات وهو ما تخشاه بعض دول الخليج أن تصبح نموذجاً مشابهاً لسنغافورة التي تحول سكانها الأصليون الماويون إلى أقلية، وأصبح الصينيون المهاجرون حكام الجزيرة.
أخيراً دقت الأجراس التي ظلت تدق طوال العقدين الماضيين محذرة من تداعيات الخلل في التركيبة السكانية، أي أن مؤشرات الخلل في التركيبة السكانية أصبحت مخيفة نتيجة لسياسات خاطئة اتبعت في بعض دول المجلس كالسماح للأجانب بامتلاك العقارات والقيام بالاستثمار العقاري والموافقة على منح إقامات مفتوحة لكل من يملك شقة سكنية في المناطق المخصصة للشراء غير السكان الأصليين، مثال على ذلك مدينة (الوسيل) في قطر مما جعل سكان قطر مثلاً ينخفضون من 29 في المائة عام 2004 إلى 7 في المائة عام 2008 وهذا الخلل مرشح للتفاقم، وإن كان هذا الوضع لا يختلف عنه في دولة الإمارات، بل إنه أسوأ حالاً من دولة قطر، فقد تضاعف عدد سكان الإمارات من 3,5 مليون نسمة عام 2001 إلى 5 ملايين و631 ألف عام 2007، وانخفضت نسبة المواطنين في الفترة نفسها من 20 في المائة إلى 15,4 في المائة وانعكست على انخفاض قوة العمل من 8,7 إلى 5 في المائة.
::/introtext::
::fulltext::
أبدأ كتابة هذا المقال بحديث صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات اعتبر فيه هذه السنة عام (الهوية الوطنية) في دولة الإمارات، مما يعد إعلاناً رسمياً عن القلق الخليجي من تردي الأوضاع السكانية على نحو تحول السكان الأصليون إلى أقليات وهو ما تخشاه بعض دول الخليج أن تصبح نموذجاً مشابهاً لسنغافورة التي تحول سكانها الأصليون الماويون إلى أقلية، وأصبح الصينيون المهاجرون حكام الجزيرة.
أخيراً دقت الأجراس التي ظلت تدق طوال العقدين الماضيين محذرة من تداعيات الخلل في التركيبة السكانية، أي أن مؤشرات الخلل في التركيبة السكانية أصبحت مخيفة نتيجة لسياسات خاطئة اتبعت في بعض دول المجلس كالسماح للأجانب بامتلاك العقارات والقيام بالاستثمار العقاري والموافقة على منح إقامات مفتوحة لكل من يملك شقة سكنية في المناطق المخصصة للشراء غير السكان الأصليين، مثال على ذلك مدينة (الوسيل) في قطر مما جعل سكان قطر مثلاً ينخفضون من 29 في المائة عام 2004 إلى 7 في المائة عام 2008 وهذا الخلل مرشح للتفاقم، وإن كان هذا الوضع لا يختلف عنه في دولة الإمارات، بل إنه أسوأ حالاً من دولة قطر، فقد تضاعف عدد سكان الإمارات من 3,5 مليون نسمة عام 2001 إلى 5 ملايين و631 ألف عام 2007، وانخفضت نسبة المواطنين في الفترة نفسها من 20 في المائة إلى 15,4 في المائة وانعكست على انخفاض قوة العمل من 8,7 إلى 5 في المائة.
يبلغ عدد السكان الأصليين عام 2007 نحو 800 ألف نسمة من مجموع السكان البالغ نحو 5,631 مليون نسمة وهم لا يشكلون إلا نصف الجالية الهندية بمفردها البالغة 1,5 مليون نسمة باستثناء بقية الجاليات الأخرى مثلما ذكرت نشرة (الإيكونومسيت أنتجلنس) في نوفمبر 2007.
