تفاعل الأحداث في كركوك.. بين مطرقة المصالح الإقليمية وسندان الاستحقاقات الداخلية
::cck::1785::/cck::
::introtext::
تعد قضية مدينة كركوك من القضايا الشائكة في حقبة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لاعتبارات اقتصادية وسياسية وإثنية مختلفة لا مجال لذكرها الآن، إذ يتشعب الحديث عنها طويلاً، ويضيق به المقام والمجال معاً.
لقد شهدت كركوك سلسلة من الاضطرابات المختلفة في الآونة الأخيرة مما مهد الطريق لموجة من العنف قد تشهدها المدينة سريعاً بعد هدوء نسبي شهدته والمناطق الشمالية من العراق. وأسباب ذلك عديدة من أبرزها تزايد وجود عناصر تنظيم القاعدة في المدينة مع زيادة الضغط على التنظيم في مناطق وجوده في وسط العراق وشماله، مما أنتج حالة من نزوح بعض عناصر التنظيم وقيادته إلى المدينة للاستفادة من الهدوء وملاحقة الحكومة والجيش العراقي لهم، والاستفادة من الحواضن الاجتماعية (العشائر العراقية السنية مثل عشائر العبيد) التي فقدوها نتيجة لتداعيات تجربة الصحوات. وقد أسعفت الظروف التنظيم بعد أن شعرت العشائر السنية بأنها مستهدفة نتيجة العملية السياسية وما أفرزته نتائج الحملة العسكرية للمالكي (أم الربيعين) على مدينة الموصل التي قوّت من الوجود المسلح للأكراد في هذه المدينة.
::/introtext::
::fulltext::
تعد قضية مدينة كركوك من القضايا الشائكة في حقبة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لاعتبارات اقتصادية وسياسية وإثنية مختلفة لا مجال لذكرها الآن، إذ يتشعب الحديث عنها طويلاً، ويضيق به المقام والمجال معاً.
لقد شهدت كركوك سلسلة من الاضطرابات المختلفة في الآونة الأخيرة مما مهد الطريق لموجة من العنف قد تشهدها المدينة سريعاً بعد هدوء نسبي شهدته والمناطق الشمالية من العراق. وأسباب ذلك عديدة من أبرزها تزايد وجود عناصر تنظيم القاعدة في المدينة مع زيادة الضغط على التنظيم في مناطق وجوده في وسط العراق وشماله، مما أنتج حالة من نزوح بعض عناصر التنظيم وقيادته إلى المدينة للاستفادة من الهدوء وملاحقة الحكومة والجيش العراقي لهم، والاستفادة من الحواضن الاجتماعية (العشائر العراقية السنية مثل عشائر العبيد) التي فقدوها نتيجة لتداعيات تجربة الصحوات. وقد أسعفت الظروف التنظيم بعد أن شعرت العشائر السنية بأنها مستهدفة نتيجة العملية السياسية وما أفرزته نتائج الحملة العسكرية للمالكي (أم الربيعين) على مدينة الموصل التي قوّت من الوجود المسلح للأكراد في هذه المدينة.
وكان للإدارة الأمريكية الدور الأكبر في الهدوء الذي شهدته المدينة في السنوات الماضية نتيجة لمحاولات الإدارة الحثيثة لإقناع كل من الأكراد والعرب بالتعايش برهة من الوقت وجد فيها مختلف الأطراف مصالح مشتركة في إبقاء الوضع في كركوك بعيداً عن التفجر ريثما تنضج الظروف لمناقشتها؛ فقد عاد الأكراد بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين إلى كركوك التي يطلقون عليها (قدس الأكراد)، مطالبين بضمها إلى كردستان هي وحقولها النفطية مستفيدين من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية (المادة 58) والدستور العراقي الذي أقر ضرورة تطبيع الأوضاع في المدينة للإسراع في عودة الأكراد إلى مدنهم، وإعادة الأكراد إلى أعمالهم في الشركات النفطية وهي الدائرة الوحيدة التي لم يسيطر الأكراد عليها منذ سقوط الرئيس صدام حسين، فيما هرب المرحلون (العرب) الساكنون في كركوك من منازلهم، واختار البعض الآخر مع التركمان مقاتلة الوجود الكردي مما هدد الاستقرار الأمني في المدينة، مما دفع القوات الأمريكية التي خشيت وقوع مصادمات أهلية فأقنعت العرب بالبقاء وأقنعت أيضاً الأكراد بالانتظار إلى حين توفر الحل القانوني للمشكلة.
ولذلك ومع اقتراب المشروع الأمريكي المعدّ للعراق من نهايته والمتمثل في انتخابات مجالس الأقاليم، التي تعد تتويجاً لنظام الفيدرالية، وتقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق متباينة سكانياً وإثنياً وطائفياً، واقتراب نهاية التفويض الممنوح للقوات الأمريكية والمتعددة الجنسية للانسحاب من العراق، وزيادة الحديث حول انسحاب أمريكي وشيك منه، في ظل وجود تشريعات قانونية منحت الأكراد مزيداً من الحقوق فاقت حتى مستحقاتهم الحقيقية إلا أنها لم تطبق؛ إذ خشي الأكراد من تداعيات هذا الانسحاب في ظل انسحاب الأمم المتحدة لتبني فكرة تقسيم كركوك مما دفع الأكراد أكثر باتجاه تصعيد الأزمة في كركوك مهددين الاستقرار الذي نعمت بها المدينة.
وفي الثاني والعشرين من شهر يوليو الماضي، وافق مجلس النواب على قانون انتخابات مجالس المحافظات والذي اقترح تأجيل الانتخابات في كركوك إلى أجل غير مسمى وإقرار إدارة مشتركة متساوية بين مكوناتها (العرب والتركمان والأكراد) واستقدام قوةأمنية من جنوب العراق ووسطه لحماية المحافظة؛ إذ جاءت المادة 24 من قانون مجالس المحافظات والمتعلقة بمحافظة كركوك على أن تؤجل انتخابات مجلس المحافظة إلى حين إنهاء مهام اللجنة المشكلة على أن تصدر قرارات المجلس خلال تلك الفترة بالتوافق بين العرب والأكراد والتركمان، وأن يتم تقسيم السلطة في المدينة بينهم بالتساوي بنسبة 32 في المائة و4 في المائة تترك للمسيحيين، وأن يعهد بالملف الأمني إلى وحدات عسكرية مستقدمة من الجنوب والوسط بدلاً من الوحدات العسكرية العاملة حالياً. كما نصت على تحديد التجاوزات على الأملاك العامة والخاصة والسكنية ضمن المحافظة بعد 9 إبريل 2003، وهو ما دفع إلى نقضه من رئاسة الجمهورية بعد يوم واحد من إقراره، في جلسة أثارت الكثير من الجدل بين الكتل النيابية بسبب اعتمادها التصويت العلني والسري لبعض فقرات القانون وخصوصاً المادة 24 المتعلقة بكركوك، مما أدى إلى انسحاب كتلة التحالف الكردستاني من الجلسة احتجاجاً على طريقة التصويت. ويعلل التحالف الكردستاني سبب الانسحاب بأن طريقة التصويت على مواد القانون جاءت بصورة فردية، كل مادة على حدة، وبصورة علنية كما يجري عليه الوضع في التصويت داخل البرلمان بحسب النظام الداخلي. لكن التصويت على المادة 24 من القانون جاء بصورة مغايرة، إذ جرى التصويت على القانون بصورة سرية وهو ما أثار استياء الأكراد تحديداً مما دفعهم للانسحاب. وتجدر الإشارة إلى أن رئيس المجلس كان ينوي جعل التصويت على المادة 24 سرياً بهدف إبعاد تأثير رؤساء الكتل البرلمانية في الأعضاء فيما لو جرى التصويت بصورة علنية مما سيضع العضو في دائرة الضغوط.
