نداء مكة: دعوة إلى توطيد ركائز السلم العالمي

::cck::1483::/cck::
::introtext::

سيبقى المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي عقد في مكة المكرمة مطلع شهر يونيو الماضي برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بنعبدالعزيز، وفي ضوء المبادئ الإسلامية الفكرية التي صدرت عن البيان الختامي الذي اشتمل على وثيقة (نداء مكة)، حدثاًانعطافياً في مسيرة الفكر الإسلامي لتبنيه توجهاً تجديدياً للتواصل والحوار مع الأديان والحضارات والثقافات، بهدف إشاعة ثقافة الحوار وتنمية مهاراته وفق أسس علمية لتوطيد ركائز السلم العالمي، في وقت يواجه فيه العالم تحديات كثيرة تهدد بتداعياتها مستقبل الإنسانية في ظل تزايد الترويج لقيم الصراع بين الحضارات بدلاً من إعلاء مبادىء التسامح والحوار.

::/introtext::
::fulltext::

سيبقى المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي عقد في مكة المكرمة مطلع شهر يونيو الماضي برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بنعبدالعزيز، وفي ضوء المبادئ الإسلامية الفكرية التي صدرت عن البيان الختامي الذي اشتمل على وثيقة (نداء مكة)، حدثاًانعطافياً في مسيرة الفكر الإسلامي لتبنيه توجهاً تجديدياً للتواصل والحوار مع الأديان والحضارات والثقافات، بهدف إشاعة ثقافة الحوار وتنمية مهاراته وفق أسس علمية لتوطيد ركائز السلم العالمي، في وقت يواجه فيه العالم تحديات كثيرة تهدد بتداعياتها مستقبل الإنسانية في ظل تزايد الترويج لقيم الصراع بين الحضارات بدلاً من إعلاء مبادىء التسامح والحوار.

على الرغم من أن التفاعل الحضاري، صراعاً وتعاوناً، قديم قدم الحضارات الإنسانية ذاتها، إلا أن مقولة (صراع الحضارات) لم تطرح بالكثافة والشمول اللذين طرحت بهما إلا على أثر نشر صموئيل هنتنغتون دراسته التي حملت العنوان نفسه بمجلة (شؤون خارجية) في صيف 1993. وهي الدراسة التي عمل المؤلف بعد ذلك على بلورتها وتطويرها في كتاب ذائع الصيت. وتنطلق هذه المقولة من الاعتقاد بأن هوية الحضارات ستغدو مهمة بشكل متزايد في المستقبل، حيث سيتشكل العالم إلى حد بعيد بسبب التدافع بين سبع أو ثماني حضارات رئيسية (هي الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الكونفوشوسية، والحضارة اليابانية، والحضارة الهندوسية، والحضارة الأرثوذكسية، والحضارة السلافية، والحضارة اللاتينية-الأمريكية، وربما الحضارة الإفريقية)، وأن النزاعات الأكثر أهمية وخطورة في المستقبل ستنشب على امتداد خطوط الاختلاف الثقافية التي تفصل الحضارات عن بعضها البعض. وينبه هنتنغتون إلى أن (نظريته) حول صراع الحضارات لا تعني أن الهوية الحضارية ستحل محل كل الهويات الأخرى، أو أن الدول ستختفي بحيث تصبح كل حضارة وحدة سياسية واحدة، أو أن المجموعات الموجودة داخل كل حضارة لن تتنازع مع بعضها البعض ومع نفسها، لكن نظريته تصدر عن فرضية مفادها أن الفوارق بين الحضارات تعد فوارق موضوعية وحقيقية ومهمة، وأن الوعي الحضاري يتزايد، وأن الصراع بين الحضارات سيحل محل الصراعات الأخرى بما فيها تلك الأيديولوجية. فإذا كان الصراع بعد اتفاقية (وستفاليا) قد اشتعل بين أمراء وأباطرة ثم تطور بعد الثورة الفرنسية ليصبح بين دول، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وبفعل الثورة البلشفية والحركة المضادة لها اتخذ طابعاً أيديولوجياً متنامياً، فإنه بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وتبشير فوكوياما بنهاية التاريخ تحول مع هنتنغتون إلى صراع ثقافي وديني. أما العوامل التي تعزز هذا الصراع وتعمل على تأجيجه فتتمثل – حسب هنتنغتون – في كون الاختلافات القائمة بين الحضارات تعد اختلافات حقيقية وأساسية، وأن التداخل المتزايد بين شعوب الحضارات المختلفة من شأنه أن يقوي (الوعي الحضاري) ولا يضعفه، كما أنه في مواجهة مضاعفات عملية التحديث وما ينتج عنها من اغتراب الناس عن هوياتهم الأصلية، وإضعاف دور الدولة القومية كمصدر للهوية، ستنشط الحركات الأصولية عبر القومية، مما سيفضي إلى الاستقواء بالذات والانكفاء عليها.

