صراع الأصالة والحداثة ومأزق تطوير التعليم في دول الخليج العربية
::cck::1836::/cck::
::introtext::
وصف جون ديوي التعليم بأنه هو المحرك الذي يحرك المجتمع. واليوم تتصاعد الصيحات من أجل تطوير برامج التعليم في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذه الصيحات لم تكن استجابة طبيعية لمتغيرات داخلية بقدر ما هي استجابة سياسية لظروف عالمية تجسدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لقد جاءت الدافعية للتغيير مفروضة ومن ثم الاستجابة كانت مضطربة، حيث لم نفهم أن التعليم بحاجة إلى المراجعة بين الفترة والأخرى باعتباره المحرك الأساسي للمجتمعات الإنسانية، وأن المجتمعات التي يغيب عنها هذا الفهم لا تستطيع أن تصنع التقدم والرفاهية لشعوبها.
::/introtext::
::fulltext::
وصف جون ديوي التعليم بأنه هو المحرك الذي يحرك المجتمع. واليوم تتصاعد الصيحات من أجل تطوير برامج التعليم في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذه الصيحات لم تكن استجابة طبيعية لمتغيرات داخلية بقدر ما هي استجابة سياسية لظروف عالمية تجسدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لقد جاءت الدافعية للتغيير مفروضة ومن ثم الاستجابة كانت مضطربة، حيث لم نفهم أن التعليم بحاجة إلى المراجعة بين الفترة والأخرى باعتباره المحرك الأساسي للمجتمعات الإنسانية، وأن المجتمعات التي يغيب عنها هذا الفهم لا تستطيع أن تصنع التقدم والرفاهية لشعوبها.
طبيعة النظام التعليمي في دول الخليج العربية
النظام التعليمي في دولنا الخليجية لم يكن وليد مجتمعاتنا، حيث كانت هذه المجتمعات بسيطة في احتياجاتها، ونظامها التعليمي قام على الحساب وحفظ القرآن أو بما يسمى تعليم (المطاوعة) أو المنازل وهو تعليم غير منظم ولا يمنح شهادات رسمية، ولما بدأت دولنا الخليجية بالدخول إلى عالم الحداثة كنتيجة طبيعية لاكتشاف النفط استعانت بنظم تعليمية من البلاد العربية مثل مصر وفلسطين والعراق، حيث تملك هذه الدول من الخبرة المهنية في المجال، وبالتالي قمنا باقتباس نماذج تعليمية غير متكاملة، بالإضافة إلى أننا لم نقم بمراجعة حقيقية على الرغم من تراكم الخبرات المحلية، ولعل السبب يرجع إلى ما نسميه تسييس التعليم، وقد تكون الكويت من الدول الساطعة في هذا المضمار، حيث وظفت الأحزاب السياسية التعليم لخدمة مصالحها وكان أوضحها هو تنظيم حركة (الإخوان المسلمين) الذي وجد في التعليم الطريق لنشر أفكاره ومبادئه. ومن دون الدخول في تفاصيل في طبيعة النظام التعليمي إلا أننا نقتصر في حديثنا على أهم السمات التي قام عليها النظام:
أولاً: النظام التعليمي في دولنا الخليجية هو امتداد لتجربة عربية وهي تجربة وليدة للنظام البريطاني الذي أفرزه الاحتلال، حيث ركز على تخريج كوادر بشرية تعمل في الأجهزة الحكومية.
شهد التعليم في الكويت صراعات بين قوى ليبرالية ودينية من دون وجود رؤية للدولة حول التعليم
ثانياً: الحفظ والتلقين هما السند في نظامنا التعليمي، بمعنى أن المناهج الدراسية لا تقوم على مهارة التفكير والإبداع بقدر ما تقوم على قدرة الفرد على الحفظ، ويبدو أن الفلسفة هنا ترجع إلى طريقة تدريس القرآن، حيث التميز يقوم على حفظ الفرد للمصحف الكريم وهو تميز يفتخر فيه المجتمع ويعززه ويحظى الفرد الذي يختم القرآن الكريم باحتفالية وتقدير من أعضاء المجتمع. لذا فإن فلسفة التلقين ترجع إلى تراث خليط بين الثقافة والسياسة والدين ومن ثم انتقلت هذه الفلسفة إلى المناهج التعليمية الحديثة وقمنا بتطبيق آلية منهجية تراثية على مواقف حديثة وبعدها وجدنا أن التميز في التعليم يقوم على مهارة الحفظ ومن ثم اكتشفنا أنه لا مكان للإبداع في تعليمنا الحديث.