ولم يكتف الأكراد بنقض القانون من خلال رئيس الجمهورية؛ إذ لجأت الكتلة الكردية في مجلس محافظة كركوك، حيث يتمتع الأكراد بأغلبية ونفوذ كبيرين، إلى الإعلان عن الخروج من المأزق الحالي بضم كركوك إلى مناطق كردستان أي الاحتكام إلى الشارع، مما فاقم من حدة التوتر في الشارع، وخرجت على أثرها المظاهرات وازدادت عمليات العنف والاغتيال المتبادلة بين المكونات الإثنية في المدينة.
وقد تفجر الوضع في كركوك في 28 يوليو الماضي وقامت على أثره الجبهة الكردية بإيعاز من الأحزاب الكردية الرئيسية بعدد من الخروقات الأمنية طالت العرب والتركمان مما أسفر عن حرق المقر الرئيسي للجبهة التركمانية في المدينة.
حقيقة المخاوف الكردية
لعل أكثر ما أرق الأكراد من قانون الانتخابات هو تلك النقطة المتعلقة باستقدام قوة مسلحة من وسط العراق وجنوبه لحفظ الأمن في المدينة، أي إيجاد قوة مسلحة في مناطق الشمال مما يعد تهديداً للوجود المسلح أو للسيطرة الكردية المسلحة على عموم شمال العراق. وهو ما دفع بحسب بعض المصادر إلى تحرك قوة كردية بحجم لواءين من قوات البشمركة الكردية المخصصة لحماية السليمانية إلى المناطق المحاذية لحدود هاتين المحافظتين مع محافظة كركوك بشكل يغلق الطريق على المناطق العربية في بيجي أو المناطق التركمانية في داقوق أو تازة للتحرك إلى داخل مدينة كركوك. وأضافت المصادر أن عناصر هذين اللواءين التي انضمت بموجب اتفاق بين الحكومة الكردية والحكومة المركزية في بغداد إلى قطعات الجيش العراقي في وقت سابق نصبت دوريات كردية ترفع علم الإقليم الكردي في هذه المناطق بشكل أثار مشاعر الاستياء بين المواطنين. لكن سرعان ما نفت قيادة (البشمركة) هذه التحركات، في حين أكدت بعض المصادر في كركوك قيام الإدارة الكردية باستقدام مزيد من عناصر البشمركة الكردية من أربيل والسليمانية بزي مدني ودفعهم إلى المدينة.
وكشفت مصادر برلمانية مطلعة أن موضوع الضمانات لا يجمع أقطاب الاختلاف حول كركوك كون التحالف الكردستاني يطالب بضمانات تؤكد كردستانية كركوك، فيما يدعو التركمان والعرب إلى تغيير الوجود العسكري داخل كركوك باستقدام قوات عراقية من الوسط والجنوب، وإبعاد قوات البشمركة التي توصف من قبل البعض بأنها ليست قوات حكومية تتبع سلطة حكومة بغداد المركزية بالقدر الذي لا تزال تنفذ فيه إرادة الحكومة الكردية في المناطق المتنازع عليها.
وحاولت الأمم المتحدة عبر ممثلها استيفان دي ميستورا والسفير الأمريكي في العراق رايان كروكر إسعاف الوضع بتقريب وجهات النظر المتباينة، أي الإبقاء على نص المادة بإضافة مقترح يقضي بتثبيت المادة 140 من الدستور، وخصوصاً تلك المتعلقة بتطبيع الأوضاع في كركوك والمناطق المتنازع عليها، وأن يتم تنفيذها كما هي بحيث تجرى الانتخابات في كركوك كما في المحافظات الأخرى. وتشير المصادر إلى قبول الأكراد بهذه الصيغة، ويقع على الجانبين العربي والتركماني تقديم مقترحات مماثلة لتقريب وجهات النظر؛ ويختلف هؤلاء على المادة 140 الخاصة بتطبيع الأوضاع؛ بحيث تم بموجبها انتهاك الطبيعة الديموغرافية للمدينة لصالح الأكراد؛ بحيث يعتقد التركمان أن التغييرات التي جرت بعد عام 2003 ستعطي للأكراد الأفضلية في أي تصويت يخص مستقبل المدينة مما دفعهم إلى تقديم مقترح يقضي بجعل كركوك منطقة مستقلة بذاتها تدار بصورة مشتركة وهو ما يرفضه الأكراد.