لقد تعرضت أطروحة هنتنغتون لنقد شديد تمحور حول كونها تقدم الأساس النظرى للكره والتباغض بين أبناء الحضارات المختلفة، وإغفالها جوانب التفاعل غير الصراعية بين هذه الحضارات وهي الجوانب التي كانت على مدار التاريخ مصدراً لإثراء التراث الإنساني، فضلاً عن انحيازاتها الأيديولوجية الواضحة، واستشهادها بشواهد (مصلحية) بحتة (العلاقات العسكرية الصينية-الإيرانية) للدلالة على التقارب بين الحضارات المختلفة (الحضارتان الكونفوشوسية والإسلامية في هذه الحالة) في تحميل للظواهر فوق ما تحتمل.

 في المقابل تبلور اتجاه مضاد للرؤية السابقة يعلي من قيمة الحوار بين الحضارات كان في القلب منه العالم الإسلامي المستهدف الأساسي من أطروحة صدام الحضارات، ومن ثم يجسد (نداء مكة) تطويراً لهذه الرؤية التي ركزت على التعاون والتواصل الحضاري والثقافي بين الشعوب، واعتبار أن حوار الحضارات يعد مدخلاً مناسباً لتعزيز العلاقات الودية والتعاون بين الدول وإنهاء التهديدات للسلم والأمن الدوليين في إطار أن إنجازات الحضارات تعد إرثاً مشتركاً للإنسانية مع الأخذ في الاعتبار خصوصية كل حضارة وثقافة وضرورة الاعتراف بالتنوع الثقافي وتنوع اللغات والتقاليد، هذا التنوع الذي أصبح اليوم مهدداً بسبب نتائج العولمة السلبية، ومثل هذا التهديد يؤدي من دون شك إلى الانكماش والانغلاق على الذات، والذي تظهر أبعاده ونتائجه في الكثير من الأحداث المؤسفة آخرها أزمة الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – الأمر الذي يتطلب السماح بإقامة حوار بنّاء بين العالم الإسلامي والشعوب من مختلف الديانات، يعد نافذة يطل المسلمون من خلاله على العالم، وعن طريقه يمكن تحقيق جملة من الأهداف من أهمها:

أولاً: التعريف بالإسلام وشرائعه ومبادئه الإنسانية، وما يملكه من رصيد حضاري كبير يمكّنه من الإسهام الفاعل في ترشيد مسيرة الحضارة الإنسانية والرد على الافتراءات المثارة عن الإسلام وتصحيح الصورة المغلوطة عنه وعن دوله ومؤسساته في الأوساط الدينية والعلمية والإعلامية.

ثانياً: الإسهام في مواجهة التحديات وحلّ المشكلات التي تواجه البشـرية بسبب بعدها عن الدين، وتنكرها لقيمه وأحكامه؛ مما أوقعها في براثن الرذيلة والظلم والإرهاب وهتك حقوق الإنسان وإفساد البيئة التي أنعم الله عز وجل بها على البشرية.

ثالثاً: مساندة القضايا العادلة المتعلقة بحقوق الإنسان المشروعة والدفاع عنها، وتكوين رأي عام عالمي يناصرها ويهتم بها ويتعاون على تحقيق مطالبها المشروعة.

رابعاً: كشف دعاوى المروجين لصـراع الحضارات ونهاية التاريخ، ورفض مزاعمهم بعداء الإسلام للحضارة المعاصرة؛ بهدف إثارة الخوف من الإسلام والمسلمين، وفرض السيطرة على شعوب العالم، وبسط ثقافة واحدة عليه.