ثالثاً: صراع الحديث والقديم: تعتبر هذه السمة من المعوقات الكبيرة في إحداث نقلة نوعية في نظمنا التعليمية، حيث الحداثة شكلت تهديداً للهوية الثقافية، والقد كان دائماً هو الملجأ الذي يخفي إخفاقاتنا ومن ثم تعزز الميل نحو القديم أو ما يسمى الأصالة في لغة علم الاجتماع.
ضرورة التغيير
إذا كان التعليم في فترة تاريخية لم يشكل أرقاً لصانع القرار السياسي في بلداننا الخليجية فهو بكل تأكيد اليوم يشكل هاجساً كبيراً لمسار المستقبل، حيث الرفاهية المفرطة وما صاحبها من تدخل الثقافات بفعل العولمة باتت تشكل عامل ضغط لإحداث نقل نوعية في التعليم تتطلبها ظروف المرحلة وخصوصاً أنه لا يمكن الاستكانة إلى الثروة النفطية كبديل عن توفير تعليم قادر على صهر إنسان المستقبل. ولعل من أهم ضرورات التغيير هو الوعي بأن التغيير الكبير الذي يشهده العالم لا يمكن عزل أنفسنا عنه تحت حجة حماية الثقافة الوطنية أو الهوية، فالأحداث سريعة والمتغيرات ضخمة، لذا بات من الضروري أن ندخل مفاهيم جديدة تحكم تعليم المستقبل. ومن المؤكد أن التعليم يقوم على توفير القدرة على التفاهم والاتصال مع الآخر، حيث يجب أن يتقن الطلاب مهارات الحديث والاستماع والكتابة ومهارات العلاقات الإنسانية التي تمكنهم من التعامل مع الآخرين كأعضاء في فريق والتفاوض في كيفية حل النزعات. ولعله يحضرنا في هذا المقام الإشارة إلى التغيير الكبير في التعليم في بعض النماذج الآسيوية كالهند وماليزيا وسنغافورة، فهي دول أجرت جراحة في نظمها التعليمية واستطاعت أن تحدث مواءمة بين المحلي والعالمي والحديث والقديم، وربما كان من أبرز ملامح التغيير هو ما تجسد في تأهيل مواطنيها لما يعرف بالمواطنة العالمية التي أصبحت ضرورة تمكن الإنسان من العمل والاندماج مع بيئات ثقافية مختلفة.
إن التغيير المنشود يتطلب الدعم وليس الدعم فقط في زيادة الإنفاق على التعليم وإنما كذلك تدعيم قيم الاحترام بين المدرسين والطلاب من جانب وتدعيم قوة الدولة عن طريق تحريك منظمات المجتمع المدني وانخراطها بمسؤولية البناء، حيث إن البناء لا يمكن أن نصل إليه من خلال التعليم غير المرتبط بالقيم الأخلاقية، إذ نلاحظ غياب المسؤولية الأخلاقية بين طلابنا أو الجيل الجديد، فقيم الصدق والإخلاص تشكل ضرورة لعملية البناء الصحي للمجتمع. ومن الضروري أن نعطي البعد الأخلاقي أهميته حيث نشهد في هذه المرحلة انحداراً أخلاقياً كبيراً وتصدعاً في نظام القيم الاجتماعية وحالة من اللامبالاة والضياع تعصف بالجيل الحالي وهي حالة تعكس طبيعة التناقضات الكبيرة التي اتسمت بها البيئة المحلية وخصوصاً عندما فقد التعليم وظيفته في الحراك الاجتماعي وحلت محله الولاءات التقليدية التي دمرت الدافعية نحو التميز الفردي.