دور الأمم المتحدة في التوفيق بين مختلف القوى
لقد سعت الأمم المتحدة إلى التوفيق بين الأطراف لإجازة قانون المحافظات والأقضية في البرلمان حتى يتم إجراء الانتخابات في موعدها الذي اتفقت عليه الأطراف العراقية وهو بداية أكتوبر 2008. ونظراً للاختلافات الكبيرة التي ظهرت بين الأطراف سعت الأمم المتحدة إلى تقديم مقترحاتها المتعلقة بموضوع كركوك تحديداً، حيث إنه في البداية قدمت مقترحاً لتأجيل الانتخابات في كركوك نظراً لعدم إمكانية تطبيق المادة 140 من الدستور وذلك لمدة ستة أشهر، خصوصاً مع انتهاء المدة المحددة من قبل الدستور بموجب المادة 140 والتي انتهت في 31/12/2007؛ وحينما انتهت المدة في يونيو الماضي قدمت الأمم المتحدة عبر دي ميستورا مقترحاً يتضمن إجراء الانتخابات في أكتوبر 2008 بحيث تقسم المحافظة إلى أربع مناطق انتخابية وليس منطقة انتخابية، كما يحبذ الأكراد مطالبين بتطبيق المادة 140 من الدستور وإجراء استفتاء على مصير المدينة. لكن سرعان ما تصاعد التوتر في المدينة وقوبلت مقترحات ذي مستوراً بالرفض. وللتوفيق بين الأطراف اقترحت الأمم المتحدة المادة 24 من قانون انتخابات مجالس المحافظات الذي قدم للبرلمان وتمت الموافقة عليه، لكن تم رفضه في مجلس الرئاسة بعد يوم واحد من التصويت في البرلمان، وجاءت المادة 24 لتنص على تأجيل الانتخابات المحافظة مدة ستة أشهر، مع ضرورة أن تكون القرارات في مجلس محافظة كركوك خلال مدة التأجيل بالتوافق بين المكونات الثلاثة الرئيسية (عرب – كرد – تركمان)، على أن يتم تقاسم السلطة بينهم بنسبة 32 في المائة لكل مكون، فيما تعطى نسبة 4 في المائة للمسيحيين، فضلاً عن نقل الملف الأمني في المدينة إلى وحدات عسكرية مستقدمة من جنوب ووسط العراق بدلاً من الوحدات العسكرية العاملة حالياً. لكن الكتلة الكردية رفضت هذه المقترحات مطالبة بإدراج المادة 140 من الدستور ضمن البند 24 المتعلق بإجراء الانتخابات في كركوك، وتم رفض هذا المقترح من قبل بعض القوى على اعتبار أن هذه المادة تتضمن إجراء انتخابات وليست التصويت على مصير المدينة.
ومع نهاية الدورة التشريعية العادية للبرلمان لم يتم الاتفاق على التصويت على قانون المحافظات نظراً لعدم التوافق على نص المادة 24 المتعلقة بكركوك؛ وقدمت الأمم المتحدة قبل يوم من فض الدورة العادية للبرلمان مقترحاً جديداً قد توافق عليه القوى، مما يستدعي إجراء جلسة استثنائية للبرلمان خلال فترة إجازة البرلمان؛ بحيث يعطي النظام الداخلي للبرلمان لرئيسه الدعوة إلى جلسة استثنائية ولمرة واحدة.
وتشير المصادر إلى أن الأمم المتحدة ومن أجل إحداث التوافق على المادة 24 اقترحت النص التالي: تأجيل الانتخابات في مدينة كركوك لمدة أقصاها نهاية العام 2009، واستمرار المناقشات في البرلمان العراقي لصياغة قانون ينظم الانتخابات في كركوك، على ألا تتجاوز نهاية العام الحالي، فضلاً عن استمرار مجلس محافظة كركوك الحالي بأداء مهامه كاملة، إلى حين تنظيم الانتخابات في المدينة، ومراجعة السجلات فيها لمعرفة التجاوزات الديموغرافية التي حصلت، قبل وبعد عام 2003، بالإضافة إلى التأكيد على ضرورة احترام كافة المواد الدستورية المتعلقة بمدينة كركوك، ومن ضمنها المادة 140.
نتائج ما بعد تأجيل قانون انتخابات كركوك
أفرزت نتائج التصويت على قانون انتخابات المحافظات والفشل الذي منيت فيه خصوصاً للتصويت على المادة المتعلقة بانتخابات كركوك، عدداً من التبعات ووضعت القوى العراقية أمام حقيقة المصالح المتضاربة بينها؛ فإذا كانت قد اتفقت في السابق هذه القوى ودخلت في تحالفات تضمن مصالح خاصة لهذا التنظيم أو ذاك التحالف، فقد أثبت التصويت على مصير الانتخابات في كركوك عقم كل التسويات التي حاول البعض فرضها على الأرض مما يستدعي إعادة النظر في المواقف المختلفة تجاه هذه المدينة على وجه الخصوص وتجاه مختلف القضايا الأخرى على وجه العموم، حيث إن لقضية كركوك ذيولاً مختلفة يجدر الانتباه إليها ملياً، فهي قضية تتقاطع فيها المصالح الداخلية مع الامتدادات الإقليمية، غير متناسين الأطماع الدولية، لكن سنركز حديثنا هنا على الجانبين الداخلي والإقليمي لما لهما من تأثير مباشر وواضح.
داخلياً: برز على الساحة العراقية مشهد جديد يجدر بالقوى العراقية التي ارتبط مصيرها أو نظرتها لشكل العراق الانتباه إليه ملياً؛ فالاتفاقيات الرباعية والثلاثية وصولاً إلى الاتفاق السداسي لم تفلح في رأب الصدع بينهم؛ فكركوك أثبتت عقم هذه التحالفات؛ فقد ظهر مشهد حاول الأكراد ملياً إبعاده عن المشهد العراقي المتمثل في اتفاق العرب الشيعة والسنة على قضية واحدة، مما يعد تهديداً للمطالب الكردية على المدى المنظور، وفشل سياسة احتواء الأطراف التي انتهجها الجانب الكردي في التعامل مع القوى العراقية؛ فلم يعد الضرب على وتر الخوف من الحرب الطائفية أو عودة حكم البعث بما تحمل هذه الكلمة من معنى يمتد إلى عودة السنة للحكم على حساب الشيعة بحيث يدفع الأخير باتجاه التحالف مع الأكراد، لم يعد أمراً تخشى منه هذه الطائفة استجابة لرغبات الأغلبية ناهيك عن تشرذم الشيعة إلى أكثر من فصيل متحارب.
لقد طالب الجانب الكردي عبر قيادته بحقوق أكثر من استحقاقهم الوطني في ظل وجود نظرة لدى مختلف شرائح المجتمع العراقي أن الرابح الأوحد من العملية السياسية أو من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق هم الأكراد، واتضح لدى البعض أن التشريعات والقوانين التي صدرت ورسمت العملية السياسية إنما جاء القسم الأكبر منها استجابة لرغبة القوى الكردية، بدءاً من قانون إدارة الدولة العراقية (على سبيل المثال المادة 58) مروراً بالتشريعات المائة الصادرة عن قوة الائتلاف وصولاً إلى الدستور الدائم (المادة 140 من الدستور) وأن الفيتو الممنوح في قانون إدارة الدولة أو في الدستور خصوصاً والمتعلق بنقض الدستور إنما منح في الحقيقة إلى الأكراد.