خامساًً: التعرف إلى غير المسلمين وثقافاتهم، وإرساء المبادئ المشتركة معهم، مما يحقق التعايش السلمي والأمن الاجتماعي للمجتمع الإنساني، والتعاون في بث القيم الأخلاقية الفاضلة، ومناصرة الحق والخير والسلام، ومكافحة الهيمنة، والاستغلال، والظلم، والفساد الخلقي، والتحلل الأسري، وغيرها من الشرور التي تهدد المجتمعات.

سادساً: حل الإشكالات والخصومات التي قد تقع بين المسلمين وغيرهم ممن يتشاركون معهم في الأوطان والمجتمعات بدرجتي الأكثرية أو الأقلية، وتوفير المناخ الصالح للتعايش الاجتماعي والوطني بلا مجافاة أو خصومات أو تباعد.

سابعاً: تحقيق التفاهم مع الحضارات والثقافات الإنسانية وتأكيد انخراط المسلمين ضمن التعددية الحضارية لبني البشر، وتوظيف هذا التفاهم لتحقيق السلام العالمي وحمايته، ودعم التواصل بين أتباع المذاهب الإسلامية سعياً إلى وحدة الأمة، وتخفيفاً من آثار العصبية والخصومة.

والواقع أن تحديد أهداف الحوار مع الآخر لن تؤتي ثمارها إلا من خلال إيجاد آليات فعالة يتم توظيفها لدعم التواصل الحضاري تتمثل وفقاً لوثيقة نداء مكة في: تكوين هيئة عالمية للحوار، تضم الجهات الرئيسية المعنية بالحوار في الأمة الإسلامية، وذلك لوضع استراتيجية موحدة للحوار ومتابعة شؤونه وتنشيطه والتنسيق والتعاون في ذلك مع الجهات المعنية به، بالإضافة إلى أهمية الاستفادة من تدشين جائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للحوار ومنحها للشخصيات والهيئات العالمية التي تسهم في تطوير الحوار وتحقيق أهدافه وكذلك الإسراع بإنشاء مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي للتواصل بين الحضارات بهدف إشاعة ثقافة الحوار وتنمية مهاراته وفق أسس علمية لتوطيد ركائز السلم العالمي.

وحتى يمكن تحقيق الأهداف المرجوة من فكرة الحوار مع الآخر، فإنه يجب أن تنتصر إرادة التعقل والتسامح، ونبذ حتمية الصراع بين الحضارات. ويبرز في هذا الصدد دور الفئات الشابة التي تقع عليها مسؤولية بناء الغد فهذه الفئات يجب أنتكون باستمرار في صلب البرامج شريكاً استراتيجياً في بناء جسور التواصل بين الحضاراتوالتقارب فيما بينها، كما يتعين على مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام ومختلف وسائل الاتصالأن تساهم في دعم حرية الفرد مع احترام القيم والمعتقدات، وأن تتقبل الرأيوالرأي المخالف.

ولابد أنتشارككذلك في هذا الحوار كافة مؤسسات المجتمع المدني ومايرتبط بها من مختلف المنظمات حتى تشارك المجتمعات بأسرها في بلورة رؤية للحواروتبادل الرأي وإرساء القيم التي يمكن بها رصد جدول أعمال عالمي للأولويات تذوبفيه الأولويات الخاصة بكل طرف، فبذلك فقط تصبح غايات حوار الحضارات ممكنةالتحقيق.

 وإذا كان (نداء مكة) مبادرةعالمية للحوار انطلقت من مكة المكرمة، مهبط الوحي ومنطلق رسالة الإسلام وقبلة المسلمين، حظيت بإجماع إسلامي لتركيزها على أهمية القواسم المشتركة بين الحضارات، فإن ذلك يعزز من إزالة مظاهر التوتر والصدام وإتاحة فرص التقارب والتآلف والتجاور واحترام الهويات الثقافية وتقدير الحضارات المتنوعة، مما يتطلب وضع استراتيجية واضحة المعالم لمخاطبة الآخر يمكن أن تركز محاورها على التالي:

1ـ العمل على تعميق الحوار والانفتاح نحو الآخر وتفهم معتقداته واحترامها باعتبار ذلك أحد المقومات الأساسية لحضارتنا الإسلامية التي تفرض احترام ثقافة ومعتقدات الآخر، وتدين أي أعمال عنف مهما بلغ الاختلاف مداه‏.‏

2ـ دعوة الحكومات إلى أن تدرج في المناهج الدراسية ببلادها ما من شأنه احترام التعدد الحضاري والثقافي واللغوي وتدريس إنجازات الحضارات الأخرى بما يدعم جهود الفهم والاعتراف المتبادل فيما بين الحضارات والثقافات، والبحث عن المعايير والقيم المشتركة وتعزيزها بين الشعوب.

3ـ جمع مثقفي العرب والمسلمين معاً بغرض صياغة مشروع شامل للحوار بين الحضارات وإدماج المراكز الأكاديمية والبحثية العربية والإسلامية والمغتربين العرب خارج أوطانهم في هذا الجهد، مما يمهد في مرحلة لاحقة لعقد لقاءات مع مثقفين وإعلاميين ورجال سياسة ورجال أعمال ومنظمات غير حكومية ومؤسسات مجتمع مدني من الغرب، وتوجيه رسالة إعلامية حضارية تتصف بالاستمرارية إلى الغرب بلغاته، وتمويل إقامة بعثات لدراسة الحضارة العربية الإسلامية في جامعات مختارة ومهمة في مختلف أنحاء العالم، وتكليف شركات ومؤسسات إعلامية ومعنية بالعلاقات العامة للقيام بحملة لصالح العرب في الغرب.

الحوار يسهم في مواجهة التحديات وحل المشكلات التي تواجه البشرية بسبب بعدها عن الدين

4ـ الأخذ في الاعتبار عند صياغة الخطاب العربي الإسلامي على أساس نظرة الإسلام للبشر جميعاً باعتبارهم متساويين من دون تمييز أو عنصرية ونظرتهإلى الآخر على أساس الاحترام المتبادل والإطار الأخلاقي الذي يحكم المعاملات الدولية من منظور الإسلام، أي معاملات الدول الإسلامية مع غيرها من الدول سواء في زمن الحرب أو السلام، وكذلك إبراز دعوة الإسلام للتعاون بما يتجاوز مجرد التعايش أو ما يجري الترويج له في الغرب حالياً من قيمة التسامح باعتبارها أقصى ما يمكن الوصول إليه، ومخاطبة الغرب باللغة الفكرية والسياسية والثقافية والإعلامية التي يفهمها، وتعريف الغرب بحقائق ودوافع ومشكلات العالمين العربي والإسلامي.

5ـ وضع برنامج عملي تشارك فيه الدول ومنظمات المجتمع المدني للنهوض بالسلم والتفاهم بين الشعوب ووضع إطار دولي يستند إلى وسائل الإعلام والإنترنت وتنمية التعاون بين تيارات الأكثرية (الصامتة) والتي تتسم بالاعتدال وترفض التطرف، بالإضافة إلى توظيف قدرة التأثير لدى وسائل الإعلام لتقديم نماذج حية للحوار بين علماء ينتمون إلى ثقافات مختلفة، ويضمن هذا البرنامج الالتزام بالموضوعية والحياد عند تناول الآخر وعدم تلوين الحقائق بما يشوه صورة الآخرين وأسلوب حياتهم وبما يعين على اكتشاف عناصر الاتفاق وتبادل الزيارات بين ممارسي النشاط الإعلامي في المؤسسات الحكومية والخاصة وإقامة مواقع متعددة اللغات على شبكة الإنترنت للحوار بين الحضارات.

إن (نداء مكة) هو دعوة لكل البشرية من أجل أن تناضل ضد الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة والتصورات الخاطئة التي تهدد السلام العالمي‏.‏ إنه نداء لكل هؤلاء الذين يؤمنون بالبناء بدلاً من الهدم‏‏، والحوار والتفاعل بدلاً من الصدام من أجل دعم توطيد ركائز السلم العالمي.