ومن المؤكد أن العاصفة كانت كبيرة ومدمرة ليس فقط لطلابنا بقدر ما شملت معها الأساتذة والمربين والمهنيين، حيث تعطلت روح العطاء والحماسة والتفاني، فالتخريب كان شمولياً والتعطيل كان نتاجاً لتراكم سياسات منهكة غير قادرة على الاستجابة لروح العصر وفهم العلة الحقيقية في التحولات الاجتماعية الكبيرة التي عصفت بالمنطقة الخليجية والعربية. إذ إن الثروة النفطية لم يتم استثمارها بشكل يعود بالنفع على بناء الشخصية بقدر ما تحولت إلى معول هدم لكل قيم العمل والإبداع والدافعية مما نجم عنه ترهل في الشخصية وظهور أنماط سلوكية جديدة تحتوي على مجموعة من التناقضات ولا تشكل اتساقاً في البناء الصحي لتكوين الشخصية الخليجية.
ونحن ندرك أن هناك بوناً شاسعاً بين الأجيال فرضته التقنية الحديثة في مجال الاتصال المتمثل في الإنترنت والفضائيات، فالهوة كبيرة في الوقت الراهن، فكيف ستكون الحال بعد عقد من الآن وخصوصاً إذا ما بقيت على ما هي عليه؟ إن للعولمة استحقاقاتها وهي ليست لغة تجارة وتبادل سلع أو فضاء مفتوح، فهي نظام اجتماعي عالمي جديد سيظهر تدريجياً في المستقبل القريب، ويتطلب ذلك استراتيجيات تربوية جديدة تستلزم أن تأخذ في الاعتبار المتواليات العددية الناجمة عن التغير السريع. لذا على التربية أن تعي أنها لم تعد تقتصر في وظيفتها على تأهيل الشباب للوظيفة أو لاحتياجات سوق العمل في بلدها بل تؤهله للعمل في أي مكان في العالم.

وقد يكون من أبرز الأمثلة على حالة الضياع التي يشهدها التعليم المتجسد في الكويت، حيث شهد هذا التعليم صراعات كبيرة بين قوى ليبرالية ودينية من دون أن تكون هناك رؤية للدولة في طرح رؤاها حول التعليم، ونتج عنه خلل كبير على مستوى المراحل الدراسية كافة. والتصدع في النظام التعليمي في الحالة الكويتية هو نتاج سياسات غير متسقة ومتناقضة، فمن جانب هناك من يرى في الموسيقا والتربية البدنية مضيعة للوقت وآخر يرى أن للموسيقا والرياضة البدنية دوراً في تنمية الشخصية، وفي ظل غياب القرار الحاسم تعرض التعليم إلى هزات كبيرة وتحولت عملية الإصلاح إلى ترقيع أكثر منه سياسة تعكس استراتيجية بعيدة المدى لتطوير التعليم. وفي ظل هذا التناقض أصبحت لدينا مؤسسات تعليمية شكلية مفرغة من محتواها.
مفاضلة بين التعليم الخاص والعام
شهدت بلدان الخليج نقلة في التعليم الخاص والجامعي خاصة، حيث قامت دول بالتعاقد مع مؤسسات علمية ضخمة لفتح فروع لها في دول المنطقة، ويبدو لنا أن هذا الإقبال لا يفسر على أنه رغبة في الحصول على النوعية بقدر ما هو استكمال للتفاخر بين دول المنطقة علماً بأن بداية التعليم الخاص كانت بداية إيجابية، إذ تميز بتفوقه على التعليم العام إلا أنه في العقود الأخيرة تحول إلى تعليم ربحي غلب عليه الجانب المادي والصفقة الاقتصادية، وبالتالي هو لا يقل تراجعاً عن التعليم العام ولم يعد مغرياً كما كان في السابق، حيث إن القفزات السريعة نحو فتح معاهد تعليمية خاصة كلفت ميزانيات دول المنطقة من دون أن يرافق ذلك تخطيط في كيفية توسيع مساحة المراجعة للتعليم المحلي بمناهجه. وليس من الصحيح الإيمان بأن نقل مؤسسات علمية ضخمة ذات سمعة عالمية إلى بيئة متخلفة سيضمن النجاح، فالتعليم يرتبط بالبعد الثقافي، وتطور التعليم في الدول المتقدمة ما كان له أن يصل إلى ما وصل إليه من دون أن تكون هناك ثقافة حاضنة للإبداع والتفكير النقدي.