كل ذلك أفرز حالة واسعة من الاستياء لدى شرائح كبيرة من المجتمع العراقي بقومياته المختلفة ضد الأكراد؛ وتشير بعض المصادر إلى حالة من الاحتقان ضد الأكراد في بعض مناطق العراق وتحديداً في بغداد التي يقطنها بحدود ستمائة ألف كردي مما يعيد الحديث أكثر عن نشوب حرب أهلية. حيث سبق وأشرنا في دراسات سابقة إلى تنامي ظاهرة العداء في صفوف قسم كبير من المجتمع العراقي ضد الأكراد محذرين من نقطة اللاعودة في العلاقات العربية (العراقية) مع الأكراد.
ويعبر الشيخ سليمان بيك رئيس عشيرة البيات التركمانية في كركوك عن هذه النقطة (انظر مقال كركوك برميل البارود متى ينفجر والمنشور ضمن إصدارات المعهد العربي) بالقول إن كركوك تسكنها ثلاث قوميات رئيسية وهي العرب والأكراد والتركمان وطالما تعايشوا في ود وسلام في الماضي، لذا لا يمكن تغليب قومية على أخرى، فيجب أن تكون كركوك مدينة عراقية مفتوحة للجميع، وأن ما تسعى إليه الأحزاب الكردية في سياسة (تكريد) المنطقة هو أشبه بإشعال الفتيل لبرميل البارود الذي نجلس عليهجميعاً. ويدعو الشيخ سليمان بيك الحكومة العراقية إلى عدم الوقوف ساكنة أمام الدعوات الكردية خوفاً من الائتلاف الهش الذي تشكله، ويقول (إن قضية كركوك هي قضية وطنية تهم كافة أبناء الشعب العراقي، ويجب ألا تشغلنا المصالح الآنية عن القضايا الوطنية الكبرى) وأضاف (ألم يكتف الأكراد بما حصلوا عليه الآن من فيدراليةوالمشاركة في السلطة المركزية بسبع حقائب وزارية مهمةوبمنصبي نائبي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بينما التركمان مهمشون في هذه التركيبة) !إن كركوك ستبقى بمثابة (برميل بارود) قابل للانفجار في أية لحظة في ظل تدفق استمرار الهجرة الكردية على المدينة، ما لم تتحرك الحكومة العراقية والفعاليات والأحزاب السياسية العراقية لكبح جماح الدعوات الكردية التي تصاعدت بعد ما لمست سكوناً وصمتاً يثيران الدهشةمن قبل الجهاتالرسميةوالقوى الفاعلة العراقية الأخرى التي وقفت متفرجة على ما يجري في كركوك من سياسة تكريد منظمة لتغيير الهوية الديموغرافية للمدينة باستثناء بعض الدعوات المهمة والخجولة لبعض الشخصيات السياسية حول وحدة مدينة كركوك والشراكة القومية فيها.
عاد الأكراد بعد سقوط النظام العراقي السابق إلى كركوك مطالبين بضمها إلى كردستان
والنقطة الأخرى التي برزت من نتائج التصويت على قانون الانتخابات على المشهد السياسي العراقي، بروز مشكلة الحدود بين المحافظات العراقية؛ حيث أخذت بعض المحافظات تتذرع بالمادة 140 للمطالبة بأقضية وقرى استقطعت من المحافظة وتم دمجها بمحافظة أخرى، فهذه المادة لا تتعلق بكركوك والمناطق المتنازع عليها بين الأكراد والعرب، بل انسحب الأمر إلى محافظات أخرى مما يهدد النسيج الداخلي للمجتمعات العراقية ويفاقم من حدة التوتر؛ فقد أثيرت منذ أيام قليلة قضية الحدود بين محافظتي كربلاء والأنبار حول ناحية النحيب المتنازع عليها، والعائدة الآن إلى ناحية الرطبة التابعة لمحافظة الأنبار، ويرى مجلس بلدي كربلاء أن حل هذه المسألة يقع ضمن مهام اللجنة البرلمانية الدستورية المكلفة بتطبيق المادة 140 من الدستور، التي لا تخص كركوك وحدها، بل تخص كافة المناطق المتنازع عليها إدارياً، بحسب ما أفاد فلاح حسن العطية المسؤول في مجلس محافظة كربلاء، والذي يشغل منصب رئيس لجنة الإعمار، حيث أوضح من جانبه (أن مشكلة الحدود الإدارية فيما بين المحافظات والمدن العراقية ليست جديدة، بل تعود إلى ما قبل زمن النظام السابق، وبحسب المعلومات والوثائق الإدارية المتوافرة في المحافظة، فإنه وبعد تأسيس قضاء (عين التمر) وهو أحد أقضية كربلاء وتبعت لها ناحية النخيب، وكذلك ناحية (الرحالية)، وبعد مجيء النظام السابق قام باقتطاع الناحيتين المذكورتين ودمجهما في محافظة الأنبار). ويرفض مجلس بلدي الأنبار هذه التهم ويرى أن هذه النواحي تتبع ناحية الرطبة. وكذلك الحال بين مدينتي المثنى والناصرية والخلاف الذي نشأ موخراً بينهما على ناحية (بصية) التابعة الآن لحكومة المثنى. ناهيك عن أن مطالب الأكراد لا تتوقف على مدينة كركوك بل تمتد إلى تلعفر والمنطقة الشمالية من الموصل، وخانقين ومندلي في ديالا.
كركوك ستبقى بمثابة برميل بارود قابل للانفجار في ظل استمرار الهجرة الكردية على المدينة
إقليمياً: يبدو أنشهر العسل بين أنقرة والأكراد الذي فرضته ظروف المنطقة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 والذي أخذ مدى بعيداً في التنسيق الأمني والعسكري وصل إلى حد المشاركة في العمليات العسكرية التركية لمطاردة حزب العمال الكردستاني التركي في شمال العراق، أوشك على النهاية على خلفية قضية كركوك، فقد أعرب الرئيس التركي عبدالله غول في أكثر من مناسبة عن أن بلاده مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى للتدخل من أجل حماية التركمان في كركوك أو تغيير هوية المدينة! ومثلما هدد الأتراك بوقف تعاونهم العسكري مع الولايات المتحدة خلال أحداث مدينة تلعفر التي تسكنها جالية تركمانية كبيرة والتي اندلعت في عام 2005، أكد كافة السياسيين الأتراك على اختلاف انتماءاتهم السياسية أن كركوك تأتي في مقدمة اهتمامات تركيا، وأنها خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
وهكذا، فإن حل مشكلة كركوك لا يمكن أن يأتي من خلال صيغة توافقية بين مختلف المكونات السياسية في البلاد فقط -كما أشار مجلس الرئاسة في نقضه للقانون- بل بضرورة الأخذ في الاعتبار الاستحقاقات الإقليمية، مما يجعل من مشكلة كركوك عصية على الحل في ظل تصارع داخلي تتجه فيه القوى العراقية نحو الاستعانة بأطراف إقليمية ودولية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1785::/cck::
::introtext::
تعد قضية مدينة كركوك من القضايا الشائكة في حقبة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لاعتبارات اقتصادية وسياسية وإثنية مختلفة لا مجال لذكرها الآن، إذ يتشعب الحديث عنها طويلاً، ويضيق به المقام والمجال معاً.