::/fulltext::

85-e7f
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1483::/cck::
::introtext::

سيبقى المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي عقد في مكة المكرمة مطلع شهر يونيو الماضي برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بنعبدالعزيز، وفي ضوء المبادئ الإسلامية الفكرية التي صدرت عن البيان الختامي الذي اشتمل على وثيقة (نداء مكة)، حدثاًانعطافياً في مسيرة الفكر الإسلامي لتبنيه توجهاً تجديدياً للتواصل والحوار مع الأديان والحضارات والثقافات، بهدف إشاعة ثقافة الحوار وتنمية مهاراته وفق أسس علمية لتوطيد ركائز السلم العالمي، في وقت يواجه فيه العالم تحديات كثيرة تهدد بتداعياتها مستقبل الإنسانية في ظل تزايد الترويج لقيم الصراع بين الحضارات بدلاً من إعلاء مبادىء التسامح والحوار.

::/introtext::
::fulltext::

سيبقى المؤتمر الإسلامي العالمي للحوار الذي عقد في مكة المكرمة مطلع شهر يونيو الماضي برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بنعبدالعزيز، وفي ضوء المبادئ الإسلامية الفكرية التي صدرت عن البيان الختامي الذي اشتمل على وثيقة (نداء مكة)، حدثاًانعطافياً في مسيرة الفكر الإسلامي لتبنيه توجهاً تجديدياً للتواصل والحوار مع الأديان والحضارات والثقافات، بهدف إشاعة ثقافة الحوار وتنمية مهاراته وفق أسس علمية لتوطيد ركائز السلم العالمي، في وقت يواجه فيه العالم تحديات كثيرة تهدد بتداعياتها مستقبل الإنسانية في ظل تزايد الترويج لقيم الصراع بين الحضارات بدلاً من إعلاء مبادىء التسامح والحوار.

على الرغم من أن التفاعل الحضاري، صراعاً وتعاوناً، قديم قدم الحضارات الإنسانية ذاتها، إلا أن مقولة (صراع الحضارات) لم تطرح بالكثافة والشمول اللذين طرحت بهما إلا على أثر نشر صموئيل هنتنغتون دراسته التي حملت العنوان نفسه بمجلة (شؤون خارجية) في صيف 1993. وهي الدراسة التي عمل المؤلف بعد ذلك على بلورتها وتطويرها في كتاب ذائع الصيت. وتنطلق هذه المقولة من الاعتقاد بأن هوية الحضارات ستغدو مهمة بشكل متزايد في المستقبل، حيث سيتشكل العالم إلى حد بعيد بسبب التدافع بين سبع أو ثماني حضارات رئيسية (هي الحضارة العربية الإسلامية، والحضارة الكونفوشوسية، والحضارة اليابانية، والحضارة الهندوسية، والحضارة الأرثوذكسية، والحضارة السلافية، والحضارة اللاتينية-الأمريكية، وربما الحضارة الإفريقية)، وأن النزاعات الأكثر أهمية وخطورة في المستقبل ستنشب على امتداد خطوط الاختلاف الثقافية التي تفصل الحضارات عن بعضها البعض. وينبه هنتنغتون إلى أن (نظريته) حول صراع الحضارات لا تعني أن الهوية الحضارية ستحل محل كل الهويات الأخرى، أو أن الدول ستختفي بحيث تصبح كل حضارة وحدة سياسية واحدة، أو أن المجموعات الموجودة داخل كل حضارة لن تتنازع مع بعضها البعض ومع نفسها، لكن نظريته تصدر عن فرضية مفادها أن الفوارق بين الحضارات تعد فوارق موضوعية وحقيقية ومهمة، وأن الوعي الحضاري يتزايد، وأن الصراع بين الحضارات سيحل محل الصراعات الأخرى بما فيها تلك الأيديولوجية. فإذا كان الصراع بعد اتفاقية (وستفاليا) قد اشتعل بين أمراء وأباطرة ثم تطور بعد الثورة الفرنسية ليصبح بين دول، ومع نهاية الحرب العالمية الأولى وبفعل الثورة البلشفية والحركة المضادة لها اتخذ طابعاً أيديولوجياً متنامياً، فإنه بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وتبشير فوكوياما بنهاية التاريخ تحول مع هنتنغتون إلى صراع ثقافي وديني. أما العوامل التي تعزز هذا الصراع وتعمل على تأجيجه فتتمثل – حسب هنتنغتون – في كون الاختلافات القائمة بين الحضارات تعد اختلافات حقيقية وأساسية، وأن التداخل المتزايد بين شعوب الحضارات المختلفة من شأنه أن يقوي (الوعي الحضاري) ولا يضعفه، كما أنه في مواجهة مضاعفات عملية التحديث وما ينتج عنها من اغتراب الناس عن هوياتهم الأصلية، وإضعاف دور الدولة القومية كمصدر للهوية، ستنشط الحركات الأصولية عبر القومية، مما سيفضي إلى الاستقواء بالذات والانكفاء عليها.