ولا تقل الخطورة في مملكة البحرين، إذ نشرت الصحف البحرينية في 28/2/2008 بأن سكان البحرين قُدّروا في سنة واحدة فقط بنسبة 42 في المائة، فقد كان عددهم عام 2006 بنحو 742 ألفاً وصل هذا العدد إلى 1,5 مليون نسمة عام 2007، أي أن نسبة السكان الأصليين تدنت من الثلثين إلى النصف إلى جانب تدني قوة العمل من 35 في المائة عام 2006 إلى 15 في المائة عام 2007 وهي مؤشرات ليست خطيرة فقط، بل إنها تطورات تحتاج إلى الوقوف عندها، ولا يستبعد أن تكون هذه التطورات تحققت بناء على استشارات وخطط وضعتها شركات ومعاهد أجنبية تنظر إلى هذه الدول كمشروعات تجارية وليست دولاً وطنية مما يدلل على غياب استراتيجية واعية في الفترة الماضية تعالج مشكلة الخلل السكاني ووضع استراتيجيات التنمية المستدامة التي انعكست على انخفاض قوة العمل، وتسببت في تكدس البطالة سنة بعد أخرى مما أفشل أغلب خطط معالجة مشكلة البطالة لأنها كانت تعالج الآثار وليس الأسباب أو جذور المشكلة.
ومنذ السبعينات من القرن الماضي تتوالى الدراسات والتحذيرات من خطورة الخلل السكاني، ولكن لم يتخذ القرار السياسي، بينما أدرك السياسيون الآن خطورة المرحلة، وأنه آن الأوان لمعالجة هذا الخلل قبل أن يزداد الحال سوءاً، ويصبح الحل بتكلفة تفوق قدرة الأنظمة الخليجية على الاحتمال، فعلى سبيل المثال تضغط الولايات المتحدة على دولة الإمارات باتجاه حفظ حقوق العمال الوافدين كشرط لإجراء مفاوضات نهائية لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين البلدين، وسبق أن رضخت البحرين لشروط الولايات المتحدة قبل توقيع الاتفاقية الثنائية في أغسطس من عام 2006 كإلغاء شرط الكفيل للعامل الأجنبي، حيث إن دول الخليج لا تخشى من إعطاء حقوق العمال الوافدين، لكنها تخشى من استغلالهم استغلالاً مضاداً لسيادة الدول.
أي أن القضية ليست متعلقة بخيارات الجانب الاقتصادي فقط، وإنما الخيارات المتعلقة بالجانبين السياسي والاجتماعي الخطرة. وكل دول العالم تعالج قضايا الهجرة المثيرة للجدل، وتبحث عن حلول جذرية بعد فشل البحث عن حلول وسط، فمثلاً الحكومة الدنماركية فرضت قيوداً قاسية على الزيجات المرتبة، وكذلك الولايات المتحدة تبني سياجاً كبيراً على طول حدودها مع المكسيك، ويتم هذا في مجتمعات مفتوحة وحرة جعلها تتخذ تدابير ضرورية تنطوي غالباً على التضحية بالحرية والراحة.
وفي عام 2007 أبعدت فرنسا 21 ألف مهاجر، وهي لم تصل إلى الرقم الذي خططت له وهو 25 ألف مهاجر، بل إن أوروبا تعد مشروعات واجتماعات ومؤتمرات بينها وبين الدول الإفريقية المصدّرة للمهاجرين لوضع استراتيجيات مشتركة.
إذاً بعد الإضرابات الأخيرة في دولة الإمارات والتي قد تتحول في المستقبل إلى أعمال شغب تطالب بزيادة أجورها رغم رفعها بنسب تتراوح ما بين 10 -17 في المائة، وكذلك المظاهرات التي حدثت في البحرين من قبل الجالية الهندية والتي بسببها تدخل السفير الهندي لدعم مطالب الجالية الهندية برفع الأجور، الأمر الذي جعل دول الخليج تتخوف من أن تحرك الدول المصدّرة للعمالة عمالتها لضمان مصالحها الدائمة. وإن كان نجح اجتماع أبوظبي باتجاه إغلاق الملف الشائك للعمالة الوافدة في دول الخليج، فقد اتفقت 21 دولة مصدّرة ومستقبلة للعمالة في 22/1/2008 على صيغة واحدة لحفظ حقوق العمالة الآسيوية وتعزيز رفاهيتهم، وخرج هذا الاجتماع بتوصيات وقرارات مهمة في مسيرة عقود استقدام العمالة أبرزها موافقة الدول المصدّرة وبشكل نهائي على اعتبار أن مواطنيها عندما يذهبون إلى العمل في دول الخليج هم عمالة مؤقتة وليس لهم حق الإقامة الدائمة، استباقاً لما تنادي به المنظمات الدولية في إطار سعيها لتحقيق العولمة في مجال الموارد البشرية وتوطين العمالة المهاجرة في العالم. أي أن دول الخليج نجحت في هذا الاجتماع باعتبار العمالة الوافدة غير مهاجرة وأنها عمالة مؤقتة وليست دائمة، لكن المشكلة في أن القطاع الخاص دائماً ما يفشل سياسات وخطط الحكومات الخليجية لتعظيم فوائده من أجل الاستمرار في اعتماده على العمالة الرخيصة.
تتوالى منذ السبعينات من القرن الماضي الدراسات والتحذيرات من خطورة الخلل السكاني
وتخطط دولة الإمارات لزيادة سكانها لمعالجة هذا الخلل من 1,6 مليون نسمة في الوقت الراهن إلى 3,1 مليون تبعاً لخطتها المسماة (رؤية أبوظبي لعام 2030) وإن كانت هناك بعض الاقتراحات التي تصب في معالجة المشكلة بل تزيدها، مثل تصريح بعض المسؤولين بأن هناك تفكيراً في استجلاب مليون صيني لموازنة الحضور الهندي الطاغي في البلد وبالطبع مثل هذه التصريحات لا تصب في حل المشكلة، لكنهاتكشف عن مدى القلق المسيطر على المسؤولين. وبالفعل اتخذت دولة الإمارات عدداً من الإجراءات مثل إيقاف منح تأشيرات العاملين في المشاريع الصغيرة من أجل ضبط التركيبة السكانية من ضمن قرارات الستة والستين التي لم تكشف عنها دولة الإمارات إلا تدريجياً، ووضعت ست سنوات الحد الأقصى لإقامة العمال الأجانب خاصة للعمال غير المهرة لتجنب الاستحقاقات التي قد تتوجب على الدولة بسبب إقامتهم المطولة.
هذه المشكلة تسببت في تعثر برامج تنمية الموارد البشرية في ظل تزايد أعداد العمالة الوافدة مما يستوجب وضع استراتيجية تعاونية متكاملة بين دول المجلس للحد من تدفق العمالة المفتوح من دون ضوابط، فقد استبعدت نسبة كبيرة من السكان من قوة العمل خاصة من فئة النساء رغم الطفرات الهائلة في نظم التعليم بكافة مستوياتها، وتعاني دول الخليج أيضاً من عدم التناسب بين أنواع المؤهلات التي يحملها المواطنون الباحثون عن العمل وبين متطلبات سوق العمل والفرص المتاحة فيه. وحسب مصادر منظمة العمل العربية لعام 2006 فإن إجمالي العمالة الوطنية والأجنبية في دول مجلس التعاون بلغت 14,5 مليون عامل تشكل العمالة الوافدة فيها 70,3 في المائة، وتتركز معظمها في القطاع الخاص يبلغ عددها 17 مليوناً في دول المجلس بنسبة 40 في المائة من إجمالي عدد سكان المجلس (بحسب آخر أرقام للأمانة العامة للمجلس لعام 2008).
وفي ظل التزايد المستمر للاستعانة بالعمالة الوافدة ومعرفة دول مجلس التعاون بمدى الآثار السلبية المترتبة عليها اقتصادياً واجتماعياً وتنموياً، فإن الوضع يتطلب إيجاد رؤية خليجية مشتركة لمواجهة قضية العمالة وتفعيل الخطة الإرشادية الموحدة التي اقترحتها دول المجلس لإنشاء نظام نموذجي موحد لمعلومات سوق العمل الخليجي وفق استراتيجية تعاونية شاملة ومتكاملة تشتمل على الخطط الزمنية والإجراءات العملية ذات الرؤية الواضحة والجادة في التنفيذ تستهدف الحد وترشيد تدفق العمالة الوافدة من أجل توطين العمالة الخليجية كهوية مشتركة تحل محل الهوية المحلية من أجل تفعيل السوق الخليجية المشتركة التي بدأت في يناير الماضي تشكل خطوة في تكامل السوق الخليجية المشتركة، وهي تتجاوز الحركة الحرة للسلع والخدمات التي اتفق عليها في الاتحاد الجمركي الخليجي لتشمل العمالة والتوفيق بين الأنظمة من قوانين العمل إلى قوانين معاشات التقاعد واستحقاق الضمان الاجتماعي بدلاً من الحلول الوطنية المنفردة مثل (السعودة) وغيرها التي لم يثبت نجاحها لأنها لا تخضع لقوى السوق والمنافسة غير المتكافئة مع العمالة الرخيصة.
وعند النظر إلى معالجة الخلل السكاني يمكن تلقائياً أن تعالج مشكلة البطالة بعد فشل الحلول السابقة والتي اعتمدت على أساس الراتب الضعيف وليس على أساس الكفاءات والمهارات.
ومن أجل معالجة هذا الخلل السكاني والبطالة يفترض أن يسارع المجلس إلى إنشاء مجالس على غرار الاتحاد الأوروبي مثل المفوضية الخليجية ومجلس الاتحاد الخليجي وغيرها من مجالس تتمكن من معالجة مشكلات محورية ورئيسية، وتساهم في تحقيق مسيرة التنمية المشتركة ولتؤسس تكتلاً اقتصادياً منافساً للكتل الاقتصادية العالمية.
فالجدل الذي ظل لأكثر من 25 عاماً كان مقتصراً على التأثيرات الاقتصادية، بينما الجدل الحالي خرج عن مساره الاقتصادي نحو تحديد المخاطر الاجتماعية والثقافية والأمنية والديموغرافية المحتملة من العمالة الوافدة.
لكن المشكلة أكبر مما يتصورها أو يتخيلها البعض من أن العمالة هي عمالة مؤقتة، بل إن القضية ليست بهذه البساطة، فهناك شرائح كبيرة تجذرت واستقرت وتوالدت وتكاثرت، وأصبح لها كيان اجتماعي يعززه حجمها ونفوذها الاقتصادي والدعم السياسي الخارجي لها من دولها أو من خلال الالتزامات الدولية لدول الخليج تجاه المجتمع الدولي، ومن المتوقع أن يحدث ذلك تأزماً كبيراً بين هذه العمالة المتجذرة والدول التي تتوطن فيها، لأن هذه الدول تجاهلت لمدى زمني بعيد متضمنات تلك العلاقة.
وهناك العديد من الدراسات أوضحت أن العمالة المهاجرة غير الشرعية المستوطنة في دول المجلس، تشكل تهديداً لأمن واستقرار هذه الدول، الأمر الذي يجعلها تشكل (قنابل موقوتة) يمكن أن تثور وتنفجر متى ما استغلت من قبل جهات تستهدف أمن المنطقة أو لديها أجندة تريد تمريرها مما يستلزم التعامل معها بكل جدية من خلال إعداد خطط ودراسات واقعية ومنصفة تحترم كرامة الجاليات المقيمة أو المستوطنة وفي الوقت نفسه تحفظ أمن وسلامة المجتمع.



::/fulltext::
::cck::1524::/cck::