لقد شهدت كركوك سلسلة من الاضطرابات المختلفة في الآونة الأخيرة مما مهد الطريق لموجة من العنف قد تشهدها المدينة سريعاً بعد هدوء نسبي شهدته والمناطق الشمالية من العراق. وأسباب ذلك عديدة من أبرزها تزايد وجود عناصر تنظيم القاعدة في المدينة مع زيادة الضغط على التنظيم في مناطق وجوده في وسط العراق وشماله، مما أنتج حالة من نزوح بعض عناصر التنظيم وقيادته إلى المدينة للاستفادة من الهدوء وملاحقة الحكومة والجيش العراقي لهم، والاستفادة من الحواضن الاجتماعية (العشائر العراقية السنية مثل عشائر العبيد) التي فقدوها نتيجة لتداعيات تجربة الصحوات. وقد أسعفت الظروف التنظيم بعد أن شعرت العشائر السنية بأنها مستهدفة نتيجة العملية السياسية وما أفرزته نتائج الحملة العسكرية للمالكي (أم الربيعين) على مدينة الموصل التي قوّت من الوجود المسلح للأكراد في هذه المدينة.
::/introtext::
::fulltext::
تعد قضية مدينة كركوك من القضايا الشائكة في حقبة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق لاعتبارات اقتصادية وسياسية وإثنية مختلفة لا مجال لذكرها الآن، إذ يتشعب الحديث عنها طويلاً، ويضيق به المقام والمجال معاً.
لقد شهدت كركوك سلسلة من الاضطرابات المختلفة في الآونة الأخيرة مما مهد الطريق لموجة من العنف قد تشهدها المدينة سريعاً بعد هدوء نسبي شهدته والمناطق الشمالية من العراق. وأسباب ذلك عديدة من أبرزها تزايد وجود عناصر تنظيم القاعدة في المدينة مع زيادة الضغط على التنظيم في مناطق وجوده في وسط العراق وشماله، مما أنتج حالة من نزوح بعض عناصر التنظيم وقيادته إلى المدينة للاستفادة من الهدوء وملاحقة الحكومة والجيش العراقي لهم، والاستفادة من الحواضن الاجتماعية (العشائر العراقية السنية مثل عشائر العبيد) التي فقدوها نتيجة لتداعيات تجربة الصحوات. وقد أسعفت الظروف التنظيم بعد أن شعرت العشائر السنية بأنها مستهدفة نتيجة العملية السياسية وما أفرزته نتائج الحملة العسكرية للمالكي (أم الربيعين) على مدينة الموصل التي قوّت من الوجود المسلح للأكراد في هذه المدينة.
وكان للإدارة الأمريكية الدور الأكبر في الهدوء الذي شهدته المدينة في السنوات الماضية نتيجة لمحاولات الإدارة الحثيثة لإقناع كل من الأكراد والعرب بالتعايش برهة من الوقت وجد فيها مختلف الأطراف مصالح مشتركة في إبقاء الوضع في كركوك بعيداً عن التفجر ريثما تنضج الظروف لمناقشتها؛ فقد عاد الأكراد بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين إلى كركوك التي يطلقون عليها (قدس الأكراد)، مطالبين بضمها إلى كردستان هي وحقولها النفطية مستفيدين من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية (المادة 58) والدستور العراقي الذي أقر ضرورة تطبيع الأوضاع في المدينة للإسراع في عودة الأكراد إلى مدنهم، وإعادة الأكراد إلى أعمالهم في الشركات النفطية وهي الدائرة الوحيدة التي لم يسيطر الأكراد عليها منذ سقوط الرئيس صدام حسين، فيما هرب المرحلون (العرب) الساكنون في كركوك من منازلهم، واختار البعض الآخر مع التركمان مقاتلة الوجود الكردي مما هدد الاستقرار الأمني في المدينة، مما دفع القوات الأمريكية التي خشيت وقوع مصادمات أهلية فأقنعت العرب بالبقاء وأقنعت أيضاً الأكراد بالانتظار إلى حين توفر الحل القانوني للمشكلة.
ولذلك ومع اقتراب المشروع الأمريكي المعدّ للعراق من نهايته والمتمثل في انتخابات مجالس الأقاليم، التي تعد تتويجاً لنظام الفيدرالية، وتقسيم البلاد إلى ثلاث مناطق متباينة سكانياً وإثنياً وطائفياً، واقتراب نهاية التفويض الممنوح للقوات الأمريكية والمتعددة الجنسية للانسحاب من العراق، وزيادة الحديث حول انسحاب أمريكي وشيك منه، في ظل وجود تشريعات قانونية منحت الأكراد مزيداً من الحقوق فاقت حتى مستحقاتهم الحقيقية إلا أنها لم تطبق؛ إذ خشي الأكراد من تداعيات هذا الانسحاب في ظل انسحاب الأمم المتحدة لتبني فكرة تقسيم كركوك مما دفع الأكراد أكثر باتجاه تصعيد الأزمة في كركوك مهددين الاستقرار الذي نعمت بها المدينة.
وفي الثاني والعشرين من شهر يوليو الماضي، وافق مجلس النواب على قانون انتخابات مجالس المحافظات والذي اقترح تأجيل الانتخابات في كركوك إلى أجل غير مسمى وإقرار إدارة مشتركة متساوية بين مكوناتها (العرب والتركمان والأكراد) واستقدام قوةأمنية من جنوب العراق ووسطه لحماية المحافظة؛ إذ جاءت المادة 24 من قانون مجالس المحافظات والمتعلقة بمحافظة كركوك على أن تؤجل انتخابات مجلس المحافظة إلى حين إنهاء مهام اللجنة المشكلة على أن تصدر قرارات المجلس خلال تلك الفترة بالتوافق بين العرب والأكراد والتركمان، وأن يتم تقسيم السلطة في المدينة بينهم بالتساوي بنسبة 32 في المائة و4 في المائة تترك للمسيحيين، وأن يعهد بالملف الأمني إلى وحدات عسكرية مستقدمة من الجنوب والوسط بدلاً من الوحدات العسكرية العاملة حالياً. كما نصت على تحديد التجاوزات على الأملاك العامة والخاصة والسكنية ضمن المحافظة بعد 9 إبريل 2003، وهو ما دفع إلى نقضه من رئاسة الجمهورية بعد يوم واحد من إقراره، في جلسة أثارت الكثير من الجدل بين الكتل النيابية بسبب اعتمادها التصويت العلني والسري لبعض فقرات القانون وخصوصاً المادة 24 المتعلقة بكركوك، مما أدى إلى انسحاب كتلة التحالف الكردستاني من الجلسة احتجاجاً على طريقة التصويت. ويعلل التحالف الكردستاني سبب الانسحاب بأن طريقة التصويت على مواد القانون جاءت بصورة فردية، كل مادة على حدة، وبصورة علنية كما يجري عليه الوضع في التصويت داخل البرلمان بحسب النظام الداخلي. لكن التصويت على المادة 24 من القانون جاء بصورة مغايرة، إذ جرى التصويت على القانون بصورة سرية وهو ما أثار استياء الأكراد تحديداً مما دفعهم للانسحاب. وتجدر الإشارة إلى أن رئيس المجلس كان ينوي جعل التصويت على المادة 24 سرياً بهدف إبعاد تأثير رؤساء الكتل البرلمانية في الأعضاء فيما لو جرى التصويت بصورة علنية مما سيضع العضو في دائرة الضغوط.
ولم يكتف الأكراد بنقض القانون من خلال رئيس الجمهورية؛ إذ لجأت الكتلة الكردية في مجلس محافظة كركوك، حيث يتمتع الأكراد بأغلبية ونفوذ كبيرين، إلى الإعلان عن الخروج من المأزق الحالي بضم كركوك إلى مناطق كردستان أي الاحتكام إلى الشارع، مما فاقم من حدة التوتر في الشارع، وخرجت على أثرها المظاهرات وازدادت عمليات العنف والاغتيال المتبادلة بين المكونات الإثنية في المدينة.
وقد تفجر الوضع في كركوك في 28 يوليو الماضي وقامت على أثره الجبهة الكردية بإيعاز من الأحزاب الكردية الرئيسية بعدد من الخروقات الأمنية طالت العرب والتركمان مما أسفر عن حرق المقر الرئيسي للجبهة التركمانية في المدينة.
حقيقة المخاوف الكردية
لعل أكثر ما أرق الأكراد من قانون الانتخابات هو تلك النقطة المتعلقة باستقدام قوة مسلحة من وسط العراق وجنوبه لحفظ الأمن في المدينة، أي إيجاد قوة مسلحة في مناطق الشمال مما يعد تهديداً للوجود المسلح أو للسيطرة الكردية المسلحة على عموم شمال العراق. وهو ما دفع بحسب بعض المصادر إلى تحرك قوة كردية بحجم لواءين من قوات البشمركة الكردية المخصصة لحماية السليمانية إلى المناطق المحاذية لحدود هاتين المحافظتين مع محافظة كركوك بشكل يغلق الطريق على المناطق العربية في بيجي أو المناطق التركمانية في داقوق أو تازة للتحرك إلى داخل مدينة كركوك. وأضافت المصادر أن عناصر هذين اللواءين التي انضمت بموجب اتفاق بين الحكومة الكردية والحكومة المركزية في بغداد إلى قطعات الجيش العراقي في وقت سابق نصبت دوريات كردية ترفع علم الإقليم الكردي في هذه المناطق بشكل أثار مشاعر الاستياء بين المواطنين. لكن سرعان ما نفت قيادة (البشمركة) هذه التحركات، في حين أكدت بعض المصادر في كركوك قيام الإدارة الكردية باستقدام مزيد من عناصر البشمركة الكردية من أربيل والسليمانية بزي مدني ودفعهم إلى المدينة.
وكشفت مصادر برلمانية مطلعة أن موضوع الضمانات لا يجمع أقطاب الاختلاف حول كركوك كون التحالف الكردستاني يطالب بضمانات تؤكد كردستانية كركوك، فيما يدعو التركمان والعرب إلى تغيير الوجود العسكري داخل كركوك باستقدام قوات عراقية من الوسط والجنوب، وإبعاد قوات البشمركة التي توصف من قبل البعض بأنها ليست قوات حكومية تتبع سلطة حكومة بغداد المركزية بالقدر الذي لا تزال تنفذ فيه إرادة الحكومة الكردية في المناطق المتنازع عليها.
وحاولت الأمم المتحدة عبر ممثلها استيفان دي ميستورا والسفير الأمريكي في العراق رايان كروكر إسعاف الوضع بتقريب وجهات النظر المتباينة، أي الإبقاء على نص المادة بإضافة مقترح يقضي بتثبيت المادة 140 من الدستور، وخصوصاً تلك المتعلقة بتطبيع الأوضاع في كركوك والمناطق المتنازع عليها، وأن يتم تنفيذها كما هي بحيث تجرى الانتخابات في كركوك كما في المحافظات الأخرى. وتشير المصادر إلى قبول الأكراد بهذه الصيغة، ويقع على الجانبين العربي والتركماني تقديم مقترحات مماثلة لتقريب وجهات النظر؛ ويختلف هؤلاء على المادة 140 الخاصة بتطبيع الأوضاع؛ بحيث تم بموجبها انتهاك الطبيعة الديموغرافية للمدينة لصالح الأكراد؛ بحيث يعتقد التركمان أن التغييرات التي جرت بعد عام 2003 ستعطي للأكراد الأفضلية في أي تصويت يخص مستقبل المدينة مما دفعهم إلى تقديم مقترح يقضي بجعل كركوك منطقة مستقلة بذاتها تدار بصورة مشتركة وهو ما يرفضه الأكراد.
دور الأمم المتحدة في التوفيق بين مختلف القوى
لقد سعت الأمم المتحدة إلى التوفيق بين الأطراف لإجازة قانون المحافظات والأقضية في البرلمان حتى يتم إجراء الانتخابات في موعدها الذي اتفقت عليه الأطراف العراقية وهو بداية أكتوبر 2008. ونظراً للاختلافات الكبيرة التي ظهرت بين الأطراف سعت الأمم المتحدة إلى تقديم مقترحاتها المتعلقة بموضوع كركوك تحديداً، حيث إنه في البداية قدمت مقترحاً لتأجيل الانتخابات في كركوك نظراً لعدم إمكانية تطبيق المادة 140 من الدستور وذلك لمدة ستة أشهر، خصوصاً مع انتهاء المدة المحددة من قبل الدستور بموجب المادة 140 والتي انتهت في 31/12/2007؛ وحينما انتهت المدة في يونيو الماضي قدمت الأمم المتحدة عبر دي ميستورا مقترحاً يتضمن إجراء الانتخابات في أكتوبر 2008 بحيث تقسم المحافظة إلى أربع مناطق انتخابية وليس منطقة انتخابية، كما يحبذ الأكراد مطالبين بتطبيق المادة 140 من الدستور وإجراء استفتاء على مصير المدينة. لكن سرعان ما تصاعد التوتر في المدينة وقوبلت مقترحات ذي مستوراً بالرفض. وللتوفيق بين الأطراف اقترحت الأمم المتحدة المادة 24 من قانون انتخابات مجالس المحافظات الذي قدم للبرلمان وتمت الموافقة عليه، لكن تم رفضه في مجلس الرئاسة بعد يوم واحد من التصويت في البرلمان، وجاءت المادة 24 لتنص على تأجيل الانتخابات المحافظة مدة ستة أشهر، مع ضرورة أن تكون القرارات في مجلس محافظة كركوك خلال مدة التأجيل بالتوافق بين المكونات الثلاثة الرئيسية (عرب – كرد – تركمان)، على أن يتم تقاسم السلطة بينهم بنسبة 32 في المائة لكل مكون، فيما تعطى نسبة 4 في المائة للمسيحيين، فضلاً عن نقل الملف الأمني في المدينة إلى وحدات عسكرية مستقدمة من جنوب ووسط العراق بدلاً من الوحدات العسكرية العاملة حالياً. لكن الكتلة الكردية رفضت هذه المقترحات مطالبة بإدراج المادة 140 من الدستور ضمن البند 24 المتعلق بإجراء الانتخابات في كركوك، وتم رفض هذا المقترح من قبل بعض القوى على اعتبار أن هذه المادة تتضمن إجراء انتخابات وليست التصويت على مصير المدينة.
ومع نهاية الدورة التشريعية العادية للبرلمان لم يتم الاتفاق على التصويت على قانون المحافظات نظراً لعدم التوافق على نص المادة 24 المتعلقة بكركوك؛ وقدمت الأمم المتحدة قبل يوم من فض الدورة العادية للبرلمان مقترحاً جديداً قد توافق عليه القوى، مما يستدعي إجراء جلسة استثنائية للبرلمان خلال فترة إجازة البرلمان؛ بحيث يعطي النظام الداخلي للبرلمان لرئيسه الدعوة إلى جلسة استثنائية ولمرة واحدة.
وتشير المصادر إلى أن الأمم المتحدة ومن أجل إحداث التوافق على المادة 24 اقترحت النص التالي: تأجيل الانتخابات في مدينة كركوك لمدة أقصاها نهاية العام 2009، واستمرار المناقشات في البرلمان العراقي لصياغة قانون ينظم الانتخابات في كركوك، على ألا تتجاوز نهاية العام الحالي، فضلاً عن استمرار مجلس محافظة كركوك الحالي بأداء مهامه كاملة، إلى حين تنظيم الانتخابات في المدينة، ومراجعة السجلات فيها لمعرفة التجاوزات الديموغرافية التي حصلت، قبل وبعد عام 2003، بالإضافة إلى التأكيد على ضرورة احترام كافة المواد الدستورية المتعلقة بمدينة كركوك، ومن ضمنها المادة 140.
نتائج ما بعد تأجيل قانون انتخابات كركوك
أفرزت نتائج التصويت على قانون انتخابات المحافظات والفشل الذي منيت فيه خصوصاً للتصويت على المادة المتعلقة بانتخابات كركوك، عدداً من التبعات ووضعت القوى العراقية أمام حقيقة المصالح المتضاربة بينها؛ فإذا كانت قد اتفقت في السابق هذه القوى ودخلت في تحالفات تضمن مصالح خاصة لهذا التنظيم أو ذاك التحالف، فقد أثبت التصويت على مصير الانتخابات في كركوك عقم كل التسويات التي حاول البعض فرضها على الأرض مما يستدعي إعادة النظر في المواقف المختلفة تجاه هذه المدينة على وجه الخصوص وتجاه مختلف القضايا الأخرى على وجه العموم، حيث إن لقضية كركوك ذيولاً مختلفة يجدر الانتباه إليها ملياً، فهي قضية تتقاطع فيها المصالح الداخلية مع الامتدادات الإقليمية، غير متناسين الأطماع الدولية، لكن سنركز حديثنا هنا على الجانبين الداخلي والإقليمي لما لهما من تأثير مباشر وواضح.
داخلياً: برز على الساحة العراقية مشهد جديد يجدر بالقوى العراقية التي ارتبط مصيرها أو نظرتها لشكل العراق الانتباه إليه ملياً؛ فالاتفاقيات الرباعية والثلاثية وصولاً إلى الاتفاق السداسي لم تفلح في رأب الصدع بينهم؛ فكركوك أثبتت عقم هذه التحالفات؛ فقد ظهر مشهد حاول الأكراد ملياً إبعاده عن المشهد العراقي المتمثل في اتفاق العرب الشيعة والسنة على قضية واحدة، مما يعد تهديداً للمطالب الكردية على المدى المنظور، وفشل سياسة احتواء الأطراف التي انتهجها الجانب الكردي في التعامل مع القوى العراقية؛ فلم يعد الضرب على وتر الخوف من الحرب الطائفية أو عودة حكم البعث بما تحمل هذه الكلمة من معنى يمتد إلى عودة السنة للحكم على حساب الشيعة بحيث يدفع الأخير باتجاه التحالف مع الأكراد، لم يعد أمراً تخشى منه هذه الطائفة استجابة لرغبات الأغلبية ناهيك عن تشرذم الشيعة إلى أكثر من فصيل متحارب.
لقد طالب الجانب الكردي عبر قيادته بحقوق أكثر من استحقاقهم الوطني في ظل وجود نظرة لدى مختلف شرائح المجتمع العراقي أن الرابح الأوحد من العملية السياسية أو من الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق هم الأكراد، واتضح لدى البعض أن التشريعات والقوانين التي صدرت ورسمت العملية السياسية إنما جاء القسم الأكبر منها استجابة لرغبة القوى الكردية، بدءاً من قانون إدارة الدولة العراقية (على سبيل المثال المادة 58) مروراً بالتشريعات المائة الصادرة عن قوة الائتلاف وصولاً إلى الدستور الدائم (المادة 140 من الدستور) وأن الفيتو الممنوح في قانون إدارة الدولة أو في الدستور خصوصاً والمتعلق بنقض الدستور إنما منح في الحقيقة إلى الأكراد.
كل ذلك أفرز حالة واسعة من الاستياء لدى شرائح كبيرة من المجتمع العراقي بقومياته المختلفة ضد الأكراد؛ وتشير بعض المصادر إلى حالة من الاحتقان ضد الأكراد في بعض مناطق العراق وتحديداً في بغداد التي يقطنها بحدود ستمائة ألف كردي مما يعيد الحديث أكثر عن نشوب حرب أهلية. حيث سبق وأشرنا في دراسات سابقة إلى تنامي ظاهرة العداء في صفوف قسم كبير من المجتمع العراقي ضد الأكراد محذرين من نقطة اللاعودة في العلاقات العربية (العراقية) مع الأكراد.