لقد تعرضت أطروحة هنتنغتون لنقد شديد تمحور حول كونها تقدم الأساس النظرى للكره والتباغض بين أبناء الحضارات المختلفة، وإغفالها جوانب التفاعل غير الصراعية بين هذه الحضارات وهي الجوانب التي كانت على مدار التاريخ مصدراً لإثراء التراث الإنساني، فضلاً عن انحيازاتها الأيديولوجية الواضحة، واستشهادها بشواهد (مصلحية) بحتة (العلاقات العسكرية الصينية-الإيرانية) للدلالة على التقارب بين الحضارات المختلفة (الحضارتان الكونفوشوسية والإسلامية في هذه الحالة) في تحميل للظواهر فوق ما تحتمل.

 في المقابل تبلور اتجاه مضاد للرؤية السابقة يعلي من قيمة الحوار بين الحضارات كان في القلب منه العالم الإسلامي المستهدف الأساسي من أطروحة صدام الحضارات، ومن ثم يجسد (نداء مكة) تطويراً لهذه الرؤية التي ركزت على التعاون والتواصل الحضاري والثقافي بين الشعوب، واعتبار أن حوار الحضارات يعد مدخلاً مناسباً لتعزيز العلاقات الودية والتعاون بين الدول وإنهاء التهديدات للسلم والأمن الدوليين في إطار أن إنجازات الحضارات تعد إرثاً مشتركاً للإنسانية مع الأخذ في الاعتبار خصوصية كل حضارة وثقافة وضرورة الاعتراف بالتنوع الثقافي وتنوع اللغات والتقاليد، هذا التنوع الذي أصبح اليوم مهدداً بسبب نتائج العولمة السلبية، ومثل هذا التهديد يؤدي من دون شك إلى الانكماش والانغلاق على الذات، والذي تظهر أبعاده ونتائجه في الكثير من الأحداث المؤسفة آخرها أزمة الرسوم الدنماركية المسيئة للرسول الكريم – صلى الله عليه وسلم – الأمر الذي يتطلب السماح بإقامة حوار بنّاء بين العالم الإسلامي والشعوب من مختلف الديانات، يعد نافذة يطل المسلمون من خلاله على العالم، وعن طريقه يمكن تحقيق جملة من الأهداف من أهمها:

أولاً: التعريف بالإسلام وشرائعه ومبادئه الإنسانية، وما يملكه من رصيد حضاري كبير يمكّنه من الإسهام الفاعل في ترشيد مسيرة الحضارة الإنسانية والرد على الافتراءات المثارة عن الإسلام وتصحيح الصورة المغلوطة عنه وعن دوله ومؤسساته في الأوساط الدينية والعلمية والإعلامية.

ثانياً: الإسهام في مواجهة التحديات وحلّ المشكلات التي تواجه البشـرية بسبب بعدها عن الدين، وتنكرها لقيمه وأحكامه؛ مما أوقعها في براثن الرذيلة والظلم والإرهاب وهتك حقوق الإنسان وإفساد البيئة التي أنعم الله عز وجل بها على البشرية.

ثالثاً: مساندة القضايا العادلة المتعلقة بحقوق الإنسان المشروعة والدفاع عنها، وتكوين رأي عام عالمي يناصرها ويهتم بها ويتعاون على تحقيق مطالبها المشروعة.

رابعاً: كشف دعاوى المروجين لصـراع الحضارات ونهاية التاريخ، ورفض مزاعمهم بعداء الإسلام للحضارة المعاصرة؛ بهدف إثارة الخوف من الإسلام والمسلمين، وفرض السيطرة على شعوب العالم، وبسط ثقافة واحدة عليه.