إشكالية التعليم الديني
جميع أتباع الديانات طوروا مفاهيمهم لتواكب العصر إلا نحن في الإسلام، حيث كانت هناك محاولات حقيقية وأخفقت لأسباب، ليس المحل ذكرها في هذا المقام، إلا أن العبرة في أن المحاولات جاءت بناء على قناعات راسخة في أهمية تفسير النص ضمن رؤية عقلانية وهذا ما فشلنا فيه، إذ كان للثقافة وتراكماتها التاريخية الدور في إعاقة هذا التطور، ولعلنا نضيف أن الإسلام تعرض للتسييس إلى درجة قاتلة، وتحول الإسلام إلى أداة للطاعة في يد الحكام وتداخلت القيم الثقافية والدينية، وأوجدت لنا منظومة جديدة من القيم المتناقضة التي أثرت في الشخصية والسلوك. وطبعاً نحن نؤمن بقوة بالجانب الأخلاقي وقوة الدين في تغذيته ودوره في بناء منظومة القيم المسيّرة للمجتمع ولكن ليس إقحامه في كل شاردة وواردة، فقد عطلنا قوة العقل وقتلنا الدافعية في البحث والعمل. فالدين يجب أن يستثمر بطرق علمية لإحداث مواءمة منتجة وليس لتعطيل مسيرة التقدم وخلق النزاعات الثانوية كما هو حادث الآن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1836::/cck::
::introtext::
وصف جون ديوي التعليم بأنه هو المحرك الذي يحرك المجتمع. واليوم تتصاعد الصيحات من أجل تطوير برامج التعليم في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذه الصيحات لم تكن استجابة طبيعية لمتغيرات داخلية بقدر ما هي استجابة سياسية لظروف عالمية تجسدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لقد جاءت الدافعية للتغيير مفروضة ومن ثم الاستجابة كانت مضطربة، حيث لم نفهم أن التعليم بحاجة إلى المراجعة بين الفترة والأخرى باعتباره المحرك الأساسي للمجتمعات الإنسانية، وأن المجتمعات التي يغيب عنها هذا الفهم لا تستطيع أن تصنع التقدم والرفاهية لشعوبها.
::/introtext::
::fulltext::
وصف جون ديوي التعليم بأنه هو المحرك الذي يحرك المجتمع. واليوم تتصاعد الصيحات من أجل تطوير برامج التعليم في منطقة الشرق الأوسط، لكن هذه الصيحات لم تكن استجابة طبيعية لمتغيرات داخلية بقدر ما هي استجابة سياسية لظروف عالمية تجسدت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001.
لقد جاءت الدافعية للتغيير مفروضة ومن ثم الاستجابة كانت مضطربة، حيث لم نفهم أن التعليم بحاجة إلى المراجعة بين الفترة والأخرى باعتباره المحرك الأساسي للمجتمعات الإنسانية، وأن المجتمعات التي يغيب عنها هذا الفهم لا تستطيع أن تصنع التقدم والرفاهية لشعوبها.
طبيعة النظام التعليمي في دول الخليج العربية
النظام التعليمي في دولنا الخليجية لم يكن وليد مجتمعاتنا، حيث كانت هذه المجتمعات بسيطة في احتياجاتها، ونظامها التعليمي قام على الحساب وحفظ القرآن أو بما يسمى تعليم (المطاوعة) أو المنازل وهو تعليم غير منظم ولا يمنح شهادات رسمية، ولما بدأت دولنا الخليجية بالدخول إلى عالم الحداثة كنتيجة طبيعية لاكتشاف النفط استعانت بنظم تعليمية من البلاد العربية مثل مصر وفلسطين والعراق، حيث تملك هذه الدول من الخبرة المهنية في المجال، وبالتالي قمنا باقتباس نماذج تعليمية غير متكاملة، بالإضافة إلى أننا لم نقم بمراجعة حقيقية على الرغم من تراكم الخبرات المحلية، ولعل السبب يرجع إلى ما نسميه تسييس التعليم، وقد تكون الكويت من الدول الساطعة في هذا المضمار، حيث وظفت الأحزاب السياسية التعليم لخدمة مصالحها وكان أوضحها هو تنظيم حركة (الإخوان المسلمين) الذي وجد في التعليم الطريق لنشر أفكاره ومبادئه. ومن دون الدخول في تفاصيل في طبيعة النظام التعليمي إلا أننا نقتصر في حديثنا على أهم السمات التي قام عليها النظام:
أولاً: النظام التعليمي في دولنا الخليجية هو امتداد لتجربة عربية وهي تجربة وليدة للنظام البريطاني الذي أفرزه الاحتلال، حيث ركز على تخريج كوادر بشرية تعمل في الأجهزة الحكومية.
شهد التعليم في الكويت صراعات بين قوى ليبرالية ودينية من دون وجود رؤية للدولة حول التعليم
ثانياً: الحفظ والتلقين هما السند في نظامنا التعليمي، بمعنى أن المناهج الدراسية لا تقوم على مهارة التفكير والإبداع بقدر ما تقوم على قدرة الفرد على الحفظ، ويبدو أن الفلسفة هنا ترجع إلى طريقة تدريس القرآن، حيث التميز يقوم على حفظ الفرد للمصحف الكريم وهو تميز يفتخر فيه المجتمع ويعززه ويحظى الفرد الذي يختم القرآن الكريم باحتفالية وتقدير من أعضاء المجتمع. لذا فإن فلسفة التلقين ترجع إلى تراث خليط بين الثقافة والسياسة والدين ومن ثم انتقلت هذه الفلسفة إلى المناهج التعليمية الحديثة وقمنا بتطبيق آلية منهجية تراثية على مواقف حديثة وبعدها وجدنا أن التميز في التعليم يقوم على مهارة الحفظ ومن ثم اكتشفنا أنه لا مكان للإبداع في تعليمنا الحديث.
ثالثاً: صراع الحديث والقديم: تعتبر هذه السمة من المعوقات الكبيرة في إحداث نقلة نوعية في نظمنا التعليمية، حيث الحداثة شكلت تهديداً للهوية الثقافية، والقد كان دائماً هو الملجأ الذي يخفي إخفاقاتنا ومن ثم تعزز الميل نحو القديم أو ما يسمى الأصالة في لغة علم الاجتماع.
ضرورة التغيير
إذا كان التعليم في فترة تاريخية لم يشكل أرقاً لصانع القرار السياسي في بلداننا الخليجية فهو بكل تأكيد اليوم يشكل هاجساً كبيراً لمسار المستقبل، حيث الرفاهية المفرطة وما صاحبها من تدخل الثقافات بفعل العولمة باتت تشكل عامل ضغط لإحداث نقل نوعية في التعليم تتطلبها ظروف المرحلة وخصوصاً أنه لا يمكن الاستكانة إلى الثروة النفطية كبديل عن توفير تعليم قادر على صهر إنسان المستقبل. ولعل من أهم ضرورات التغيير هو الوعي بأن التغيير الكبير الذي يشهده العالم لا يمكن عزل أنفسنا عنه تحت حجة حماية الثقافة الوطنية أو الهوية، فالأحداث سريعة والمتغيرات ضخمة، لذا بات من الضروري أن ندخل مفاهيم جديدة تحكم تعليم المستقبل. ومن المؤكد أن التعليم يقوم على توفير القدرة على التفاهم والاتصال مع الآخر، حيث يجب أن يتقن الطلاب مهارات الحديث والاستماع والكتابة ومهارات العلاقات الإنسانية التي تمكنهم من التعامل مع الآخرين كأعضاء في فريق والتفاوض في كيفية حل النزعات. ولعله يحضرنا في هذا المقام الإشارة إلى التغيير الكبير في التعليم في بعض النماذج الآسيوية كالهند وماليزيا وسنغافورة، فهي دول أجرت جراحة في نظمها التعليمية واستطاعت أن تحدث مواءمة بين المحلي والعالمي والحديث والقديم، وربما كان من أبرز ملامح التغيير هو ما تجسد في تأهيل مواطنيها لما يعرف بالمواطنة العالمية التي أصبحت ضرورة تمكن الإنسان من العمل والاندماج مع بيئات ثقافية مختلفة.
إن التغيير المنشود يتطلب الدعم وليس الدعم فقط في زيادة الإنفاق على التعليم وإنما كذلك تدعيم قيم الاحترام بين المدرسين والطلاب من جانب وتدعيم قوة الدولة عن طريق تحريك منظمات المجتمع المدني وانخراطها بمسؤولية البناء، حيث إن البناء لا يمكن أن نصل إليه من خلال التعليم غير المرتبط بالقيم الأخلاقية، إذ نلاحظ غياب المسؤولية الأخلاقية بين طلابنا أو الجيل الجديد، فقيم الصدق والإخلاص تشكل ضرورة لعملية البناء الصحي للمجتمع. ومن الضروري أن نعطي البعد الأخلاقي أهميته حيث نشهد في هذه المرحلة انحداراً أخلاقياً كبيراً وتصدعاً في نظام القيم الاجتماعية وحالة من اللامبالاة والضياع تعصف بالجيل الحالي وهي حالة تعكس طبيعة التناقضات الكبيرة التي اتسمت بها البيئة المحلية وخصوصاً عندما فقد التعليم وظيفته في الحراك الاجتماعي وحلت محله الولاءات التقليدية التي دمرت الدافعية نحو التميز الفردي.
ومن المؤكد أن العاصفة كانت كبيرة ومدمرة ليس فقط لطلابنا بقدر ما شملت معها الأساتذة والمربين والمهنيين، حيث تعطلت روح العطاء والحماسة والتفاني، فالتخريب كان شمولياً والتعطيل كان نتاجاً لتراكم سياسات منهكة غير قادرة على الاستجابة لروح العصر وفهم العلة الحقيقية في التحولات الاجتماعية الكبيرة التي عصفت بالمنطقة الخليجية والعربية. إذ إن الثروة النفطية لم يتم استثمارها بشكل يعود بالنفع على بناء الشخصية بقدر ما تحولت إلى معول هدم لكل قيم العمل والإبداع والدافعية مما نجم عنه ترهل في الشخصية وظهور أنماط سلوكية جديدة تحتوي على مجموعة من التناقضات ولا تشكل اتساقاً في البناء الصحي لتكوين الشخصية الخليجية.
ونحن ندرك أن هناك بوناً شاسعاً بين الأجيال فرضته التقنية الحديثة في مجال الاتصال المتمثل في الإنترنت والفضائيات، فالهوة كبيرة في الوقت الراهن، فكيف ستكون الحال بعد عقد من الآن وخصوصاً إذا ما بقيت على ما هي عليه؟ إن للعولمة استحقاقاتها وهي ليست لغة تجارة وتبادل سلع أو فضاء مفتوح، فهي نظام اجتماعي عالمي جديد سيظهر تدريجياً في المستقبل القريب، ويتطلب ذلك استراتيجيات تربوية جديدة تستلزم أن تأخذ في الاعتبار المتواليات العددية الناجمة عن التغير السريع. لذا على التربية أن تعي أنها لم تعد تقتصر في وظيفتها على تأهيل الشباب للوظيفة أو لاحتياجات سوق العمل في بلدها بل تؤهله للعمل في أي مكان في العالم.

وقد يكون من أبرز الأمثلة على حالة الضياع التي يشهدها التعليم المتجسد في الكويت، حيث شهد هذا التعليم صراعات كبيرة بين قوى ليبرالية ودينية من دون أن تكون هناك رؤية للدولة في طرح رؤاها حول التعليم، ونتج عنه خلل كبير على مستوى المراحل الدراسية كافة. والتصدع في النظام التعليمي في الحالة الكويتية هو نتاج سياسات غير متسقة ومتناقضة، فمن جانب هناك من يرى في الموسيقا والتربية البدنية مضيعة للوقت وآخر يرى أن للموسيقا والرياضة البدنية دوراً في تنمية الشخصية، وفي ظل غياب القرار الحاسم تعرض التعليم إلى هزات كبيرة وتحولت عملية الإصلاح إلى ترقيع أكثر منه سياسة تعكس استراتيجية بعيدة المدى لتطوير التعليم. وفي ظل هذا التناقض أصبحت لدينا مؤسسات تعليمية شكلية مفرغة من محتواها.
مفاضلة بين التعليم الخاص والعام
شهدت بلدان الخليج نقلة في التعليم الخاص والجامعي خاصة، حيث قامت دول بالتعاقد مع مؤسسات علمية ضخمة لفتح فروع لها في دول المنطقة، ويبدو لنا أن هذا الإقبال لا يفسر على أنه رغبة في الحصول على النوعية بقدر ما هو استكمال للتفاخر بين دول المنطقة علماً بأن بداية التعليم الخاص كانت بداية إيجابية، إذ تميز بتفوقه على التعليم العام إلا أنه في العقود الأخيرة تحول إلى تعليم ربحي غلب عليه الجانب المادي والصفقة الاقتصادية، وبالتالي هو لا يقل تراجعاً عن التعليم العام ولم يعد مغرياً كما كان في السابق، حيث إن القفزات السريعة نحو فتح معاهد تعليمية خاصة كلفت ميزانيات دول المنطقة من دون أن يرافق ذلك تخطيط في كيفية توسيع مساحة المراجعة للتعليم المحلي بمناهجه. وليس من الصحيح الإيمان بأن نقل مؤسسات علمية ضخمة ذات سمعة عالمية إلى بيئة متخلفة سيضمن النجاح، فالتعليم يرتبط بالبعد الثقافي، وتطور التعليم في الدول المتقدمة ما كان له أن يصل إلى ما وصل إليه من دون أن تكون هناك ثقافة حاضنة للإبداع والتفكير النقدي.
إشكالية التعليم الديني
جميع أتباع الديانات طوروا مفاهيمهم لتواكب العصر إلا نحن في الإسلام، حيث كانت هناك محاولات حقيقية وأخفقت لأسباب، ليس المحل ذكرها في هذا المقام، إلا أن العبرة في أن المحاولات جاءت بناء على قناعات راسخة في أهمية تفسير النص ضمن رؤية عقلانية وهذا ما فشلنا فيه، إذ كان للثقافة وتراكماتها التاريخية الدور في إعاقة هذا التطور، ولعلنا نضيف أن الإسلام تعرض للتسييس إلى درجة قاتلة، وتحول الإسلام إلى أداة للطاعة في يد الحكام وتداخلت القيم الثقافية والدينية، وأوجدت لنا منظومة جديدة من القيم المتناقضة التي أثرت في الشخصية والسلوك. وطبعاً نحن نؤمن بقوة بالجانب الأخلاقي وقوة الدين في تغذيته ودوره في بناء منظومة القيم المسيّرة للمجتمع ولكن ليس إقحامه في كل شاردة وواردة، فقد عطلنا قوة العقل وقتلنا الدافعية في البحث والعمل. فالدين يجب أن يستثمر بطرق علمية لإحداث مواءمة منتجة وليس لتعطيل مسيرة التقدم وخلق النزاعات الثانوية كما هو حادث الآن.
::/fulltext::
::cck::1836::/cck::