ويعبر الشيخ سليمان بيك رئيس عشيرة البيات التركمانية في كركوك عن هذه النقطة (انظر مقال كركوك برميل البارود متى ينفجر والمنشور ضمن إصدارات المعهد العربي) بالقول إن كركوك تسكنها ثلاث قوميات رئيسية وهي العرب والأكراد والتركمان وطالما تعايشوا في ود وسلام في الماضي، لذا لا يمكن تغليب قومية على أخرى، فيجب أن تكون كركوك مدينة عراقية مفتوحة للجميع، وأن ما تسعى إليه الأحزاب الكردية في سياسة (تكريد) المنطقة هو أشبه بإشعال الفتيل لبرميل البارود الذي نجلس عليهجميعاً. ويدعو الشيخ سليمان بيك الحكومة العراقية إلى عدم الوقوف ساكنة أمام الدعوات الكردية خوفاً من الائتلاف الهش الذي تشكله، ويقول (إن قضية كركوك هي قضية وطنية تهم كافة أبناء الشعب العراقي، ويجب ألا تشغلنا المصالح الآنية عن القضايا الوطنية الكبرى) وأضاف (ألم يكتف الأكراد بما حصلوا عليه الآن من فيدراليةوالمشاركة في السلطة المركزية بسبع حقائب وزارية مهمةوبمنصبي نائبي رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بينما التركمان مهمشون في هذه التركيبة) !إن كركوك ستبقى بمثابة (برميل بارود) قابل للانفجار في أية لحظة في ظل تدفق استمرار الهجرة الكردية على المدينة، ما لم تتحرك الحكومة العراقية والفعاليات والأحزاب السياسية العراقية لكبح جماح الدعوات الكردية التي تصاعدت بعد ما لمست سكوناً وصمتاً يثيران الدهشةمن قبل الجهاتالرسميةوالقوى الفاعلة العراقية الأخرى التي وقفت متفرجة على ما يجري في كركوك من سياسة تكريد منظمة لتغيير الهوية الديموغرافية للمدينة باستثناء بعض الدعوات المهمة والخجولة لبعض الشخصيات السياسية حول وحدة مدينة كركوك والشراكة القومية فيها.
عاد الأكراد بعد سقوط النظام العراقي السابق إلى كركوك مطالبين بضمها إلى كردستان
والنقطة الأخرى التي برزت من نتائج التصويت على قانون الانتخابات على المشهد السياسي العراقي، بروز مشكلة الحدود بين المحافظات العراقية؛ حيث أخذت بعض المحافظات تتذرع بالمادة 140 للمطالبة بأقضية وقرى استقطعت من المحافظة وتم دمجها بمحافظة أخرى، فهذه المادة لا تتعلق بكركوك والمناطق المتنازع عليها بين الأكراد والعرب، بل انسحب الأمر إلى محافظات أخرى مما يهدد النسيج الداخلي للمجتمعات العراقية ويفاقم من حدة التوتر؛ فقد أثيرت منذ أيام قليلة قضية الحدود بين محافظتي كربلاء والأنبار حول ناحية النحيب المتنازع عليها، والعائدة الآن إلى ناحية الرطبة التابعة لمحافظة الأنبار، ويرى مجلس بلدي كربلاء أن حل هذه المسألة يقع ضمن مهام اللجنة البرلمانية الدستورية المكلفة بتطبيق المادة 140 من الدستور، التي لا تخص كركوك وحدها، بل تخص كافة المناطق المتنازع عليها إدارياً، بحسب ما أفاد فلاح حسن العطية المسؤول في مجلس محافظة كربلاء، والذي يشغل منصب رئيس لجنة الإعمار، حيث أوضح من جانبه (أن مشكلة الحدود الإدارية فيما بين المحافظات والمدن العراقية ليست جديدة، بل تعود إلى ما قبل زمن النظام السابق، وبحسب المعلومات والوثائق الإدارية المتوافرة في المحافظة، فإنه وبعد تأسيس قضاء (عين التمر) وهو أحد أقضية كربلاء وتبعت لها ناحية النخيب، وكذلك ناحية (الرحالية)، وبعد مجيء النظام السابق قام باقتطاع الناحيتين المذكورتين ودمجهما في محافظة الأنبار). ويرفض مجلس بلدي الأنبار هذه التهم ويرى أن هذه النواحي تتبع ناحية الرطبة. وكذلك الحال بين مدينتي المثنى والناصرية والخلاف الذي نشأ موخراً بينهما على ناحية (بصية) التابعة الآن لحكومة المثنى. ناهيك عن أن مطالب الأكراد لا تتوقف على مدينة كركوك بل تمتد إلى تلعفر والمنطقة الشمالية من الموصل، وخانقين ومندلي في ديالا.
كركوك ستبقى بمثابة برميل بارود قابل للانفجار في ظل استمرار الهجرة الكردية على المدينة
إقليمياً: يبدو أنشهر العسل بين أنقرة والأكراد الذي فرضته ظروف المنطقة بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 والذي أخذ مدى بعيداً في التنسيق الأمني والعسكري وصل إلى حد المشاركة في العمليات العسكرية التركية لمطاردة حزب العمال الكردستاني التركي في شمال العراق، أوشك على النهاية على خلفية قضية كركوك، فقد أعرب الرئيس التركي عبدالله غول في أكثر من مناسبة عن أن بلاده مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى للتدخل من أجل حماية التركمان في كركوك أو تغيير هوية المدينة! ومثلما هدد الأتراك بوقف تعاونهم العسكري مع الولايات المتحدة خلال أحداث مدينة تلعفر التي تسكنها جالية تركمانية كبيرة والتي اندلعت في عام 2005، أكد كافة السياسيين الأتراك على اختلاف انتماءاتهم السياسية أن كركوك تأتي في مقدمة اهتمامات تركيا، وأنها خط أحمر لا يمكن تجاوزه.
وهكذا، فإن حل مشكلة كركوك لا يمكن أن يأتي من خلال صيغة توافقية بين مختلف المكونات السياسية في البلاد فقط -كما أشار مجلس الرئاسة في نقضه للقانون- بل بضرورة الأخذ في الاعتبار الاستحقاقات الإقليمية، مما يجعل من مشكلة كركوك عصية على الحل في ظل تصارع داخلي تتجه فيه القوى العراقية نحو الاستعانة بأطراف إقليمية ودولية.
::/fulltext::
::cck::1785::/cck::