خامساًً: التعرف إلى غير المسلمين وثقافاتهم، وإرساء المبادئ المشتركة معهم، مما يحقق التعايش السلمي والأمن الاجتماعي للمجتمع الإنساني، والتعاون في بث القيم الأخلاقية الفاضلة، ومناصرة الحق والخير والسلام، ومكافحة الهيمنة، والاستغلال، والظلم، والفساد الخلقي، والتحلل الأسري، وغيرها من الشرور التي تهدد المجتمعات.

سادساً: حل الإشكالات والخصومات التي قد تقع بين المسلمين وغيرهم ممن يتشاركون معهم في الأوطان والمجتمعات بدرجتي الأكثرية أو الأقلية، وتوفير المناخ الصالح للتعايش الاجتماعي والوطني بلا مجافاة أو خصومات أو تباعد.

سابعاً: تحقيق التفاهم مع الحضارات والثقافات الإنسانية وتأكيد انخراط المسلمين ضمن التعددية الحضارية لبني البشر، وتوظيف هذا التفاهم لتحقيق السلام العالمي وحمايته، ودعم التواصل بين أتباع المذاهب الإسلامية سعياً إلى وحدة الأمة، وتخفيفاً من آثار العصبية والخصومة.

والواقع أن تحديد أهداف الحوار مع الآخر لن تؤتي ثمارها إلا من خلال إيجاد آليات فعالة يتم توظيفها لدعم التواصل الحضاري تتمثل وفقاً لوثيقة نداء مكة في: تكوين هيئة عالمية للحوار، تضم الجهات الرئيسية المعنية بالحوار في الأمة الإسلامية، وذلك لوضع استراتيجية موحدة للحوار ومتابعة شؤونه وتنشيطه والتنسيق والتعاون في ذلك مع الجهات المعنية به، بالإضافة إلى أهمية الاستفادة من تدشين جائزة الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للحوار ومنحها للشخصيات والهيئات العالمية التي تسهم في تطوير الحوار وتحقيق أهدافه وكذلك الإسراع بإنشاء مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز الدولي للتواصل بين الحضارات بهدف إشاعة ثقافة الحوار وتنمية مهاراته وفق أسس علمية لتوطيد ركائز السلم العالمي.

وحتى يمكن تحقيق الأهداف المرجوة من فكرة الحوار مع الآخر، فإنه يجب أن تنتصر إرادة التعقل والتسامح، ونبذ حتمية الصراع بين الحضارات. ويبرز في هذا الصدد دور الفئات الشابة التي تقع عليها مسؤولية بناء الغد فهذه الفئات يجب أنتكون باستمرار في صلب البرامج شريكاً استراتيجياً في بناء جسور التواصل بين الحضاراتوالتقارب فيما بينها، كما يتعين على مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام ومختلف وسائل الاتصالأن تساهم في دعم حرية الفرد مع احترام القيم والمعتقدات، وأن تتقبل الرأيوالرأي المخالف.

ولابد أنتشارككذلك في هذا الحوار كافة مؤسسات المجتمع المدني ومايرتبط بها من مختلف المنظمات حتى تشارك المجتمعات بأسرها في بلورة رؤية للحواروتبادل الرأي وإرساء القيم التي يمكن بها رصد جدول أعمال عالمي للأولويات تذوبفيه الأولويات الخاصة بكل طرف، فبذلك فقط تصبح غايات حوار الحضارات ممكنةالتحقيق.

 وإذا كان (نداء مكة) مبادرةعالمية للحوار انطلقت من مكة المكرمة، مهبط الوحي ومنطلق رسالة الإسلام وقبلة المسلمين، حظيت بإجماع إسلامي لتركيزها على أهمية القواسم المشتركة بين الحضارات، فإن ذلك يعزز من إزالة مظاهر التوتر والصدام وإتاحة فرص التقارب والتآلف والتجاور واحترام الهويات الثقافية وتقدير الحضارات المتنوعة، مما يتطلب وضع استراتيجية واضحة المعالم لمخاطبة الآخر يمكن أن تركز محاورها على التالي:

1ـ العمل على تعميق الحوار والانفتاح نحو الآخر وتفهم معتقداته واحترامها باعتبار ذلك أحد المقومات الأساسية لحضارتنا الإسلامية التي تفرض احترام ثقافة ومعتقدات الآخر، وتدين أي أعمال عنف مهما بلغ الاختلاف مداه‏.‏

2ـ دعوة الحكومات إلى أن تدرج في المناهج الدراسية ببلادها ما من شأنه احترام التعدد الحضاري والثقافي واللغوي وتدريس إنجازات الحضارات الأخرى بما يدعم جهود الفهم والاعتراف المتبادل فيما بين الحضارات والثقافات، والبحث عن المعايير والقيم المشتركة وتعزيزها بين الشعوب.

3ـ جمع مثقفي العرب والمسلمين معاً بغرض صياغة مشروع شامل للحوار بين الحضارات وإدماج المراكز الأكاديمية والبحثية العربية والإسلامية والمغتربين العرب خارج أوطانهم في هذا الجهد، مما يمهد في مرحلة لاحقة لعقد لقاءات مع مثقفين وإعلاميين ورجال سياسة ورجال أعمال ومنظمات غير حكومية ومؤسسات مجتمع مدني من الغرب، وتوجيه رسالة إعلامية حضارية تتصف بالاستمرارية إلى الغرب بلغاته، وتمويل إقامة بعثات لدراسة الحضارة العربية الإسلامية في جامعات مختارة ومهمة في مختلف أنحاء العالم، وتكليف شركات ومؤسسات إعلامية ومعنية بالعلاقات العامة للقيام بحملة لصالح العرب في الغرب.

الحوار يسهم في مواجهة التحديات وحل المشكلات التي تواجه البشرية بسبب بعدها عن الدين

4ـ الأخذ في الاعتبار عند صياغة الخطاب العربي الإسلامي على أساس نظرة الإسلام للبشر جميعاً باعتبارهم متساويين من دون تمييز أو عنصرية ونظرتهإلى الآخر على أساس الاحترام المتبادل والإطار الأخلاقي الذي يحكم المعاملات الدولية من منظور الإسلام، أي معاملات الدول الإسلامية مع غيرها من الدول سواء في زمن الحرب أو السلام، وكذلك إبراز دعوة الإسلام للتعاون بما يتجاوز مجرد التعايش أو ما يجري الترويج له في الغرب حالياً من قيمة التسامح باعتبارها أقصى ما يمكن الوصول إليه، ومخاطبة الغرب باللغة الفكرية والسياسية والثقافية والإعلامية التي يفهمها، وتعريف الغرب بحقائق ودوافع ومشكلات العالمين العربي والإسلامي.

5ـ وضع برنامج عملي تشارك فيه الدول ومنظمات المجتمع المدني للنهوض بالسلم والتفاهم بين الشعوب ووضع إطار دولي يستند إلى وسائل الإعلام والإنترنت وتنمية التعاون بين تيارات الأكثرية (الصامتة) والتي تتسم بالاعتدال وترفض التطرف، بالإضافة إلى توظيف قدرة التأثير لدى وسائل الإعلام لتقديم نماذج حية للحوار بين علماء ينتمون إلى ثقافات مختلفة، ويضمن هذا البرنامج الالتزام بالموضوعية والحياد عند تناول الآخر وعدم تلوين الحقائق بما يشوه صورة الآخرين وأسلوب حياتهم وبما يعين على اكتشاف عناصر الاتفاق وتبادل الزيارات بين ممارسي النشاط الإعلامي في المؤسسات الحكومية والخاصة وإقامة مواقع متعددة اللغات على شبكة الإنترنت للحوار بين الحضارات.

إن (نداء مكة) هو دعوة لكل البشرية من أجل أن تناضل ضد الأحكام المسبقة والمفاهيم المغلوطة والتصورات الخاطئة التي تهدد السلام العالمي‏.‏ إنه نداء لكل هؤلاء الذين يؤمنون بالبناء بدلاً من الهدم‏‏، والحوار والتفاعل بدلاً من الصدام من أجل دعم توطيد ركائز السلم العالمي.

::/fulltext::
::cck::1483::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *